Accueil / الرومانسية / لم يكشف عن اسمه / الفصل 3: الرجل الذي ينظر كثيرًا

Partager

الفصل 3: الرجل الذي ينظر كثيرًا

Auteur: H.E.D
last update Date de publication: 2026-04-10 08:46:18

ثبتت ليان عينيها على الباب المفتوح، بينما كان الظل يختفي من الممر الخارجي كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.

“ليان.”

صوت ميرا جاء بعيدًا، مكتومًا، كأن بينهما زجاجًا سميكًا.

“ليان، هل رأيتِه؟”

لم تجب.

كانت لا تزال تحدق في النقطة التي اختفى فيها. يد فقط. قلم أسود رفيع. خطوة مسرعة. لا وجه، لا ملامح، لا يقين. ومع ذلك كان شيء ما داخلها يصرخ بأن الأمر ليس عاديًا. ليس مجرد مصادفة، ولا مجرد طالب مرّ من هنا في اللحظة الخطأ.

انتزعت ميرا الورقة من يدها ونظرت إلى الباب ثم إليها.

“هل كان هو؟”

أخيرًا تحركت شفتا ليان.

“لا أعرف.”

“رأيتِ وجهه؟”

“لا.”

“إذن لا تركضي خلف وهم.”

لكن ليان لم تكن ترى وهمًا. كانت ترى شيئًا أسوأ من الوهم… خيطًا. خيطًا رفيعًا جدًا، يلوح لها ثم يختفي قبل أن تمسكه. وهذا النوع من الخيوط كان الأخطر، لأنه لا يمنحك الحقيقة ولا يتركك ترتاح لغيابها.

أغلقت عينيها للحظة، ثم فتحتها وأخذت نفسًا بطيئًا.

“أعطيني الرسالة.”

ناولتها ميرا الورقة دون جدال هذه المرة. فتحتها ليان من جديد، قرأت السطرين، ثم أعادت طيهما بعناية غريبة، كما لو أن لمس الكلمات أكثر سيترك أثرًا على جلدها.

قالت ميرا بحدة تحاول أن تخفي قلقها:

“انتهى. لن تذهبي إلى أي مكان وحدك اليوم.”

نظرت إليها ليان أخيرًا.

“أنا لست طفلة.”

“وأنا لست غبية. شخص ما فتح حقيبتك ووضع رسالة داخلها في الجامعة، وهذا وحده كافٍ لأرفض تركك وحدك حتى إلى آلة القهوة.”

رغم توترها، شعرت ليان بشيء صغير من الامتنان.

“لدي محاضرة.”

“وأنا سأوصلك إلى بابها، وأنتظرك بعدها.”

“ميرا.”

“لا تفاوض.”

تنهدت ليان، ثم هزت رأسها باستسلام صامت.

خرجتا من الحمام معًا. كان الممر مزدحمًا بطلبة يتحركون في اتجاهات مختلفة، ضحكات متناثرة، أصوات حقائب تُسحب على الأرض، أحاديث سريعة عن امتحانات ومشاريع. كل شيء طبيعي إلى حد يثير الغضب. كيف يمكن للعالم أن يستمر بهذه الخفة، بينما هناك شخص يدخل حقيبتها ويكتب إلى قلبها مباشرة ثم يختفي بين الناس؟

كانت عيناها تتحركان بين الوجوه دون توقف. كل رجل يحمل قلمًا صار احتمالًا. كل نظرة صارت سؤالًا. كل اقتراب مفاجئ جعل قلبها يشد نفسه بعنف.

أوقفتها ميرا عند باب القاعة وقالت:

“بعد المحاضرة سنتناول الغداء، وبعدها أفكر إن كان علينا إبلاغ الإدارة.”

شهقت ليان خفيفة.

“لا.”

“لماذا لا؟”

“لأنني لا أملك شيئًا أشرحه.”

رفعت ميرا حاجبها.

“شخص يترك لك رسائل مجهولة في المكتبة ثم في حقيبتك داخل الجامعة. هذا شيء واضح جدًا.”

لكن ليان هزت رأسها.

“سيحولونه إلى مزحة، أو إلى تهويل. ثم ماذا سأقول؟ إنه يعرف متى أبكي ومتى لا أنام؟ سيبدون وكأنني أعيش رواية سيئة.”

نظرت إليها ميرا طويلًا، ثم قالت بهدوء غير متوقع:

“المشكلة يا ليان، أنكِ لا تبدين خائفة بالقدر الكافي.”

سكتت ليان.

ابتسمت ميرا ابتسامة صغيرة حزينة.

“وهذا ما يخيفني أكثر.”

ثم دفعتها برفق إلى داخل القاعة.

جلست ليان في الصف الثالث، قرب النافذة، وحاولت أن تستجمع نفسها. الأستاذ بدأ الشرح، والطلبة أخرجوا دفاترهم، والسبورة امتلأت بكلمات ومصطلحات لم تدخل عقلها. كانت الورقة في جيب سترتها، تشعر بوجودها كأنها حرارة خفيفة قريبة من جلدها.

فتحت دفترها، كتبت عنوان المحاضرة، ثم توقفت. بعد سطرين، وجدت نفسها تكتب بلا وعي:

من أنت؟

نظرت إلى الجملة، ثم أغلقت الدفتر فورًا.

رفعت رأسها نحو النافذة. في الزجاج المنعكس، رأت نفسها شاحبة قليلًا، ورأت خلفها الحركة الخافتة للقاعة، ورأت شخصًا يمر خارج الباب.

استدار قلبها من جديد.

لكن الشخص اختفى قبل أن تتمكن من تمييزه.

عندما انتهت المحاضرة أخيرًا، خرجت وهي تشعر بإرهاق يشبه ما يلي البكاء، رغم أنها لم تبكِ. كانت ميرا بانتظارها فعلًا عند الباب، فاتجهتا معًا نحو الساحة الأمامية.

قالت ميرا وهي تمشي بجانبها:

“سألتُ إحدى الموظفات في الطابق الثاني. لا توجد أي شكاوى مشابهة. وهذا لا يطمئنني إطلاقًا.”

“ربما لأنه ليس مجنونًا.”

التفتت إليها ميرا بحدة.

“هذا دفاع غريب جدًا عن شخص مجهول.”

خفضت ليان عينيها.

“أنا لا أدافع عنه.”

“بل تفعلين. منذ الأمس وأنتِ تحاولين تلطيف كل شيء يفعله. تقولين ربما يعرفني، ربما يقصد خيرًا، ربما ليس مؤذيًا. لكن هل تعلمين ما الذي نعرفه فعلًا؟”

نظرت إليها ليان دون كلام.

قالت ميرا ببطء:

“نعرف أنه يعرف كيف يدخل المسافة التي لا تسمحين لأحد بعبورها.”

ارتجفت ليان من العبارة، لكنها لم تُنكرها.

توقفتا عند الممر المؤدي إلى مبنى الآداب. كانت الأشجار الممتدة على الجانبين تلقي ظلالًا متقطعة على الأرض، والهواء دافئًا على نحو لطيف، إلا أن جسد ليان بقي مشدودًا.

ثم حدث الأمر ببساطة شديدة.

كانت تنزل درجة الرصيف دون أن تنتبه إلى دراجة صغيرة اندفعت سريعًا قربها. سمعت ميرا تصرخ باسمها، لكنها لم تلحق أن تتراجع.

وفي اللحظة نفسها، التفت يد حول معصمها وسحبتها بقوة إلى الخلف.

اصطدمت بصدر صلب، وتوقف كل شيء.

مرت الدراجة أمامهما مسرعة، وسُمِع شتيمة قصيرة من صاحبها قبل أن يبتعد.

رفعت ليان رأسها ببطء.

وكان أول ما رأته عينين.

عينين ثابتتين، داكنتين، هادئتين بشكل أربكها أكثر مما كان ينبغي. لم يكن في ملامحه أي انفعال مبالغ فيه، لا ذعر، لا بطولة مستعارة. فقط تركيز غريب، عميق، كأنه أمسك بها قبل ثانية لأنه كان يراقبها أصلًا.

ابتلعت ريقها.

كان أطول منها بقليل، يرتدي قميصًا داكنًا بسيطًا، وساعة سوداء، وتفصيلًا هادئًا كاملًا لا يطلب الانتباه لكنه يأخذه. ملامحه لم تكن حادة بقدر ما كانت ثابتة. وجه رجل لا يكثر الكلام. أو لا يضيعه.

أفلت معصمها فور تأكده أنها توازنت، ثم قال بصوت منخفض:

“انتبهي.”

كلمة واحدة.

لكنها نزلت داخلها بأثر لم تفهمه.

لم تشكره فورًا. لم تستطع. كانت ما تزال تنظر إليه كما لو أنها تحاول التقاط شيء هارب في ملامحه. لم تعرف ما هو. ربما الارتباك الذي ضربها بلا سبب. ربما الإحساس الغريب بأنها رأته من قبل. أو ربما لأنها شعرت، في تلك اللحظة القصيرة جدًا، بأن نظرته لم تكن نظرة رجل التقى بها الآن.

بل نظرة رجل عرفها قبل أن تميل نحو الخطر بخطوة.

قالت ميرا بسرعة وهي تقترب منهما:

“شكرًا لك، كانت ستقع فعلًا.”

هز رأسه باقتضاب.

“لا بأس.”

ثم نظر إلى ليان مرة أخرى.

ولم يكن يفعل شيئًا غير لائق. لم يبتسم بطريقة مستفزة، ولم يتعمد إطالة الوقوف، ولم يحاول أن يبدأ حديثًا لا ضرورة له. ومع ذلك، كانت طريقته في النظر كافية لتربكها.

كانت نظرته طويلة نصف ثانية أكثر مما ينبغي.

ثابتة نصف درجة أكثر مما تحتمل.

وكأن بينهما شيئًا فاتهما التذكّر.

قالت أخيرًا بصوت خرج أهدأ مما شعرت:

“شكرًا.”

أومأ مرة واحدة فقط. ثم تحرك ليمضي.

لكنها، قبل أن يبتعد تمامًا، لمحت القلم في جيب قميصه.

قلم أسود رفيع.

تشنج شيء في صدرها.

استدارت فورًا تتابعه بعينيها. مشيته هادئة، غير مستعجلة، كأنه لم يفعل شيئًا يستحق الالتفات. وبعد خطوات قليلة، توقف عند نهاية الممر حين ناداه أحدهم من بعيد:

“آدم!”

توقف الرجل، التفت نصف التفاتة، ثم أكمل سيره نحو الصوت.

آدم.

الاسم استقر في ذهنها على الفور. بسيط. واضح. لكنه لم يشرح شيئًا.

“ليان.” قالت ميرا بحذر وهي تراقب وجهها. “هل أنتِ معي؟”

ظلت تنظر إلى الاتجاه الذي اختفى فيه، ثم سألت:

“هل سمعتِ الاسم؟”

“نعم.”

“آدم.”

“أجل، واسمه لا يهم حاليًا.” مالت ميرا نحوها قليلًا. “المهم أنكِ بخير.”

لكن ليان لم تشعر أنها بخير. شعرت بالعكس تمامًا. شعرت أن شيئًا بدأ يتحرك. ببطء، بهدوء، بخطورة لا صوت لها.

قالت ميرا وهي تراقبها:

“لا تخبريني أنكِ تفكرين في القلم.”

التفتت إليها ليان.

“كان معه قلم أسود.”

أطلقت ميرا زفرة طويلة جدًا.

“وفي هذه الجامعة نصف الرجال يحملون أقلامًا سوداء.”

“لكن—”

“لا.” قاطعتها فورًا. “لا تبني قصرًا من الشك على قلم.”

أجبرت ليان نفسها على الصمت.

كانت تعلم أن ميرا محقة. تعلم ذلك تمامًا. قلمه لا يعني شيئًا. اسمه لا يعني شيئًا. نظرته ربما كانت عادية تمامًا، وهي فقط صارت ترى الإشارات في كل مكان.

لكن لماذا، إذن، بقي قلبها مضطربًا بهذا الشكل؟

جلستا في المقهى الصغير داخل الحرم بعد قليل. طلبت ميرا شطيرة وقهوة، أما ليان فلم تستطع أن تطلب إلا زجاجة ماء ظلت تقلبها بين يديها من غير أن تشرب.

“حسنًا.” قالت ميرا بعد أن صبرت عليها دقائق. “دعينا نفرغ كل ما في رأسك الآن.”

نظرت إليها ليان بصمت.

“هل تعتقدين أن هذا آدم هو صاحب الرسائل؟”

ترددت، ثم قالت:

“لا أعرف.”

“هل لأن معه قلمًا؟”

“لا.”

“إذن لماذا؟”

تنفست ليان ببطء.

“لأنه… كان ينظر إليّ.”

رفعت ميرا حاجبها.

“الرجال ينظرون يا ليان، هذه ليست جريمة ولا دليلًا.”

هزت رأسها.

“ليس هكذا.”

“كيف إذن؟”

أخفضت ليان صوتها دون أن تشعر.

“كأنه يعرفني.”

سكتت ميرا لحظة. ثم قالت، بنبرة ألطف:

“ربما لأنكِ متوترة منذ الأمس. وكل عينين صارتا تبدوان لكِ كأنهما تعرفان شيئًا.”

نظرت ليان إلى الماء بين يديها. كانت تريد أن تصدق هذا. بل كانت تحتاج أن تصدقه. لكنها لم تستطع أن تهزم الإحساس الذي داهمها لحظة رفع رأسها إليه. ذلك الارتباك المفاجئ، غير المنطقي، كأن قلبها سبق عقلها إلى مكان ما.

مرّت الدقائق ثقيلة، ثم نهضت ميرا لتجلب مناديل إضافية من المنضدة القريبة. بقيت ليان وحدها لثوانٍ فقط.

مدت يدها إلى حقيبتها لتخرج هاتفها.

وكان هناك ظرف صغير أبيض فوقه.

تجمدت أصابعها.

ظرف صغير جدًا، لا يحمل اسمًا، موضوع بعناية بين الهاتف والمحفظة، كأنه كان هناك منذ البداية… أو كأنه وُضع قبل لحظات.

انحبس الهواء في صدرها.

رفعت رأسها فورًا نحو المكان الذي ذهبت إليه ميرا. كانت بعيدة خطوتين، ظهرها إليها. التفتت بسرعة إلى الناس حولها. طلاب كثيرون، ضجيج، أكواب، كراسٍ، حركة لا تتوقف.

عادت بعينيها إلى الظرف.

هذه المرة لم ترتجف يدها فقط، بل قلبها كله.

سحبته ببطء، فتحته، وأخرجت الورقة التي بدا خطها مألوفًا حد الألم.

لم تنتظر ميرا.

فتحتها فورًا.

“أعرف أنكِ تربكين حين يطيل أحدهم النظر إليكِ.

فلماذا لم تبتعدي هذه المرة؟”

خفق قلبها بعنف مرعب.

عيناها انتقلتا فوق الكلمات مرة ثم مرة أخرى، وكأنها تأمل أن تتبدل. أن تنكر نفسها. أن تصبح أقل وضوحًا.

لكنها لم تفعل.

كان يعرف.

يعرف أنها التقت رجلًا قبل دقائق.

يعرف أنه نظر إليها.

ويعرف أنها لم تبتعد.

رفعت رأسها ببطء شديد، ودارت بعينيها في المقهى المزدحم.

ثم وقعت نظرتها عند الباب الزجاجي البعيد.

كان هناك.

آدم.

واقفًا في الخارج، على الجهة الأخرى من الزجاج، يتحدث إلى رجل آخر. ملامحه هادئة كما كانت، رأسه مائل قليلًا نحو محدثه، إحدى يديه في جيبه، والأخرى تحمل هاتفه.

وفي اللحظة التي رفعت فيها ليان عينيها نحوه…

التفت.

كأن شيئًا ما أخبره أنها تنظر.

التقت عيناهما عبر الزجاج.

وشعرت ليان أن الورقة بين أصابعها صارت أثقل من أن تُحمَل.

لأنه، وبهدوء قاتل، لم يبدُ متفاجئًا أبدًا بأنه وجدها تنظر إليه.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • لم يكشف عن اسمه    الفصل 50: لم يكشف عن اسمه… ثم كشف قلبه

    في الليلة التي جاء فيها الرد من آدم:“إذن عرفتي.”لم تنم ليان.لم يكن السبب هذه المرة رسالة مبهمة، ولا خوفًا من مجهول، ولا اشتياقًا لرجل يهرب قبل أن يُسأل. كان السبب شيئًا أكثر تعبًا، وأكثر صفاءً في الوقت نفسه: أنها وصلت أخيرًا إلى آخر الدوائر.الحقيقة اكتملت تقريبًا.والحب لم يعد مجهولًا.والصمت، الذي حكم الجميع سنوات، بدأ يتكسر من كل الجهات.وأصبحت هي أمام السؤال الأخير، العاري، الذي لا يختبئ وراءه شيء:ماذا ستفعل الآن؟ليس بآدم فقط.بل بنفسها.بكل ما عرفته.بغضبها القديم.بورثة الألم في بيتها.وبالقلب الذي، رغم كل شيء، لم يتراجع عنه.جلست على الأرض قرب السرير، والملف القديم مفتوح أمامها، ورسالة آدم الأخيرة على الشاشة، والورقة القديمة التي كان يجب أن تصل قبل سنوات قرب وسادتها.كل شيء في حياتها صار واضحًا إلى حد الوجع.آدم لم يكن الرجل الذي ظنته سبب الخراب وحده.ولا الرجل البريء من كل شيء.كان إنسانًا في قلب المأساة. أخًا، شاهدًا، فاشلًا في منع اللحظة، وحاملًا لذ

  • لم يكشف عن اسمه    الفصل 49: قبل النهاية بقليل

    لأيام قليلة، بدا وكأن الحياة أخيرًا قررت أن ترحمها.ليس رحمة كاملة، ولا شفاءً ناضجًا، ولا نهاية سعيدة مبكرة كما تفعل القصص حين تتعب من تعذيب أبطالها. لكنها منحتها شيئًا صغيرًا، هشًا، يكفي فقط ليجعل ليان تخاف عليه أكثر من خوفها من الألم نفسه:السلام.سلام ناقص، نعم.خائف، نعم.يمشي على أطرافه كأنه لا يريد أن يوقظ الجرح من جديد.لكنّه كان موجودًا.آدم لم يختفِ.لم يعد إلى الرسائل بدل وجهه.ولم يعد الصمت جدارًا يهربان خلفه.صار يحضر. يكتب الجمل البسيطة. يسأل عن يومها. يلتقيها عند المكتبة أو قرب الساحة، لا كمن يقتحم المسافة، بل كمن يتعلم ببطء كيف يكون موجودًا من غير أن يخيف من يحب.ولأول مرة منذ بدأت الحكاية كلها، شعرت ليان أن الحب قد يكون ممكنًا خارج الورق. لا سهلًا. لا آمنًا تمامًا. لكنه ممكن.في إحدى الظهيرات، جلست معه على المقعد الحجري تحت الشجرة التي صارت شاهدة على الكثير من ارتباكهما. كان بينهما كوبان من القهوة، وضوء خفيف، وصمت لا يلسع هذه المرة. فقط صمت يشبه الجلوس قرب شيء تحبه من دون الحاجة إلى إث

  • لم يكشف عن اسمه    الفصل 48: ما بعد الاسم

    في الأيام التي تلت تلك الليلة، لم يحدث شيء كبير بالمعنى الذي تحبه الروايات.لم يعترف أحدهما باعتراف نهائي جديد.لم يسقطا في حضن بعضهما تحت مطر مناسب للمشهد.ولم تختفِ المخاوف فجأة كما لو أن الحقيقة، ما إن تُقال، تتحول إلى مفتاح سحري للنجاة.بل حدث شيء أصعب، وأصدق.بدأ ما بعد الاسم.بعد أن قال لها أخيرًا:أنا آدم يونس الخطيب.بعد أن وقف أمامها بلا ورقة تحميه، ولا غياب يفسره، ولا رجل آخر يقول عنه ما لا يستطيع هو قوله بنفسه.منذ تلك الليلة، لم يعد الحب بينهما مختبئًا.لم يعد يسكن في حافة رسالة تصل عند التاسعة، ولا في نظرة بعيدة عبر ساحة الجامعة، ولا في اعتذار مؤجل يلتف حول نصف حقيقة. صار الحب الآن موجودًا في مكان أكثر توترًا، وأكثر صدقًا: الحضور.حضور صريح.خائف.مرتجف أحيانًا.لكن حقيقي.وهذا، كما اكتشفت ليان سريعًا، أصعب من الغموض بكثير.لأن الغموض كان يسمح لها أن تتخيل، أن تؤجل، أن تغضب من شبح أو تشتاق إلى صوت. أما الآن، فالذي أمامها رجل كامل بتاريخه وذنبه وحبه، وعليها أ

  • لم يكشف عن اسمه    الفصل 47: حين يغفر القلب قبل العقل

    لم يكن الغفران، حين بدأ في قلب ليان، أبيض. لم يأتِ كراحة مفاجئة، ولا كقرار نبيل يهبط من السماء، ولا حتى كصفاء تقول فيه لنفسها: لقد انتهى كل شيء. جاء متعبًا. كأن القلب، بعد أن بكى طويلًا، وبعد أن رأى الورقة القديمة التي كان يجب أن تصل منذ سنوات، وبعد أن فهم أخيرًا أن ما بينه وبين آدم لم يكن كذبة باردة بل صدقًا وصل دائمًا متأخرًا… قرر أن يلين قبل أن يقتنع العقل تمامًا. وهذا بالضبط ما أخافها. لأنها لم تكن تريد غفرانًا ساذجًا. لم تكن تريد أن تقول: لا بأس، لقد تألمتَ أيضًا، إذن كل شيء يُمحى. كانت تعرف أن الألم لا يمحو الألم. وأن الحب لا يلغي الأذى. وأن الصمت، حتى لو خرج من قلب مكسور، يظل خرابًا حين يترك غيره يعيش في نصف حقيقة. لكنها، رغم ذلك، بدأت ترى شيئًا آخر. بدأت ترى وجعه لا كفكرة تشرح تصرفاته فقط… بل كحقيقة عاشت معه منذ سنوات. وجع شاب فقد أخاه، وفشل في منع لحظة ظل يراها ليلًا ونهارًا، ووُضع بين بيتين مكسورين، ث

  • لم يكشف عن اسمه    الفصل 46: الرسالة التي وصلت متأخرة

    لم تأتِ الرسالة هذه المرة من آدم.ولهذا كانت أخطر.بعد حديثها مع أمها، وبعد الرسالة التي أرسلتها إليه عن الغضب الموروث والحقيقة التي تحاول أن ترى ما هو منها فعلًا وما هو مما تركه الآخرون فيها، لم تنتظر ليان ردًا سريعًا. لم يعد بينهما شيء يمكن أن يُحسم في سطرين أو اعتذار آخر. كانت تعرف أن كل شيء صار أعمق من ذلك، وأبطأ، وأشد احتياجًا إلى شيء لا يشبه الرسائل اليومية التي عاشت عليها طويلًا.ومع ذلك، حين استيقظت في صباح اليوم التالي على طرق خفيف على باب غرفتها، ثم دخلت أمها وهي تحمل ظرفًا قديمًا بيد مرتجفة… شعرت ليان أن قلبها عرف قبل عقلها أن شيئًا كبيرًا جدًا دخل الغرفة.لم تكن أمها شاحبة فقط.بدت كمن نامت قليلًا جدًا، أو بكت وحدها، أو فتحت أدراجًا قديمة كان يجب أن تبقى مغلقة لو كان الصمت ينفع.قالت وهي تقف عند الباب، ولا تتقدم تمامًا:“وجدت هذا الليلة.”نظرت ليان إلى الظرف.ورق قديم، مائل إلى الاصفرار، عليه اسمها بخط يد تعرفه الآن من أول نظرة.آدم.توقف نفسها.لم تتحرك فورًا.فقط حدقت

  • لم يكشف عن اسمه    الفصل 45: جرح العائلة

    لم تحتج الحقائق القديمة إلى وقت طويل كي تخرج من القلوب إلى البيوت.كان يكفي أن تبدأ الأسماء بالعودة، أن تُفتح الصور، أن يُذكر يونس بصوته الكامل لا كجملة مبتورة، وأن يعود اسم آدم إلى بيت ليان بعد سنوات من الغياب المقصود… حتى يرتجف كل شيء من جديد.كأن الماضي لم يكن ماضيًا أصلًا.كأن العائلتين لم تكونا تعيشان فوق حياة مستقرة، بل فوق جمر ظل مغطى بما يكفي فقط ليبدو منطفئًا.بعد لقائها الأخير مع رامي، وبعد الرسالة التي قال فيها آدم:“لا تجعلي ذنبي القديم، ولا حبي، ولا غيابي، يدفعكِ إلى اختياري قبل أن تختاري نفسكِ أولًا.”عادت ليان إلى البيت وهي تعرف أن شيئًا يتغير من حولها أيضًا، لا داخلها فقط. أمها صارت أكثر توترًا من المعتاد. أخوها لاحظ شرودها أكثر من مرة. حتى طريقة والدها في الصمت عند المائدة بدت مختلفة، كأن البيت كله بدأ يشعر أن الأسئلة القديمة لم تعد مدفونة بما يكفي.وجاء الانفجار في مساء اليوم التالي.كانت ليان في غرفتها حين سمعت صوتًا مرتفعًا في الصالة. ليس مجرد حديث عالٍ، بل ذلك النوع من الأصوات التي يعرف البي

  • لم يكشف عن اسمه    الفصل 8: شيء في صوته

    ظلت ليان تحدق في الرسالة الأخيرة حتى بعد أن انطفأت الشاشة قليلًا بين أصابعها.“لم يعجبني أنكِ ابتسمتِ له بهذه السهولة.”لم تكن المشكلة في الغيرة وحدها.بل في الصراحة المفاجئة التي ظهرت لأول مرة بهذا الشكل. كأن الرجل الذي ظل يكتب من وراء الورق والظلال قرر فجأة أن يترك شيئًا من قلبه يهرب إلى السطر. ش

  • لم يكشف عن اسمه    الفصل 7: غيرة غير مفهومة

    بقيت شاشة الهاتف مضاءة بين أصابع ليان المرتجفة، بينما السطر الأخير يستقر داخلها بثقل لم تعرف كيف تحمله:“لهذا السبب أقول لكِ دائمًا… لا تبحثي عن اسمي قبل أن تعرفي كم كنتُ قريبًا منكِ في تلك الليلة.”لم تتحرك.كانت ميرا تراقب وجهها بقلق واضح، لكن ليان لم تستطع حتى أن ترفع عينيها إليها. شعرت كما لو أ

  • لم يكشف عن اسمه    الفصل 6: لا تفتحي الباب لشيء بلا اسم

    بقيت ليان واقفة في الممر الضيق، والظرف مفتوح بين يديها، كأن الكلمات التي خرجت منه لم تستقر بعد على الورق… بل ما زالت عالقة في الهواء، تدور حولها وتضيق عليها التنفس.“وجدتِ أول خيط اليوم.لكن لا تركضي خلفه كثيرًا يا ليان…لأن بعض الحقائق، حين تصلين إليها، لن تعيدي بعدها النظر إليّ بالطريقة نفسها.”أ

  • لم يكشف عن اسمه    الفصل 5: أول خيط

    لم تنم ليان تلك الليلة إلا على فترات متقطعة، كأن النوم نفسه صار يخشاها.كلما أغمضت عينيها، عادت الجملة الأخيرة لتقف أمامها بوضوح جارح:“لكن الليلة، لأول مرة، كنتِ على وشك أن تكتبي لي.”لم تكن المشكلة في أنه خمّن.بل في أنه أصاب.وهذا ما جعل الأمر أكثر قسوة من كل ما سبقه.عند الثالثة فجرًا تقريبًا،

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status