LOGINمرّت ساعتان. ثم الثالثة. كانت هديل جالسة على حقيبتها في غرفة معيشة نور، عيناها معلقتان بالساعة كأن عقاربها تمشي فوق أعصابها لا على الزجاج.
دخلت نور للمرة العاشرة وهي تحمل كوب شاي أعشاب وقالت بلهجة مطمئنة: — "يا هديل يا حبيبتي اهدي، دي مستشفى وفيه زحمة وورق، أكيد جاي في الطريق." ابتسمت هديل ابتسامة باهتة خاوية، وقالت بصوت مكسور: — "الزحمة ما بتاخدش ساعتين زيادة يا نور… أكرم اتأخر. واضح إن السر اللي قالهولي كان وعد في الأول وبقى قيد في الآخر." حاولت تتصل به، ظل الهاتف يرن بلا رد. كان ذلك أسوأ من الإغلاق نفسه… لأنه يعني أنه رآها ولم يجب. كان أكرم واقفًا بجوار سرير والد هانادي، الذي كان ممسكًا بيده كمن يغرق ويتمسك بطوق النجاة. وجه الرجل شاحب، وصوته بالكاد يُسمع وهو يتوسل: — "يا أكرم… يا ابني… أنا عارف إني حملتك فوق طاقتك. بس بنتي هتضيع. الراجل اللي فضحها هرب بره البلد. لو سبتها دلوقتي، الفضيحة هتخلص على كل حاجة. خليك جنبها… علشاني… علشان العِشرة اللي بيني وبين أبوك. ما تسيبهاش الليلة دي لوحدها." كان قلب أكرم يشتعل. نظر إلى ساعته، وكل ثانية تمر كانت خيانة لوعد مؤجل. التفت إلى هانادي في الزاوية تبكي—لا يدري أكانت صادقة أم تمثيلًا بارعًا. ثم عاد بنظره إلى الرجل المحتضر… كان محاصرًا داخل "فخ الشرف". تمتم بين أسنانه: — "يا عمي أنا معاك… بس لازم أروح لحظة وأرجع الصبح." ضغط الرجل على يده وهو يلهث: — "لا… ما تسيبهاش الليلة دي… قلبي مش مطمّن." في شقة نور، بدأ الضوء الأول يتسلل عبر الستائر. نهضت هديل، أمسكت حقيبتها، وسحبتها إلى الداخل. سألتها نور بصدمة: — "بتعملي إيه؟" قالت هديل بصوت هادئ بشكل مخيف: — "هنام يا نور. أكرم ما جاش. ومش هييجي الليلة. واضح إن السر اللي قالهولي مش كان سبب يرجعهلي… ده كان السلسلة اللي قيدته." ثم فتحت هاتفها وأرسلت رسالة واحدة وأغلقت الجهاز: "الانتظار بيقول لنا إحنا فين في حياة الناس يا أكرم. شكرًا إنك ورّيتني مكاني في ساعتين حسّيتهم بعمر." كان المكان هادئًا قبل الفجر. أكرم وصل لآخر طاقته، استند برأسه على طرف السرير وهو ماسك يد الرجل، وغرق في نوم مرهق. فجأة اهتز الهاتف. كانت هانادي تراقب من بعيد. قامت بهدوء، وخطت نحو الهاتف، وأخذته بسرعة وهي تتأكد أن أكرم نائم. فتحت الرسالة وقرأت: "الانتظار بيقول لنا إحنا فين في حياة الناس يا أكرم…" ابتسمت بسخرية وقالت بصوت منخفض: — "ساعتين؟ أنا هاخد عمره كله." ثم ضغطت حذف. اختفت الرسالة… وانقطع آخر خيط بين أكرم وهديل في تلك الليلة. كانت هديل تحدق في شاشة الهاتف السوداء. — "ولا كلمة… حتى ولا رسالة؟" ردت نور بهدوء: — "يمكن مش عارف يقول إيه." لكن هديل قالت ببرود: — "لأ يا نور… هو اختار. وأنا خلاص فهمت مكاني." استيقظ أكرم فجأة كأنه صُعق بالكهرباء. — "يا نهار أسود! نمت طول الليل! ما كلمتش هديل… هتقتلني، وأنا أستاهل." فتح الهاتف وهو يرتجف… لا رسالة. قبل أن يضغط اتصال، دوّى صراخ من الجانب: — "بطني! أكرم الحقني!" وانقلبت الغرفة لفوضى كاملة. دخل أكرم بعد ليلة منهكة، يريد أن يغيّر ملابسه بسرعة ويذهب لها. لكن توقف فجأة. هديل كانت واقفة بحقائبها… ووراءها ماجد. قال ماجد بابتسامة باردة: — "جاهزة تمشي؟ ولا لسه شايلة الشنطة تقيلة؟" أكرم بصوت مكسور: — "إيه اللي بيحصل هنا؟ وده بيعمل إيه في بيتي؟" هديل نظرت له بصدمة. وقبل أن تشرح، قال أكرم بسخرية مرة: — "أنا كنت جاي أغير عشان أجيلك… واضح إنك كنتي مشغولة بتجهيز خروجك معاه." صرخت فيه: — "ماجد اطلع بره دلوقتي!" ثم التفتت لأكرم: — "شكرًا على الساعتين اللي بقوا ليلة كاملة… وشكرًا إنك اهتميت بالشكل أكتر من الحقيقة." خرجت هديل من مدخل البناية وهي تجر حقيبتها بخطوات ثقيلة متعثرة، وكأن كل خطوة تُسحب من داخلها بالقوة. كانت تسير ببطء مؤلم، تحمل في داخلها أملًا ضعيفًا يتكسر مع كل ثانية: أن تسمع صوت خطواته خلفها، أن يناديها، أن يقول: "استني يا هديل… ما تمشيش." توقفت في منتصف الطريق، وثبتت عينيها على باب العمارة. كانت تنتظر أن يظهر أكرم، كأنه الدليل الوحيد على أنها ما زالت مهمة في حياته، وأن ما بينهما لم يُمحَ بلحظة غضب. دقائق مرت والناس يمرون حولها بلا اكتراث، بينما عالمها كله انكمش في ذلك الباب المغلق. لكن لم يخرج أحد. لا صوت، لا نداء، ولا حتى نظرة من النافذة. في تلك اللحظة شعرت بقشعريرة باردة تسري في عظامها. دموعها لم تسقط؛ بقيت معلقة في عينيها كأنها شظايا زجاج، تؤلمها من الداخل ولا تنزل. أحست أنها وحدها تمامًا… هي وحقيبتها وقلب مكسور في شارع لا يعرف عنها شيئًا. كانت على وشك التحرك حين لمحت هنادي تخرج من البناية بخطوات واثقة، كأنها خرجت من معركة منتصرة. تجمدت هديل مكانها، تحدق بها من بعيد. رأت فيها المرأة التي هدمت بيتها، واستغلت ضعف أكرم لتأخذه منها. اشتعلت الغيرة في قلبها، لكنها لم تكن غيرة ضعف، بل غيرة "حق". جفّت دموعها فوراً وتحولت نظرتها إلى صلابة حادة. سألت نفسها: هل أرحل بهذه السهولة؟ هل أتركه لها وأنا التي قاتلت لأجله؟ في لحظة واحدة تغيّر قرارها. لم تعد تفكر في الهروب. أمسكت بحقيبتها بقوة، ثم همست لنفسها بحدة: "أنا مش النوع اللي بيخسر بالسهولة دي… لو فاكرة إنك خدتيه، تبقي لسه ما شوفتيش حاجة." تركت الحقيبة على الأرض كأنها تتخلى عن فكرة الرحيل، وعادت بخطوات ثابتة نحو البناية. في الداخل، كان أكرم واقفًا في نفس المكان، يبدو عليه الانهيار والغضب معًا. ما إن رآها حتى همّ بالكلام، لكن هديل لم تمنحه الفرصة. اندفعت نحوه وألقت بنفسها في حضنه بقوة مفاجئة، كأنها تهرب من العالم كله. تجمد للحظة، بينما كانت تهمس بصوت منخفض دافئ: "اهدى على نفسك يا أكرم… واهدى على قلبي. كل ده حصل وأنا مش معاك؟ كنت مرعوبة عليك قبل ما أخاف منك. ليه سيبتني لوحدي كل الساعات دي؟" كلماتها انزلت سكونًا على غضبه، وخلطت داخله بين الذنب والحنان. كانت تلومه، لكن بلغة الحب، لا الصدام. وفي داخلها، كانت تعلن لنفسها قرارًا واضحًا: هذا الحضن لن يكون لغيري. أكرم شدّها إليه بقوة، كأنه يخشى أن تختفي من جديد، ثم احتواها بذراعين مرتعشتين. لم يعد قادرًا على المقاومة، وانسحب كل ما بداخله من غضب أمام قربها. في لحظة صمت، اختفى العالم حولهما… لم يعد هناك هنادي، ولا ماجد، ولا أي شيء سوى الاثنين. في اليوم التالي، كانت أشعة الصباح تتسلل إلى الغرفة بهدوء. استيقظ أكرم ليجدها بين ذراعيه، وكأنها عادت إليه أخيرًا. همس لنفسه: "الحمد لله إنك رجعتي… مش هسمح لحد يفرقنا تاني." لكن رنة الهاتف قطعت اللحظة. اسم هنادي ظهر على الشاشة مع رسالة عاجلة عن تدهور حالة والدها وطلب حضوره فورًا. توتر أكرم، وقرر الذهاب بسرعة. نهضت هديل وهي تسأله ببرود حذر: "دلوقتي؟ وإيه اللي يخليك لازم تروح بنفسك؟" حاول شرح أن الموقف خطير وأن الرجل يحتضر، لكنها أصرت: "هتيجي معاك." بعد تردد قصير وافق، وخرجا معًا. وفي نفس الوقت، كان ماجد قد تسلل إلى الشقة بمفتاح احتياطي حصل عليه بطرق ملتوية. دخل بهدوء، ووضع كاميرا خفية في غرفة النوم، وهو يهمس بسخرية: "اللي جاي هيكسركم… وهيوصلني لكل حاجة عايزها." في المستشفى، دخل أكرم ومعه هديل. وما إن ظهرا معًا حتى أصاب المشهد هنادي بصدمة شديدة؛ لم تتوقع أن تعود هديل بهذه القوة والهدوء، ولا أن يكون أكرم بهذا القرب منها. شعرت الأرض تميد بها، وانسحبت بسرعة نحو الحمام، حيث أرسلت رسالة لماجد تطلب منه تدمير العلاقة بأي وسيلة. بعد وقت قصير، بدأ ماجد يتحرك بخبث جديد، بينما كانت هنادي تدفعه نحو تنفيذ خطة لإثارة الفضيحة وتفكيك العلاقة نهائيًا. —— عادت هديل و أكرم إلى شقتهما. كانت التوترات لا تزال مشتعلة، لكن هناك شيئًا مختلفًا بدأ يتشكل بينهما… رغبة في التماسك رغم كل ما يدور حولهما. وفي تلك اللحظة، لم يكونوا يدركون أن اللعبة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن ما يُدار خلف الكواليس أخطر بكثير مما يظهر على السطح.تمتم ماجد لنفسه وعيناه مثبتتان على الشاشة: — "استمتعي باللحظة يا هديل.. اشبعي من حضنه كويس عشان لما الفيديو دا يوصل له، مش بس هيكرهك.. ده هيقرف حتى يلمس طرف هدومك. أنتي بتبني قبرك بإيدك." ظنت هديل أنها تحمي أكرم بلحظة الضعف هذه، غير مدركة أن ماجد يراقب كل خطوة. لم تكن تعلم أن اللحظة التي ظنتها خلاصها هي ذاتها الشيء الذي سيستخدمه لتدمير ما تبقى من كرامتها أمام زوجها. لم يكن الخطر كاميرا مؤقتة أُزيلت؛ بل كان "حصاراً" كاملاً لا يمكنها حتى رؤيته. بعد أن ارتوى أكرم من حضن هديل، شعر بثقل مفاجئ في جفنيه للمرة الأولى. فالتوتر الذي احتجزه طوال الليل انقشع فجأة، وحل محله استرخاء تام. أغلق عينيه وهو لا يزال يضمها بقوة بين ذراعيه، ودفن وجهه في شعرها كأنه وصل أخيراً إلى بر الأمان. وغط أكرم في نوم عميق وثقيل، كجندي وجد هدنة أخيرة بعد معركة طويلة. لكن هديل كانت في عالم آخر تماماً؛ كانت مستيقظة بكامل حواسها، وعيناها تتأملان الظلام، وقلبها لا يزال يخفق خوفاً لا رغبة. فجأة، تحطم سكون الغرفة باهتزاز مكتوم لهاتفها. بالن
لم ينطق أكرم بكلمة.. قيدته صدمته من حدتها المبالغ فيها لكنه تحامل على نفسه ووضع الصينية جانباً وجلس خلفها على الفراش. امتدت يده ببطء لتستقر على كتفها، ويمسح عليه بحنان جارف، ثم مال برأسه ليطبع قبلة رقيقة ومتأنية على جانب عنقها. وفي ذلك الجزء من الثانية، تحطمت الحصون التي بنتها هديل طوال الليل بالكامل. إن دفء أنفاسه وقرب جسده منها لمسا وتراً حساساً في أعماقها—ليس فقط كزوجة، بل كامرأة مكسورة تعشقه حتى النخاع. واجتاحتها موجة من الضعف القاتل؛ وبدلاً من أن تدفعه بعيداً كما خططت، مال رأسها تلقائياً ليستقر على صدره. أغلقت عينيها بقوة، وتنفست رائحته.. الشيء الوحيد الذي كان يشعرها بالأمان في هذا العالم اللعين. كانت هناك صرخة صامتة داخلها تتوسل إليه ألا يتركها أبداً، وتملكتها رغبة مستميتة في الاعتراف بكل شيء، وإلقاء هذا الحمل الذي يسحق روحها بين يديه. لكن فجأة، ومضت صورة ماجد في مخيلتها الدم الذي لطخ يديها، التهديد بالفضيحة، ورؤية حياة أكرم وهي تُدمر بشكل ممنهج. سرت قشعريرة باردة في عروقها، فانتف
تجمدت هديل في مكانها، وكأن صاعقة قد ضربت صدرها ليخفق قلبها بعنف شديد يهدد بتمزيق ضلوعها. كان صوت خشخشة المفاتيح المعدنية لأكرم في الخارج بمثابة حكم إعدام يُنفذ في توه؛ فهو على بُعد خطوات معدودة في الرواق، يفصله جدار واحد بـ مفاجأته المحملة بالحب عن هذا الكابوس الملطخ بالدماء. أما ماجد، فقد استند إلى إطار الباب يراقب حالة الذعر التي تجتاحها بنوع من الفكاهة السوداء والمريضة. مال بجسده نحوها، وهسّ بصوت منخفض ومتهدج: — "يا محاسن الصدف! إيه رأيك أفتح له الباب؟ خليه يشوف مراته في بيئتها الطبيعية." اندفعت نور نحو الأمام بسرعة، وقبضت على ذراع ماجد برعب، وتوسلت إليه بصوت مخنوق ومستجير: — "لا! ارجوك استنى! احنا بيننا اتفاق.. هي هتعمل كل اللي أنت عايزه، بس سيبنا نخرج من هنا قبل ما يشوفنا." نظر ماجد من فتحة العين السحرية، وعيناه تقطران بروداً محسوبا انتظر حتى تردد صدى الصوت الثقيل لإغلاق أكرم باب شقته في الممر، ثم فتح بابه إنشاً واحداً فقط. وفحّ بفحيح أفعى:
نظر مباشرة إلى هديل، وعيناه مجردتان من أي إنسانية:— "أنا عايزها تخلي اكرم يكرهها. عايزها تعامله كأنه زبالة، تبعده عنها بكل طريقة ممكنة، لحد ما يقتنع إن الطلاق هو الحل الوحيد المتاح قدامه. أنا عايزه هو اللي يمشي ويسيبها."التفت رأس هديل نحوه بعنف، وتشنجت عضلات رقبتها من أثر الصدمة والغل الصامت. نظرت إليه وكأنها تتأمل شيطاناً يعجز عقلها عن استيعابه. لكن نور ضغطت بسرعة على يد هديل.. إشارة صامتة تأمرها بالثبات.نظرت نور إلى ماجد بصبر ذكي وبارد؛ كانت بحاجة لرسم خريطة لأعماق عقله الملتوي. سألته بصوت ثابت، تستدرجه بالمنطق:— "وأنت هتستفيد إيه من كل دا؟ المجرمين اللي زيك مش بيحبوا يضيعوا وقتهم في الفاضي. ليه كل المجهود دا؟ ليه الألعاب دي كلها؟ ليه تقعد أسابيع تتفرج على جواز بيتحرق وتراقبهم، في حين إنك كنت تقدر تاخد اللي أنت عايزه وتمشي؟"وفي عقل ماجد الملتوي، كانت قطع أحجية قاتلة تترتب في مكانها. لم يكن يهتم بالمال؛ كان يهتم بالانتقام.تذكر الأمر وكأنه حدث بالأمس كيف أن أكرم، من كان يظنه "صديقاً"، لعب دور البطل وانتزع هديل من بين ي
وقفت هديل خلف الباب الرئيسي، يدها ترتجف وهي معلقة فوق المقبض، بينما ثقل سكين المطبخ المخبأة على خصرها تحت ملابسها يضغط على روحها قبل جسدها. وفجأة، بدأ هاتفها يهتز.. كانت "نور". تأملت هديل الاسم على الشاشة، وشعرت بقلبها يتصدع حزناً. همست للرواق الفارغ: — "يا ريتني أقدر أقولك يا نور.. يا ريتني أقدر أرمي الحمل دا عليكي عشان أقدر أتنفس ويقولي اتصرف ازاي. حاولت تجاهل المكالمة، لكن نور كانت تلح بلا هوادة؛ فجاءت المكالمة الثانية ثم الثالثة على التوالي. هديل تعرف صديقة عمرها جيداً؛ لو لم تجب الآن، ستكون نور واقفة أمام باب شقتها خلال عشرين دقيقة. سحبت أنفاساً متقطعة، وأجبرت نبرتها على ارتداء قناع صخري جامد، ثم سحبت الشاشة للرد. قالت هديل بصوت مشدود وجاف: — "أهلاً يا نور.. صباح الخير." انفجر صوت نور عبر السماعة، متشنجاً ومقطوع الأنفاس من شدة الذعر: — "هديل! الله يخليكي يا هديل كلميني! أنتي كويسة؟ طمنيني عليكي، قوليلي إنك كويسة!" كانت تبدو وكأنها على وشك الانهيار تماماً.
فقد ماجد صوابه تماماً ما إن رأى دمه وهو يقطر من يده تحولت ثقته الأولى إلى غضب حيواني أعمى. لم يعد يهتم بالعدسات أو المراقبة؛ اندفع نحوها وضربها بقوة وحشية ومقززة، تركها ملقاة على الأرض، جسدها متكوم ووعيها مشوش.لكن الطرق المتواصل والعنيف على الباب من قِبل "نور" بدأ يتسلل تحت جلده ويثير جنونه. كان عليه إسكات هذا الصوت، وبسرعة.اندفع ماجد نحو الباب، وأنفاسه تخرج في فحيح حاد. سحب المزلاج بعنف وفتح الباب على مصراعيه.لم تتردد نور لثانية؛ صرخت وهي تندفع للداخل:— "هديل!"لكنها لم تصل إليها؛ فقبل أن تطأ قدمها العتبة، امتدت يد ماجد الملطخة بالدماء، وقبضت على شعر نور بجذبة عنيفة جعلت الأخيرة تصرخ ألمًا. وبدفعة واحدة قوية وباردة، ألقى بها في منتصف الغرفة.سقطت نور بقسوة على الأرض، وتزحلقت فوق البلاط حتى استقرت مباشرة بجانب جسد هديل المنتفض. تردد صوت إغلاق القفل والمزلاج مجدداً في أرجاء الشقة كأنه طلقة رصاص. لقد أُغلق الباب، وأصبحتا الآن معاً داخل المصيدة.بينما كان الكابوس يحدث خلف الأبواب المغلقة، كان
لم يكن "ماجد" يسير نحو الشقة، بل كان يتحرك كصياد يتربص بفريسته. وباستخدام المفتاح الاحتياطي الذي مررته له "هنادي" في خيانة كاملة لأمان "هديل"، تسلل إلى الرواق كالشبح، بينما ابتلع صوت قفل الباب ضجيج المدخنة المنبعث من المطبخ.تحرك في الردهة بصمت حذر، ونبضات قلبه تقرع بعنف في صدره. كان بإ
طالعت هديل الثنائي بقلب خائف وأعين متوترة زائغة، استدرك ماجد الموقف العصيب الذي هو بصدده الآن، ابتلع ريقه بصعوبة، حاول استجماع شجاعته وبفطنة كاذب محترف صاح قائلا بثبات ظاهري:- ألف مبروك يا عريس، مش هتقولي إتفضل ولا إيه؟ دا أنا حتى جاي بنفسي أباركلك!تعرقت هديل وانسحبت الكلمات من فمها هاربة لتتركها
لم يعطها اي اهتمام نهائيا، أعاد رأسه على مسند المقعد، أغمض عينيه فشعرت بغضب ووقفت امامه مباشرةً، قالت بعصبية هادرة:- هو انا مش بكلمك .. في ايه بالظبط كنت فين وإيه اللي مبهدلك بالشكل دا من حقي أفهم على فكرة! هتف ببرود ونبرة صوته كانت تخرج من فمه بوهن:- كنت عند حبيبتي! شقهت ووضعت كفيها على فمها،
دلف إليها فوجدها مكومة حول نفسها بفستان الزفاف، صوت بكائها قطع نياط قلبه، حاول أن يقترب ليلمسها ويبثها بعضًا من الطمأنينة لكنه تراجع عندما تذكر رفضها القاطع له، تنحنح قائلًا بصوت حنون:- إنتي لسه بتعيطي؟إعتدلت في نومتها سريعا قبل أن تهم بإجابته بحدة وهي تمسح عينها بقوة مستعارة:- طبعا بعيط، إنت ع







