ANMELDENاستيقظت ديما على صوت السعال.
فتحت عينيها، وبقيت ساكنة لحظة حتى تأكدت أن الصوت جاء من طلال. كان جالسًا عند طرف السرير، منحنياً قليلًا، ويده على جبينه. اعتدلت. «طلال؟» لم يلتفت. «نامي.» كان صوته أجشّ. أزاحت الغطاء، ونزلت من السرير. «هل أنت بخير؟» «صداع.» وقفت أمامه، فرأته يضغط أصابعه إلى جانب عينه. بدا وجهه مرهقًا أكثر مما كان حين عاد من المكتب، والشحوب الخفيف حول فمه جعلها تنسى ما أرادت قوله مساء أمس. مدّت يدها نحو جبينه. رفع رأسه قبل أن تلمسه. «ماذا تفعلين؟» «أريد أن أتأكد إن كانت لديك حرارة.» قال إنه لا يحتاج، لكنها توقفت تنتظر، حتى أرخى يده وأدار وجهه قليلًا. وضعت أطراف أصابعها على جبينه. كان دافئًا. «سأحضر ميزان الحرارة.» «ديما، لدي اجتماع.» نظرت إلى الساعة. لم يكن الصباح قد بدأ فعلًا. «ليس الآن.» نهض، ثم توقف لحظة إلى جانب السرير، مستندًا بيده إلى الخزانة. اقتربت. «اجلس.» التفت إليها بنظرة ضيقة. «لا تأمريني.» أبقت صوتها هادئًا. «إذن اجلس من فضلك. سأعود حالًا.» ذهبت إلى الحمّام وأحضرت ما تحتاج إليه. حين عادت، وجدته جالسًا كما تركته تقريبًا، لكنه يحمل هاتفه. أخذت القياس وانتظرت. كان يكتب رسالة، ويخطئ في الحروف، ثم يمحوها بعصبية. قالت: «يمكنك تأجيل الاجتماع.» «لا.» «أو حضوره من البيت.» رفع نظره. «سأتولى الأمر.» نظرت إلى القراءة، ثم إليه. «لديك حرارة.» مدّ يده ليأخذ الميزان منها، كأنه يريد أن يتحقق بنفسه. قرأ الرقم، ولم يقل شيئًا. كانت تعرف أن صمته لا يعني موافقته. لكنه، على الأقل، لم ينهض مرة أخرى. --- نزلت ديما إلى المطبخ. أعدّت ماءً دافئًا، ووضعت قليلًا من الطعام الخفيف في طبق، ثم اتصلت بعيادة الدكتور فهد. عرفت اسمه من زيارات سابقة لطلال، ووجدت الرقم ضمن جهات الاتصال المنزلية. أخبرت الموظفة بما لاحظته، وطلبت أن يتواصل الطبيب معه. حين صعدت بالصينية، كان طلال واقفًا أمام الخزانة. أخرج قميصًا، ثم وضعه على السرير. توقفت عند الباب. «هل ما زلت تنوي الذهاب؟» «سأرى كيف أشعر بعد قليل.» وضعت الصينية. «تحدثت مع العيادة. سيتصل الدكتور فهد بك.» استدار. «من طلب منك الاتصال؟» تحركت أصابعها فوق حافة الصينية. «رأيتك متعبًا.» «كنت أستطيع الاتصال بنفسي.» «أعرف.» لم تزد. كان الغضب في وجهه أسرع من عادته، لكنها لم تعتبر ذلك وقتًا مناسبًا للاعتراض. رأته يلتقط هاتفه، ثم يضع القميص جانبًا حين بدأ الرنين. اتجهت إلى النافذة وأبعدت الستارة قليلًا، ليبقى الضوء خافتًا. تحدث طلال إلى الطبيب باختصار. أجاب عن أسئلة، ونظر إلى ميزان الحرارة مرة أخرى، ثم قال: «نعم. سأبقى في البيت.» توقفت يد ديما على الستارة. لم تلتفت إليه فورًا. كان يكفيها أنه لن يخرج وهو بهذه الحال. بعد المكالمة، جلس عند طرف السرير. «سيأتي بعد ساعة.» أومأت. «هل تأكل قليلًا؟» نظر إلى الطبق. «لا أشتهي شيئًا.» «بضع لقيمات فقط إن استطعت.» أخذ الخبز، ثم وضعه. قربت إليه الماء، وبقيت حتى شرب قليلًا. --- كان ذلك أول صباح منذ عودتها إلى العمل تضطر فيه إلى تغيير خطتها. أرسلت إلى هالة تخبرها بأنها تحتاج إلى إجازة لرعاية زوجها، وطلبت من زميلتها استخدام الأوراق التي وضعتها في خزانة المعلمات. لم تكتب شرحًا طويلًا. وصل رد المديرة بعد دقائق: «سلامته. سأرتب الحصص. أخبريني لاحقًا إن احتجت إلى يوم آخر.» وضعت الهاتف جانبًا. رآها طلال. «ألن تذهبي؟» «أخبرت المدرسة.» «يوجد من يبقى هنا.» نظرت إليه. «وأنا أريد أن أبقى.» لم يرد. مدّ يده نحو الحاسوب الموضوع قرب السرير، فسبقته وأبعدته إلى الطاولة. رفع عينيه إليها. توقفت. «ليس لأنني أريد التحكم في يومك. الطبيب سيصل قريبًا، وأنت متعب.» قال بحدة: «لا تشرحي كل شيء.» أومأت، وتركت الحاسوب في مكان تستطيع يده الوصول إليه. بعد لحظة، استلقى من دون أن يأخذه. جلست على المقعد القريب من النافذة. سمعت تنفسه يهدأ، ثم رأته يغمض عينيه. لم تكن تعرف إن كان نائمًا، لكنها لم تتحرك. --- وصل الدكتور فهد في الموعد الذي حدده. دخل الغرفة، وحيّا ديما، ثم اتجه إلى طلال. كان رجلًا هادئًا، يتحدث من دون استعجال. استمع إليه وفحصه، ثم ناقش معه ما يحتاج إليه خلال اليوم. بقيت ديما إلى جانب الطاولة، تستمع كي لا تنسى شيئًا. قال الطبيب أخيرًا: «العمل يستطيع الانتظار اليوم.» نظر طلال إلى هاتفه. ابتسم فهد ابتسامة قصيرة. «الهاتف أيضًا.» لم يبتسم طلال. لكن ديما لاحظت أنه وضعه مقلوبًا على الخزانة. عند الباب، سألت الطبيب إن كان هناك ما ينبغي أن تنتبه إليه، فأجابها، وطلب منها الاتصال إذا تغيرت حالته أو زاد ما يقلقها. شكرته، ورافقته إلى المدخل. قال قبل أن يغادر: «لا تنسي أن تأكلي أنت أيضًا.» فوجئت بالسؤال. «سأفعل.» نظر إليها كأنه لا يصدق تمامًا، ثم غادر. عادت إلى الأعلى. كان طلال يحدق في الباب. «ماذا قال لك؟» «ذكّرني بما قاله في الغرفة.» «غير ذلك؟» ترددت، ثم قالت: «طلب أن أتناول طعامي.» نظر بعيدًا. لم تعرف إن كانت هناك ابتسامة خفيفة عند طرف فمه، أم أنها تخيلتها. --- بعد ساعة، استطاع تناول بعض الطعام. وقفت ديما قربه حتى أنهى نصف الطبق، ثم جمعت الصينية. قال: «أنت لا تحتاجين إلى مراقبة كل لقمة.» رفعت عينيها. «أردت أن أعرف إن كان الطعام مناسبًا.» لم يجب. أخذت الصينية، واتجهت نحو الباب. سمعته يقول: «كان مناسبًا.» توقفت لحظة. «جيد.» نزلت، وغسلت الطبق، ثم جلست لتأكل. لم تشعر بالجوع إلا حين أخذت أول لقمة. كانت تفكر في المائدة التي بقيت خالية مساء أمس، وفي الموعد الذي لم يتم. كان من السهل أن تنسى اعتراضها حين يمرض؛ كل انتباهها ينصرف إلى شيء تستطيع إصلاحه. طعام. ماء. وسادة مريحة. ضوء أقل. أما ما يؤلمها في حياتهما، فلا تعرف أين تضع يدها كي يخف. أنهت طعامها، وعادت إليه. وجدته نائمًا. جلست في المقعد نفسه، وفتحت كتابًا بصمت. --- رنّ هاتفه قبيل الظهر. تحرك طلال، ثم فتح عينيه ومدّ يده إليه. أجاب قبل أن يتمكن من الاعتدال. «نعم؟» تغير وجهه بعد ثوانٍ. استند إلى الوسادة، وقال: «لا توافقوا على الإضافة. أرسلوها إليّ أولًا.» أغلقت ديما كتابها. واصل الاستماع، ثم ضغط أصابعه على جبينه. «قلت إننا لن نغيّر…» توقف، وسعل. مدّت إليه الماء. أخذه من دون أن ينظر إليها. بعد المكالمة، وضع الهاتف بقوة على الخزانة. قالت: «هل يمكن أن يتولى أحد الأمر حتى تتحسن؟» «ليس هذا الأمر.» «إذن اطلب منهم أن يرسلوا ما تحتاج إليه، من دون اتصالات متتابعة.» رفع رأسه. «هل ستديرين الشركة أيضًا؟» تجمدت. كان السؤال حادًا بما يكفي ليعيدها إلى حدود تعرفها. قالت بعد لحظة: «لا. أحاول أن أساعدك على الراحة.» بقي ينظر إليها، ثم أزاح عينيه. لم تتكلم. أعادت الكأس إلى الطاولة، وفتحت كتابها، لكن الكلمات لم تثبت أمامها. بعد دقائق، قال: «اطلبي منهم، إذا اتصلوا برقم البيت، أن يرسلوا الأمور إلى مساعدي.» رفعت عينيها. «حسنًا.» لم يعتذر. لكنها نفذت ما طلبه، وأغلقت باب الغرفة جزئيًا حتى تخف الأصوات. --- في وقت لاحق، طلب منها أن تخفض الستارة أكثر. نهضت، وعدّلتها. «هكذا؟» أومأ. عادت إلى مقعدها، فسمعته يقول: «لا تبتعدي الآن.» توقفت قبل أن تجلس. نظر إليها، ثم أغمض عينيه. ربما قصد ألا تترك الغرفة. ربما احتاج إلى الماء مرة أخرى، أو أراد أن يسألها عن شيء. قالت بهدوء: «أنا هنا.» جلست. لم تطلب منه تفسيرًا. وضعت الكتاب في حجرها، وبقيت تستمع إلى تنفسه. كان في تلك العبارة القصيرة ما يكفي ليوقظ شيئًا حاولت ضبطه منذ ليلة الرسالتين. لم يعدها بشيء، ولم يقل كلمة تحمل معنى أكبر من اللحظة، لكنها شعرت بأنه أراد وجودها. حتى لو لم يعرف كيف يطلبه إلا وهو متعب. حين تحرك بعد قليل، سحب الغطاء من جانبه، فمالت لتعيده فوق كتفه. فتح عينيه. كانت يدها ما تزال على طرف الغطاء. نظر إلى وجهها طويلًا، من دون أن يتكلم. تراجعت قليلًا. «هل تحتاج شيئًا؟» هزّ رأسه. بقيت عيناها عليه لحظة أخرى، ثم عادت إلى مقعدها. لم تكن تعرف لماذا أصبحت أبسط نظرة منه تحتاج إلى كل هذا التأويل. --- تحسنت حالته قليلًا مع حلول العصر. جلس، وطلب منها إحضار حاسوبه. لم تعترض هذه المرة، لكنها وضعت إلى جانبه الماء، وذكّرته بألا يطيل الجلوس إن عاد الصداع. قال: «سأراجع ملفًا واحدًا.» «حسنًا.» نزلت لتعدّ له طعامًا خفيفًا، ثم اتصلت بوالدته بناءً على طلبه. أخبرتها أن الطبيب زاره، وأن حالته أفضل، وطمأنتها إلى أنها معه. قالت المرأة: «كنت سأحضر.» «يمكنك الاتصال به الآن. استيقظ.» «لا أريد أن أزعجه.» ابتسمت ديما بحزن خفيف. «لن ينزعج منك.» بعد المكالمة، عادت بالصينية. كان طلال ما يزال أمام الحاسوب. وضعت الطعام، وانتظرت أن يغلقه. نظر إليها. «ماذا؟» «قلت ملفًا واحدًا.» «لم أنتهِ.» لم تجادله. قربت المقعد وجلست، وبدأت تقشر الفاكهة التي أحضرتها. بعد دقائق، أغلق الحاسوب. لم تنظر إليه مباشرة كي لا يبدو كأنها تراقب امتثاله. وضعت قطعة الفاكهة في طبق صغير. أخذها. سألها: «كيف كانت الحصص التي تركتها؟» توقفت يدها. «أرسلت لهم خطة اليوم. زميلتي تولتها.» «هل سيكون عليك تعويضها؟» «سأساعدها في وقت آخر.» أومأ، ثم تناول قطعة أخرى. لم يكن سؤالًا عن شعورها أو عن حياتها، لكنه كان سؤالًا يخصها. أجابته عن بعض التفاصيل، فاستمع. لعدة دقائق، بدا الحديث سهلًا. --- طلب طلال شاحنًا إضافيًا لحاسوبه مع اقتراب المساء. كان الشاحن الذي في الغرفة يقطع الاتصال كلما تحرك السلك. قال: «في المكتب. الدرج الأيمن من الخزانة الصغيرة قرب النافذة.» نهضت. «سأحضره.» دخلت المكتب، وأضاءت المصباح. كان سطح الطاولة مرتبًا أكثر مما توقعت. الرسالتان لم تعودا فوقه، ولا الظرف الأزرق. لم تبحث عنهما؛ اتجهت إلى الخزانة التي وصفها. فتحت الدرج الأيمن. وجدت أسلاكًا، ودفترًا صغيرًا، وعلبة جلدية قديمة. كان الشاحن في الخلف، وتعلق طرفه بما تحت العلبة. مدّت يدها لتحرره. تحركت العلبة، وانزلق من تحتها ظرف ورقي سميك. سقط على الأرض، وخرجت منه صورة. انحنت ديما لتجمعهما. رأت طلال. أصغر سنًا، يرتدي قميصًا بسيطًا، ويقف أمام مبنى يشبه مباني الجامعة. إلى جانبه امرأة ذات شعر داكن، ترفع وجهها نحوه وتضحك. لم تكن غرابة الصورة في وجود المرأة. كانت في وجهه هو. كان يضحك. ضحكة واضحة، واسعة، لا تشبه الابتسامة التي طلبها المصوّر في الحفل. حتى وقفته بدت مختلفة؛ كتفاه مرتاحان، وجسده متجه نحو المرأة، كأنه لا ينتظر انتهاء اللحظة كي يذهب إلى مكان آخر. بقيت ديما منحنية، والصورة بين أصابعها. لم تعرف المرأة. لكنها عرفت فورًا أنها لا تعرف طلال الذي في الصورة أيضًا. --- سمعت حركة عند الباب. رفعت رأسها. كان طلال واقفًا في المدخل، مستندًا بيده إلى الإطار. نهضت بسرعة. «سقطت من—» تقدم نحوها. لم ينتظر أن تنهي الجملة. أخذ الصورة من يدها بحركة حادة، ثم نظر إلى الظرف على الأرض، وإلى الدرج المفتوح. قال: «ماذا تفعلين؟» تراجعت خطوة. «أبحث عن الشاحن. قلت إنه هنا.» رفع الصورة، ثم أخفاها داخل الظرف. كانت أصابعه مشدودة على الورق. قالت: «تعلق السلك بالعلبة، فسقط الظرف.» لم يرفع عينيه إليها. أعاد الظرف إلى الدرج، ووضع العلبة فوقه، ثم أغلقه. استدار. كل الهدوء الذي رأته في الغرفة اختفى من وجهه. «وجدتِ الشاحن؟» نظرت إلى السلك الذي ما يزال في يدها. «نعم.» مدّ يده. ناولته إياه، لكنه لم يتحرك نحو الباب. بقي واقفًا بينها وبين الخزانة. كان عليها أن تخرج. تعرف ذلك. ومع ذلك، قالت: «هل كانت الصورة في الجامعة؟» استقر نظره عليها. «لماذا تسألين؟» «لأنني لم أرَ صورًا لك من تلك الفترة.» «ولا تحتاجين إلى رؤيتها.» انخفض صوتها. «لم أفتح الظرف.» «رأيت أنك تمسكين الصورة.» «لأنها سقطت. كنت سأعيدها.» طال نظره، كأنه يختبر إن كانت ستضيف شيئًا. لم تتحرك. أمسك الشاحن بإحكام، ثم قال: «انتهى الأمر.» كان واضحًا أنه يريدها أن تصمت. لكن الوجه الذي رأته ظل حاضرًا أمامها؛ طلال الذي يضحك من دون تحفظ، والمرأة التي تقف قريبة منه كأن قربه أمر تعرفه ولا تخافه. قالت، قبل أن تفقد شجاعتها: «من كانت معك؟» تغيرت عيناه. لم يرفع صوته، لكن الكلمة خرجت قاطعة: «ديما.» انتظرت. أضاف: «لا تعيدي هذا السؤال.» --- تحرك نحو الباب. رأت التعب يعود إلى وقفته، فمدّت يدها من غير تفكير لتسنده. نظر إلى يدها، ثم ابتعد عنها. سحبتها. قالت: «كنت أحاول—» «أستطيع المشي.» خرج، وبقيت وحدها في المكتب. نظرت إلى الدرج المغلق. لم تفتحه. أطفأت المصباح، ثم عادت إلى الغرفة. كان طلال يجلس على السرير، يوصل الشاحن بالحاسوب. وضعت الماء قربه، وسألته إن كان يريد أن ترتب وسادته. قال لا. لم تسأله عن الصورة مرة أخرى. جلست على المقعد الذي أمضت عليه معظم اليوم، لكن المسافة بينهما بدت أوسع مما كانت في الصباح. قال بعد قليل، وهو ينظر إلى الشاشة: «بعض الأشياء لا تخصك.» رفعت عينيها إليه. لم تكن تعرف إن كان يقصد الصورة، أم الماضي كله، أم الوجه الذي لم يظهر لها يومًا. وضعت يديها في حجرها. «أنا لم أبحث عنها.» «إذن انسي أنك رأيتها.» عاد إلى الحاسوب. نظرت ديما إلى وجهه، وانتظرت أن يلتفت، لكنه لم يفعل. لم تكن تستطيع أن تنسى الصورة كما طلب. لأنها لم ترَ فيها امرأة مجهولة فقط. رأت طلال قادرًا على أن يكون قريبًا من أحد، وسعيدًا بهذا القرب. وكان السؤال الذي بقي معها أشد إيلامًا من اسم المرأة: لماذا لم تعرف هي هذا الرجل طوال عامين؟لم يتكلم طلال بعد عبارتها.بقيت ديما مستلقية، وعيناها مفتوحتين في الظلام، تنتظر أن تسمع اعتراضًا أو تفسيرًا آخر.لم يأتِ شيء.سمعت حركته قرب الخزانة، ثم صوت الماء من الحمّام. حين عاد، أطفأ الضوء الأخير واستلقى في الجهة الأخرى من السرير.لم تسأله أين كان.ولم تُعد كلامها.كانت قد قالت ما تحتاج إليه: عنايتها به لم تكن قسطًا من دين أبيها.في الصباح، استيقظت على المنبّه.نهضت، وأخرجت القميص الذي جهزته له مساءً، ثم نزلت لإعداد الإفطار.كان التعب أخف قليلًا، لكنه لم يختفِ. نامت ساعات متصلة، وهذا وحده جعل حركاتها أكثر ثباتًا.حين جلس طلال، وضعت القهوة أمامه.قال:«هل نمتِ؟»رفعت عينيها إليه.«أفضل من الليلة السابقة.»أومأ.تناول بعض الطعام، ثم وضع الفنجان على طبقه الصغير.بقي صامتًا حتى انتهت من ترتيب علبة طعامها.قال:«ما قلته عن والدك…»توقفت يدها.التفتت إليه.كان ينظر إلى المائدة، لا إلى وجهها.«لم أقصد أن يكون سبب اهتمامك بي.»ظلت ساكنة.لم يكن اعتذارًا، لكنه كان أول مرة يعود فيها إلى ما قاله من دون أن يطلب منها نسيانه.قالت:«لكنه جعلني أشعر أنك تراه هكذا.»رفع نظره.«كنت غاضبًا.»أومأ
بقي طلال واقفًا في المدخل.كانت ديما عند أسفل الدرج، ويدها على الدرابزين، تنتظر جوابًا عن السؤال الذي خرج منها قبل أن تصعد.«حين كانت جود تجلس في مكتبك، هل كنت منشغلًا كما تكون معي؟»لم يجب فورًا.ألقى مفاتيحه على الطاولة، ثم التفت إليها بوجه مغلق.«ما معنى هذه المقارنة؟»خفضت يدها.«معناها أنني أريد أن أفهم.»«قلت لك إنني ساعدتها.»«ولماذا تغضب كلما سألتك عن ذلك؟»خلع سترته بحركة حادة، ووضعها فوق المقعد.«لأنك لا تتوقفين عن السؤال.»نزلت الدرجة التي كانت تقف عليها، وعادت إليه.لم ترد أن يظن أنها تلقي سؤالًا ثم تهرب، ولا أن يتركها مرة أخرى عند باب مكتبه من دون جواب.قالت:«عرفت الليلة أنها زارتك أكثر من مرة. لم أعرف منك، بل منها.»«وماذا في ذلك؟»نظرت إليه.كان السؤال صادقًا في قسوته؛ بدا أنه لا يرى ما يحتاج إلى تفسير.قالت:«هي امرأة كانت بينك وبينها علاقة. عادت منذ أيام، وصارت تزورك وتتصل بك، وأنت ترفض حتى أن تخبرني بما يحدث.»«لا يحدث شيء.»«إذن لماذا يصعب عليك الحديث عنه؟»شدّ فكه.«لأنني لا أحب أن أُحاسَب على كل دقيقة من يومي.»أبقت صوتها منخفضًا.«أنا لا أحاسبك على يومك. أريد أن
اتصلت والدة طلال بديما قبل نهاية الدوام بقليل.كانت ديما ترتب أوراق الأطفال، فوضعت القلم وأجابت.«مساء الخير.»«مساء النور. هل ستتأخرين اليوم؟»نظرت إلى الساعة.«سأخرج بعد نصف ساعة تقريبًا.»«جيد. أريدكما على العشاء غدًا.»أومأت ديما، ثم تذكرت أن المرأة لا تراها.«سأخبر طلال.»«أخبرته بالفعل. قال إنه يستطيع الحضور.»انتظرت ديما بقية الحديث.قالت والدته:«سنكون عددًا قليلًا. خالتُه وزوجها، وجود. لم أرها منذ عودتها إلا لدقائق.»توقفت يد ديما فوق الأوراق.كان اسم جود في نهاية القائمة، عاديًا كأسماء بقية الضيوف.«جود؟»«نعم. هي تعرف الأسرة منذ الجامعة، وكان من غير اللائق أن تعود ولا ندعوها.»خفضت ديما عينيها.لم تقل إن الزيارة غير لائقة.لكنها تذكرت طلب المرأة منها ألا تسأل طلال عن جود، ثم سألت نفسها كيف أصبح الحذر من اسمها ضروريًا، بينما دعوتها إلى العشاء أمر بسيط.قالت والدته:«ديما؟»«أنا معك.»«أردت إخبارك حتى لا تُفاجئي.»«شكرًا.»انتهت المكالمة بعدما اتفقتا على الموعد.بقيت ديما تحمل الهاتف لحظة، ثم وضعته في الحقيبة.كانت أمامها دفاتر تحتاج إلى أن تُعاد للأطفال، وطفلة تنتظرها عند ال
وصل طلال إليهما، ونظر إلى حقيبة ديما.«جاهزة؟»أومأت.كانت جملة جود ما تزال في رأسها، واضحة ومؤلمة، فلم تعرف كيف ترفع عينيها إلى زوجها من دون أن تسأله عنها.ابتسمت جود.«كانت أمسية جميلة.»التفت إليها طلال، فتغيرت ملامحه قليلًا.«الحمد لله أنك استطعت الحضور.»«لم أكن لأفوتها.»رفعت يدها، ثم قالت بنبرة عتاب خفيفة:«لكن لا تختفِ هذه المرة بعد اللقاء. لا أريد أن أعود لأبحث عن أخبار الجميع وحدي.»«لن يصعب عليك الوصول إليهم.»ضحكت.«أقصد أنك ستساعدني.»لم يعترض.وقفت ديما إلى جانبه، أصابعها مشدودة على حزام حقيبتها. انتظرت أن يودع جود ويتحرك، لكنه سألها عن المكان الذي تقيم فيه، وإن كانت قد رتبت سيارة تعيدها.قالت جود:«كل شيء مرتب. لا تقلق عليّ.»ثم التفتت إلى ديما.«سعدت بمعرفتك.»أجابت ديما بأدب:«وأنا أيضًا.»تحركت نحو الباب، ولم تلتفت خلفها.لحق بها طلال بعد لحظات، وسارا إلى السيارة بصمت.أغلق طلال باب السيارة، ووضع هاتفه قربه.لم يشغّل المحرك فورًا.نظر إلى ديما، التي كانت تحاول تثبيت حزام الأمان بأصابع مرتبكة.قال:«ما حدث الليلة لن يتكرر.»توقفت يدها.رفعت عينيها إليه.«ماذا تقصد؟»«
لم تغيّر ديما الثوب الذي اختارته. أخرجته من الخزانة عند المساء، وفردته فوق السرير، ثم وقفت أمام المرآة تجمع شعرها وتعيد إسداله. بدا رفعه أكثر هدوءًا. وبدا تركه على كتفيها أجمل. كرهت أنها تقارن بين الاختيارين كما لو أن أحدهما قد يحسم شيئًا لا علاقة له بثوب أو تسريحة. رفعت شعرها في النهاية، وتركت خصلة خفيفة قرب أذنها. على المقعد إلى جانب السرير، كانت بدلة طلال جاهزة. تأكدت من القميص، ووضعت ساعته حيث يراها، ثم أغلقت علبة القرطين. دخل وهو يتحدث عبر الهاتف. أومأ إليها، وأكمل الاستماع. «سنصل قبل الثامنة.» لم تعرف لمن يقول ذلك. انتهت المكالمة، فوضع الهاتف على الخزانة وبدأ يستعد. سألته: «هل تناولت شيئًا منذ الظهر؟» «نعم.» أحضرت له الماء، ثم وقفت قرب المقعد تنتظر إن احتاج إلى شيء. التفت إليها بعد أن ارتدى سترته. نظر إلى ثوبها، ثم إلى وجهها. «جاهزة؟» «نعم.» كانت تريد أن تسأله إن كان يعرف أن جود وصلت إلى القاعة، لكنها لم تفعل. حملت حقيبتها. حين خرجا، كان هدوؤه مختلفًا عن هدوئه المعتاد. لم يتفقد ساعة يده كل بضع دقائق، ولم يراجع رسائل العمل في الطريق. انتبهت ديما إلى ذلك، ث
بقيت ديما تنظر إلى باب المكتب. لم تسمع جواب المرأة، ولا بقية الحديث. بعد الجملة التي وصلتها، انخفض صوت طلال، ثم عاد البيت إلى سكونه. «متى ستعودين؟» كان السؤال كافيًا ليجعل اسم جود مختلفًا عمّا كان عليه قبل ساعة. لم تعد امرأة في صورة قديمة. صارت شخصًا ينتظر طلال جوابًا منه الآن. نهضت ديما، ودخلت المطبخ. أطفأت النار، وغطّت الطعام كي لا يجف. كانت قد حفظت له وجبته، ويمكنها تسخينها حين يخرج. وقفت أمام المائدة لحظة. كان يومها جيدًا. أطفال قرؤوا، وأب حضر، ومديرة منحتها ثقتها. لم ترغب في أن يختفي كل ذلك لأن ظرفًا وصل إلى البيت. جلست، وتناولت طعامها. بعد دقائق، سمعت باب المكتب. ظهر طلال في الممر، والماء الذي تركته له في يده. نظر إليها، ثم إلى المقعد المقابل. قال: «هل انتهيتِ؟» «بدأت منذ قليل. أسخّن لك طعامك؟» أومأ. نهضت، وأحضرت الطبق. جلس، ووضع هاتفه إلى جانبه ووجهه إلى أسفل. لم تكن تلك حركة غريبة؛ يفعلها أحيانًا حين لا يريد أن يتشتت. لكنها انتبهت إليها الآن كما انتبهت إلى كل شيء منذ أن قرأ الاسم على الظرف. وضعت الطعام أمامه. «هل ما زلت تشعر بالتعب؟» «لا.» جلست. تناول







