登入اهتزت الطائرة اهتزازة خفيفة قبل أن تستقر مجددًا فوق طبقات السحاب الكثيفة، وكأنها خرجت أخيرًا من قبضة العاصفة التي كانت تطاردها منذ ساعات.
جلست ليال بجوار النافذة، وكتفاها مثقلان بالتعب، بينما كانت عيناها معلقتين بالظلام الممتد خلف الزجاج. لم يكن هناك شيء يُرى سوى سوادٍ عميق تتخلله أحيانًا ومضات بعيدة من البرق داخل الغيوم. الأضواء الحمراء للمنشأة اختفت منذ وقت طويل. ابتلعتها المسافة كما ابتلعت معها جزءًا من حياتها. لم تستطع التوقف عن التفكير. في الرجل المجهول الذي ظهر فجأة وأنقذها، ثم قادها إلى هذا المجهول. في عثمان وسمية والدكتور منير الذين تُركوا خلفها وسط الفوضى. وفي أمها... المرأة التي قضت سنوات طويلة تحاول رسم ملامحها في خيالها، وتبحث عن إجابات لا تجدها. شعرت بأن كل شيء يتغير بسرعة أكبر من قدرتها على الفهم. التفتت ببطء نحو مؤخرة الطائرة. كان ياسين مستلقيًا على المقعد الطبي، وقد أحاطت به أجهزة صغيرة تصدر أصواتًا هادئة ومنتظمة. بدا أكثر استقرارًا من السابق، لكن الشحوب ما زال يسيطر على وجهه، وكأن المعركة التي خاضها لم تنتهِ بعد. اقتربت منه بخطوات مترددة. فتح عينيه بصعوبة. ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة. قال بصوت ضعيف: "هل... هربنا؟" شعرت ليال بغصة مؤلمة في حلقها. هزت رأسها قليلًا. "أظن ذلك." أغلق عينيه للحظة، وكأنه يجمع ما تبقى لديه من قوة. ثم سأل: "إلى أين نحن ذاهبون؟" سكتت. لأنها لم تكن تعرف الإجابة. أو ربما كانت تعرفها، لكنها كانت تخشى الاعتراف بها حتى لنفسها. وبعد لحظات طويلة قالت: "إلى الحقيقة." نظر إليها ياسين دون أن يفهم، ثم استسلم للإرهاق وأغمض عينيه من جديد. وقفت ليال تراقبه للحظات، قبل أن تتجه نحو مقدمة الطائرة. كان الرجل الغامض يجلس وحده. أمامه شاشة صغيرة تنعكس أضواؤها الزرقاء على وجهه الهادئ. كانت أصابعه تتحرك فوق الملفات الإلكترونية وكأنه يعمل على أمر شديد الأهمية. توقفت أمامه. وقالت: "لقد أوفيت بوعدي." رفع عينيه إليها. "ماذا تقصدين؟" أجابت ببرود: "أتيت معك." أغلقت قبضتيها بقوة. "والآن أريد إجابات." أغلق الشاشة ببطء شديد. ثم قال: "ليس الآن." شعرت بشيء ينفجر داخلها. "ليس الآن؟" ارتفع صوتها دون أن تشعر. "منذ ساعات وأنا أركض بين الموت والمطاردات، وكل ما أحصل عليه هو المزيد من الأسئلة." ظل هادئًا بصورة زادت غضبها. وقال: "حين نصل ستعرفين كل شيء." ضحكت بسخرية مريرة. "هذه الجملة سمعتها كثيرًا." ثم نظرت إليه مباشرة. "من أنت أصلًا؟" ساد الصمت بينهما لثوانٍ. ثم قال: "شخص عرف والدتك منذ زمن طويل." ضيقت عينيها. "هذا ليس جوابًا." قال بهدوء: "لكنه الحقيقة الوحيدة التي أستطيع إعطاءها لك الآن." شعرت بأنها على وشك فقدان أعصابها. لكنها أدركت أن الجدال لن يمنحها شيئًا. فاستدارت مبتعدة. كانت الطائرة أكبر مما بدت عليه من الخارج. ممر طويل يمتد بين عدة مقصورات مغلقة، وإضاءة خافتة تنعكس على الجدران المعدنية، بينما يقف الحراس في أماكنهم بصمت كامل. كل شيء بدا منظمًا أكثر من اللازم. ودقيقًا أكثر من اللازم. بدأ الفضول يتسلل إليها. سارت ببطء داخل الممر. وكانت تشعر بنظرات الحراس تلاحقها أينما ذهبت. وصلت إلى باب معدني كبير في مؤخرة الطائرة. كان مختلفًا عن بقية الأبواب. أكبر حجمًا. وأكثر تحصينًا. اقتربت منه. لكن أحد الحراس تحرك فورًا. "ممنوع." التفتت إليه. "لماذا؟" أجاب ببرود: "أوامر." سألته: "ماذا يوجد بالداخل؟" لكنه لم يجب. عاد إلى مكانه وكأنها لم تتحدث أصلًا. شعرت بانقباض غريب داخل صدرها. منذ صعودها إلى هذه الطائرة لم تكن مقيدة. لكنها أيضًا لم تكن حرة. مرت ساعة أخرى ببطء. وكان صوت المحركات المستمر يملأ المكان. جلست مجددًا قرب النافذة، تحدق في الظلام الذي لا ينتهي. ثم لمحت أحد الحراس يتحدث عبر جهاز اتصال صغير. كان صوته منخفضًا للغاية. لكنها استطاعت سماع بعض الكلمات. "... يجب أن تكون جاهزة عند الوصول." "... لا نريد أي مشاكل." "... الأوامر جاءت مباشرة." شعرت بالريبة. وحين انتبه الحارس إلى وجودها، أنهى الاتصال فورًا. عاد الصمت. وبدأ الإرهاق ينهش جسدها. كانت الجروح تؤلمها. ورأسها ينبض بقوة. وضعت يدها على جبينها. أقنعت نفسها بأن الأمر مجرد تعب. لكن الألم لم يتوقف. بل ازداد. ثم جاءت موجة دوار مفاجئة. أغلقت عينيها للحظة. وعندما فتحتهما، بدا كل شيء ضبابيًا. الأضواء. المقاعد. الوجوه. كلها أصبحت غير واضحة. عبست وهي تهمس: "ما الذي يحدث؟" حاولت الوقوف. لكن قدميها خانتاها. فأمسكت بحافة المقعد كي لا تسقط. وفي تلك اللحظة ظهر الرجل الغامض أمامها. نظر إليها طويلًا. وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة. شعرت بالخوف. "ماذا فعلتم بي؟" تنهد بصمت. ثم قال: "كنت أتمنى ألا تضطري إلى المرور بهذا." اتسعت عيناها. "ماذا فعلتم؟" بدأت الأصوات من حولها تبتعد. كأنها تأتي من مكان بعيد جدًا. حاولت الوصول إلى ياسين. لكن خطواتها أصبحت ثقيلة. ومتعثرة. أمسكت بأحد المقاعد. ثم بالآخر. وقالت بصوت ضعيف: "أخبرني..." اقترب الرجل منها. وقال بهدوء: "هناك أمور لا يمكن كشفها دفعة واحدة." ازدادت الرؤية تشوشًا. وأصبحت الوجوه من حولها أشبه بأشباح تتحرك داخل الضباب. التفتت نحو ياسين. كان ما يزال نائمًا. شعرت بالذعر. "ياسين..." حاولت الوصول إليه. لكن جسدها لم يعد يطيعها. سقطت على ركبة واحدة. ثم حاولت النهوض. لكنها لم تستطع. كانت الظلمة تزحف ببطء. وتبتلع كل شيء. آخر ما رأته... كان الرجل الغامض واقفًا أمامها. وعيناه تحملان شيئًا لم تستطع فهمه. هل كان حزنًا؟ أم ندمًا؟ أم خوفًا؟ لم تعرف. لأن الظلام كان أسرع. وأغلق العالم كله من حولها. وعندما فتحت عينيها من جديد... لم تكن داخل الطائرة.في جناحٍ معزول داخل أحد المراكز الطبية التابعة للمنظمة، كان الصمت يثقل المكان كأنه جدار غير مرئي يضغط على صدور من فيه.الإضاءة كانت خافتة، وباردة، وأجهزة المراقبة تصدر أصواتًا متقطعة تشبه أنفاسًا لا تريد أن تنتهي.كانت الأم جالسة إلى جوار سرير ابنها.وجهه شاحب، وملامحه منهكة، كأن الحياة نفسها تراجعت عنه خطوة خطوة.كانت تمسك بيده بقوة، وكأنها إن أفلتتها… سيفلت معها كل شيء.دخل طبيبان بهدوء، يتبادلان نظرات لا تخلو من القلق.قال أحدهما بصوت منخفض:"الحالة تتدهور بسرعة… لم يعد هناك استجابة حقيقية."رفعت الأم رأسها بسرعة."افعلوا شيئًا.""أي شيء."تبادل الأطباء نظرة قصيرة، ثم قال الآخر بحذر:"يمكننا تجربة محاليل إضافية… لكنها لن تعالجه.""ستُبقيه فقط في حالة صراع مستمر بين الحياة والموت."تجمدت ملامحها."يعني ماذا؟"أجاب الطبيب:"يعني أنه لن يعيش طبيعيًا… ولن يموت بسهولة أيضًا."ساد الصمت.ثم قالت الأم بصوت مرتجف لكنه حاد:"افعلوه.""لا يهم… فقط اجعلوه يبقى."تراجع الطبيب خطوة."هذا ليس علاجًا… إنه تأجيل للألم."ارتفع صوتها فجأة:"قلت افعلوه!"في تلك اللحظة، تحرك ابنها بصعوبة.فتح عينيه بب
كان الليل قد تمدد فوق الطريق الترابي كستارٍ أسود ثقيل، يبتلع ما تبقى من ضوء خلفهما.كل خطوة كانت تصدر صوتًا خافتًا على الأرض المبتلة، وكأن الطبيعة نفسها تحاول ألا تُحدث ضجيجًا.كانت ليال تسير خلف الرجل، لكنها لم تكن تسير معه حقًا.كانت تراقبه.كل حركة.كل التفاتة.كل صمت.لم يكن الخوف وحده ما يملأ صدرها… بل ذلك الإحساس المزعج بأنها لا تعرف من يقف أمامها.منذ لحظة خروجهما من المنشأة، لم يسألها سؤالًا واحدًا عن حالها.لم يطلب شكرًا.لم يظهر عليه ارتباك.وكأن كل شيء محسوب مسبقًا.توقفت فجأة."قف."توقف الرجل فورًا.لم يلتفت بسرعة، بل ببطء محسوب، وكأنه كان يتوقع هذه اللحظة منذ البداية.رفعت ليال المسدس.يدها ترتجف قليلًا، لكنها ثابتة بما يكفي لتوجهه نحو صدره."من أنت؟"الصمت سقط بينهما لثوانٍ طويلة.لم يبدُ عليه أي انزعاج.لا خوف.لا صدمة.فقط نظرة هادئة بشكل يثير القلق."قلت من أنت؟"اشتدت قبضتها على السلاح."لا تجعلني أكرر السؤال."تنهد بهدوء.ثم قال بصوت منخفض:"ضعي السلاح يا ليال.""لن يفيدك الآن."اتسعت عيناها."كيف تعرف اسمي؟"لم يجب مباشرة.بل نظر إليها نظرة طويلة، كأنه يحاول أن يخ
فتحت ليال عينيها ببطء.لم يكن الضوء عادياً… كان أبيض حادًا يضرب جفنيها كإبر صغيرة، يجعل الرؤية مشوشة ومؤلمة في الوقت نفسه.حاولت أن تتحرك، لكن جسدها لم يستجب فورًا، كأنها لا تملك السيطرة عليه بالكامل.شيء بارد كان يغرس في ذراعها.التفتت بصعوبة.محاليل شفافة تتدفق داخل عروقها عبر أنبوب طبي دقيق.تجمدت أنفاسها.هذه المحاليل…ليست غريبة عليها.هذه نفس التقنية… نفس الأسلوب… نفس المادة التي كانت تُستخدم مع ياسين.ارتجف صوتها وهي تهمس:"لا…"حاولت أن تسحب ذراعها بعنف، لكن الألم اخترقها، وجعلها تتراجع.كان المكان غرفة عمليات معقمة، جدرانها بيضاء باردة، وأجهزة مراقبة تصدر طنينًا منتظمًا يشبه عدّاد الوقت.كأن كل شيء هنا محسوب بدقة… حتى أنفاسها.فُتح الباب فجأة.دخل رجل يرتدي معطفًا طبيًا.وجهه هادئ أكثر من اللازم، وهذا ما أخافها.اقترب منها دون استعجال."لا تتحركي… ما يتم حقنك به سيعيد استقرارك فقط."ارتفعت عينا ليال بغضب."ابتعد عني!"حاولت أن تدفعه، لكن جسدها كان أضعف من أن يستجيب.مدّ يده بحقنة شفافة، وبدأ يملؤها بسائل داكن اللون."أرجوكِ… لن يؤلمك شيء."لكن نبرة صوته كانت تكذب كل كلمة.وفي
ساد الصمت داخل القاعة بعد كلمات الأم الأخيرة.لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان ثقيلًا، كأنه جدار غير مرئي يضغط على صدر ليال ويمنع عنها الهواء.كانت واقفة في مكانها، تحدق في المرأة التي أمامها، وكأنها تراها لأول مرة في حياتها.لم تعد ترى “أمها”.بل ترى غريبة تمامًا.شخصًا صنع من الألم مشروعًا، ومن الخوف هدفًا، ومن البشر أرقامًا.ارتجفت شفتاها."أطفال… لا يحتاجهم أحد؟"تكرر الكلمات ببطء، وكأن عقلها يرفض تصديقها.لكن الأم لم تنظر إليها.كانت واقفة عند النافذة، تتأمل البحر وكأنه أكثر أمانًا من عيني ابنتها.اشتعل صوت ليال فجأة:"هل تسمعين نفسك؟"تقدمت خطوة."تسمين البشر… أدوات؟"رفعت الأم عينيها ببطء.ولأول مرة لم يكن في نظرتها دفء."كنتُ في مكان لا يسمح بالضعف."قالت بصوت منخفض."الوقت لم يكن في صالحي."ضحكت ليال ضحكة قصيرة، لكنها كانت مكسورة."ولا في صالحهم أيضًا، أليس كذلك؟"ساد الصمت.ثم قالت الأم:"عندما رفض والدك المشروع… ظننت أنه لا يفهم.""كان يرى العالم بشكل مثالي أكثر مما يجب.""يرى أن هناك حدودًا لا يجب تجاوزها."توقفت لحظة.ثم أكملت:"أما أنا… فكنت أرى ابني يموت أمامي."ارتجفت نبرته
تجمدت ليال في مكانها.لم تستطع أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام، ولم تملك القوة للتراجع.كانت المرأة تقف أمام النافذة الزجاجية العملاقة، وظهرها إليها، بينما امتد البحر اللامتناهي خلفها حتى تلاشى عند الأفق. كانت الأمواج ترتطم بصخور الجزيرة في هدوء غريب، هدوء بدا مصطنعًا، كأن الطبيعة نفسها تخفي تحت سكونها عاصفة لم تبدأ بعد.لم تكن ليال ترى سوى ذلك الظهر.ظهر امرأة بحثت عنها طوال عمرها.امرأة رسمت ملامحها في خيالها آلاف المرات، حتى أصبحت تتساءل أحيانًا إن كانت تتذكرها حقًا، أم أنها كانت تحب صورةً اخترعها عقل طفلة لم تستوعب يومًا معنى الفقد.ازدادت ضربات قلبها حتى شعرت أنها تسمعها داخل أذنيها.ارتجفت شفتاها.خرج صوتها خافتًا، بالكاد سمعته هي نفسها."أمي... أهذه أنتِ؟"توقف الزمن.لم تجب المرأة.بقيت للحظات تنظر إلى البحر، ثم أخذت نفسًا عميقًا واستدارت ببطء شديد.التقت عيناهما.وفي اللحظة نفسها شعرت ليال وكأنها تنظر إلى انعكاسها بعد عشرين عامًا.العينان ذاتهما.اللون نفسه.طريقة رفع الحاجبين عند الدهشة.حتى النظرة التي تحمل مزيجًا من القوة والحزن كانت متطابقة بصورة مؤلمة.للمرة الأولى فهمت لم
شعرت ليال وكأنها تغوص في بحرٍ بلا نهاية.كانت الأصوات بعيدة ومشوشة، تتداخل مع الظلام الذي يحيط بها من كل جانب.ثم بدأ كل شيء يعود ببطء.صوت أمواج.صوت رياح خفيفة.ورائحة ملح البحر.فتحت عينيها بصعوبة.كان الضوء الساطع يتسلل عبر نافذة زجاجية ضخمة تمتد من الأرض حتى السقف.رمشت عدة مرات محاولة استيعاب ما تراه.لم تكن داخل الطائرة.ولم تكن داخل غرفة المستشفى.بل داخل غرفة واسعة أشبه بجناح فاخر في فندق مطل على البحر.نهضت ببطء.فشعرت بألم خفيف في رأسها.وضعت يدها على عنقها.وتذكرت فجأة.الطائرة.الرجل الغامض.والظلام الذي ابتلعها.قفزت من السرير."ياسين!"لم يجبها أحد.بدأ قلبها يخفق بعنف.نظرت حولها بسرعة.الغرفة خالية.لا حراس.لا أقفال.لا كاميرات ظاهرة.وهذا ما أخافها أكثر.اقتربت من الباب بحذر.وضعت يدها على المقبض.ثم فتحته.انفتح بسهولة.تجمدت للحظة.ثم خرجت.كان الممر خارج الغرفة مختلفًا عن أي مكان رأته من قبل.جدران بيضاء ناصعة.أرضية زجاجية لامعة.وشاشات إلكترونية مثبتة على الجدران تعرض بيانات ورسومات معقدة.في نهاية الممر امتدت نوافذ ضخمة تكشف مشهدًا جعلها تتوقف.البحر.بحر أزرق
كانت دقات قلب ليال تصم أذنيها. حملت ياسين بكل ما تبقى لديها من قوة، بينما كانت أصوات الرجال تقترب من المنزل من كل جانب. دوّت صرخات متداخلة، وأصوات أقدام ثقيلة، وتعليمات حادة تصدر عبر أجهزة الاتصال. نظرت حولها بعينين مذعورتين تبحثان عن أي منفذ للنجاة. نافذة؟ مستحيل. الباب الخلفي؟ لقد وصلوا إلي
كان أول ما شعرت به ليال هو الألم.ليس ألم الجروح هذه المرة فقط، بل ذلك النوع الثقيل الذي يأتي بعد فقدان الوعي، كأن جسدها كله يرفض العودة للحياة دفعة واحدة. فتحت ليال عينيها ببطء.الضوء كان خافتًا.السقف خشبي.الصمت ثقيل بشكل غريب.حاولت أن تتحرك، لكن جسدها كان مثقلًا وكأنها خرجت من معركة طويلة لا ت
أغلقت ليال باب المختبر خلفها بقوة حتى ارتجت مفاصله المعدنية، ثم استندت إليه لثوانٍ قصيرة تحاول التقاط أنفاسها. كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، بينما امتزجت رائحة المواد الكيميائية العالقة بملابسها برائحة الدم التي لم تفارقها منذ ساعات.في يدها اليمنى كانت تقبض على حقيبة مشروع فينيكس كأنها كنز انتزعته من
انزلق الباب الإلكتروني ببطء خلفي، مطلقاً صفيراً خافتاً بدا كأنه آخر تحذير قبل السقوط في الهاوية. خرجت إلى الممر وأنا أضغط على جرح كتفي بيدي المرتجفة. كان الهواء بارداً بصورة مؤلمة، يتسلل عبر ملابسي الممزقة ويغرس أنيابه في الجروح المنتشرة على جسدي. ارتجفت قدماي للحظة. الأرضية البيضاء اللامعة انعكس