LOGINلم يعطها فرصة للرد عليه، جذبها بقوة باتجاه باب الشقة، قذفها خارجه، قال بتهديد صريح:
-لو شوفتك هنا تاني هيكون آخر يوم في عمرك ومش هنا بس لو شوفتك في أي مكان ولو فكرتي تلاحقيني هيكون بيني وبينك نار مش هتطفى إلا بموت واحد فينا! هاجت أمواج غضبها، شعرت بالدماء تغلي برأسها، على مدار عام كامل لم تستطع أن تلفت نظره بأية طريقة كانت، توعدته بداخلها بألا تتركه يذهب بعيداً عنها حتى لو كلفها ذلك ما تبقى لها من عمر على وجه الأرض! دخلت هديل على صديقة طفولتها تجر حقيبتها بحزن شديد، استقبلتها الأخيرة بترحاب يشوبه القلق مما قد يكون قد حدث معها وجعلها تترك بيت زوجها رغم أن حديثها عنه في الفترة الماضية كان يحمل الكثير من الإطراء والمديح! صاحت نور بتساؤل قلق: -إيه اللي حصل يا هديل إنتي بخير أكرم عملك حاجه؟ أجابتها بانكسار يغلف صوتها وهيئتها: -مفيش حاجه يا نور أنا محتاجه أرتاح شوية بعد إذنك! =هسيبك ترتاحي دلوقتي بس لازم يكون لينا قعدة ونتكلم يا هديل لأني مش هسيبك كدا! هزت هديل رأسها بموافقة انهزامية لكي تتخلص من عبء الحديث مؤقتاً، ولتختلي بنفسها بعيداً عن أي نوع من أنواع الضغط النفسي، كلما حاولت إخراجه من عقلها صرخ قلبها معارضاً، رغما عنها تتذكر بسمته الرقيقة في وجهها كل صباح، صوته الحاني الذي يطمئن عليها طيلة الوقت، اهتمامه الفائق بأدق تفاصيلها. كيف له أن يكون بتلك الصفات التي تُظهره بمظهر العاشق المتيم، وأن يتضح بعد ذلك أنه متزوج بالأساس! لم تستطع التوقف عن التفكير، كادت أن تصبح كمدمني الممنوعات من فرط تفكيرها وتحليلها لتصرفاته الصادقة تماماً واستحالة أن يكون كاذباً بالنهاية! هنالك من يهوى الصيد في المياة العكرة ويعرف كيف يستغل الفرص جيداً، اتصل بها ماجد، شاهدت رقمه فرفضت المكالمة على الفور، ظلت تتقلب ذات اليمين وذات الشمال دون فائدة، خاصمها النوم ورفض عقلها أن يستسلم للإرهاق الذي يشعر به جسدها، رغماً عنها كانت تنتظر مكالمة من شخص آخر؛ شخص تود أن تسمع منه أي تبرير قد يجعلها تسامحه، لم تعلم سبب ذلك الشعور ولما تريد مسامحته وغفران ذلك الذنب! لم يكف أكرم عن قذف كل شئ أمامه بعصبية ليسقط مهشماً، رن هاتفه لكنه تجاهله تماماً، لم يتوقع أن يكون المتصل شخص يريده بشدة ويشتاق إليه بجنون، لم يتوقع أن يكون المتصل ليس إلاّ هديل! ببرود تام أمسك بهاتفه ليطلع على هوية المتصل بلامبالاة، دق قلبه بعنف واضطربت أنفاسه، راح يهاتفها مثل المجنون، أجابت بانكسار باكية بشدة: -ليه.. أنا بس عايزه أعرف ليه، ليه خلتني أشوف الدنيا بعيونك من جديد وأحبها وأحس إنها ابتسمت لي بعد اللي حصلي وقسم قلبي نصين، إنت كمان كداب زيه.. كلكم على نفس الشاكلة.. أنا ممكن أنسى ماجد بل ممكن أسامحه كمان لأنه مبقاش يعنيلي شئ لكن إنت عمري ما هسامحك ولا هقدر أبص في وشك تاني أبداً مهما حصل! صمت طويل كان الإجابة على حديثها القاسي، تنهدت بعمق حزين عندما وجدت نفسها تواجه الفراغ فلا صوت تسمع ولا تبرير يشفع، أردفت قائلة بأنين: -مش عارفه ليه اتصلت بيك أصلاً! إيه اللي محتاجه أسمعه منك يعني؟ مفيش حاجه ممكن تبرر لك اللي عملته فيا يا أكرم. بصوت متقطع يأكل الحزن أوتاره هتف قائلاً: -هديل.. أنا.. قاطعته بحزم: -متكملش، أنا آسفة إن اتصلت بيك ياريت تعتبرني مش في حياتك خالص من اللحظة دي وياريت نخرج بالمعروف. =إنتِ فين قوليلي عشان أجيلك، صدقيني لما تسمعي الموضوع هتغيري نظرتك لكل حاجه وهتلتمسي لي العذر صدقيني! -عذر! سلام يا أكرم. ألقت الهاتف بجوارها على الفراش وانطلقت في بكاء صارخ جعل صديقتها تدخل إليها بخوف، أخذتها بين أحضانها حتى سكنت بين يديها، هتفت الأخيرة بهلع: - لو بس تفهميني مالك وإيه اللي حصلك يا هديل أنا هتجنن عشانك ومش عارفه أساعدك. لم تجد هديل بداً من أن تقص عليها ما حدث لتزيح عن كاهلها ثقل ما تشعر به، شاركتها همومها وأفراحها معه منذ البداية حتى خاتمة الأمر بينهما بتلك المكالمة، أخبرتها صديقتها بأنها تشعر بوجود حلقة ناقصة بالأمر فمن غير الممكن أن يكون شخص بتلك الصفات الحميدة خائناً جبان في النهاية! -إديله فرصة يا هديل عشان خاطري أنا، بصي نسمع بس إيه اللي عنده والقرار قرارك في النهاية محدش هيقدر يجبرك على حاجة أبداً لكن لازم تسمعيه وتفهمي منه. هبت واقفة لتقول بصراخ رافضة الأمر بتاتاً: -لا مستحيل.. أكيد هيكذب ويألف مية كذبة وكذبة هو معقول يعترف إنه خاين ومقرف يعني يا نور.. بقولك إيه لو بتحبيني اقفلي الموضوع دا خالص ومتجبيش ليا سيرته تاني فاهماني؟ هزت رأسها بالموافقة علامة الفهم لما تسمعه، لكن داخلها يصرخ معترضاً، عزمت أمرها على التدخل بينهما لحل تلك المعضلة، حدسها يخبرها بأن ذلك الشاب مظلوم بنقطة معينة ولابد من تصحيح الأمور لتتضح جيداً أمام هديل! دثرتها بالغطاء، داعبت خصلات شعرها بحنو حتى تستطيع أن تجعلها تأخذ قسطاً من الراحة، تمسكت هديل بكفوفها وكأنما طفل عثر على والدته بعد فترة من التيه، استسلمت للمساتها الحنونة وصوتها الدافئ الذي يخبرها أن كل شئ سيكون بخير وذهبت في سبات عميق، بهدوء وحرص شديد سحبت نور الهاتف من جانبها لتدون رقم أكرم لديها. تحدثت إليه على الفور وأخبرته بعنوان المنزل لكن لهجتها كانت آمرة قاسية.. تحملها من أجل عيون حبيبته، أعادت عليه الحديث مراراً وتكراراً بأن ينتبه في معاملته وحديثه مع هديل لشعورها بأنه في جعبته الكثير من الأسرار التي بحاجة ماسة إلى التوضيح العاجل. أتاها أكرم ركضاً، استقبلته بوجه عابس، همت في النطق بنفس الكلمات المحذرة لكنه ألجمها لحديثه القاطع ووعوده الأكيدة، أخبرته أن هديل نائمة بالغرفة وأنها ستتركهما الليلة لتنام عند جارتها على أمل كبير منها أن تُحل تلك المشكلة بينهما ويكون هناك خطب ما وصل إلى عقل صديقتها عن طريق الخطأ! دلف أكرم إلى الغرفة باضطراب شديد، وقعت عيناه على جسدها الممدد بقلة حيلة أعلى الفراش، شعر بالحزن الهائل يقتحم قلبه لأنه تسبب في حالتها تلك، اقترب منها ببطئ، جلس بجانبها ثم ملس على شعرها بحنان، تململت في نومتها، اقتربت منه بجسدها ظناً منها أنه صديقتها، تخلل أنفها رائحة عطره الذكية التي لطالما كانت تشعرها بالأمان، فتحت مقلتيها بفزع لتجد نفسها بين أحضانه، دفعته بعيداً عنها بتلقائية، ضمها إليه مرة ثانية، تحمل عدوانيتها ومحاولاتها للتخلص من ضمته، همس برفق وهو يحاوطها: -هستناكِ لحد ما شحنة الغضب اللي جواكِ كلها تخلص، هتحمل منك أي حاجه المهم إنك في النهاية تسمعيني، مش همشي من هنا أبداً قبل ما نتكلم. نوبات من الصراخ ومحاولة التخلص من قبضته قبل أن تهدأ من شدة التعب لتستكين بين أحضانه رغماً عنها، صاح برقة: -دلوقتي بقا نقدر نتكلم. قالت بتعب: -متحلمش بكدا.. أنا مش عايزه أسمعك ولا عايزه أتكلم معاك خالص. =يبقى اتفقنا.. الحكاية يا ستي من البداية.. تنهد بضيق قبل أن يكمل حديثه الذي جذب انتباهها رغم ارتدائها قناع اللامبالاة لكن داخلها يصرخ من شدة الفضول، قال بصوت يشوبه بعض الغضب: -تعرفي المثل الشعبي اللي بيقول خيراً تعمل شراً تلقى، أهو هو دا اللي حصل معايا، أنا اتجوزت هنادي لظروف خارجه عن إرادتي بس بكامل إرادتها هي.. قاطعته بغضب شديد: -إيه دا هو أنا هفضل أحل في ألغاز؟ يا تتكلم على طول يا تسكت أحسن لأن راسي وجعاني. باغتها بقوله المفاجئ الحازم قولاً وشعوراً: -أنا كنت واخد عهد على نفسي إني متكلمش في الموضوع دا أبداً حتى لو فيها موتي.. بس بعدك عني موتي أهون منه. صرخت بعفوية سريعة: -بعد الشر.. استدركت خطأها فصححته مسرعة: -أقصد يعني إنك لسه صغير والعمر أدامك! ابتسم بفرح، قال بصوت مبحوح من تأثره بخوفها عليه: -فاهمك يا هديل.. المهم إنك لازم تعرفي وأنا واثق إن دا هيفضل سر بيني وبينك طول العمر ولولا إني مضطر إن أنا أوضحلك كل الأمور مكنتش قولت حاجه.. هنادي حامل! جحظت عينيها بصدمة رهيبة، صرخت بهتيستريا: -نعم! إنت بتقول إيه؟ أمال اتجوزتني ليه وإيه اسطوانة الحب المشروخة اللي إنت مشغلهالي ليل ونهار دي.. اطلع بره مش عايزه أسمع منك حاجه تاني. نهضت من أمامه تركض مسرعة للخارج، أمسك بها من الخلف محتوياً جسدها بقوة، ظلت تقاومه حتى استسلمت لقوته، همس بجانب أذنها بهدوء: -مش مني يا مجنونة اهدي! ضيقت ما بين حاجبيها بتعجب، لفت رأسها ببطئ، قالت متسائلة ببلاهة كالأطفال: -إيه؟ أنا مش فاهمه حاجه أبداً! قهقه ثم أجابها بحب: -ما إنتِ لو إديتي نفسك وإدتيني فرصة بس هتفهمي كل حاجه.. وبعدين تعالي هنا إنتِ طلعتي بتغيري عليا بقا! تلجلجت ولم تستطع قول أي شئ، حررت نفسها من قبضته، هندمت شعرها بتوتر، أمسكها من كتفها ليجلس بها على الفراش مرة أخرى، قال برقة: -أنا هفهمك كل حاجه.. أنا اتجوزتها تحديداً عشان الحمل دا، والدها صاحب والدي من زمان أوي واتوسلني كتير إن أنا أستر عليها وكان هيموت من القهر أدامي، وفعلاً عملت اللي طلبه مني على شرط إن كل واحد فينا يكون له حياة منفصلة بعد كدا والجواز دا على الورق مش أكتر. هتفت هديل بلهفة: -طيب والبيبي إزاي هتكتبه بإسمك وإنت مش باباه! =عمي اتفق معايا إنها هتولد بره وهيكون هو في الوقت دا شاف حل مع الشاب اللي بنته غلطت معاه، ولو مقدرش يوصل لنتيجة هيتصرف بعيد عني المهم دلوقتي سمعة بنته. -يا حرام الراجل دا بيدفع تمن قلة تربيته لولاده وإنشغاله عنهم. =هديل إوعديني دلوقتي.. إن مهما حصل الكلام دا يفضل سر بيني وبينك، ولو شوفتيها في يوم من الأيام مهما عملت معاكي إوعي تعايريها بالكلام دا! ابتسمت بحب، غمغمت بهدوء: -أوعدك يا أكرم. نظر إلى شفتيها باشتهاء، هم بتقبيلها، نهضت من أمامه مسرعة، مرتبكة وقلبها يضرب بعنف، هتفت بخفوت: -ممكن تروح إنت دلوقتي وأنا هبات الليلة دي مع نور، وتعالي خدني لشقتنا بكره، اتفقنا؟ اقترب منها ببطئ أربكها، غمغم بشوق: -لا متفقناش! نور مش هترجع البيت وهتسيبه لينا النهارده. تراجعت للخلف بخطوات بطيئة متوترة حتى اصطدمت بالحائط، حاولت أن تتحدث لكن خانها لسانها الذي عُقد وعجز عن تحرير الكلمات الرافضة أو حتى الموافقة، حبسها بين يديها وظهرها للحائط، اقترب من شفتيها لينهل من بحورها المُسْكِرة، أغمضت عينيها مستسلمة له تماماً، رن هاتفه ففزع كلاهما، قال بصوت خافت: -سيبك من اللي بيتصل الرخم دا مش وقته خالص، هقفل التلفون أحسن. جلبه من جيب بنطاله ليغلقه لكي يكف عن إزعاجهما وقطع اللحظات الساحرة بينهما، وجد أن المتصل هو مساعد صديق والده.. والد هنادي، تعجب من ذلك الاتصال، لا يأتيه اتصال من ذلك الشخص إلا للضرورة القصوى! أخبره ذلك الشخص أن والد هنادي مريض للغاية وأنه بحاجة ماسة لأن يراه فوراً، أكد أكرم عليه بأنه سيأتي من فوره، اعتذر لهديل بحرج وطلب منها أن تلملم أغراضها لأنه سيمر عليها بعد ساعتين من الآن ليعودا إلى شقتهما.تمتم ماجد لنفسه وعيناه مثبتتان على الشاشة: — "استمتعي باللحظة يا هديل.. اشبعي من حضنه كويس عشان لما الفيديو دا يوصل له، مش بس هيكرهك.. ده هيقرف حتى يلمس طرف هدومك. أنتي بتبني قبرك بإيدك." ظنت هديل أنها تحمي أكرم بلحظة الضعف هذه، غير مدركة أن ماجد يراقب كل خطوة. لم تكن تعلم أن اللحظة التي ظنتها خلاصها هي ذاتها الشيء الذي سيستخدمه لتدمير ما تبقى من كرامتها أمام زوجها. لم يكن الخطر كاميرا مؤقتة أُزيلت؛ بل كان "حصاراً" كاملاً لا يمكنها حتى رؤيته. بعد أن ارتوى أكرم من حضن هديل، شعر بثقل مفاجئ في جفنيه للمرة الأولى. فالتوتر الذي احتجزه طوال الليل انقشع فجأة، وحل محله استرخاء تام. أغلق عينيه وهو لا يزال يضمها بقوة بين ذراعيه، ودفن وجهه في شعرها كأنه وصل أخيراً إلى بر الأمان. وغط أكرم في نوم عميق وثقيل، كجندي وجد هدنة أخيرة بعد معركة طويلة. لكن هديل كانت في عالم آخر تماماً؛ كانت مستيقظة بكامل حواسها، وعيناها تتأملان الظلام، وقلبها لا يزال يخفق خوفاً لا رغبة. فجأة، تحطم سكون الغرفة باهتزاز مكتوم لهاتفها. بالن
لم ينطق أكرم بكلمة.. قيدته صدمته من حدتها المبالغ فيها لكنه تحامل على نفسه ووضع الصينية جانباً وجلس خلفها على الفراش. امتدت يده ببطء لتستقر على كتفها، ويمسح عليه بحنان جارف، ثم مال برأسه ليطبع قبلة رقيقة ومتأنية على جانب عنقها. وفي ذلك الجزء من الثانية، تحطمت الحصون التي بنتها هديل طوال الليل بالكامل. إن دفء أنفاسه وقرب جسده منها لمسا وتراً حساساً في أعماقها—ليس فقط كزوجة، بل كامرأة مكسورة تعشقه حتى النخاع. واجتاحتها موجة من الضعف القاتل؛ وبدلاً من أن تدفعه بعيداً كما خططت، مال رأسها تلقائياً ليستقر على صدره. أغلقت عينيها بقوة، وتنفست رائحته.. الشيء الوحيد الذي كان يشعرها بالأمان في هذا العالم اللعين. كانت هناك صرخة صامتة داخلها تتوسل إليه ألا يتركها أبداً، وتملكتها رغبة مستميتة في الاعتراف بكل شيء، وإلقاء هذا الحمل الذي يسحق روحها بين يديه. لكن فجأة، ومضت صورة ماجد في مخيلتها الدم الذي لطخ يديها، التهديد بالفضيحة، ورؤية حياة أكرم وهي تُدمر بشكل ممنهج. سرت قشعريرة باردة في عروقها، فانتف
تجمدت هديل في مكانها، وكأن صاعقة قد ضربت صدرها ليخفق قلبها بعنف شديد يهدد بتمزيق ضلوعها. كان صوت خشخشة المفاتيح المعدنية لأكرم في الخارج بمثابة حكم إعدام يُنفذ في توه؛ فهو على بُعد خطوات معدودة في الرواق، يفصله جدار واحد بـ مفاجأته المحملة بالحب عن هذا الكابوس الملطخ بالدماء. أما ماجد، فقد استند إلى إطار الباب يراقب حالة الذعر التي تجتاحها بنوع من الفكاهة السوداء والمريضة. مال بجسده نحوها، وهسّ بصوت منخفض ومتهدج: — "يا محاسن الصدف! إيه رأيك أفتح له الباب؟ خليه يشوف مراته في بيئتها الطبيعية." اندفعت نور نحو الأمام بسرعة، وقبضت على ذراع ماجد برعب، وتوسلت إليه بصوت مخنوق ومستجير: — "لا! ارجوك استنى! احنا بيننا اتفاق.. هي هتعمل كل اللي أنت عايزه، بس سيبنا نخرج من هنا قبل ما يشوفنا." نظر ماجد من فتحة العين السحرية، وعيناه تقطران بروداً محسوبا انتظر حتى تردد صدى الصوت الثقيل لإغلاق أكرم باب شقته في الممر، ثم فتح بابه إنشاً واحداً فقط. وفحّ بفحيح أفعى:
نظر مباشرة إلى هديل، وعيناه مجردتان من أي إنسانية:— "أنا عايزها تخلي اكرم يكرهها. عايزها تعامله كأنه زبالة، تبعده عنها بكل طريقة ممكنة، لحد ما يقتنع إن الطلاق هو الحل الوحيد المتاح قدامه. أنا عايزه هو اللي يمشي ويسيبها."التفت رأس هديل نحوه بعنف، وتشنجت عضلات رقبتها من أثر الصدمة والغل الصامت. نظرت إليه وكأنها تتأمل شيطاناً يعجز عقلها عن استيعابه. لكن نور ضغطت بسرعة على يد هديل.. إشارة صامتة تأمرها بالثبات.نظرت نور إلى ماجد بصبر ذكي وبارد؛ كانت بحاجة لرسم خريطة لأعماق عقله الملتوي. سألته بصوت ثابت، تستدرجه بالمنطق:— "وأنت هتستفيد إيه من كل دا؟ المجرمين اللي زيك مش بيحبوا يضيعوا وقتهم في الفاضي. ليه كل المجهود دا؟ ليه الألعاب دي كلها؟ ليه تقعد أسابيع تتفرج على جواز بيتحرق وتراقبهم، في حين إنك كنت تقدر تاخد اللي أنت عايزه وتمشي؟"وفي عقل ماجد الملتوي، كانت قطع أحجية قاتلة تترتب في مكانها. لم يكن يهتم بالمال؛ كان يهتم بالانتقام.تذكر الأمر وكأنه حدث بالأمس كيف أن أكرم، من كان يظنه "صديقاً"، لعب دور البطل وانتزع هديل من بين ي
وقفت هديل خلف الباب الرئيسي، يدها ترتجف وهي معلقة فوق المقبض، بينما ثقل سكين المطبخ المخبأة على خصرها تحت ملابسها يضغط على روحها قبل جسدها. وفجأة، بدأ هاتفها يهتز.. كانت "نور". تأملت هديل الاسم على الشاشة، وشعرت بقلبها يتصدع حزناً. همست للرواق الفارغ: — "يا ريتني أقدر أقولك يا نور.. يا ريتني أقدر أرمي الحمل دا عليكي عشان أقدر أتنفس ويقولي اتصرف ازاي. حاولت تجاهل المكالمة، لكن نور كانت تلح بلا هوادة؛ فجاءت المكالمة الثانية ثم الثالثة على التوالي. هديل تعرف صديقة عمرها جيداً؛ لو لم تجب الآن، ستكون نور واقفة أمام باب شقتها خلال عشرين دقيقة. سحبت أنفاساً متقطعة، وأجبرت نبرتها على ارتداء قناع صخري جامد، ثم سحبت الشاشة للرد. قالت هديل بصوت مشدود وجاف: — "أهلاً يا نور.. صباح الخير." انفجر صوت نور عبر السماعة، متشنجاً ومقطوع الأنفاس من شدة الذعر: — "هديل! الله يخليكي يا هديل كلميني! أنتي كويسة؟ طمنيني عليكي، قوليلي إنك كويسة!" كانت تبدو وكأنها على وشك الانهيار تماماً.
فقد ماجد صوابه تماماً ما إن رأى دمه وهو يقطر من يده تحولت ثقته الأولى إلى غضب حيواني أعمى. لم يعد يهتم بالعدسات أو المراقبة؛ اندفع نحوها وضربها بقوة وحشية ومقززة، تركها ملقاة على الأرض، جسدها متكوم ووعيها مشوش.لكن الطرق المتواصل والعنيف على الباب من قِبل "نور" بدأ يتسلل تحت جلده ويثير جنونه. كان عليه إسكات هذا الصوت، وبسرعة.اندفع ماجد نحو الباب، وأنفاسه تخرج في فحيح حاد. سحب المزلاج بعنف وفتح الباب على مصراعيه.لم تتردد نور لثانية؛ صرخت وهي تندفع للداخل:— "هديل!"لكنها لم تصل إليها؛ فقبل أن تطأ قدمها العتبة، امتدت يد ماجد الملطخة بالدماء، وقبضت على شعر نور بجذبة عنيفة جعلت الأخيرة تصرخ ألمًا. وبدفعة واحدة قوية وباردة، ألقى بها في منتصف الغرفة.سقطت نور بقسوة على الأرض، وتزحلقت فوق البلاط حتى استقرت مباشرة بجانب جسد هديل المنتفض. تردد صوت إغلاق القفل والمزلاج مجدداً في أرجاء الشقة كأنه طلقة رصاص. لقد أُغلق الباب، وأصبحتا الآن معاً داخل المصيدة.بينما كان الكابوس يحدث خلف الأبواب المغلقة، كان
لم يكن "ماجد" يسير نحو الشقة، بل كان يتحرك كصياد يتربص بفريسته. وباستخدام المفتاح الاحتياطي الذي مررته له "هنادي" في خيانة كاملة لأمان "هديل"، تسلل إلى الرواق كالشبح، بينما ابتلع صوت قفل الباب ضجيج المدخنة المنبعث من المطبخ.تحرك في الردهة بصمت حذر، ونبضات قلبه تقرع بعنف في صدره. كان بإ
خرجت هديل من الحمّام، مبللة الشعر والملامح، كأنها خرجت من تحت المطر. كان الصمت في الشقة كثيفًا، يلتصق بالجدران.ارتدت رداء الحمام الذي تركه أكرم لها، لكن القماش لامس جلدها كأنه غريب عنها، فارتجف جسدها بلا سبب واضح.كان اكرم واقفًا عند النافذة ظهره إليها، يخفي عنها قلق
كان صوت اهتزاز الباب تحت أشبه بناقوس موت يتردد صداه في أرجاء المكان. في تلك اللحظة، انقشعت غشاوة المهدئ عن عقل "هديل" فجأة، لتستيقظ على كابوس ذي وضوح حاد ومرعب. رفعت عينيها لتجده أمامها.. "ماجد". نزلت عليها الحقيقة كالصدمة القاتلة التي حبست أنفاسها؛ لم يكن هذا حلمًا، بل
اقتحمت "هنادي" الغرفة، وتطوّحت خطواتها في تمثيلية جنونية ومفتعلة قبل أن يصل "أكرم" و"هديل" إلى عتبة الباب. ارتمت فوق فراش والدها الذي كان يصارع سكرات الموت، وقبضت على يده المرتجفة وهي تنخرط في بكاء صاخب:— "شايف يا بابا؟! شايف أكرم عمل إيه؟! جايب مراته لحد بابك.. ولا محترم وجعي ولا مرضك!







