เข้าสู่ระบบالفصل 748كان نوح يعلم في قرارة نفسه أنه تسرّع في اقتراحه، وأنه ما كان ينبغي له أن يقول ذلك، مهما بلغ خوفه على أمه. فهو يعرف سيرين جيدًا، ويعرف أنها لن تتخلى عن ظافر لمجرد أنه فقد ذاكرته أو أصبح مريضًا.خفض رأسه قليلًا، ثم رفعه نحوها وقال بصوت خافت:«أنا آسف يا أمي، لقد كنت مخطئًا».ربتت سيرين على ظهره برفق، وقد لانت ملامحها قليلًا.«جيد».لكن نوح لم يبدُ مقتنعًا تمامًا. ظل العبوس مرتسمًا على وجهه الصغير، فقد كان يدرك منذ وقت طويل حجم المعاناة التي تحملتها أمه، ويرى أنها تستحق السعادة أكثر من أي شخص آخر. وفي نظره، كانت سيرين أهم بكثير من ظافر، مهما كان الأخير أباه.وبدلًا من مواصلة النقاش، رفع رأسه وقال:«أمي، هيا بنا نتناول الطعام».ابتسمت سيرين ابتسامة خفيفة.«حسنًا».في الطابق السفلي، جلس ظافر منتصبًا إلى مائدة الطعام، يتناول وجبته بأناقة وهدوء، محافظًا على وقاره المعتاد رغم الظلام الذي يحيط به. كانت حركاته محسوبة، وأصابعه تتعامل مع أدوات المائدة بثقة اكتسبها من اعتياده على فقدان بصره، فلم يكن بحاجة إلى رؤية ما أمامه ليعرف موضع طبقه أو كأسه.وما إن التقط أذناه وقع خطوات سيرين ونوح
الفصل 747ظلّت عينا ظافر مغمضتين، بينما استقر صوته الهادئ والحازم في أرجاء الغرفة:«تفضّل بالدخول».فتح ماهر الباب ودخل، ثم ألقى نظرة سريعة على الساعة قبل أن يتقدم نحوه.«أتمنى ألا أكون قد أزعجتك يا سيدي. إنها الخامسة تقريبًا، وقد وعدتَ باصطحاب نوح من المدرسة».انعقد حاجبا ظافر قليلًا، وبدا الارتباك في نبرة صوته وهو يردد الاسم:«نوح؟ من؟»توقف ماهر في مكانه، كما لو أن الكلمات قد أصابته بالشلل. لم يحتج إلى مزيد من الأسئلة ليدرك ما حدث؛ لقد نسي السيد نصران ابنه مرة أخرى!ابتلع ريقه، ثم اقترب بحذر، محاولًا التأكد من الأمر قبل أن يتسرع في أي استنتاج.«سيد ظافر، هل تسمح لي بسؤال؟ ما العام الذي نحن فيه الآن؟»قطّب ظافر حاجبيه، وارتسم الانزعاج على ملامحه.«ماهر، هل أصبحت كسولًا إلى هذا الحد في الآونة الأخيرة؟ هل جهّزت تذاكر دابرين؟ ما زلنا بحاجة إلى مناقشة مسألة الشريحة الأساسية».لم يجب ماهر. بل شعر ببرودة تسري في أطرافه وهو يستمع إلى حديث سيده عن أمور تعود إلى زمن بعيد. في تلك اللحظة، فتح ظافر عينيه واستعد للنهوض، لكنه لم يجد أمامه سوى ظلام مطبق.تصلّب جسده فجأة، وارتفعت يده أمام وجهه تتح
الفصل 746عادةً ما تقف الابنة إلى جانب أمها حين تتعرض للخيانة، وتثور غضبًا دفاعًا عنها، لكن رد فعل زوي جاء على النقيض تمامًا. فعندما علمت أن ياندل على علاقة بامرأة أخرى، لم تبدُ عليها أي علامات للصدمة، كما لو أن الأمر لم يكن مفاجأة تستحق الاهتمام.حدقت سارة في ابنتها، تنتظر منها كلمة مواساة أو حتى إشارة تدل على أنها تشاركها ألمها، لكن زوي اكتفت بسؤالها ببرود:«أمي، هل استدعيتِني إلى هنا لمجرد الحديث عن هذا الأمر؟»تجمدت سارة للحظة، ثم راحت تتفحص ملامح ابنتها، محاولة اكتشاف ما تخفيه خلف ذلك الهدوء المستفز.«زوي... هل كنتِ تعلمين بهذا الأمر طوال الوقت؟»لم تؤكد زوي شكوكها، ولم تنفها. بل ارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة، وقالت بلهجة بدت أقرب إلى التذكير بحقيقة قديمة منها إلى الإجابة عن سؤال:«أليس من الطبيعي أن تكون للرجال أمثال أبي عشيقات؟ يبدو أنكِ نسيتِ شيئًا يا أمي. عندما كان أبي مع جيما، ألم تكوني تلتقين به سرًا من وراء ظهورنا؟»كانت كلماتها كصفعة أخرى تلقتها سارة، لكن هذه المرة من ابنتها.اتسعت عيناها، وشحب وجهها للحظة، قبل أن تشتعل ملامحها بالغضب.«ماذا تقولين؟! هل أنتِ ابنتي حقًا؟
الفصل 745بعد انتظار بدا لها بلا نهاية، تمكنت سارة أخيرًا من إيقاف سيارة أجرة، ثم أعطت السائق عنوان قصر عائلة ياندل.كانت في حاجة إلى العودة إلى المنزل، إلى المكان الذي ظنت طويلًا أنه ملاذها الآمن، وإلى الرجل الذي منحته ثقتها وقلبها وثروة عائلتها بأكملها.حين وصلت السيارة، كانت السماء لا تزال غارقة في ظلام الفجر، ولم تكن خيوط الضوء الأولى قد ظهرت بعد.ساد الهدوء قصر عائلة ياندل على نحو غير معتاد. كان أفراد الأمن وحدهم مستيقظين، بينما لا يزال بقية العاملين غارقين في النوم، غير مدركين أن الساعات القليلة المقبلة ستشهد انهيارًا لم يكن أحد يتوقعه.ترجلت سارة بصعوبة، وقد أنهكها المرض، ثم استخدمت بصمة إصبعها لفتح الباب والدخول بمفردها.لم تستدعِ أحدًا، ولم تُصدر صوتًا. كل ما أرادته هو الوصول إلى غرفة النوم الرئيسية والعثور على ياندل. كانت بحاجة إلى رؤيته، إلى التحدث إليه، وربما إلى سماع كلمة واحدة منه تعيد إليها شيئًا من الطمأنينة التي فقدتها.لكنها ما إن اقتربت من غرفة النوم حتى تجمدت خطواتها.تسلل إلى أذنيها صوت امرأة يأتي من الداخل، مشبعًا بالدلال والمرح.«سيد ياندل، ماذا تفعل في هذا الوق
الفصل 744بعد مغادرة سيرين، نُقلت سارة على وجه السرعة إلى قسم الطوارئ، حيث خضعت لعلاج مكثف استمر عدة ساعات. كان الموت أقرب إليها من النجاة، لكن الأطباء تمكنوا، بمعجزة، من انتزاعها من براثنه وإعادتها إلى الحياة.وحين فتحت عينيها أخيرًا، راحت تجول بنظرات واهنة في أرجاء الغرفة. لم تجد إلى جوارها أحدًا من أحبائها، ولم يكن هناك سوى مقدمة الرعاية التي جلست قرب سريرها تراقب حالتها. أما سيرين، فلم تكن موجودة.تحركت شفتا سارة الجافتان بصعوبة، وخرج صوتها مبحوحًا متقطعًا:«أين... هي؟»مالت مقدمة الرعاية نحوها على الفور.«مَن تقصدين؟»ابتلعت سارة ريقها بصعوبة، ثم همست:«سيرين.»أدركت مقدمة الرعاية أن لسيرين مكانة خاصة لا تزال تحتلها في قلب هذه المرأة، مهما حاولت الأخيرة إخفاء ذلك خلف كبريائها. فأجابتها بهدوء:«ربما كانت لديها بعض الأمور التي يتعين عليها إنجازها، لذلك غادرت.»كادت سارة تطلق ضحكة ساخرة، لولا أن مقدمة الرعاية أخرجت بطاقة العمل التي منحتها إياها سيرين في وقت سابق، ورفعتها أمامها.«انظري إلى هذا. لقد أعطتني سيرين بطاقتها، وأخبرتني أنه إذا واجهتكِ أي مشكلات أخرى، فيمكنني الاتصال بها في
الفصل 743لم تتوقع سارة قط أن تأتي سيرين إلى المستشفى لمجرد أن تمنحها مائة ألف. ففي الماضي، لم يكن هذا المبلغ كافيًا حتى لخوض جولة واحدة من المقامرة، فضلًا عن أنه لا يعادل ثمن إحدى حقائب اليد التي اعتادت سارة اقتناءها.حدقت في البطاقة بين أصابعها، ثم رفعت رأسها نحو سيرين، وقد اشتعل الغضب في عينيها.«هل تسخرين مني؟ ماذا يمكن للمرء أن يفعل بمائة ألف فقط؟!»لم يتغير تعبير سيرين. نظرت إليها بهدوء بارد، وكأنها تستمع إلى شكوى لا تستحق عناء الرد.«لأسرة متوسطة، يمكن أن يغطي هذا المبلغ الدفعة الأولى لشراء منزل. فكيف لا يكفيكِ للإنفاق على نفسكِ شهرًا واحدًا؟» توقفت لحظة، ثم أضافت بحسم: «ليس لديّ أكثر من هذا لأقدمه لكِ.»استدارت لتغادر، لكنها توقفت عند الباب، وألقت كلماتها الأخيرة دون أن تلتفت.«ولا تضيعي طاقتكِ في مقاضاتي. لقد استشرت محاميًا بالفعل. سأدفع لكِ مائة ألف شهريًا، وأؤدي واجبي تجاه والديّ. ارفعي أي دعوى تريدينها، فلن يتغير شيء.»«يا لكِ من حمقاء!»اندفعت الكلمات من فم سارة كالصراخ، وحاولت النهوض من سرير المستشفى لتلحق بسيرين وتصفعها، لكن الألم باغتها، فاختل توازنها وكادت تسقط.أسرعت
الفصل الرابع حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة.كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادر
الفصل الثالث كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر. انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق. كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة
الفصل الثاني نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب، وغمر المكان صمت ثقيل... الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر. كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة، وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما، الأمر الذي بدا غريبًا مقارنة بما كان يُعتقد، وما كا
الفصل1 تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين







