LOGINكانت صفارات الإنذار تمزق أرجاء المنشأة كصرخات متواصلة لا تنتهي.
الأضواء الحمراء تومض فوق الرؤوس بجنون، فتصبغ الجدران والممرات بلون الدم. في الخارج كانت أصوات الأقدام تتعالى من كل اتجاه، وأجهزة الاتصال تصرخ بالأوامر المتلاحقة، بينما كان الحراس يركضون عبر الممرات كخلية نحل أصابها الذعر. أما ليال فكانت واقفة وسط الغرفة كأن كل تلك الفوضى لا تعنيها. كانت عيناها معلقتين بالملف الأسود المفتوح أمامها. وبالصورة القديمة التي ما زالت تقبض عليها بين أصابعها. صورة المرأة التي قيل لها إنها والدتها. شعرت بأنفاسها تتسارع. سنوات طويلة قضتها وهي تتساءل عن وجه أمها. هل تشبهها؟ هل كانت تتذكرها؟ هل كانت ما تزال حية في مكان ما؟ والآن... بعد كل تلك السنوات... أصبحت الحقيقة على بعد خطوات قليلة فقط. رفعت رأسها نحو الرجل الغامض. كان يقف أمام شاشات المراقبة يراقب المشهد بصمت. انعكست الأضواء الحمراء على وجهه فبدت ملامحه أكثر قسوة من المعتاد. قالت بصوت مرتجف: "أريد أن أراها." لم يجب. ظلت عيناه مثبتتين على إحدى الشاشات. اقتربت منه خطوة أخرى. "أريد أن أقابل أمي." عندها فقط التفت إليها. نظر إليها لثوانٍ طويلة. ثم قال: "هل أنت متأكدة؟" عقدت حاجبيها. "كيف لا أكون متأكدة؟" أجاب بصوت هادئ: "لأنك لا تعرفين ما الذي ينتظرك." شعرت بالضيق. "لا يهم." هز رأسه ببطء. "بل يهم." ثم أضاف: "إذا ذهبتِ إليها... فلن يكون هناك رجوع." ساد الصمت للحظة. حتى أصوات الإنذارات بدت بعيدة. "ماذا تقصد؟" سألته. اقترب منها قليلًا. وقال بصوت منخفض: "حين تعرفين الحقيقة كاملة... ستفقدين آخر ما تبقى لك من العالم الذي عرفته." شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. لكنها لم تتراجع. لقد سُرقت طفولتها. وكُذب عليها سنوات طويلة. ولم يعد لديها استعداد للعيش وسط الأكاذيب. التفتت نحو ياسين. كان ما يزال مستلقيًا على السرير الطبي. شاحب الوجه. ضعيف الجسد. تتنفس الأجهزة من حوله بصوت منتظم. شعرت بألم يعتصر قلبها. كل هذا حدث له دون أن يفهم السبب. دون أن يفهم من يكون. عادت تنظر إلى الرجل. وقالت بحزم: "سأذهب." ظل يراقبها للحظات. ثم أومأ برأسه أخيرًا. "إذن استعدي." في اللحظة نفسها دوى صوت حاد عبر أجهزة الاتصال. ثم اهتزت الإضاءة. وانطفأت لثانية واحدة. قبل أن تعود أكثر احمرارًا من السابق. ظهر أحد الحراس على الشاشة وهو يصرخ: "تم اختراق النظام!" ساد الاضطراب فورًا. تحرك الجميع في وقت واحد. الحراس أمسكوا بأسلحتهم. والعلماء تركوا مكاتبهم. وأخذت الأبواب المعدنية تُغلق وتُفتح بصورة عشوائية. تقدمت ليال نحو إحدى الشاشات. ورأت رجلاً مجهولًا يتحرك داخل أحد الممرات. كان يرتدي معطفًا داكنًا طويلًا. ويخفي وجهه تمامًا. لكن طريقته في الحركة بدت واثقة بصورة غريبة. كأنه يعرف المنشأة أكثر من العاملين فيها. وفجأة انقطعت الصورة. تحولت الشاشة إلى السواد. ثم بدأت باقي الشاشات تتعطل الواحدة تلو الأخرى. ضغط الرجل الغامض على جهاز الاتصال. "جهزوا الطائرة." أجاب أحدهم فورًا: "مفهوم." ثم التفت إلى ليال. "هيا." خرجوا إلى الممرات. الفوضى كانت تزداد مع كل دقيقة. بعض الأبواب كانت مفتوحة على مصاريعها. والحراس يركضون في الاتجاهات كلها. وأصوات التحذير الآلية تتردد في كل مكان. "تحذير... اختراق أمني..." "تحذير... اختراق أمني..." شعرت ليال بأن المكان كله ينهار حولها. ورغم ذلك استمرت في الجري. كانت تريد الوصول إلى أمها. أيًا كانت الحقيقة. وأيًا كان الثمن. انعطفوا داخل ممر جانبي طويل. وفجأة... خرج ظل من بين الظلال. شعرت بيد قوية تمسك بذراعها بعنف. شهقت. واستدارت بسرعة. كان الرجل نفسه. المخترق. أو هكذا خمنت. وجهه ما زال مخفيًا بالكامل. لكن صوته وصلها واضحًا. منخفضًا. ومستعجلًا. "لا تذهبي معهم." تجمدت. "ماذا؟" اقترب خطوة. "اسمعيني جيدًا." شعرت بالتوتر يتصاعد داخلها. "من أنت؟" لم يجب. بل قال: "إذا ذهبتِ معهم فلن تحصلي على الحقيقة." ارتجفت أصابعها. "أنت لا تعرف ما الذي تتحدث عنه." رد بسرعة: "بل أعرف أكثر مما تتصورين." حاولت رؤية وجهه. لكن الظل كان يخفي ملامحه بالكامل. "من أنت؟" كررت السؤال. لكنه تجاهله. وقال: "اسألي نفسك سؤالًا واحدًا." سكت لثانية. ثم أكمل: "إذا كانوا يريدون كشف الحقيقة لك... فلماذا أخفوها كل هذه السنوات؟" شعرت بالارتباك. الكلمات أصابت جزءًا من عقلها. جزءًا كان يشك منذ البداية. لكن صورة والدتها ظهرت أمام عينيها من جديد. وتذكرت الملف. وتذكرت سنوات البحث كلها. نزعت ذراعها من قبضته. وقالت: "لن أهرب." ثم ركضت مبتعدة. سمعت صوته خلفها. لكنها لم تتوقف. ولم تلتفت. وصلت المجموعة إلى منصة الهبوط. كانت الرياح تعصف بالمكان بقوة. ومحركات الطائرة السوداء العملاقة تدور بصوت يهز الأرض. صعد المسعفون بياسين أولًا. ثم تبعتهم ليال. وقبل أن يدخل الرجل الغامض... ظهر ثلاثة أشخاص يركضون عبر المنصة. عثمان. سمية. والدكتور منير. كانت ملابسهم مبعثرة. ووجوههم شاحبة. وكأنهم هربوا من كارثة. توقفوا أمام الرجل الغامض وهم يلهثون. قال الدكتور منير: "يجب أن نغادر فورًا." وأضاف عثمان: "لم يعد المكان آمنًا." أما سمية فكانت تنظر خلفها بخوف واضح. "إنه يقترب." رفع الرجل الغامض عينيه نحوهم. وبدا هادئًا بصورة مخيفة. "لن تأتوا معنا." ساد الصمت. تجمدت وجوههم. "ماذا؟" قال عثمان. أجابه الرجل ببرود: "سمعتني جيدًا." شحب وجه منير. "لكننا جزء من المشروع." رد الرجل: "كنتم جزءًا منه." ارتجفت شفتا سمية. "لا يمكنك تركنا هنا." لكن الرجل لم يبد أي تعاطف. ظل يحدق بهم وكأنهم غرباء تمامًا. ثم قال: "لقد انتهى دوركم." شعرت ليال بالذهول وهي تراقب المشهد من باب الطائرة. لأول مرة رأت الخوف الحقيقي في أعين الأشخاص الذين سيطروا على حياتها سنوات طويلة. صرخ عثمان: "بعد كل ما فعلناه؟!" لكن الرجل لم يجب. بل رفع يده فقط. وفي اللحظة التالية تقدم عدد من الحراس وأحاطوا بالثلاثة من كل جانب. تراجعت سمية خطوة للخلف. أما منير فبدا وكأنه على وشك الانهيار. وأخذ عثمان يحدق بالرجل الغامض غير مصدق. كأن العالم الذي عرفه انهار في لحظة واحدة. بدأ باب الطائرة يُغلق ببطء. بينما ظل الثلاثة محاصرين على أرض المنصة. آخر ما رأته ليال قبل أن يُغلق الباب بالكامل... كان عثمان يصرخ بشيء لم تستطع سماعه وسط هدير المحركات. ثم اختفى المشهد ارتجت الطائرة قليلًا. ثم بدأت ترتفع تدريجيًا عن الأرض. شعرت ليال بثقل غريب داخل صدرها. اقتربت من النافذة. ونظرت إلى المنشأة التي كانت تصغر شيئًا فشيئًا تحتها. الأضواء الحمراء ما زالت تومض. والفوضى ما زالت تعم المكان. لكن شيئًا واحدًا لم يفارق عقلها. الرجل المجهول. الرجل الذي أمسك بذراعها. والذي حذرها من الصعود إلى الطائرة. أغمضت عينيها للحظة. ثم تذكرت كلماته. "إذا ذهبتِ معهم فلن تحصلي على الحقيقة." شعرت بانقباض في قلبها. ولأول مرة منذ اتخاذها القرار... بدأ الشك يتسلل إلى داخلها. ماذا لو كان محقًا؟ وماذا لو كانت قد اختارت الطريق الخطأ؟ بينما كانت الطائرة تخترق ظلام السماء... لم تكن ليال تعلم أن رحلتها نحو الحقيقة قد بدأت بالفعل. وأن كل ما اكتشفته حتى الآن... لم يكن سوى بداية الكابوس.لم تتحرك ليال.ظلت عيناها معلقتين بسليم، بينما كانت الكلمات الأخيرة تتردد داخل رأسها.الملف.إذن لم تكن المطاردة من أجلها.ولا من أجل ياسين.كان هناك شيء آخر.شيء أخفاه والدها منذ سنوات، وجعل المنظمة مستعدة لفعل أي شيء لاستعادته.ابتلعت ريقها بصعوبة.ثم قالت:"أين الملف؟"لم يجب سليم.اقتربت منه خطوة."أين أخفى أبي الملف؟"ظل صامتًا.اشتعل الغضب في عينيها."أنت تعرف."رفع سليم نظره إليها."أعرف جزءًا فقط.""وأي جزء؟""أعرف لماذا أخفاه.""إذن أخبرني."تنهد."لأنه لم يعد يثق بأحد."ضحكت ليال بمرارة."حتى بك."خفض سليم عينيه."خصوصًا بي."ساد الصمت.كانت الجملة أثقل مما توقعت.نظرت إلى المفتاح الموجود في يدها.ثم إلى الشاشة التي انطفأت بعد ظهور رسالة والدها."هذا المفتاح قادنا إلى هنا.""نعم.""إذن إلى أين يقود؟"نظر سليم إلى الخريطة.ثم قال:"إلى مكان لم يعد موجودًا على الخرائط."تجمدت ملامحها."ماذا يعني ذلك؟"أشار إلى النقطة التي ظهرت على الشاشة."هذا المكان كان تابعًا للمشروع منذ أكثر من عشرين عامًا.""مختبر؟"هز رأسه."لا."توقف لحظة."كان منزلًا."شعرت ليال بالاستغراب."منزل؟""كان
ظلت ليال واقفة أمام النافذة، لا تتحرك.كانت البطاقة السوداء لا تزال بين أصابعها.شعرت بحافتها الحادة تضغط على جلد يدها، لكنها لم تنتبه إلى ذلك.كل ما استطاعت رؤيته كان السطر الأبيض المكتوب عليها:"إذا أردتِ معرفة من قتل والدك حقًا... فلا تثقي بآدم."قرأته مرة.ثم مرة أخرى.وكأنها تنتظر أن تتغير الكلمات.لكنها بقيت كما هي.نظرت إلى سليم.كان واقفًا في منتصف الغرفة، صامتًا، يراقبها دون أن يحاول الاقتراب.قالت:"أنت تعرف شيئًا."لم يجب."أليس كذلك؟"رفع عينيه إليها."نعم."كانت إجابته هادئة إلى درجة أثارت غضبها.اقتربت منه."إذن أخبرني."ظل صامتًا."من قتل والدي؟"خفض سليم عينيه إلى البطاقة."ليس الأمر بهذه البساطة."ضحكت ليال ضحكة قصيرة، لكنها لم تحمل أي فرح."كل شيء عندكم ليس بهذه البساطة."ثم رفعت البطاقة أمام وجهه."منذ أن بدأت هذه الكارثة، وأنا أسمع الجملة نفسها.""لا تسألي الآن.""لا يمكنك معرفة الحقيقة.""الأمر أخطر مما تتخيلين.""تعبت من ذلك."خرجت الجملة من فمها بصوت منخفض.لكنها كانت أثقل من أي صرخة."تعبت من أن أكون آخر شخص يعرف الحقيقة عن حياتي."صمت سليم.تابعت:"كل شخص يظهر
لم يكن الانفجار هو أكثر ما أرعب ليال.بل تلك الخطوات.كانت بطيئة... ثابتة... واثقة.لا تشبه خطوات رجل يطارد فريسة، بل خطوات شخص يعلم أن الفريسة لن تجد مخرجًا مهما ركضت.ارتجف الضوء المعلق في سقف الغرفة، وانطفأ لثانية، ثم عاد يومض بصورة متقطعة، ناشرًا ظلالًا طويلة على الجدران المتشققة.أدار سليم رأسه نحو الباب.لمعت عيناه للحظة، وكأنهما تحسبان كل احتمال.ثم أغلق الجدار السري بسرعة، وأشار إلى ليال أن تبقى مكانها.همس بصوت خافت:"لا تتكلمي... مهما سمعتِ."نظرت إليه باستغراب."لكن—"رفع إصبعه أمام شفتيه."ثقي بي... هذه المرة فقط."لم تكن تريد أن تثق به.لكنها لم تجد خيارًا آخر.انحنت بجوار ياسين، وأسندت رأسه إلى كتفها.كان جسده يزداد سخونة، وأنفاسه غير منتظمة، وكأن معركة خفية تدور داخله.فتحت حقيبة الإسعافات التي وجدتها في الغرفة، وأخرجت قطعة قماش مبللة وضعتها على جبينه.فتح عينيه بصعوبة.كانت عيناه حمراوين، لكنهما كانتا تدوران في الغرفة وكأنه لا يتعرف إلى المكان.همس بصوت متعب:"ليال..."ابتسمت رغم خوفها."أنا هنا."نظر إليها طويلًا.ثم قال شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها."لا تدعيهم... ي
لم يعرف أحدٌ كيف مرّت الدقائق التالية.ظل الصمت يخيّم على الغرفة الصغيرة، حتى بدا وكأنه كائن حي يراقبهم من زواياها الضيقة. لم يكن هناك سوى صوت أنفاس ياسين المتقطعة، وقطرات المطر التي بدأت ترتطم بزجاج النافذة في إيقاع بطيء، كأن السماء نفسها تشاركهم ذلك الثقل الذي استقر فوق المكان.كانت ليال لا تزال ممسكة بمسدسها.ذراعها تؤلمها من شدة التوتر، لكنها لم تخفض السلاح.وقفت في مواجهة الرجل الغريب، بينما كانت كل خلية في جسدها تصرخ ألا تثق بأحد.منذ أيام فقط كانت تعيش حياة عادية، تذهب إلى جامعتها، تخطط لمستقبلها، وتحلم بالسفر إلى باريس لاستكمال دراستها.أما الآن...فها هي في باريس بالفعل.لكنها وصلت إليها مطاردة، تحمل سلاحًا، وتخشى كل وجه جديد يقابلها.راقبها سليم بصمت.لم يحاول الاقتراب.ولم يحاول حتى الدفاع عن نفسه.قال بهدوء:"لو أردتِ قتلك... لفعلت ذلك منذ أن دخلت هذه الغرفة."لم تجبه.بقيت عيناها مثبتتين عليه.ثم قالت بصوت منخفض، لكنه حاد:"هذه ليست إجابة."ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم تنهد."أعرف."أعاد يديه إلى جانبيه ببطء، ثم نظر إلى النافذة."الخوف يجعلك ترين الجميع أعداء."رفعت حاجبها."ل
لم تستطع ليال أن تصرخ.في اللحظة التي أطبقت فيها اليد على فمها، شعرت أن قلبها توقف عن النبض.كانت يدًا قوية... لكنها لم تكن مرتجفة، ولم تكن تضغط بعنف. كانت ثابتة، وكأن صاحبها اعتاد أن يسيطر على المواقف دون أن يترك أثرًا.انعكس ضوء خافت عبر شقوق الخزانة، فرأت ظله فقط.ثم جاءها صوت منخفض، بالكاد يُسمع."لا تتحركي..."توقفت عن المقاومة."...إن أردتِ أن يبقى حيًا."اتسعت عيناها.هل يقصد ياسين؟أم يقصدها هي؟في الخارج...صدر صوت احتكاك معدني، ثم انفتح باب الغرفة ببطء شديد.دخل أول رجل.ثم الثاني.ثم الثالث.لم يتبادلوا كلمة واحدة.كانوا يتحركون بانضباط مرعب، كأنهم آلة واحدة مقسمة إلى ثلاثة أجساد.توقف أحدهم أمام السرير.نظر إلى الملاءة الفارغة.قال بصوت بارد:"اختفى."أجابه الآخر وهو يرفع جهازًا صغيرًا يشبه الماسح الضوئي."لا..."مرر الجهاز فوق الأرض.فوق الجدران.فوق السرير.ثم توقفت الشاشة عند نقطة مضيئة.ابتسم ابتسامة قصيرة."ما زال داخل الغرفة."شعرت ليال بأن الدم تجمد في عروقها.أغمضت عينيها.ليس الآن...أرجوك...ليس الآن...اقتربت الخطوات.خطوة...ثم أخرى...ثم ثالثة.كل ثانية كانت ت
في جناحٍ معزول داخل أحد المراكز الطبية التابعة للمنظمة، كان الصمت يثقل المكان كأنه جدار غير مرئي يضغط على صدور من فيه.الإضاءة كانت خافتة، وباردة، وأجهزة المراقبة تصدر أصواتًا متقطعة تشبه أنفاسًا لا تريد أن تنتهي.كانت الأم جالسة إلى جوار سرير ابنها.وجهه شاحب، وملامحه منهكة، كأن الحياة نفسها تراجعت عنه خطوة خطوة.كانت تمسك بيده بقوة، وكأنها إن أفلتتها… سيفلت معها كل شيء.دخل طبيبان بهدوء، يتبادلان نظرات لا تخلو من القلق.قال أحدهما بصوت منخفض:"الحالة تتدهور بسرعة… لم يعد هناك استجابة حقيقية."رفعت الأم رأسها بسرعة."افعلوا شيئًا.""أي شيء."تبادل الأطباء نظرة قصيرة، ثم قال الآخر بحذر:"يمكننا تجربة محاليل إضافية… لكنها لن تعالجه.""ستُبقيه فقط في حالة صراع مستمر بين الحياة والموت."تجمدت ملامحها."يعني ماذا؟"أجاب الطبيب:"يعني أنه لن يعيش طبيعيًا… ولن يموت بسهولة أيضًا."ساد الصمت.ثم قالت الأم بصوت مرتجف لكنه حاد:"افعلوه.""لا يهم… فقط اجعلوه يبقى."تراجع الطبيب خطوة."هذا ليس علاجًا… إنه تأجيل للألم."ارتفع صوتها فجأة:"قلت افعلوه!"في تلك اللحظة، تحرك ابنها بصعوبة.فتح عينيه بب
كانت دقات قلب ليال تصم أذنيها. حملت ياسين بكل ما تبقى لديها من قوة، بينما كانت أصوات الرجال تقترب من المنزل من كل جانب. دوّت صرخات متداخلة، وأصوات أقدام ثقيلة، وتعليمات حادة تصدر عبر أجهزة الاتصال. نظرت حولها بعينين مذعورتين تبحثان عن أي منفذ للنجاة. نافذة؟ مستحيل. الباب الخلفي؟ لقد وصلوا إلي
كان أول ما شعرت به ليال هو الألم.ليس ألم الجروح هذه المرة فقط، بل ذلك النوع الثقيل الذي يأتي بعد فقدان الوعي، كأن جسدها كله يرفض العودة للحياة دفعة واحدة. فتحت ليال عينيها ببطء.الضوء كان خافتًا.السقف خشبي.الصمت ثقيل بشكل غريب.حاولت أن تتحرك، لكن جسدها كان مثقلًا وكأنها خرجت من معركة طويلة لا ت
أغلقت ليال باب المختبر خلفها بقوة حتى ارتجت مفاصله المعدنية، ثم استندت إليه لثوانٍ قصيرة تحاول التقاط أنفاسها. كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، بينما امتزجت رائحة المواد الكيميائية العالقة بملابسها برائحة الدم التي لم تفارقها منذ ساعات.في يدها اليمنى كانت تقبض على حقيبة مشروع فينيكس كأنها كنز انتزعته من
انزلق الباب الإلكتروني ببطء خلفي، مطلقاً صفيراً خافتاً بدا كأنه آخر تحذير قبل السقوط في الهاوية. خرجت إلى الممر وأنا أضغط على جرح كتفي بيدي المرتجفة. كان الهواء بارداً بصورة مؤلمة، يتسلل عبر ملابسي الممزقة ويغرس أنيابه في الجروح المنتشرة على جسدي. ارتجفت قدماي للحظة. الأرضية البيضاء اللامعة انعكس