Partager

٣٣.أخيرًا… وجدتك

Auteur: أ.أ
last update Date de publication: 2026-05-28 07:43:24

لم تنم ثراء تلك الليلة.

منذ عودتها من المطعم، وذلك الإحساس لم يفارقها.

الإحساس بأنه كان هناك.

قريبًا جدًا.

يتحرك داخل الظلال المحيطة بها، يراقبها بصمته المعتاد، بأنفاسه الباردة التي تحمل دائمًا رائحة المطر والدخان.

كانت تجلس قرب نافذة غرفتها، تضم ساقيها إلى صدرها، بينما تتساقط قطرات المطر فوق زجاج النافذة ببطء رتيب.

المدينة في الأسفل بدت بعيدة.

ضبابية.

أما عقلها…

فلم يكن يرى سوى عينيه.

عينيه الفضيتين اللتين لاحقتها حتى داخل أحلامها.

وضعت رأسها فوق ركبتيها وأغمضت عينيها بإرهاق.

لقد تعبت.

تعبت من الغياب.

من الشعور به دون أن تراه.

من حديثها مع الظلال كأنها عاشقة فقدت عقلها.

لكن الأسوأ…

أن قلبها لم يعد يحتمل البعد عنه.

همست بصوت مرتجف:

“آسري…”

وساد الصمت.

لكن قلبها خفق بعنف فورًا.

ذلك الشعور عاد مجددًا.

دفء خافت خلفها.

كأن الهواء نفسه تغيّر.

رفعت رأسها ببطء، وعيناها تتحركان داخل الغرفة المعتمة.

“أعرف أنك هنا.”

لا رد.

لكنها شعرت بأنفاسها تضطرب.

كان قريبًا.

قريبًا جدًا.

نهضت من مكانها ببطء، ثم وقفت وسط الغرفة تنظر إلى الظلال المحيطة بها.

“إلى متى ستظل تختبئ؟”

ظل الصمت يحيط بها.

لكن هذه المرة لم تشعر بالخوف.

بل بشيء أقسى.

الاشتياق.

اشتياق مؤلم جعل عينيها تمتلئان بالدموع.

ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة، ثم همست:

“أتعلم ما الأسوأ؟”

اقتربت من منتصف الغرفة أكثر.

“أنني بدأت أظن أنني أتخيلك حقًا.”

في الظلال…

أغمض آسر عينيه بقوة.

كان يقف قرب باب غرفتها، مختبئًا داخل العتمة، يسمع كل كلمة تخرج منها.

وكل حرف ينطق باسمه كان يمزقه أكثر.

لقد حاول الابتعاد.

حاول إقناع نفسه أن ذلك أفضل لها.

لكن كل ليلة كان يعود.

يقف قرب سريرها حتى تنام.

يحتضنها حين ترتجف من الكوابيس.

ويمضي الساعات يراقبها بصمت كأن وجودها وحده يبقيه حيًا.

لكنه لم يتوقع أن يؤلمها غيابه إلى هذا الحد.

فتحت ثراء عينيها فجأة ونظرت مباشرة نحو الظل الذي يختبئ فيه.

كأن قلبها استطاع تحديد مكانه.

“إن كنت هنا…”

ارتجف صوتها قليلًا.

“…فلماذا تتركني وحدي؟”

قبض آسر يده بقوة.

وشعر بشيء داخله ينهار.

أما ثراء…

فرفعت رأسها نحو السقف تحاول منع دموعها.

“هل كنتَ تعلم؟”

ابتسمت بمرارة خافتة.

“أنني صرت أتحدث إليك كالمجنونات.”

ثم أغمضت عينيها وهمست:

“لكنني أحببتك فعلًا…”

توقف الزمن حوله للحظة.

شعر وكأن الكلمات اخترقت قلبه مباشرة.

أحبته.

قالتها أخيرًا.

بذلك الصدق الذي لا يعرف كيف يواجهه.

فتح عينيه ببطء.

ورآها تقف وحدها وسط الغرفة، ضعيفة ومتعبة وممتلئة بالحنين إليه بطريقة جعلت كل مقاومته تتحطم دفعة واحدة.

ثم تحركت فجأة.

اتجهت نحو الشرفة.

اتسعت عيناه فورًا.

“ثراء.”

خرج اسمها منه لأول مرة منذ أيام.

صوته كان منخفضًا لكنه حاد.

لكنها لم تتوقف.

فتحت باب الشرفة، واندفعت الرياح الباردة داخل الغرفة، تعبث بشعرها الطويل وفستانها الأسود الناعم.

وقفت قرب الحافة.

المدينة بأكملها تمتد أسفلها كبحر من الأضواء البعيدة.

أما قلبها…

فكان يرتجف بعنف.

“إن كنت حقيقيًا…”

همست وهي تنظر إلى الفراغ أمامها.

“…فلا تتركني هذه المرة.”

ثم أخذت خطوة أخرى نحو الحافة.

وفي اللحظة التالية—

انفجرت الظلال حولها بعنف.

شهقت ثراء حين سُحبت فجأة إلى الخلف بقوة، لترتطم بصدر صلب ودافئ.

ذراع قوية أحاطت خصرها بإحكام.

والرائحة نفسها غمرت أنفاسها فورًا.

المطر.

والدخان البارد.

توقفت أنفاسها.

وقلبها كاد يتوقف معها.

ثم سمعت صوته قرب أذنها.

صوتًا حقيقيًا هذه المرة.

مرتجفًا.

وغاضبًا وخائفًا بطريقة جعلت روحها ترتعش.

“هل جننتِ؟!”

أغمضت عينيها فورًا.

يا إلهي…

إنه هنا.

حقيقي.

ليس حلمًا.

ولا هلاوس.

شعرت بأصابعه المرتجفة فوق خصرها، وأنفاسه الساخنة قرب عنقها.

فرفعت يديها ببطء ولمست ذراعه كأنها تخشى أن يختفي.

صلب.

دافئ.

حقيقي تمامًا.

ثم التفتت نحوه ببطء.

ولأول مرة منذ اختفائه…

رأته.

آسر.

بعينيه الفضيتين المضطربتين.

وشعره الأسود الطويل الذي تعبث به الرياح.

ووجهه الذي بدا مرهقًا بشكل موجع، كأن الأيام الماضية استنزفته أكثر مما استنزفتها هي.

حدقت فيه طويلًا.

طويلًا جدًا.

كأنها تحاول حفظ كل تفصيلة فيه خوفًا من أن يختفي مجددًا.

ثم امتلأت عيناها بالدموع دفعة واحدة.

“آسري…”

خرج اسمه منها كأنها تلفظ روحها.

ورأت شيئًا يهتز داخل عينيه فور سماعها.

لكنه لم يجد فرصة للكلام.

لأنها اندفعت نحوه فجأة.

ألقت نفسها بين ذراعيه بكل ما فيها من شوق وألم وحنين.

اصطدمت به بقوة حتى تراجع نصف خطوة، بينما التفّت ذراعاها حول عنقه كأنها تخشى أن ينتزعه العالم منها.

ثم قبلته.

قبلة مرتجفة.

غير مرتبة.

ممتلئة بالبكاء والاشتياق.

شعرت بجسده يتجمد للحظة.

كأن قلبه توقف عن النبض.

ثم همست بين أنفاسها المرتعشة:

“آسري… كم اشتقت إليك.”

وأخيرًا…

انهار.

أغمض آسر عينيه بعنف، ثم شدّها إليه بقوة حتى التصقت به تمامًا.

وقبلها مجددًا.

لكن قبلته هذه المرة كانت مختلفة.

عميقة.

جائعة.

كأن كل لحظة غياب انفجرت داخله دفعة واحدة.

يده انزلقت إلى شعرها الطويل، وأصابعه تشبثت به كأنه يخشى أن تختفي من بين يديه.

أما ذراعه الأخرى فاحتضنت خصرها بقوة جعلت أنفاسها تضطرب.

شعرت بحرارة جسده.

بارتجاف أنفاسه.

وبذلك الضعف الذي لم تره فيه يومًا.

ثم سمعته يهمس بين قبلاته بصوت محطم:

“أنا هنا…”

شدها إليه أكثر حتى شعرت بنبض قلبه العنيف تحت صدرها.

“كنت دائمًا هنا…”

ارتعشت شفتاها.

أما هو…

فدفن وجهه قرب عنقها وأغمض عينيه بقوة.

وكأن مجرد احتضانها يؤلمه بقدر ما يريحه.

ثم همس أخيرًا بصوت جعل قلبها ينكسر:

“ومع ذلك… اشتقت إليكِ أكثر.”

انهارت دموعها فورًا.

وضمته إليها بكل قوتها.

شعرت بذراعيه تلتفان حولها بطريقة لم تحمل رغبة فقط…

بل خوفًا.

خوف رجل وجد أخيرًا الشيء الوحيد القادر على إنقاذه من وحدته.

رفع وجهه إليها ببطء.

وعيناه تتأملان ملامحها كما لو كان يراها لأول مرة.

مرر أصابعه فوق خدها برفق شديد.

ثم همس:

“لقد نحفتِ.”

ضحكت وسط دموعها ضحكة صغيرة مرتجفة.

“وأنت تبدو متعبًا.”

ابتسم ابتسامة باهتة مؤلمة.

“لأنني كنت أحاول الابتعاد عنك.”

عقدت حاجبيها فورًا.

“ولماذا؟”

أغمض عينيه للحظة، ثم قال بصوت منخفض:

“لأنني بدأت أحبك بطريقة تخيفني.”

توقفت أنفاسها.

أما هو فتابع وهو ينظر إليها بعينين ممتلئتين بالتعب:

“كل من أحببتهم انتهوا بالموت أو الخراب.”

ارتجف قلبها.

لكنه أكمل:

“وحين شعرت أنني قد أخسرك أنتِ أيضًا…”

خفض رأسه قليلًا.

“…هربت.”

رفعت ثراء يدها ببطء، ثم أمسكت وجهه بين كفيها.

أجبرته أن ينظر إليها.

“انظر إليّ.”

رفع عينيه نحوها ببطء.

وكان الألم داخلهما مرعبًا.

لكنها اقتربت حتى لامست جبهتها جبينه.

وهمست:

“أنا لست خائفة منك يا آسري.”

أغمض عينيه فورًا كأن كلماتها أصابته في أضعف مكان داخله.

ثم شعر بشفتيها تلامسان جبينه برقة.

قبلة صغيرة.

حنونة.

لكنها هزته بعنف أكبر من أي حرب خاضها.

تنفس بصعوبة، ثم أحاط وجهها بيديه ببطء شديد.

كأنها شيء مقدس.

“ماذا تفعلين بي…؟”

ابتسمت وسط دموعها.

“أحبك.”

خرجت الكلمة ببساطة قاتلة.

فنظر إليها آسر طويلًا…

ثم جذبها نحوه مجددًا وقبلها ببطء هذه المرة.

قبلة ناعمة.

عميقة.

مليئة بالمشاعر التي عجزا عن قولها.

بينما المطر استمر في الهطول حول الشرفة…

والعالم كله بدا بعيدًا جدًا عنهما.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٥.ما تخفيه الأرواح

    مرّ يومان.يومان كاملان دون مطاردة.دون معارك.دون ظهور للملك القديم.ودون أن تهتز الغابة بين العالمين تحت أقدام جيشٍ قادم من السُدُم.ومع ذلك...لم يشعر أحد بالراحة.لأن الجميع كانوا يعلمون أن الهدوء الحالي ليس سلامًا.بل انتظار.انتظار لشيء مجهول يقترب ببطء.استيقظت ثراء على دفء مألوف.دفء أصبح جزءًا من صباحاتها.فتحت عينيها ببطء.لتجد نفسها كما اعتادت خلال الأيام الأخيرة.بين ذراعي آسر.كانت رأسها فوق صدره.وإحدى ذراعيه تحيط خصرها بإحكام.أما الأخرى فكانت فوق شعرها وكأنه حرسها طوال الليل.ابتسمت دون وعي.ثم رفعت رأسها قليلًا.تأملت وجهه.ذلك الوجه الذي حاولت رسمه مئات المرات.الوجه الذي لاحق أحلامها لأشهر طويلة.الوجه الذي غير حياتها كلها.بدت ملامحه هادئة أثناء النوم.هادئة بشكل يناقض الرجل الذي يستطيع إسقاط مدينة كاملة إذا غضب.مدت أصابعها نحو خده بحذر.لكن قبل أن تلمسه...أمسك يدها.دون أن يفتح عينيه.ابتسمت فورًا."كنت مستيقظًا."قال بصوت ناعس:"منذ ربع ساعة تقريبًا."ضحكت بخفة."وتتظاهر بالنوم؟"فتح إحدى عينيه."كنت أستمتع.""بماذا؟"اقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٤.حين ينكسر الحاكم

    ابتسم الملك القديم.رغم أن يد آسر كانت تطبق على عنقه بقوة كافية لتحطيم جبل.رغم أن الظلال الفضية والسوداء كانت تعصف بالمكان كله.رغم أن الأرض نفسها بدأت تتشقق تحت أقدامهما.ابتسم.وكأنه انتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.أما آسر...فلم يعد يشبه نفسه.كانت عيناه مضيئتين بالكامل.فضة نقية تحترق داخل العتمة.والغضب الذي يملأه لم يعد غضب رجل.بل غضب عالم كامل.قال بصوت جعل الهواء يرتجف:"أنطق اسم أمي مرة أخرى... وسأجعلك تتمنى لو بقيت ميتًا."ضحك الملك القديم.ضحكة هادئة.مستفزة.ثم نظر مباشرة إلى ثراء الواقفة خلف آسر.وكأن يد آسر حول عنقه لا تعنيه."هل ترين؟"همس لها."هذا هو الوجه الحقيقي الذي لم تريه لكِ بعد."شعرت ثراء بقشعريرة.لكن ليس خوفًا.بل غضبًا.لأنها أدركت شيئًا.ذلك الرجل يحاول استفزاز آسر عمدًا.يحاول دفعه إلى فقدان السيطرة.يحاول تحويله إلى الوحش الذي كانه يومًا.فخطت خطوة للأمام.رغم صرخة سيرين:"ثراء لا!"لكنها لم تتوقف.رفعت رأسها بثبات.ونظرت مباشرة إلى الملك القديم.ثم قالت:"أنت خائف منه."ساد الصمت.حتى آسر التفت إليها.أما الملك القديم...فتوقفت ابتسامته لثانية واحدة.ث

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٣.الرجل الذي عاد من الموت

    لم تنم ثراء تلك الليلة.حتى بعدما هدأت النار داخل المدفأة، وحتى بعدما غطّت العتمة الكوخ والغابة معًا…ظل عقلها مستيقظًا.كلمات آسر.نظرة سيرين.اسم الملك القديم.كل شيء كان يضغط فوق صدرها بثقل غريب.كانت مستلقية فوق الفراش الخشبي الصغير داخل الغرفة، بينما الضوء الفضي المتسلل من النافذة ينساب فوق الأرض بهدوء بارد.أما آسر…فلم يكن بجانبها.شعرت بذلك فورًا.فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت قليلًا تنظر حولها.الغرفة فارغة.لكن رائحته…ما تزال هنا.رائحة المطر والدخان البارد.وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يتسلل إليها.ثم نهضت بهدوء.خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى الصالة الصغيرة داخل الكوخ.وهناك…رأته.كان واقفًا خارج الكوخ قرب البحيرة السوداء.ظهره إليها.والمطر الفضي الخفيف يتساقط فوق شعره الأسود الطويل.توقفت للحظة تتأمله بصمت.حتى من بعيد…كان يبدو وحيدًا بشكل مؤلم.فتحت الباب بهدوء وخرجت إليه.وفور أن اقتربت—قال دون أن يلتفت:“كان يجب أن تنامي.”ابتسمت بخفة.“وأنت؟”ساد الصمت.ثم قال بهدوء:“الحراس لا ينامون كثيرًا.”اقتربت أكثر حتى وقفت بجانبه.كانت البحير

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٢.الأشياء التي لا يقولها الحراس

    استمرت النار مشتعلة داخل المدفأة الحجرية، ترسل وهجًا ذهبيًا خافتًا فوق جدران الكوخ الداكنة.لكن رغم دفئها…ظل التوتر يملأ المكان.كانت ثراء تجلس قرب النافذة بصمت، بينما الضباب الفضي بالخارج يتحرك ببطء بين الأشجار السوداء.أما آسر…فكان واقفًا في الجهة المقابلة، ذراعاه معقودتان، وعيناه لا تفارقان سيرين منذ لحظة دخولها.وكأن وجودها هنا وحده نذير كارثة.لاحظت سيرين نظرته أخيرًا.ثم قالت ببرود هادئ:“إن استمريت بالنظر إليّ هكذا، سأعود وأتركك تواجه المجلس وحدك.”أغمض آسر عينيه للحظة بضيق واضح.“أنتِ لا تأتي إلى هنا إلا حين تكون الأمور سيئة.”رفعت حاجبها.“لأنك دائمًا تجعل الأمور سيئة.”كادت ثراء تبتسم لولا القلق المسيطر على قلبها.كان واضحًا أن هذه طريقتهم المعتادة في الحديث.حدة تخفي خلفها خوفًا حقيقيًا على بعضهم.اقتربت سيرين من الطاولة الخشبية ببطء، ثم وضعت شيئًا صغيرًا فوقها.خاتم فضي أسود غريب.تجمد آسر فور رؤيته.أما ثراء…فشعرت بطاقة باردة تخرج منه.“ما هذا؟”أجابتها سيرين بهدوء:“خاتم تتبع.”اقترب آسر ببطء.عيناه أصبحتا أكثر ظلمة.“لمن؟”ساد الصمت لثانية.ثم قالت سيرين:“وُجد داخل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤١.الغابة التي تسمع الخوف

    لم تكن الغابة بين العالمين مكانًا يشبه أي شيء عرفته ثراء من قبل.حتى الهواء بدا مختلفًا.أثقل.أبرد.ومحمّلًا بشيء خفي يجعل القلب متوترًا دون سبب واضح.كانت الأشجار السوداء العملاقة تمتد بلا نهاية، جذوعها ملتوية كأنها كائنات حيّة تجمدت أثناء صراخٍ أبدي، بينما الضباب الفضي يتحرك فوق الأرض ببطء كالماء.لا شمس.لا قمر.فقط نور باهت مجهول المصدر يغمر المكان.أما الصمت…فكان مرعبًا.صمت يجعل صوت أنفاسها يبدو عاليًا جدًا.وقفت ثراء قرب آسر دون أن تشعر، حتى كادت تلتصق به.ولأول مرة منذ عرفته…لاحظت أنه متوتر فعلًا.ليس غضبًا.ولا حذرًا عاديًا.بل توتر حقيقي.كانت عيناه تتحركان باستمرار بين الأشجار، والظلال تحت قدميه لا تهدأ لحظة.همست بخفوت:“آسري…”نظر إليها فورًا.وكأن صوتها وحده قادر على إعادته إليها مهما كان غارقًا في أفكاره.“هل أنتِ بخير؟”رغم خوفها…ابتسمت بخفة.“يجب أن أكون أنا من يسألك هذا.”اقترب منها فورًا.ثم رفع يده ولمس خدها برفق شديد، وكأنه يحتاج التأكد أنها أمامه فعلًا.“طالما أنتِ بخير… يمكنني تحمل أي شيء.”ارتجف قلبها بعنف.حتى هنا…حتى في هذا المكان المخيف…ما يزال ينظر إل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٠.حين يصبح الحب تهديدًا للعالم

    بعد رحيل كيان…لم يعد الصمت داخل المرسم مريحًا كما كان.أصبح ثقيلًا.حادًا.كأن الكلمات التي تركها خلفه ما زالت عالقة داخل الجدران نفسها.“لن يسمحوا ببقائها حية.”كانت الجملة تدور داخل عقل ثراء بلا توقف.أما آسر…فكان واقفًا قرب النافذة منذ دقائق طويلة دون أن يتحرك.ظهره إليها.والظلال تتحرك ببطء حول قدميه.تعرف هذا الصمت.إنه صمته حين يكون غارقًا في التفكير.أو الغضب.أو الخوف.اقتربت منه ببطء.ثم توقفت خلفه مباشرة.“آسري…”لم يجب فورًا.لكنها رأت كتفيه ينخفضان قليلًا بمجرد سماع صوتها.فرفعت يدها ولمست ظهره برفق.“انظر إليّ.”أغمض عينيه للحظة طويلة.ثم استدار أخيرًا.وكانت تلك أول مرة ترى فيها هذا القدر من الإرهاق داخل ملامحه.كأن القرون كلها هبطت فوق كتفيه دفعة واحدة.همست بخفوت:“هل ما قاله كيان صحيح؟”ساد الصمت.ثم قال أخيرًا:“نعم.”شعرت بانقباض داخل صدرها.لكنها تماسكت.“إذن سنجد حلًا.”ضحك بخفوت مرير.ليس سخرية منها…بل من نفسه.“أنتِ لا تفهمين يا ثراء.”اقترب خطوة منها.وعيناه تحملان شيئًا مؤلمًا جدًا.“السُدُم لا تترك ما تعتبره ملكًا لها.”ارتجفت أنفاسها.“وأنت؟”خفض عينيه لل

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status