LOGINالفصل التسعين
مرّت ثلاثة أيام فقط على زفافهما، لكن القصر الأسود بدا وكأن شيئًا جديدًا قد طرأ عليه. في ذلك اليوم، استيقظت آريا باكرًا. وقبل أن ينهض لوسيان، خرجت من الغرفة بهدوء، وهي تحمل في ذهنها خطة كاملة. كان اليوم عيد ميلاده. ولم تكن تريد له أن يمرّ كيوم عادي. بدأت أولًا بتزيين الغرفة الصغيرة التي اختارتها له داخل الجناح. علّقت بعض الأضواء الدافئة، ووضعت الزهور التي يحبها، ورتّبت طاولة صغيرة عليها كعكة أعدّتها بمساعدة نيكس. كانت الكعكة بسيطة، لكنها مزينة بحروف سوداء صغيرة: عيد ميلاد سعيد، لوسيان. وعندما انتهت، وقفت آريا في منتصف الغرفة، ونظرت حولها بفخر. دخلت نيكس وقالت: "هل أنتِ متأكدة من أنه لن يشك؟" هزّت آريا رأسها. "إذا شكّ، فسأفسد كل شيء." ضحكت نيكس. "أعتقد أنه قادر على معرفة كل شيء قبل حدوثه." قالت آريا: "لهذا السبب أعطيته مهمة طويلة جدًا اليوم." رفعت نيكس حاجبها. "وما هي؟" ابتسمت آريا. "لن أخبركِ." --- حلّ الليل أخيرًا. عاد لوسيان إلى الجناح بعد أن قضى معظم اليوم مع كريستين وريفين. فتح باب الغرفة... ثم توقّف. كانت الغرفة مختلفة تمامًا. كانت الأضواء الصغيرة تملأ المكان، والزهور موزعة بعناية، وعلى الطاولة كعكة وهدية ملفوفة. أما آريا، فكانت تقف بالقرب من النافذة، مرتديةً فستانًا أنيقًا اختارته لهذه المناسبة، وقد احمرّ وجهها من شدة الخجل وهي تنتظر ردّة فعله. نظر لوسيان حوله بدهشة. "ما هذا؟" ابتسمت آريا. "إنه عيد ميلادك." اقترب منها. "كل هذا من أجلي؟" أومأت. "أردت أن أفعل لك شيئًا تتذكره." ظلّ لوسيان ينظر إلى الغرفة، ثم إليها. كانت عيناه تحملان فرحًا واضحًا. "لم يفعل أحد هذا من أجلي منذ زمن طويل." خفضت آريا عينيها. "إذن أنا أول من يفعل ذلك؟" "أنتِ أول شخص يجعلني أشعر بأن عيد ميلادي مهم." ابتسمت. ثم أشارت إلى الطاولة. "هناك كعكة." جلس لوسيان أمامها. ضحكت آريا وقالت: "يجب أن تتمنى أمنية." "لقد تحققت أمنيتي." نظرت إليه. "ما هي؟" أشار إليها. "أنتِ." ازداد احمرار وجهها. "لوسيان!" ضحك. ثم أطفأت آريا الشموع. "هيا، تمنَّ أمنية." أغمض لوسيان عينيه للحظات، ثم نفخ الشموع. صفّقت آريا بسعادة. "عيد ميلاد سعيد!" ابتسم. ثم بدأ الاثنان بتناول الكعكة، وسرعان ما تحوّلت اللحظة الهادئة إلى فوضى صغيرة عندما وضعت آريا قليلًا من الكريمة على طرف أنفه. نظر إليها لوسيان بصمت. فضحكت. "لم يكن عليك أن تفعل ذلك!" مسح الكريمة، ثم ابتسم. "لقد بدأتِ الحرب." "أيّ حرب؟" وضع قليلًا من الكريمة على خدّها. شهقت آريا. "لوسيان!" ضحك للمرة الأولى بطريقة جعلتها تضحك معه دون توقّف. وبعد أن انتهيا، قدّمت له الهدية. فتحها ببطء. كانت ساعة قديمة أنيقة، لكن على ظهرها نقش صغير جدًا يحمل تاريخ زواجهما. نظر إليها مطولًا. "آريا..." قالت بخجل: "حتى تبقى معك ذكرى مني." أغلق الصندوق ووضعه جانبًا، ثم أمسك يدها. "سأحتفظ بها دائمًا." جلست آريا إلى جانبه. وبعد لحظات من الصمت، قالت: "كنت أريد أن تكون هذه الليلة مختلفة." نظر إليها باهتمام. "مختلفة كيف؟" ابتسمت. "لا أريد أن نتحدث عن مصاصي الدماء، ولا عن كاسيان، ولا عن النبوءة، ولا عن أي شيء يخيفنا." ثم أضافت: "فقط أنا وأنت." ابتسم لوسيان. "اتفقنا." جلسا قرب النافذة، يتحدثان ويضحكان حتى هدأ القصر من حولهما. وفي تلك الليلة، لم تكن أجمل هدية تلقّاها لوسيان شيئًا يمكن وضعه في صندوق... بل كانت شعوره بأنه، بعد آلاف السنين من الوحدة، أصبح هناك شخص يتذكّر يوم ميلاده ويحرص على أن يجعله سعيدًا. ---- ساد بينهما صمت قصير، لكنه لم يكن صمتًا محرجًا هذه المرة. كان صمتًا مثقلًا بالمشاعر التي لم يعرف أيٌّ منهما كيف يعبّر عنها. نظرت آريا إلى لوسيان طويلًا، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، وكأنها قد اتخذت قرارًا. اقتربت منه وقالت بصوت خافت: "لوسيان... هل يمكنني أن أطلب منك شيئًا؟" نظر إليها بحنان. "أيّ شيء." ترددت لحظة، ثم قالت: "أريد أن تكون هذه الليلة لنا." سكتت قليلًا، ثم تابعت: "لا كملك وملكة، ولا كمصاص دماء وإنسانة، ولا بسبب النبوءة..." ورفعت عينيها إليه. "بل كآريا ولوسيان فحسب." تأثر لوسيان بكلماتها، وأمسك يدها برفق. "وأنا لا أريد أن أكون أيّ شيء آخر هذه الليلة." ابتسمت آريا. اقتربت منه أكثر، وأسندت رأسها إلى كتفه. "أريد أن نضحك، ونتحدث، وننسى كل ما مررنا به." ضحك لوسيان بهدوء. "أعتقد أننا نستحق ليلة كهذه." رفعت آريا رأسها ونظرت إليه. "إذن، أتعدني؟" "أعدك." ابتسمت، وشبكت أصابعها بأصابعه. ثم حملها لوسيان بين ذراعيه بهدوء، فوضعت آريا ذراعيها حول عنقه، ونظرت إليه بابتسامة خجولة. سار بها نحو السرير، ووضعها عليه برفق، ثم انحنى وقبّلها بحنان. وببطء تحولت ليلة عيد ميلاد لوسيان إلي ليلة جمعت قلبان وجسدان معا. وفي تلك اللحظة، لم تكن هناك نبوءة، ولا أعداء، ولا أسرار. لم يكن هناك سوى شخصين اختارا بعضهما، وقلبين وجدا أخيرًا مكانًا يشعران فيه بالأمان.الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم
الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ
الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي
الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور
الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،
الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى







