FAZER LOGINالفصل الرابع والخمسون
مرّ شهر كامل منذ استيقاظ كريستين. وخلال ذلك الشهر، تغيّر القصر الأسود بطريقة لم يتوقعها أحد. أصبحت الممرات أكثر دفئًا، والحديقة امتلأت بالورود من جديد، وصار صوت الضحك يظهر بين الحين والآخر في أرجاء القصر. حتى لوسيان نفسه تغيّر. لم يعد يقضي ساعات طويلة وحيدًا في مكتبته. كان يقضي وقتًا أطول مع آريا، يستمع إليها وهي تتحدث عن أشياء صغيرة، أو يراقبها وهي تساعد نيكس في الحديقة. وآريا... كانت قد وقعت في حبه أكثر مما كانت مستعدة للاعتراف به. ولوسيان أيضًا لم يعد يخفي اهتمامه بها كما كان يفعل سابقًا. لكن شيئًا واحدًا بقي مخفيًا. النبوءة. --- في أحد الأيام، كانت آريا تجلس مع كريستين داخل المكتب القديم. كانت كريستين ترتب مجموعة من الكتب، بينما كانت آريا تساعدها. وفجأة، سحبت كريستين كتابًا قديمًا من أحد الرفوف. لكن كتابًا آخر سقط من الأعلى. انحنت آريا والتقطته. ما إن فتحته حتى تغيرت ملامح كريستين. "آريا..." رفعت آريا عينيها إليها. "ماذا؟" اقتربت كريستين بسرعة وأغلقت الكتاب. "هذا ليس كتابًا عاديًا." نظرت آريا إلى الغلاف الأسود. "لماذا؟" سكتت كريستين طويلًا. ثم قالت: "لأنه يتحدث عن النبوءة." تجمدت آريا. "أي نبوءة؟" لكن كريستين لم تجب. وهذا زاد فضولها أكثر. "كريستين..." تنهدت. "ليس الآن." ثم أخذت الكتاب منها ووضعته بعيدًا. لكن الكلمات بقيت عالقة في عقل آريا. النبوءة. --- في تلك الليلة، كانت آريا تسير في الممر المؤدي إلى غرفة لوسيان. كانت تريد التحدث معه، لكنها توقفت عندما رأت الباب مفتوحًا. دخلت بهدوء. لم يكن موجودًا. نظرت حولها. ثم وقعت عيناها على رف قريب. وهناك... كان الكتاب الأسود. الكتاب الذي أخذه لوسيان منها في بداية كل شيء. اقتربت منه. مدت يدها. ترددت. ثم فتحته. بدأت تقرأ. وفي البداية لم تفهم شيئًا. لكن كلما قلبت الصفحات، بدأت الكلمات تصبح أوضح. كانت النبوءة تتحدث عن فتاة بشرية ستدخل حياة آخر فرد من سلالة مصاصي الدماء. عن بشرية ستصبح زوجته، بشرط واحد... أن تحبه بصدق. توقفت أنفاس آريا. تابعت القراءة. إذا تزوج آخر فرد من السلالة بتلك البشرية، فسيولد وريث بدم مختلف. وريث يحمل قدرات مصاصي الدماء، لكنه يستطيع العيش تحت الشمس. سيعيش طويلًا، لكنه سيظل قادرًا على العيش بين البشر. وسينتقل دمه إلى أبنائه من بعده، لتستمر السلالة بطريقة مختلفة عن أسلافها. اتسعت عينا آريا. ثم همست: "الوريث..." قلبت الصفحة بسرعة. كانت هناك جملة أخيرة جعلت قلبها يتوقف تقريبًا. "ولا يتحقق مصير الوريث إلا إذا كان الزواج قائمًا على الحب." ارتجفت يدها. ثم بدأت تربط الأمور ببعضها. العلامة. الكتاب. الغرفة المحرمة. طريقة نظر كريستين إليها. كل شيء. وفجأة سمعت صوتًا خلفها. "ماذا تفعلين هنا؟" تجمدت آريا. استدارت ببطء. كان لوسيان واقفًا عند الباب. لكن عندما وقعت عيناه على الكتاب بين يديها... اختفت الكلمات من فمه. حدق بها. ثم بالكتاب. "آريا..." رفعت الكتاب أمامه. كانت الدموع قد بدأت تتجمع في عينيها. "لماذا؟" لم يجب. "لماذا كذبت عليّ؟" اقترب خطوة. "اسمعيني." هزت رأسها. "كنت تعرف." صوته أصبح أكثر هدوءًا: "كنت أعرف النبوءة." شهقت آريا. "ومنذ متى؟" صمت. وهذا الصمت كان كافيًا ليؤلمها أكثر. "منذ البداية؟" لم يجب فورًا. نظرت إليه والدموع تنزل على خديها. "لهذا أحضرتني إلى هنا؟" "لا." "لهذا كنت تهتم بي؟" "آريا..." "لهذا كنت تحميني؟" اقترب منها. "ليس لهذا السبب." لكنها تراجعت. "إذن لماذا لم تخبرني؟!" كان صوتها يرتجف. "كنت أعتقد أنك أحببتني..." توقفت. ثم نظرت إلى الكتاب. "لكن ربما كنت فقط تنتظر أن أتزوجك..." ابتلع لوسيان كلماته. قالت وهي تبكي: "أنا مجرد وسيلة، أليس كذلك؟" تغيرت ملامحه فورًا. "لا." "وسيلة لتحقيق النبوءة." "أنتِ لستِ وسيلة." "لكنها تقول إن الوريث لن يولد إلا إذا أحببتُك!" اقترب منها أكثر. "آريا، أنا لم—" قاطعته: "هل كنت تعرف أنني أنا العروس المذكورة؟" صمت لوسيان. كانت تلك اللحظة كافية. تراجعت آريا خطوة، وكأن الإجابة أصابتها. "كنت تعرف..." خفض لوسيان عينيه. "نعم." انهارت دموعها أكثر. "وكنت تتركني أحبك وأنا لا أعرف شيئًا." رفع عينيه إليها. "أنا أحببتك قبل أن أفكر في النبوءة." هزت رأسها وهي تبكي. "كيف أصدقك الآن؟" لم يجد جوابًا. اقترب خطوة أخرى، لكنه توقف عندما رأى خوفها وحزنها. قال بصوت خافت: "لأنني لو كنت أبحث عن النبوءة فقط... لما خفت من اليوم الذي تعرفين فيه الحقيقة." نظرت إليه من بين دموعها. لكنه تابع: "ولما كنت مستعدًا لأن تختاري الرحيل عني." سكتت آريا. أما لوسيان فظل واقفًا أمامها، للمرة الأولى عاجزًا عن إيجاد الكلمات التي يستطيع بها إصلاح شيء انكسر داخلها. وكان الكتاب الأسود بينهما... يحمل الحقيقة التي أخفاها لوسيان طويلًا. لكن آريا لم تكن تعرف بعد أن هناك جزءًا من النبوءة لم تقرأه.الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم
الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ
الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي
الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور
الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،
الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى







