Share

79

last update publish date: 2026-09-02 15:12:20

الفصل التاسع والسبعون

في مكان بعيد عن القصر الأسود، كانت هناك قلعة مهجورة غارقة في الظلام.

جلس كاسيان وحده أمام مدفأة خامدة، ويده فوق الجرح الذي أصابه لوسيان.

رفع عينيه نحو النافذة المحطمة.

"لوسيان..."

ثم ابتسم ابتسامة باردة.

"استمتعت بانتصارك كثيرًا."

نهض ببطء.

"لكن هذه لم تكن النهاية."

توجه نحو طاولة قديمة، فوقها كتب ووثائق عن السلالة القديمة.

فتح أحدها، وظهرت أمامه صورة القمر الأحمر.

قال:

"سأجد طريقة أخرى."

ثم أغلق الكتاب.

"وحينها لن تكون آريا وحدها هي التي أحتاج إليها..."

---

في القصر الأسود، كان الليل هادئًا.

كانت آريا تقف قرب إحدى نوافذ القاعة، والخاتم القديم لا يزال في إصبعها.

اقترب لوسيان منها.

"آريا."

التفتت إليه.

"نعم؟"

وقف أمامها للحظات دون أن يقول شيئًا.

لاحظت أنه كان شاردًا.

"هل هناك شيء؟"

قال:

"أفكر."

"بماذا؟"

نظر إلى الخاتم في يدها.

ثم عاد ينظر إلى عينيها.

وفجأة...

ركع أمامها.

تجمدت آريا في مكانها.

اتسعت عيناها، واحمر وجهها بالكامل.

"لوسيان... ماذا تفعل؟"

رفع عينيه إليها.

ولم يكن في وجهه أي تردد هذه المرة.

قال بهدوء:

"أطلب منكِ أن تختاريني."

ارتجف صوت آريا.

"ماذا؟"

أمسك يدها برفق.

"ليس بسبب النبوءة."

ثم نظر إلى الخاتم.

"ولا بسبب القصر، ولا بسبب السلالة."

سكت لحظة.

"أريدك أن تكوني معي لأنك تريدين ذلك."

كانت عينا آريا تمتلئان بالدموع.

تابع:

"مرت في حياتي سنوات لا أستطيع حتى عدّها، وعشت بين أشخاص كثيرين، لكنني لم أشعر أن أحدًا جعل القصر بيتًا لي حتى ظهرتِ أنتِ."

ابتسم ابتسامة صغيرة.

"أنتِ الوحيدة التي جعلتني أريد أن أتطلع إلى الغد."

ثم قال:

"آريا... هل تتزوجينني؟"

وضعت يدها على فمها.

كانت دموعها تنزل وهي تبتسم.

ثم أومأت بسرعة.

"نعم."

تنفس لوسيان بعمق وكأن كلمة واحدة منها أزاحت عنه ثقلًا حمله طويلًا.

قالت وهي تضحك وسط دموعها:

"نعم، لوسيان."

وقبل أن يفكر في شيء آخر، انحنت آريا نحوه واحتضنته.

وقف لوسيان، واحتواها بهدوء.

وبقي الاثنان للحظات دون كلام.

ثم ابتعدت آريا قليلًا، وما زال وجهها محمرًا.

نظرت إليه بتردد، ثم اقتربت وطبعَت قبلة قصيرة وخجولة على شفتيه.

تجمد لوسيان للحظة من المفاجأة.

ابتعدت آريا بسرعة، وأخفت وجهها بخجل.

"أنا... فقط..."

ضحك لوسيان بخفة.

"لم أتوقع ذلك."

زاد احمرار وجهها.

"لا تضحك!"

ابتسم.

"لن أضحك."

لكنه ظل مبتسمًا.

وفي تلك اللحظة، لم يعد الخاتم مجرد رمز لنبوءة قديمة.

أصبح يحمل معنى آخر.

اختيار آريا.

اختيار لم يفرضه القصر...

ولا النبوءة...

بل اختارته هي بنفسها.

---

بقي لوسيان يعانق آريا للحظات، وكأن كليهما كان بحاجة إلى تلك اللحظة بعد كل ما مرّ بهما.

لكن لوسيان ابتعد قليلًا وقال:

"أريد أن آخذكِ إلى مكان."

نظرت إليه آريا باستغراب.

"إلى أين؟"

ابتسم.

"مكان نستطيع فيه أن نتحدث بعيدًا عن كل ما حدث اليوم."

وقبل أن تسأله أكثر، حملها بين ذراعيه.

اتسعت عيناها.

"لوسيان!"

ضحك بخفة.

"لا تقلقي."

ثم تحرك بسرعة، وارتفع بهما في الهواء.

تشبثت آريا به في البداية من المفاجأة، لكن خوفها سرعان ما تحول إلى دهشة.

كان القصر أسفلها يبدو مختلفًا من الأعلى.

وبعد لحظات، هبط لوسيان على سطح أحد أبراج القصر.

وضعت آريا قدميها على الأرض، ثم رفعت رأسها.

توقفت أنفاسها للحظة.

كان المنظر مذهلًا.

الغابة تمتد حول القصر كبحر من الأشجار، والقرية تظهر من بعيد كنقاط صغيرة مضيئة، بينما كان القمر معلقًا فوق الجبال، ينشر ضوءه الفضي على كل شيء.

قالت آريا:

"لم أرَ شيئًا كهذا من قبل."

جلس لوسيان بالقرب من حافة السطح.

"كنت آتي إلى هنا عندما أريد أن أكون وحدي."

جلست آريا بجانبه.

"وهل كنت دائمًا وحدك؟"

نظر إلى الأفق.

"لفترة طويلة."

ساد صمت هادئ.

ثم بدأ الاثنان يتحدثان.

حكت آريا عن طفولتها، وعن القرية، وعن الأيام التي كانت تقضيها مع والدها.

وحكى لوسيان عن حياته الطويلة، عن القصر، وعن السنوات التي مرت عليه حتى أصبح يشعر بأن الزمن نفسه فقد معناه.

كانت آريا تستمع باهتمام.

"هل ندمت يومًا على حياتك الطويلة؟"

فكر قليلًا.

"أحيانًا."

"ولماذا؟"

نظر إليها.

"لأن كل شخص أحبه كان يرحل، بينما أبقى أنا."

انخفض صوت آريا.

"لكن ليس عليك أن تبقى وحدك بعد الآن."

نظر إليها لوسيان طويلًا، ثم ابتسم.

"أعرف."

استمر حديثهما حتى هدأ الليل أكثر.

وبعد وقت طويل، بدأت عينا آريا تثقلان.

حاولت أن تقاوم النعاس، لكنها لم تستطع.

وضعت رأسها على كتفه وقالت بصوت ناعس:

"لوسيان..."

"نعم؟"

ترددت قليلًا.

"هل يمكنك أن تلعب بشعري قليلًا؟"

ابتسم بهدوء.

"بالطبع."

مرر يده برفق بين خصلات شعرها، بينما بقيت آريا مستندة إلى كتفه.

لم تعد تتحدث.

وبعد دقائق، أصبح تنفسها هادئًا ومنتظمًا.

نظر لوسيان إليها.

كانت قد نامت.

لم يوقظها.

بقي جالسًا في مكانه، ينظر إلى القمر، ويده تتحرك ببطء بين خصلات شعرها.

ولأول مرة منذ آلاف السنين...

لم يشعر أن الليل طويل.

بل شعر أن الليل هادئ.

وأن وجود شخص واحد إلى جانبه كان كافيًا ليجعل القصر الأسود يبدو أقل وحدة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عروس القصر لأسود    100

    الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم

  • عروس القصر لأسود    99

    الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ

  • عروس القصر لأسود    98

    الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي

  • عروس القصر لأسود    97

    الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور

  • عروس القصر لأسود    96

    الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،

  • عروس القصر لأسود    95

    الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status