登入هرلين
منذ أن عرفت أنني حامل، تغيّر كل شيء في القصر داخل نورفاي. الجميع أصبح أكثر لطفًا معي، أكثر حذرًا أيضًا… وكأنني شيء قابل للكسر. وهيفان… في البداية كان الأقرب لي من أي أحد. كان يتأكد أنني آكل، أنني أرتاح، وأن لا أحد يزعجني حتى للحظة. لكن شيئًا ما بدأ يتغير. في البداية لم ألاحظه. كان فقط “مشغولًا”. اجتماعات طويلة مع الملك، تدريب، أمور القصر… كنت أقول لنفسي إن هذا طبيعي. لكن الأيام بدأت تمر بشكل مختلف. أستيقظ في الصباح فلا أجده بجانبي. أنتظره عند العشاء، فيأتي متأخرًا ويجلس بصمت. وعندما يحضر، يكون جسده موجودًا… لكن عقله بعيد. حتى نظراته أصبحت أقل. أقل دفئًا… أقل قربًا. في البداية، حاولت تجاهل الأمر. كنت أبرر له كل شيء. لكن الوحدة بدأت تتسلل إليّ ببطء. في كل مرة أجلس فيها في غرفتي، أضع يدي على بطني وأتحدث مع طفلي بصوت منخفض، وكأنني أحاول أن أملأ الفراغ الذي تركه غيابه. جوليا كانت تهمس داخلي: — “هو لا يقصد… لكنه بعيد.” لكن ذلك لم يكن يخفف شيئًا. في ذلك اليوم، انتظرته طويلاً. أردت فقط أن أراه… أن أسمع صوته كما كان سابقًا. عندما دخل أخيرًا، وقفت بسرعة. كان يبدو مرهقًا، شعره الأبيض غير مرتب، وعيناه تحملان ثقل يوم طويل. تقدمت نحوه بسرعة رغم أن جسدي كان أثقل من المعتاد: — “هيفان…” رفع نظره إليّ بهدوء: — “ما الأمر؟” ترددت للحظة، ثم ابتلعت خوفي: — “اليوم… عيد ميلادي.” ساد الصمت للحظة. رأيته يرمش ببطء وكأنه يحاول تذكر شيء. ثم… لم يتغير شيء في ملامحه. فقط قال بهدوء: — “…” انتظرت. ثانية. ثانيتين. لكن الجواب لم يأتِ. ابتسمت رغم أنني شعرت بشيء ينكسر داخلي: — “نسيت، أليس كذلك؟” رفع نظره نحوي، لكن دون رد حقيقي. هنا شعرت أن قلبي ينهار بصمت. ضغطت على يدي فوق بطني، ثم تراجعت خطوة للخلف: — “أنا لا أريد الكثير… فقط… كنت أظن أنك تتذكر.” صوته خرج أخيرًا، هادئًا أكثر مما يجب: — “هرلين، أنا مشغول هذه الأيام…” لكنني لم أعد أسمع باقي الجملة. كان هناك شيء داخل صدري يختنق. ابتسمت مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت ابتسامة مرتجفة: — “مشغول… حتى تنسى يومي؟” شعرت أن عينيّ امتلأتا بالدموع دون أن أتحكم بها. لم أنتظر ردّه. استدرت بسرعة وخرجت من الغرفة. خطواتي كانت أسرع مما يجب، وقلبي كان يصرخ بصمت. وحين وصلت نهاية الممر… انفجرت بالبكاء. سندت نفسي على الجدار وأنا أتنفس بصعوبة، يدي ترتجف فوق بطني، وجوليا تهمس بحزن: — “هو ليس كما كان…” لكنني لم أجبها. كنت فقط أبكي. لأنني لأول مرة… شعرت أنني وحدي تمامًا، حتى وأنا لست وحدي. كنت أركض بدون وعي داخل الغابة المحيطة بـ نورفاي. لم أكن أعرف إلى أين أذهب… كل ما كنت أريده هو أن أبتعد. أبتعد عن القصر. عن الصمت. عن الفراغ الذي تركه هيفان داخلي. كان الهواء باردًا، والثلج يلتصق بطرف فستاني، لكنني لم أهتم. كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها، وكأن جسدي لم يعد يحتمل المشي أكثر. وفجأة… تغير كل شيء. توقفت. شعرت بشيء غريب في الهواء. رائحة. ليست رائحة ذئب عادي. كانت مختلفة… ثقيلة، باردة، وكأنها تراقبني. اتسعت عيناي فورًا. — “جوليا…” همست بخوف، لكن ذئبتي كانت متوترة أكثر مني: — “ليس ذئبًا…” في اللحظة التالية، سمعت حركة خلفي. التفت بسرعة، لكن لم يكن هناك وقت للهروب. قدمي انزلقت على الثلج، وسقطت أرضًا بقوة. حاولت النهوض بسرعة، لكن الخوف شلّ حركتي. زحفت إلى الخلف وأنا أتنفس بسرعة، وعيناي تبحثان عن أي مخرج بين الأشجار. ثم… رأيته. شخص طويل جدًا يقف خلفي مباشرة. لم أسمع خطواته. لم أشعر بوجوده إلا عندما أصبح قريبًا جدًا. ارتفع رأسي ببطء، وقلبي بدأ يدق بجنون. كان يرتدي معطفًا داكنًا طويلًا، بشرته شاحبة بشكل غير طبيعي، وعيناه… لم تكونا مثل أي عين رأيتها من قبل. باردتان. حادتان. وفيها شيء لا يشبه الذئاب. شيء “قديم”. ارتجف جسدي فورًا. الرائحة التي كانت في الهواء الآن أصبحت أقوى… خانقة تقريبًا. مصاص دماء. تجمدت بالكامل. حتى جوليا صرخت داخلي: — “اهرُبي!” حاولت التحرك، لكن جسدي لم يستجب بسرعة. وفجأة، تحرك الذئب الذي كان قريبًا منا. كنت أظنه سيهاجم… لكنه توقف فجأة، ثم تراجع بخوف واضح. ثم… هرب. تجمدت. ذئب يهرب؟ لم أفهم. لكن الرجل لم يتحرك. فقط نظر إلي بصمت طويل، وكأنه يقرأني من الداخل. ثم قال أخيرًا بصوت منخفض، هادئ بشكل مخيف: — “أنتِ… ليستي بشرية عادية.” ابتلعت ريقي بصعوبة، ويدي ترتجف على بطني. حاولت التراجع أكثر، لكن ظهري اصطدم بجذع شجرة. لم يكن هناك مفر. اقترب خطوة واحدة فقط. لكن تلك الخطوة جعلت أنفاسي تتوقف. مد يده ببطء… ليس ليمسك بي، بل كأنه يتأكد من شيء ما. ثم توقف فجأة. — “رائحة غريبة… مختلطة.” خفض نظره نحوي أكثر، وعيناه تضيقان. — “ألفا… وشيء آخر.” شعرت بقشعريرة تمر في جسدي بالكامل. جوليا كانت تصرخ بداخلي بلا توقف. لكنني لم أستطع التحرك. كل ما استطعت فعله هو النظر إليه بخوف، وأنا أفكر بشيء واحد فقط… أنني ابتعدت كثيرًا عن القصر. وكأنني دخلت عالمًا آخر لم أعد أعرفه.من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ
الراوي بعد أن انتهى حديث ألفريد مع إيلينا...بقي واقفًا قرب النافذة الكبيرة في مكتبه.الليل كان قد غطى نورفاي بالكامل.لكن النوم كان آخر شيء يمكن أن يفكر فيه الآن.كان يشعر بثقل السنوات كلها فوق كتفيه.شقيقه عاد.والمرة هذه لم يعد كأخ.بل كعدو.تنهد ألفريد ببطء.ثم استدار نحو الطاولة.ومد يده نحو البلورة السحرية الخاصة بالتواصل.أضاءت البلورة بلون أزرق.وبعد لحظات ظهر وجه ألنيوس.والد هرلين وببيتا المملكة.نظر إليه ألنيوس فورًا.— "ألفريد."— "أظن أنني أعرف سبب اتصالك."أومأ الملك بصمت.ثم شرح له ما أخبرهم به لوكا.ومع كل كلمة كان وجه ألنيوس يزداد جدية.حتى انتهى الحديث.ساد الصمت لثوانٍ.ثم قال ألنيوس بهدوء:— "أعرف أن ذلك صعب عليك."— "في النهاية هو أخوك."انخفضت عينا ألفريد قليلًا.لكن ألنيوس أكمل:— "لكن تذكر شيئًا واحدًا."— "من يخن مرة..."— "قد يخون ألف مرة."ساد الصمت.ثم تابع:— "لقد أعطيته فرصة."— "وأنت تعرف هذا."— "وأنت لم تظلمه."— "هو من اختار طريقه بنفسه."قبض ألفريد يده.وكان يعلم أن كلام ألنيوس صحيح.لكنه لم يجعل الأمر أسهل.ففي النهاية...كان ذلك الرجل أخاه.أخاه ا
من وجهة نظر الملك ألفريد بعد أن انتهى لوكا من رواية ما رآه... ساد الصمت في قاعة العرش. صمت ثقيل. خانق. كنت أحدق في الفراغ. لكن عقلي لم يكن هنا. كان هناك... قبل عشرات السنين. أيام كنا أنا وسيلفورد شابين. أخوين. أو هكذا كنت أعتقد. قبضت يدي بقوة. حتى أن المفاصل ابيضّت. فجأة نهضت من العرش. — "استدعوا القادة." التفت الجميع نحوي. — "وأرسلوا أوامر إلى جميع الحاميات." — "أريد تعزيز الأسوار." — "مضاعفة الحراسة." — "وتجهيز الجيش بالكامل." نظر هيفان إلي بجدية. أما البقية ففهموا من نبرة صوتي أن الأمر أخطر مما يعتقدون. — "إن كان سيلفورد حقًا خلف هذا..." — "فهذه لن تكون مناوشة صغيرة." — "إنها حرب." ارتسم التوتر على وجوه الجميع. حتى لافندر. حتى إيفان. حتى زاك. الجميع شعر بالخطر. لكن فجأة... تكلم هيفان. — "أبي." رفعت عيني نحوه. كان عابسًا. — "لماذا لم تخبرنا؟" تجمدت القاعة. — "كل هذه السنوات..." — "كان لديك أخ." — "وعدو بهذا الحجم." — "ولم تقل شيئًا." تنهدت ببطء. وأغمضت عيني. — "لأنني كنت أظن أن الأمر انتهى." ساد الصمت. ثم أكملت. — "حين هزمته..." — "اخت