Masuk"مين أنت يا روح أمك؟! وكيف تتجرأ تحضن حرم فارس الهواري وتلمسها قُدام رجالة الدار بكبرها؟! قسم بعزة الله لو ما نطقت اسمك في ثانية.. هفرغ الخزنة دي في راسك!"
الشاب الغريب تراجع خطوةعدل سترته بثبات ورجولة، ونظر لفارس بعينين حادتين ومش خايف من السلاح، وقال بثقة: ـ "أنا حسام.. ابن خالة مُهرة، وأخوها في الرضاعة!" تسمرت يد فارس على السلاح! وعمّ الصمت القاتل المضيفة! مُهرة اتخرعت من هيئة فارس المشتعلة، ومسكت ذراعه فوراً بيدين مرتعشتين، وقالت بسرعة ونبرة متوسلة عشان تهديه: ـ "فارس اهداء بالله عليك! حسام مش غريب.. حسام ده ابن خالتي وأخويا في الرضاعة! رضعت معايا من أمي وأنا وهو مربيين مع بعض من صغرنا كأننا توأم وشربنا من لبن واحد!" تسمر فارس في وقفته! نزل بنظره الحاد لمُهرة المترجية، وبعدين بص لحسام اللي كان باصص لمُهرة بابتسامة حنونة وخوف أخوي خالص وخالي من أي شائبة. الجد عبد الرحيم استقام في وقفته وابتسم ابتسامة هادئة أذابت الجليد، وقال: ـ "نزل سلاحك يا فارس يا ولدي.. الولد أخوها في الرضاعة وبمثابة محرم ليها بشرع ربنا وسنة نبيه.. يا مرحب بيك يا ولد الأصول في دار الهوارة، نورت الصعيد." فارس سحب نفس طويل وملأ بيه صدره المشتعل. ورغم إنه عرف الحقيقة الهادئة، إلا إن الغيرة الصعيدية والتملك كان لسه بيجري في دمه. سحب مسدسه ورجعه لجنبه، وعدل شاله ونظر لحسام بنظرة رجولية حادة وفيها احترام ممتزج بالسيادة الصعيدية، ونطق بصوت رزانتة رجعت له: ـ "يا مرحب بيك يا حسام.. نورت دار أختك وزوجها. سامحني على شدة المسكة، بس عندنا في الصعيد حريمنا خط أحمر، والغيرة على العِرض فرض ولو على أقرب الناس." حسام ابتسم ابتسامة راقية وهز رأسه بفهم: ـ "مقدر جداً يا فارس بيه، واللي يشوف خوفك وغيرتك على أختي يطمن إنها في حماية راجل يوزن بلد، وما يخافش عليها طول ما أنت عايش." في المساء.. امتدت سفرة العشاء الكبيرة في السرايا، واجتمع الجميع في أجواء دافئة ومبهجة. كان حسام يتحدث مع الجد عبد الرحيم ومنصور عن تجارته في القاهرة ورأيه في الأصول، ومُهرة تجلس بجانب فارس المبتسم بثقة وشموخ. بعد انتهاء السهرة وترحيب الجميع بحسام في جناح الضيوف.. صعد فارس ومُهرة لجناحهم الخاص. كان الجو دافي وهادي جداً، ورائحة البخور تعبق المكان. مُهرة كانت واقفة في الشرفة تطل على المزارع والهواء العليل يداعب ثوبها البيج الناعم. اقترب فارس منها بخطوات موزونة وهادئة، ووقف خلفها تماماً، ولف ذراعيه القويين حول خصرها، وحط دقنه على كتفها بنعومة ولطف يسحر القلوب. همس فارس في ودنها بصوت رجالي دافي بيقطر عشق: ـ "لسه زعلانة مني ومن جناني لما مسكت حسام يا ست البنات؟" لفّت مُهرة رأسها وبصت في عينيه البنيتين بابتسامة ساحرة ودافيّة، ولمست خده بيدها الناعمة: ـ "أنا أزعل منك يا صقري؟ أنا فرحت إن حسام جيه وطمني، بس فرحت أكتر لما شفت غيرتك عليا.. غيرتك دي هي الأمان اللي بيخليني أحس إني ملكة متوجة على عرشك." بعد يومين من قرارات الجد عبد الرحيم الحاسمة، كانت أرجاء النجع تتهيأ لمناسبة من أغرب المناسبات التي شهدتها عائلة الهواري. لم تكن هناك زغاريد فرح ولا طبل بلدي يملأ الساحات، بل ساد جو من الشد والوجوم أعلن عن عقد قران مروان على نرمين بنت عمهم المطرود، كعقاب صريح وكسرة لكبرياء الاثنين أمام النجع كله. في الصالون الملحق بالسرايا الشرقية، كان مروان يقف بجلبابه الأسود ووجهه ينطق بالغل الشديد، ينظر بعيون حاقدة لكل حارس يقف على الباب. وفي الناحية المقابلة، كانت نرمين تجلس بثوبها الفاخر المستورد، تضع مساحيق التجميل بكثافة محاولة إخفاء انكسارها، لكن عينيها كانتا تنضحان بالاستعلاء والغرور الذي لم تتخل عنه لحظة واحدة. بمجرد أن أنهى المأذون الأوراق ونطق عبارته الشهيرة، وقفت نرمين بحدة ورمت منديل كتب الكتاب على الطاولة أمام الجميع، وقالت بصوت عالٍ ومستفز ملأ القاعة: ـ "فاكر نفسك اتجوزت بجد يا مروان؟! أنت مجرد واحد مغضوب عليه من العيلة ومكسور، وافتكر كويس إنك عمرك ما هتوصل لمقامي ولا هتبقى راجل في عيني بعد اللي جرى لك!" في كسر من الثانية، وتحت أنظار كبار العيلة والخدَم والمأذون، اشتعل راس مروان بالجنون والاهانة! اندفع كالضبع المفترس، ورفع يده بكل قوته ونزل بصفعة مدوية على وجه نرمين أطارت رأسها للخلف وصوتها هز الجدران! سقطت نرمين على الأريكة وهي تمسك وجهها المشتعل بذهول وصدمة، وصرخ مروان وهو يشار بصباعه أمام وجهها بعيون مليئة بالشرار: ـ "أنتِ تعرّفي مقالك كويس يا بنت حسان! اللسان الطويل ده هقطعهولك لو اتنطقتِ بكلمة زيادة، ومن النهاردة أنتِ ماشية تحت حذائي في البيت ده، والغرور اللي عايشة بيه هكسرهولك حتة حتة!" حاول والدها التدخل بضعف، لكن منصور ورجال الهوارة أوقفوه بنظرات حازمة تؤكد أن حكم الجد نافذ، وأن هذا البيت سيكون ساحة لترويض كبرياء الاثنين جزاءً لما اقترفته أيديهم. وفي نفس اليوم، كانت السرايا الرئيسية تشهد وصول فاطمة، أخت فارس الصغرى المقربة لقلبه، برفقة زوجها دكتور طارق. كانت فاطمة تتمتع بجمال صعيدي هادئ وشخصية مرحة وراقية، بينما كان طارق رجلاً رزيناً يعمل طبيباً في العاصمة ويحترم أصول عائلة زوجته بتقدير كبير. استقبلهم البهو الكبير بترحاب دافئ من الجد عبد الرحيم وفتحية، ونزلت مُهرة برفقة فارس من الجناح العلوي لترحيب بأخته وزوجها. احتضنت فاطمة مُهرة بلهفة وحب صادق وقالت بنبرة دافئة: ـ "حمد الله على سلامتك يا مُهرة، القصر كله كان مظلم من غيرك، وفارس أخويا كان هيتجنن عليكي! الحمد لله إن ربنا نجاكي من العيون الحاقدة." ابتسمت مُهرة ورشقت فارس بنظرة عشق هادئة، بينما تقدم دكتور طارق وسلم على فارس والجد بحفاوة، وقعدوا جميعاً يتبادلون أطراف الحديث عن أحوال البلد والمستشفى وتفاصيل الأيام الصعبة اللي مرت بها السرايا. في هذه الأثناء، نزل حسام من جناح الضيوف وهو يرتدي قميصاً أزرق أنيقاً، وبيده بعض الملفات والأوراق الخاصة بعمله. توقف حسام في منتصف الدرج لما وقعت عيناه على فاطمة وهي تضحك بحديثها مع مُهرة.. في تلك اللحظة بالذات، اتسعت عين حسام ودق قلبه دقة سريعة ومباغتة لم يذقها من قبل! رأى فيها مزيجاً ساحراً من الأصالة الصعيدية والأنوثة الناعمة والهدوء الذي يخطف الألباب. فاطمة رفعت عينها بفضول نحو السلم، واستقرت نظراتها على حسام.. شعرت بخجل مفاجئ وسرت حرارة في وجنتيها، فنزلت برأسها للأرض بابتسامة خفيفة وارتباك ناعم لم يخف عن عين مُهرة الذكية! تقدم حسام وسلم على طارق وفارس والجد، لكن عينه كانت تسرق النظر نحو فاطمة بين الحين والآخر في شغف خفي ووليد، بدأت معه خيوط مشاعر جديدة تنسج في خفاء السرايا. مع هبوط الليل وسكون الحركة في الدار، كانت الأجواء في جناح فارس ومُهرة تشع بالدفء والراحة التامة. كانت الغرفة معطرة برائحة المسك، والشموع المضاءة على أطراف التسريحة تعكس أضواء خافتة. مُهرة كانت قاعدة قدام المرآة تمشط شعرها الحريري الطويل ببطء، وهي ترتدي ثوباً نوم ناعماً باللون العاجي. جاء فارس من خلفها بخطوات هادئة ورزينة، وأخذ المشط من يدها برقة. بدأ يمشط شعرها بيديه الفولاذيتين بحنان رفيع، وعيناه البنيتان تتأملان وجهها في المرآة بشغف وتملك. انحنى فارس وطبع بوسة دافئة على خط عنقها الناعم، وهمس بصوت رجالي بحّار يفيض بالعشق: ـ "تعبتِ النهاردة يا ست البنات.. بس الحمد لله إن ربنا رد كيد الخاينين في نحورهم، ورجعت السرايا لهدوءها وأمانها بوجودك." لفت مُهرة جسمها ونظرت في عينيه بثبات وحب عميق، وحطت يديها الصغيرتين على صدره العريض: ـ "أنا ما بحسش بأي تعب طول ما أنا شايفة قوتك وحمايتك ليا يا فارس.. الدار دي بقت بيتي الحقيقي، وأنت صقري اللي ما أستغناش عن حضنه لحظة واحدة."في المضيفة الخارجية الكبيرة للسرايا، كان أيهم يبتعد عن صخب المجلس بضع خطوات وهو يحمل هاتفه. كان يرتدي جلبابه الأبيض الفاخر وعباءته الصوفية، وعلى وجهه الصارم وملامحه الحادة التي تهابها الرجالة، رسمت شفتيه ابتسامة دافئة وناعمة ما بيشوفهاش حد غيرها! وضع الهاتف على أذنه، وقبل أن ينطق بكلمة، جاءه صوتها الناعم المليء بالشوق والدلع الصعيدي العفوي من القاهرة: ـ "أيهم؟ حبيبي.. وصلت بالسلامة دار أبوي؟ متى بتركب العربية وترجع لي؟ الشقة من غيرك فاضية وباردة أوي يا ولد العم!" تغيرت نبرة أيهم تماماً، وانخفض صوته ليصبح رجولياً يفيض بحب جارف وتملك، وقال بنبرة دافئة هزت الهاتف: ـ "يا روح أيهم، وروح قلب أيهم من جوة.. وصلت من ساعتين يا دهب. وعيونك اللي وحشاني دي مش مفارقاني لحظة واحدة. كلها بكرة وبكون عندك في أحضانك يا أميرتي.. يا بنت الهوارة ودلوعة فارس." كانت "دهب الهواري"، أخت فارس الصغرى الشابة والجميلة وزوجة أيهم، بقيت في القصر بالقاهرة بسبب امتحاناتها وتعب مفاجئ ألمّ بها، لكن قلبها وشغفها كانا مع زوجها في كل خطوة بالصعيد. تنفس أيهم براحة بعد أن أطمن على صوتها، وقال بحنان شديد: ـ "قفلتي الأ
"مين أنت يا روح أمك؟! وكيف تتجرأ تحضن حرم فارس الهواري وتلمسها قُدام رجالة الدار بكبرها؟! قسم بعزة الله لو ما نطقت اسمك في ثانية.. هفرغ الخزنة دي في راسك!" الشاب الغريب تراجع خطوةعدل سترته بثبات ورجولة، ونظر لفارس بعينين حادتين ومش خايف من السلاح، وقال بثقة: ـ "أنا حسام.. ابن خالة مُهرة، وأخوها في الرضاعة!" تسمرت يد فارس على السلاح! وعمّ الصمت القاتل المضيفة! مُهرة اتخرعت من هيئة فارس المشتعلة، ومسكت ذراعه فوراً بيدين مرتعشتين، وقالت بسرعة ونبرة متوسلة عشان تهديه: ـ "فارس اهداء بالله عليك! حسام مش غريب.. حسام ده ابن خالتي وأخويا في الرضاعة! رضعت معايا من أمي وأنا وهو مربيين مع بعض من صغرنا كأننا توأم وشربنا من لبن واحد!" تسمر فارس في وقفته! نزل بنظره الحاد لمُهرة المترجية، وبعدين بص لحسام اللي كان باصص لمُهرة بابتسامة حنونة وخوف أخوي خالص وخالي من أي شائبة. الجد عبد الرحيم استقام في وقفته وابتسم ابتسامة هادئة أذابت الجليد، وقال: ـ "نزل سلاحك يا فارس يا ولدي.. الولد أخوها في الرضاعة وبمثابة محرم ليها بشرع ربنا وسنة نبيه.. يا مرحب بيك يا ولد الأصول في دار الهوارة، نورت
كانت الأنفاس محبوسة في البهو السفلي، وزوايا السرايا تجمدت كأن الزمن توقف تماماً! السكين الحاد يلامس بشرة رقبة مُهرة البيضاء، ونقاط ناعمة من الخوف ترتجف على وجنتيها الشاحبتين، بينما مروان يمسكها بيده اليسرى السليمة وعيناه المليئتان بالشرار تجولان في المكان بجنون مطبق، متجرداً من كل عقل أو أصول.فارس كان واقف كالجبل المغطى ببركان يوشك على الانفجار! الدماء غلت في عروقه لدرجة أن رقبته برزت، وعيناه البنيتان تحولتا لسواد جهنمي لا يرحم.خطا فارس خطوة واحدة نصف هادئة ومحسوبة، وهو يرفع يديه الاثنين ببطء شديد قدام مروان، ونطق بصوت رجالي بحّار، وطي جداً بس مرعب زلزل القاعة:ـ "سيب السكينة يا مروان.. بص في عيني وركز معايا. أني صقر الصعيد، وأنت عارف صقر لما بيغضب بيعمل إيه.. لو لمست شعرة واحدة من حُرْمَتي، قسم بعزة الله مش هسيب فيك حتة سليمة تتردم في التراب، وهخلي اسمك يتمحى من كتب الهوارة قبل ما تطلع شمس بكرة!"مروان يده كانت ترتجف من الخوف والجنان، وزعق بصوت مبحوح ومستفز:ـ "أنا هيبتي اتكسرت بسببها وبسببك يا فارس! الجد ضربني بالنار قدام الخدم والعيلة! مش هخرج من هنا غلبان ولازم أدفعكم الثمن!"وف
انقطعت ألسنة الجميع وتجمّد الهواء في البهو بعد كلمة مروان الخائنة، وكان صمت المكان أشد هولاً من صوت الرصاص الخارجي! وفي لحظة لم يتوقعها أحد.. استقام الجد عبد الرحيم في وقفته كأن العمر ارتد به ثلاثين عاماً إلى الوراء! لم يتكلم، ولم يصرخ، بل مدّ يده بثبات عجيب نحو حزام منصوره الخفي، وسحب منه مسدساً أسود صغيراً، وبحركة خاطفة لم يدركها مروان وهو يبتسم بشر... "طَخخخخ!" دوت الطلقة في أرجاء السرايا، وسقط جدار الصمت! صرخ مروان صرخة مكتومة ويمسك بيده اليمنى التي ينزف منها الدم، وتراجع للخلف ينظر لجده بذهول ورعب لا يصدق! وقف الجد عبد الرحيم، ودخان المسدس يتصاعد من فوهته، وعيناه تفيضان بهيبة وجبروت صلب، ونطق بصوت هادئ للغاية، لكنه كان ينزل كالحديد على رؤوس الجميع: ـ "اللي يبيع ابن عمه ويشهد مع الغريب على حرمة بيته وعرضه.. ما يترفعش عليه سلاح فرسان، ولا يتقال له يا راجل! ده ياخد عياره في الإيد اللي اتمدت بالخيانة، وتقعدوه جوة كيف الحريم، وتجيبوا له الحكيم يربط جرحه.. وده العقاب اللي يستاهله ولد الهوارة لما ينسى أصله!" أشار الجد بعكازه للرجالة، فانطلق اثنان من كبار حراس السرايا، وسحبوا مروا
عدت أيام على فاجعة المستشفى، ومرت ليلة ورا ليلة وسرايا الهواري عايشة في سكون مرعب، زي الهدوء اللي بيجي قبل الهبوب. الشمس كانت لسه بتشق طريقها على المزارع، والندى نازل على شجر النخل والزرع الأخضر. كانت الساعة جارية على ستة الصبح، والجو في السرايا هادي لدرجة إنك تسمع صوت زقزقة العصافير ونسيم الهواء العليل وهو بيهز الشجر. في الجناح العلوي، كانت الستائر الشيفون الأبيض بتتحرك بهدوء مع الهواء الدافي. مُهرة كانت قاعدة على طرف السرير، لابسة عباية بيضا واسعة وشال حرير خفيف ملفوف على رأسها بيغطي الضمادة اللي بقت أصغر. كانت ماسكة كباية ينسون دافية بيديها الاتنين، وبتبص من الشباك الكبير على الغيط الممتد. كان وشها شاحب بس بدأ يرجعله دمه ورونقه، وعينيها العسلية فيها هدوء عميق... هدوء ما تعرفش وراه رضا ولا عاصفة مستنيّة شرارة عشان تولع! فجأة، اتفتح باب الجناح ببطء شديد ومن غير أي صوت. دخل فارس وهو شايل في إيده صينية فطور صغيرة عليها العسل النحل والقشطة والعيش البلدي المخبوز طازة. كان لابس جلبابه الأبيض الخفيف، ووشه هادي، وعليه نظرة حنية دافية تمسح كل وجع الدنيا. حط الصينية على الطاولة الجانبية
صوت صفارات الإسعاف وصعق محركات السيارات كان يشق سكون الليل بطريقه نحو مستشفى النجع الكبير!كانت السيارة السوداء الضخمة تتطوح في الأزقة بسرعة جنونية، وقدم فارس تضغط على دواسة البنزين بكل قهر العالم. وفي المقعد الخلفي، كانت مُهرة ترقد ورأسها المدمى في أحضان "فتحية" (أم فارس) التي كانت تبكي وتنحب بصلوات خافته، بينما ينظر إليها فارس عبر المرآة الأمامية بعيون تشتعل بنار جهنم وجنون لم يسبق له مثيل!وصلت السيارة وأُحيلت الساحة أمام المستشفى إلى حالة طوارئ قصوى!ترجل فارس كالإعصار، ورفع مُهرة بين ذراعيه بالكامل، وركض بها عبر الممرات البيضاء وصوته الرعدي يزلزل الأسقف:ـ "دكتور فوراً!! أي حد يلحق حُرْمَة فارس الهواري!! بسرعااااة!"هرع الأطباء والممرضات، وسُحبت مُهرة من بين يديه على الحمالة المتحركة نحو غرفة العمليات والطوارئ، وأُغلق الباب الزجاجي المعتم في وجهه!سقط فارس بظهره على الحائط الأبيض، وعيناه مثبتتان على آثار دمائها الحارة التي صبغت يده وجلبابه الكحلي. استند ببراجمه على الجدار وضرب الخرسانة بيده الصلبة ضربة أحدثت صوتاً كالانفجار، والأنفاس تتصاعد من صدره المجهد كأنه بركان محبوس.وصلت س







