Share

الاختيار:

last update publish date: 2026-06-25 01:38:41

كانت صفارات الإنذار تمزق أرجاء المنشأة كصرخات متواصلة لا تنتهي.

الأضواء الحمراء تومض فوق الرؤوس بجنون، فتصبغ الجدران والممرات بلون الدم. في الخارج كانت أصوات الأقدام تتعالى من كل اتجاه، وأجهزة الاتصال تصرخ بالأوامر المتلاحقة، بينما كان الحراس يركضون عبر الممرات كخلية نحل أصابها الذعر.

أما ليال فكانت واقفة وسط الغرفة كأن كل تلك الفوضى لا تعنيها.

كانت عيناها معلقتين بالملف الأسود المفتوح أمامها.

وبالصورة القديمة التي ما زالت تقبض عليها بين أصابعها.

صورة المرأة التي قيل لها إنها والدتها.

شعرت بأنفاسها تتسارع.

سنوات طويلة قضتها وهي تتساءل عن وجه أمها.

هل تشبهها؟

هل كانت تتذكرها؟

هل كانت ما تزال حية في مكان ما؟

والآن...

بعد كل تلك السنوات...

أصبحت الحقيقة على بعد خطوات قليلة فقط.

رفعت رأسها نحو الرجل الغامض.

كان يقف أمام شاشات المراقبة يراقب المشهد بصمت.

انعكست الأضواء الحمراء على وجهه فبدت ملامحه أكثر قسوة من المعتاد.

قالت بصوت مرتجف:

"أريد أن أراها."

لم يجب.

ظلت عيناه مثبتتين على إحدى الشاشات.

اقتربت منه خطوة أخرى.

"أريد أن أقابل أمي."

عندها فقط التفت إليها.

نظر إليها لثوانٍ طويلة.

ثم قال:

"هل أنت متأكدة؟"

عقدت حاجبيها.

"كيف لا أكون متأكدة؟"

أجاب بصوت هادئ:

"لأنك لا تعرفين ما الذي ينتظرك."

شعرت بالضيق.

"لا يهم."

هز رأسه ببطء.

"بل يهم."

ثم أضاف:

"إذا ذهبتِ إليها... فلن يكون هناك رجوع."

ساد الصمت للحظة.

حتى أصوات الإنذارات بدت بعيدة.

"ماذا تقصد؟"

سألته.

اقترب منها قليلًا.

وقال بصوت منخفض:

"حين تعرفين الحقيقة كاملة... ستفقدين آخر ما تبقى لك من العالم الذي عرفته."

شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.

لكنها لم تتراجع.

لقد سُرقت طفولتها.

وكُذب عليها سنوات طويلة.

ولم يعد لديها استعداد للعيش وسط الأكاذيب.

التفتت نحو ياسين.

كان ما يزال مستلقيًا على السرير الطبي.

شاحب الوجه.

ضعيف الجسد.

تتنفس الأجهزة من حوله بصوت منتظم.

شعرت بألم يعتصر قلبها.

كل هذا حدث له دون أن يفهم السبب.

دون أن يفهم من يكون.

عادت تنظر إلى الرجل.

وقالت بحزم:

"سأذهب."

ظل يراقبها للحظات.

ثم أومأ برأسه أخيرًا.

"إذن استعدي."

في اللحظة نفسها دوى صوت حاد عبر أجهزة الاتصال.

ثم اهتزت الإضاءة.

وانطفأت لثانية واحدة.

قبل أن تعود أكثر احمرارًا من السابق.

ظهر أحد الحراس على الشاشة وهو يصرخ:

"تم اختراق النظام!"

ساد الاضطراب فورًا.

تحرك الجميع في وقت واحد.

الحراس أمسكوا بأسلحتهم.

والعلماء تركوا مكاتبهم.

وأخذت الأبواب المعدنية تُغلق وتُفتح بصورة عشوائية.

تقدمت ليال نحو إحدى الشاشات.

ورأت رجلاً مجهولًا يتحرك داخل أحد الممرات.

كان يرتدي معطفًا داكنًا طويلًا.

ويخفي وجهه تمامًا.

لكن طريقته في الحركة بدت واثقة بصورة غريبة.

كأنه يعرف المنشأة أكثر من العاملين فيها.

وفجأة انقطعت الصورة.

تحولت الشاشة إلى السواد.

ثم بدأت باقي الشاشات تتعطل الواحدة تلو الأخرى.

ضغط الرجل الغامض على جهاز الاتصال.

"جهزوا الطائرة."

أجاب أحدهم فورًا:

"مفهوم."

ثم التفت إلى ليال.

"هيا."

خرجوا إلى الممرات.

الفوضى كانت تزداد مع كل دقيقة.

بعض الأبواب كانت مفتوحة على مصاريعها.

والحراس يركضون في الاتجاهات كلها.

وأصوات التحذير الآلية تتردد في كل مكان.

"تحذير... اختراق أمني..."

"تحذير... اختراق أمني..."

شعرت ليال بأن المكان كله ينهار حولها.

ورغم ذلك استمرت في الجري.

كانت تريد الوصول إلى أمها.

أيًا كانت الحقيقة.

وأيًا كان الثمن.

انعطفوا داخل ممر جانبي طويل.

وفجأة...

خرج ظل من بين الظلال.

شعرت بيد قوية تمسك بذراعها بعنف.

شهقت.

واستدارت بسرعة.

كان الرجل نفسه.

المخترق.

أو هكذا خمنت.

وجهه ما زال مخفيًا بالكامل.

لكن صوته وصلها واضحًا.

منخفضًا.

ومستعجلًا.

"لا تذهبي معهم."

تجمدت.

"ماذا؟"

اقترب خطوة.

"اسمعيني جيدًا."

شعرت بالتوتر يتصاعد داخلها.

"من أنت؟"

لم يجب.

بل قال:

"إذا ذهبتِ معهم فلن تحصلي على الحقيقة."

ارتجفت أصابعها.

"أنت لا تعرف ما الذي تتحدث عنه."

رد بسرعة:

"بل أعرف أكثر مما تتصورين."

حاولت رؤية وجهه.

لكن الظل كان يخفي ملامحه بالكامل.

"من أنت؟"

كررت السؤال.

لكنه تجاهله.

وقال:

"اسألي نفسك سؤالًا واحدًا."

سكت لثانية.

ثم أكمل:

"إذا كانوا يريدون كشف الحقيقة لك... فلماذا أخفوها كل هذه السنوات؟"

شعرت بالارتباك.

الكلمات أصابت جزءًا من عقلها.

جزءًا كان يشك منذ البداية.

لكن صورة والدتها ظهرت أمام عينيها من جديد.

وتذكرت الملف.

وتذكرت سنوات البحث كلها.

نزعت ذراعها من قبضته.

وقالت:

"لن أهرب."

ثم ركضت مبتعدة.

سمعت صوته خلفها.

لكنها لم تتوقف.

ولم تلتفت.

وصلت المجموعة إلى منصة الهبوط.

كانت الرياح تعصف بالمكان بقوة.

ومحركات الطائرة السوداء العملاقة تدور بصوت يهز الأرض.

صعد المسعفون بياسين أولًا.

ثم تبعتهم ليال.

وقبل أن يدخل الرجل الغامض...

ظهر ثلاثة أشخاص يركضون عبر المنصة.

عثمان.

سمية.

والدكتور منير.

كانت ملابسهم مبعثرة.

ووجوههم شاحبة.

وكأنهم هربوا من كارثة.

توقفوا أمام الرجل الغامض وهم يلهثون.

قال الدكتور منير:

"يجب أن نغادر فورًا."

وأضاف عثمان:

"لم يعد المكان آمنًا."

أما سمية فكانت تنظر خلفها بخوف واضح.

"إنه يقترب."

رفع الرجل الغامض عينيه نحوهم.

وبدا هادئًا بصورة مخيفة.

"لن تأتوا معنا."

ساد الصمت.

تجمدت وجوههم.

"ماذا؟"

قال عثمان.

أجابه الرجل ببرود:

"سمعتني جيدًا."

شحب وجه منير.

"لكننا جزء من المشروع."

رد الرجل:

"كنتم جزءًا منه."

ارتجفت شفتا سمية.

"لا يمكنك تركنا هنا."

لكن الرجل لم يبد أي تعاطف.

ظل يحدق بهم وكأنهم غرباء تمامًا.

ثم قال:

"لقد انتهى دوركم."

شعرت ليال بالذهول وهي تراقب المشهد من باب الطائرة.

لأول مرة رأت الخوف الحقيقي في أعين الأشخاص الذين سيطروا على حياتها سنوات طويلة.

صرخ عثمان:

"بعد كل ما فعلناه؟!"

لكن الرجل لم يجب.

بل رفع يده فقط.

وفي اللحظة التالية تقدم عدد من الحراس وأحاطوا بالثلاثة من كل جانب.

تراجعت سمية خطوة للخلف.

أما منير فبدا وكأنه على وشك الانهيار.

وأخذ عثمان يحدق بالرجل الغامض غير مصدق.

كأن العالم الذي عرفه انهار في لحظة واحدة.

بدأ باب الطائرة يُغلق ببطء.

بينما ظل الثلاثة محاصرين على أرض المنصة.

آخر ما رأته ليال قبل أن يُغلق الباب بالكامل...

كان عثمان يصرخ بشيء لم تستطع سماعه وسط هدير المحركات.

ثم اختفى المشهد

ارتجت الطائرة قليلًا.

ثم بدأت ترتفع تدريجيًا عن الأرض.

شعرت ليال بثقل غريب داخل صدرها.

اقتربت من النافذة.

ونظرت إلى المنشأة التي كانت تصغر شيئًا فشيئًا تحتها.

الأضواء الحمراء ما زالت تومض.

والفوضى ما زالت تعم المكان.

لكن شيئًا واحدًا لم يفارق عقلها.

الرجل المجهول.

الرجل الذي أمسك بذراعها.

والذي حذرها من الصعود إلى الطائرة.

أغمضت عينيها للحظة.

ثم تذكرت كلماته.

"إذا ذهبتِ معهم فلن تحصلي على الحقيقة."

شعرت بانقباض في قلبها.

ولأول مرة منذ اتخاذها القرار...

بدأ الشك يتسلل إلى داخلها.

ماذا لو كان محقًا؟

وماذا لو كانت قد اختارت الطريق الخطأ؟

بينما كانت الطائرة تخترق ظلام السماء...

لم تكن ليال تعلم أن رحلتها نحو الحقيقة قد بدأت بالفعل.

وأن كل ما اكتشفته حتى الآن...

لم يكن سوى بداية الكابوس.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مختبر الجحيم    الاختيار:

    كانت صفارات الإنذار تمزق أرجاء المنشأة كصرخات متواصلة لا تنتهي.الأضواء الحمراء تومض فوق الرؤوس بجنون، فتصبغ الجدران والممرات بلون الدم. في الخارج كانت أصوات الأقدام تتعالى من كل اتجاه، وأجهزة الاتصال تصرخ بالأوامر المتلاحقة، بينما كان الحراس يركضون عبر الممرات كخلية نحل أصابها الذعر.أما ليال فكانت واقفة وسط الغرفة كأن كل تلك الفوضى لا تعنيها.كانت عيناها معلقتين بالملف الأسود المفتوح أمامها.وبالصورة القديمة التي ما زالت تقبض عليها بين أصابعها.صورة المرأة التي قيل لها إنها والدتها.شعرت بأنفاسها تتسارع.سنوات طويلة قضتها وهي تتساءل عن وجه أمها.هل تشبهها؟هل كانت تتذكرها؟هل كانت ما تزال حية في مكان ما؟والآن...بعد كل تلك السنوات...أصبحت الحقيقة على بعد خطوات قليلة فقط.رفعت رأسها نحو الرجل الغامض.كان يقف أمام شاشات المراقبة يراقب المشهد بصمت.انعكست الأضواء الحمراء على وجهه فبدت ملامحه أكثر قسوة من المعتاد.قالت بصوت مرتجف:"أريد أن أراها."لم يجب.ظلت عيناه مثبتتين على إحدى الشاشات.اقتربت منه خطوة أخرى."أريد أن أقابل أمي."عندها فقط التفت إليها.نظر إليها لثوانٍ طويلة.ثم قا

  • مختبر الجحيم    طريق بلا عودة:

    ظل صوت الإنذار يتردد في أرجاء المنشأة كنبضٍ معدني متواصل، يضرب الجدران الخرسانية ويعود منها أقوى، حتى بدا وكأنه جزء من الهواء نفسه.أضواء حمراء خافتة أخذت تدور فوق السقف، فتغرق الغرفة بين لحظة وأخرى في ظلال متحركة جعلت الوجوه تبدو غريبة ومشوهة.لكن ليال لم تعد تسمع شيئًا.لم تعد تسمع الإنذار.ولا صراخ الجنود في الخارج.ولا أصوات الأجهزة الطبية التي تحيط بياسين.كل شيء اختفى.بقيت عيناها معلقتين بالصورة القديمة.المرأة الواقفة في المنتصف.الطفلان.والطفل الثالث.ذلك الطفل الذي لم تعرفه قط.شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.كل شيء آمنت به طوال حياتها بدأ يتفتت أمامها كزجاج هش.من تكون؟ومن كانت تلك المرأة؟ولماذا أخفى الجميع الحقيقة عنها؟كم كذبة عاشت بداخلها دون أن تدري؟رفعت الصورة ببطء أكبر، وكأنها تخشى أن تختفي إذا رمشت بعينيها.كانت تحدق في ملامح المرأة.تحاول أن تجد شيئًا يشبهها.شكل العينين.طريقة الوقوف.الابتسامة.أي شيء.لكن كلما نظرت أكثر، زاد ارتباكها.شعرت بأن رأسها يثقل.وأن الأفكار تتصارع داخلها بعنف.ثم رفعت عينيها نحو الرجل الغامض.كان يقف في مكانه بهدوء غريب.كأنه

  • مختبر الجحيم    صفحات من الماضي:

    بقيت ليال تحدق في الملف الأسود لعدة ثوانٍ طويلة.لم يكن مجرد ملف.كان يبدو وكأنه قطعة من ماضٍ دفن عمدًا تحت طبقات لا تنتهي من الأسرار.استقرت عيناها على الغلاف الداكن، وشعرت بثقل غريب يجثم فوق صدرها.منذ ساعات فقط كانت تعتقد أنها تعرف من تكون.تعرف من كانت والدتها.وتعرف الحقيقة التي عاشت حياتها كلها وهي تؤمن بها.أما الآن...فكل شيء بدأ يتصدع.ارتجفت أصابعها وهي تمد يدها نحو الملف.كانت تشعر بخوف لم تستطع تفسيره.الخوف من الحقيقة أحيانًا يكون أقسى من الخوف من الكذب.وضعت يدها فوق الغلاف.كان باردًا بشكل غريب.وكأن السنوات التي أمضاها مخفيًا تركت داخله برودة خاصة به.ثم فتحته ببطء شديد.أصدرت المفصلة المعدنية صوتًا خافتًا وسط الصمت المطبق الذي خيم على الغرفة.بدا الصوت صغيرًا جدًا.ومع ذلك شعر الجميع به.شعرت ليال وكأن ذلك الصوت كان إعلانًا رسميًا عن بداية شيء لن تستطيع التراجع عنه أبدًا.انحنت فوق الصفحات.وتسارعت أنفاسها دون أن تشعر.ثم وقعت عيناها على أول صورة.صورة قديمة.باهتة قليلًا بفعل الزمن.لكن تفاصيلها كانت واضحة بما يكفي.امرأة شابة تبتسم للكاميرا.ابتسامة هادئة.واثقة.وك

  • مختبر الجحيم    الشبح الحي :

    سقطت الصورة من بين أصابع ليال.لم تسمع صوت ارتطامها بالأرض.ولم ترَ حتى كيف استقرت فوق البلاط البارد.كل ما كانت تراه هو ذلك الوجه.ذلك الوجه الذي ظل يطاردها في أحلامها منذ طفولتها.وجه المرأة التي قيل لها إنها ماتت.وجه والدتها.بقيت عيناها معلقتين بالصورة وكأن الزمن توقف فجأة.اختفت الأصوات من حولها.اختفى صوت أجهزة المراقبة.واختفى حتى صوت أنفاسها.شعرت وكأن العالم كله انكمش حتى أصبح مجرد تلك الصورة."هذا مستحيل..."خرج صوتها هامسًا مرتجفًا بالكاد يُسمع.لكن الرجل سمعه.نظر إليها بهدوء غريب.وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات طويلة.ثم قال:"لقد أخبروك أنها ماتت."ابتلعت ليال ريقها بصعوبة."نعم.""لقد كذبوا عليك."ارتجف جسدها كله.كانت الكلمات بسيطة.قصيرة.لكن وقعها كان أشبه بانفجار هائل داخل عقلها.كذبة واحدة.كذبة استمرت سنوات.سنوات كاملة بنت خلالها حياتها على حقيقة لم تكن موجودة أصلًا.التفتت ببطء نحو سمية.كانت المرأة تقف في زاوية الغرفة.عيناها مثبتتان على الأرض.ويداها متشابكتان بقوة.كأنها تحاول التمسك بشيء يمنعها من الانهيار."هل كنتِ تعرفين؟"لم ترفع سمية رأسها.لم تنك

  • مختبر الجحيم    القادم من الظلال :

    لم يكن صمتًا عاديًا، بل ذلك النوع من الصمت الذي يضغط على الصدر ويجعل التنفس أصعب. شعرت ليال وكأن الجدران تقترب ببطء من بعضها، وكأن الهواء نفسه أصبح أثقل من أن يُستنشق.كانت تسمع نبضات قلبها بوضوح.نبضة.ثم أخرى.ثم ثالثة.سريعة، متوترة، تكاد تصرخ داخل أذنيها.رفعت بصرها ببطء نحو الوجوه المحيطة بها.عثمان.سمية.الدكتور منير.ثلاثة أشخاص اعتادت أن تراهم واثقين من أنفسهم، مسيطرين على كل شيء، يتحدثون وكأن العالم كله مجرد لعبة بين أيديهم.لكن الآن...كان هناك شيء مختلف.شيء لم تره من قبل.الخوف.الخوف الحقيقي.ليس خوفًا من الفشل.ولا من العقاب.ولا حتى من الموت.بل خوفًا من شخص واحد.شخص لم يصل بعد.شخص كان مجرد اقترابه كافيًا لشلّ حركتهم جميعًا.ثم جاء الصوت.صوت خطوات هادئة في الممر.خطوة...ثم أخرى...ثم ثالثة...كانت الخطوات بطيئة بصورة غير طبيعية.وكأن صاحبها لا يشعر بأي حاجة للاستعجال.وكأنه يعرف أن الجميع بانتظاره.ومع كل خطوة كان التوتر يزداد داخل الغرفة.حتى إن ليال شعرت بأن معدتها انقبضت.توقفت الخطوات أخيرًا أمام الباب.ساد الصمت من جديد.لثانية واحدة فقط.ثم انفتح الباب ببطء ش

  • مختبر الجحيم    القبو :

    كانت دقات قلب ليال تصم أذنيها. حملت ياسين بكل ما تبقى لديها من قوة، بينما كانت أصوات الرجال تقترب من المنزل من كل جانب. دوّت صرخات متداخلة، وأصوات أقدام ثقيلة، وتعليمات حادة تصدر عبر أجهزة الاتصال. نظرت حولها بعينين مذعورتين تبحثان عن أي منفذ للنجاة. نافذة؟ مستحيل. الباب الخلفي؟ لقد وصلوا إليه بالفعل. وفجأة وقعت عيناها على باب خشبي صغير خلف خزانة قديمة. تجمدت لثوانٍ. دفعت الخزانة بكل ما أوتيت من قوة، فانكشف الباب تدريجيًا. خلفه ظهر درج حجري يهبط إلى الأسفل. قبو. أسرعت تسند ياسين وتهبط به الدرجات، ثم أغلقت الباب فوقهما بحذر. غرق المكان في ظلام كثيف. جلست على الأرض الباردة تضم ياسين إلى صدرها، بينما كانت أصوات الاقتحام تعصف بالمنزل فوق رأسيهما. تحطم الباب الرئيسي. ثم انتشرت الأقدام في أرجاء البيت. «فتشوا كل شيء!» «لا تتركوا زاوية واحدة دون تفتيش!» حبست ليال أنفاسها. وشعرت بارتجاف جسد ياسين بين ذراعيها. همست قرب أذنه: «اهدأ... لن يجدونا.» لكنها لم تكن واثقة من كلماتها. مرت الدقائق ببطء قاتل. أصوات الأبواب تُفتح وتُغلق. الأثاث يُقلب. والرجال يفتشون كل شبر من الم

  • مختبر الجحيم    في قلب الظلام: شفرة المحلول الغامض :

    مرت ليلة قاسية، لم يكن الوجع الجسدي المبرح هو ما سلبني القدرة على إغماض جفني، بل كانت تلك الأفكار التي تنهش رأسي كالمسامير الصدئة، تخترق وعيي وتعيد ترتيب مخاوفي في طوابير لا تنتهي. في الصباح، فُتح الباب بصرير مزعج كأنه أنين الروح، ودخلت "سمية" ببرودها المعهود وجبروتها الذي ترتديه كدرع لا يلين. أخبر

  • مختبر الجحيم    نبضات تحت الأنقاض :

    مرت الساعات وثقلت الدقائق كأنها جبال جاثمة فوق صدري المرتجف. كان الظلام قد لفّ غرفتي بالكامل، محولاً إياها إلى زنزانة انفرادية موحشة، إلا من خيط ضوء نحيل يتسلل من تحت الباب الموصد كأنه ثعبان أبيض يراقب تحركاتي. ومع ذلك الضوء، كانت تتسلل أصواتهم.. أصوات الأفاعي التي تخطط لذبح فريستها وهي حية، غير مب

  • مختبر الجحيم    زنزانة من الكيمياء والدم :

    كانت الساعة المعلقة على حائط غرفتي الباردة تصدر دقاتٍ منتظمة ومستفزة، كأنها عد تنازلي لشيء مجهول ينتظرني خلف أبواب هذا المنزل الملعون. نظرتُ إلى بقع الرطوبة التي رسمت لوحاتٍ كئيبة على السقف، وشعرتُ ببرودة الغرفة تتسلل إلى عظامي رغم حرارة الصيف في الخارج. جلستُ على طرف سريري المتهالك، أصوات "السوست"

  • مختبر الجحيم    اليقظه:

    كان أول ما شعرت به ليال هو الألم.ليس ألم الجروح هذه المرة فقط، بل ذلك النوع الثقيل الذي يأتي بعد فقدان الوعي، كأن جسدها كله يرفض العودة للحياة دفعة واحدة. فتحت ليال عينيها ببطء.الضوء كان خافتًا.السقف خشبي.الصمت ثقيل بشكل غريب.حاولت أن تتحرك، لكن جسدها كان مثقلًا وكأنها خرجت من معركة طويلة لا ت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status