Masukهيفان
كانت هرلين ما تزال فاقدة الوعي على السرير… شاحبة… وضعيفة بشكل كسر شيئًا داخلي. لكن فجأة اقتربت أمها مني وهي تبكي. ثم أشارت نحو الباب. — “اخرج.” رفعت عيني نحوها بصدمة. لكنها أكملت بصوت مرتجف وغاضب: — “إذا استيقظت ورأتك الآن… ستنهار أكثر.” شعرت وكأن الكلمات خنقتني. اقتربت خطوة من السرير. — “أنا لن أتركها.” لكن أيان وقف أمامي هذه المرة. كانت عيناه حمراوين من الغضب والتوتر. لكنه رغم ذلك قال بهدوء مكسور: — “هيفان… اخرج قليلًا.” شددت قبضتي بعنف. لكنني بالنهاية خرجت. خرج الجميع معنا أيضًا. أريان… ليندي… زاك… الملك والملكة… ووالدا ليندي… وحتى والد هرلين. الممر كله كان مشحونًا بالتوتر. والصمت كان خانقًا. اقترب أيان مني بعد لحظات. — “حاول أن تهدأ.” قالها وهو يمرر يده في شعره بتوتر. — “بتاكيد يوجد تفسير…" لكن فجأة… لاحظ نظرات ليندي. كانت تراقب الوضع بصمت غريب. وفي لحظة… انفجر شيء داخلي. تحركت بسرعة وأمسكتها من ذراعها بعنف. شهقت بخوف. أما أنا فزمجرت بوجهها: — “ماذا فعلتِ؟!” ارتجف جسدها. — “أنا لم—” لكنني ضغطت على ذراعها أكثر. — “قولي الحقيقة!” حتى أريان تحرك فورًا. — “اترك أختي!” لكنه توقف عندما التفت نحوه بعيون مليئة بالقتل. — “إذا اكتشفت أنها لمست هرلين أو طفلنا بسببكُم…” زمجرت بصوت منخفض مرعب. — “لن يخرج أحد منكم حيًا.” تجمد المكان كله. لكن قبل أن ينفجر الوضع أكثر… انفتح باب الغرفة. خرجت أم هرلين ومعها لينيا. وكان الذعر واضحًا على وجهيهما. — “هي استيقظت.” قالتها لينيا بسرعة. وقبل أن أتحرك… دوى صوت تحطم قوي من داخل الغرفة. ثم آخر. ثم صوت زجاج يتكسر. ركض الجميع فورًا. لكن الباب كان مغلقًا من الداخل. — “هرلين!” صرخت أمها وهي تضرب الباب بخوف. أما أنا فكسرت الباب مباشرة. وما إن دخلنا… حتى تجمد الجميع. الغرفة… كانت مدمرة بالكامل. المرآة محطمة. الأثاث مكسور. الزجاج منتشر بكل مكان. ووسط كل هذا… كانت هرلين جالسة على الأرض. تضم نفسها بقوة وهي تبكي بانهيار. يداها كانتا مجروحتين… والدم ينزل على الأرض من بين أصابعها. حتى قدماها كان عليهما آثار زجاج. لكنها لم تبدُ وكأنها تشعر بالألم أصلًا. فقط كانت تبكي… بطريقة كسرت روحي بالكامل. ركضت نحوها فورًا. — “هرلين—” لكنها صرخت فجأة: — “لا تقترب!” تجمدت مكاني. كانت ترتجف بالكامل وهي تنظر إليّ. وكأنني أصبحت الشيء الذي تخافه أكثر بالعالم. اقتربت أمها منها بسرعة. لكن هرلين مسحت دموعها بعنف ثم قالت بصوت مكسور: — “أريد التحدث مع هيفان وحدنا.” — “مستحيل!” صرخت أمها فورًا. لكن هرلين رفعت عينيها نحو الشباك خلفها. ثم همست بانهيار: — “إذا لم تخرجوا…” شهقت وهي تبكي أكثر. — “سأرمي نفسي من النافذة.” تجمد الجميع. حتى أنا شعرت بالخوف الحقيقي لأول مرة. اقتربت لينيا منها بسرعة. — “هرلين لا—” لكنها هزت رأسها بعنف. — “أرجوكم…” كان صوتها ضعيفًا جدًا. — “فقط… اتركونا.” بعد لحظات طويلة من التردد… خرج الجميع أخيرًا. وبقيت أنا وهي وحدنا. الصمت بيننا كان مرعبًا. اقتربت منها ببطء شديد. لكنها رفعت عينيها نحوي أخيرًا… وكان الانكسار فيهما أسوأ من أي شيء رأيته بحياتي. — “هل أحببتني فعلًا؟” همستها بصوت مرتجف. شعرت بقلبي يتمزق. ركعت أمامها فورًا. — “هرلين—” لكنها قاطعتني. — “لا…” بدأت دموعها تنزل مجددًا. — “أجبني فقط.” رفعت يدها المرتجفة نحو صدرها. — “لأنني أحببتك بكل شيء عندي…” شهقت بصعوبة. — “لدرجة أنني نسيت كيف أعيش بدونك.” أخفضت رأسي بألم. أما هي فأكملت بانهيار: — “كنت عالمي كله يا هيفان…” ثم رفعت عينيها نحوي مجددًا. — “لكن يبدو أنني لم أكن عالمك.” شعرت أنني أختنق. اقتربت أكثر وأنا أمد يدي نحوها. — “أقسم لكِ أنني لم أرد هذا—” لكنها ابتعدت. ثم وقفت بصعوبة. وكان واضحًا أنها بالكاد تستطيع الثبات. ثم همست بصوت محطم: — “أنهِ الرابطة بيننا.” اتسعت عيناي بصدمة. — “لا.” قالها هيف داخلي قبلي حتى. لكن هرلين رفعت رأسها وهي تبكي. ثم بدأت تتكلم بصوت مرتجف: — “أنا هرلين كايتس…” وفي اللحظة التي قالت فيها: — “أرفض هيفان ولف كا...—” تحركت فورًا. أمسكت وجهها بكلتا يدي. ثم أسكتها بقبلة يائسة… قبلة مليئة بالخوف… والألم… والحب المجنون. شهقت بين شفتيّ وهي تحاول دفعي. لكنني ضممتها أكثر وكأن حياتي متعلقة بها. وعندما ابتعدت أخيرًا… كانت أنفاسي ترتجف. أسندت جبيني على جبينها وأنا أهمس بانهيار: — “لا تفعليها…” أغمضت عيني بألم حقيقي. — “اقتليـني…” شهقت بصعوبة. — “لكن لا تكسري الرابط بيننا.” ثم ضممتها بقوة وكأنني أخاف أن تختفي من بين يدي فعلًا. — “لأنني بدونك…” انكسر صوتي تمامًا. — “لن أبقى حيًا يا هرلين.”من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومت
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "اقترابك من إيفان." سكتت لحظة، ثم أجابت: "كنت أتحدث معه فقط." "فقط؟" أومأت برأسها. "نعم." "لكنّك كنتِ قريبة جدًا." هزّت كتفيها بلا اكتراث: "لم أنتبه." أغمضتُ عينيّ للحظة. هذا الجيل سيصيبني بالجنون. تقدمتُ خطوة نحوها، لكن قبل أن أتكلم، فُتح الباب فجأة. دخلت لينيا. نظرة واحدة منها كانت كافية لتدرك الموقف. قالت بهدوء: "زاك." "يكفي." نظرت بيني وبين لافندر، ثم أضافت: "سأتولى الأمر." كنت على وشك الاعتراض، لكنها أوقفتني بنظرة واحدة. نظرة تعني أن النقاش انتهى. خرجتُ من الغرفة بصمت. لكن طول الوقت كنت اسمع تذمر لافندر وتوبيخ لينيا. لاحقًا، كنت مع لينيا في غرفتنا. الغضب ما زال يسيطر عليّ. قلت بانفعال: "لا أحد يفهم خطورة الوضع." "لا أحد يدرك أن اقترابه
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ