LOGINوضعت كفها الصغيرة على كفه، فبدت ضئيلة جدًا مقارنة بيده.
كان واقفًا عند الشرفة، يحمل طفلته ذات الأعوام الأربعة على ذراعه ، ابتسم لها، ثم رفع يدها وقبّلها برفق. اقترب بها أكثر، حتى وقفا أمام الشرفة تمامًا، وقال وهو ينظر إلى الحشود أسفل القصر:—هل ترين كل هؤلاء يا كاثرين؟ رفعت نظرها نحوه بصمت ابتسم، وعاد ينظر إلى الأسفل:—جاؤوا للاحتفال... ببلوغ أخيكِ الأمير. صمت لحظة، ثم تابع بنبرة أعمق:—يحتفلون... باستمرار السلالة الحاكمة. ظلت تحدق به، لا تفهم تمامًا... لكنها تنصت التفت ، ونظر في عينيها:—تعرفين ماذا يعني هذا يا صغيرتي؟ هزّت رأسها ببطء ، ابتسم، قبّل جبينها، ثم قال وهو يعاود النظر إلى الحشود:—هذا يعني... أن عائلتك كانت عظيمة. عادلة. لقد .. لقد كانت حياتنا... دائمًا فداءً لهذا الوطن. ثم عاد بعينيه إليها، وابتسامته أكثر دفئًا:—ولكن ، حياتي... وحياة إخوتك... والوطن كله فداكِ يا أميرة قلبي. حملها على كتفه، وضمّها إليه كأنها أثمن ما يملك عاد بها الحاضر كانت جالسة أمام المرآة، تمرر المشط ببطء في شعرها. انعكس وجهها على الزجاج... مختلفًا ذلك الدفء القديم... لم يعد كما كان كانت ملامحها تحمل جمالًا هادئًا، لا يصرخ... بل يُهمس به بشرتها شاحبة صافية، كأنها لم تعرف الشمس كثيرًا، تمنحها هالة من الغموض والرقة معًا. وجهها نحيل بانسيابية، عيناها واسعتان، بنظرة عميقة تميل للحِدّة... كأنهما تخفيان أفكارًا لا تُقال فيهما برودٌ نبيل... وحزنٌ خافت رموشها الطويلة تُلقي بظلالها، فتزيد نظرتها غموضًا. شعرها الأسود الطويل ينسدل حولها كستار ليلي، يحيط بوجهها ويعمّق حضورها ، جمالها لم يكن صارخًا... ولا سهل الفهم بل بارد... أنيق... يحمل كبرياءً خفيًا، ويترك أثرًا لا يُنسى نظرت إلى انعكاسه في المرآة ، كان نائمًا على السرير، ذراعه يغطي وجهه، وكأنه يعزل نفسه عن العالم تأملته... بنظرات سوداء، يملؤها الغل أنزلت المشط ببطء، ووضعته برفق. وقفت ، استدارت نحوه، وتقدمت بخطوات هادئة... حتى توقفت أمام السرير ظلت تنظر إليه نظراتها خاوية... لكن داخلها يعجّ بألف فكرة ، تحولت عيناها ببطء نحو السكين الموضوعة بجانب صحن الفاكهة. ثم عادت إليه صمت ثوانٍ طويلة... ثقيلة زفرت ببطء، وأغمضت عينيها، كأنها تحاول كبح شيء على وشك الانفجار. ثم فتحتهما ، ورسمت ابتسامة صغيرة... مصطنعة قالت بصوت ناعم:—جلالتك؟ تقدمت، حتى جلست على طرف السرير مالت قليلًا:—جلالتك...؟ ثم تابعت بلطف يخفي حدّة خفية:—أمعقول تركت الحملة... وزوجتك... وأتيت إلى هنا فقط لتنام؟ تنهد، أبعد ذراعه قليلًا عن وجهه، وقال بتعب:—قليلًا بعد يا كاثرين...ثم أعاد ذراعه ليغطي عينيه ، عضّت على شفتيها السفلية... غيظًا ، ابتلعت ريقها، وعيناها تلمعان بالغضب المكبوت ، التفتت جانبًا للحظة... تحاول التماسك ، ثم قالت، بصوت حاولت جعله هادئًا:—هيا جلالتك... انظر إليّ. زفر ماكسميليان، ثم أبعد ذراعه أخيرًا نظر إليها وهو لا يزال مستلقيًا ، ابتسم بخفوت:—نعم... ما الأمر؟ ابتسمت ، وقفت، وابتعدت خطوة عن السرير قالت وهي تشير إلى نفسها:—هل تلاحظ الفرق؟ نظر إليها بصمت ، ثم ابتسم وهز رأسه نفيًا تنهدت بانزعاج خفيف:—هيا... تأملني جيدًا. دارت حول نفسها ببطء، فانساب شعرها وتراقص خلفها. توقفت، وضعت يديها على خصرها:—لم تلاحظ؟ ابتسم، وقال ببساطة:—جميلة... كالعادة ابتسمت ابتسامة نصفية ثم قالت، وكأنها تختبره:—أشعر أنني اكتسبت بعض الوزن... هز رأسه فورًا:—لا... إطلاقًا. أنتِ كما أنتِ ضحكت بخفة، ومررت كفها على بطنها:—أشعر... أن هناك ماكسميليان صغيرًا ينمو داخلي. اتسعت عيناه فجأة ، انتفض جالسًا، واسودّ وجهه نزل عن السرير بسرعة:—ماذا تقولين يا كاثرين؟ ابتسمت، واقتربت خطوة:—سيكون لأبنائك... ابنٌ اب. أمسكها من كتفيها بقوة، وعيناه تكادان تخرجان من مكانهما: ما هذا الهراء؟ أنتِ... بم تهذين؟ عقدت حاجبيها، ودفعته بعيدًا بقوة:—أي هراء؟ ارتفع صوتها:—ماذا تعني أن كلامي هراء؟ ها؟ انا أبشّرك بطفل وانت تقول لي هراء ؟تقدمت نحوه خطوة: —ومنذ متى صرت انا اقول الهراء ؟ألم يكن صوتي يومًا علاجك؟ أم أنه لم يعد يساوي شيئًا الآن؟ زفر، وأدار وجهه بعيدًا ، مرر أصابعه في شعره بعصبية، وبدأ يدور في الغرفة ثم التفت إليها:—اسمعيني... الأمر معقد، حسنًا؟ ضحكت... بسخرية مريرة:—معقد؟ ثم اقتربت أكثر، ونظرت في عينيه:—أم أنك... مجرد جبان؟ توقف ضاقت عيناه:—ماذا قلتِ؟ اقتربت أكثر، صوتها صار أبرد:—كما سمعت تماما ، اتعرف... من هو الرجل السيئ بنظرنا نحن النساء؟ صمتت لحظة، ثم قالت باحتقار:—الجبان... الذي لا يستطيع أن يكون درعًا لنا وقت الكرب. نظر إليها بحدة:—كفي عن هذا الهراء! أشار إلى بطنها:—هل تدركين حجم ما حدث؟ هذا— قاطعته ضاحكة بسخرية:—أليس أنت من وعدني برأس أوغست؟ خفضت صوتها، وعيناها تلمعان:—رغم أن ذلك الوعد طال... إلا أنني صدقته. صرخ فيها:—كاثرين! هذا ليس وقت هذا الكلام! أشار إلى بطنها بعصبية:—هذا الطفل كارثة! لا مكان له في هذا العالم! تقدم خطوة:—قد يتسبب في نهايتي... ونهايتك! ابتسمت بسخرية، وأدارت وجهها قليلًا امتلأت عيناها بالدموع، لكنها لم تسمح لها بالسقوط.— تابع هو بسرعة:—نعم، وعدتك... وما زلت عند وعدي، لكن ليس الآن في الوقت المناسب. صرخت:—وما هو هذا الوقت؟! سكت لحظة ثم قال بثقل:—اليوم... الذي أستلم فيه عرش الإمبراطورية. تنهدت... ثم قهقهت بسخرية ، لكنه أكمل بسرعة:—صدقيني، لا تصدقي الشائعات ليس هناك وريث اخر ، للامبراطورأنا الأكبر بين من أنجبوا ذكورًا— ثم أمسك ذراعيها بقوة:—لكن الآن... تخلّصي من هذا الطفل... قبل أن يتخلص هو منا. نظرت في عينيه مباشرة باحتقار ثم قالت بهدوء قاتل:—لا يوجد طفل... يا ماكسميليان تجمد انفكت ملامحه:—م... ماذا؟ هزّت رأسها:—نعم... لا يوجد. أشرق وجهه فجأة ابتعد عنها، وضحك:—هذا جيد... نعم، جيد. على الأقل الآن— قاطعته بحدة:—اخرج... من جناحي يا ماكسميليان ضاقت عيناه:—ماذا؟ قالت ببرود:—قلت... اخرج تنهد، واقترب خطوة:—اسمعيني، الأمر— تراجعت للخلف قبل أن يلمسها:—الوقت المناسب؟ ابتسمت بسخرية:—مجرد كذبة... يا جلالتك. تابعت، بنبرة أعمق:—نعم، لا أحب أوغست...لكنني لن أنكر شجاعته لم ينتظر "وقتًا مناسبًا"... بل صنعه. صمت فصرخت:—الآن... اخرج! توقف لحظة، ثم هز رأسه؟تناول سترته... وخرج دون كلمة ** طُرق الباب ثم فُتح دخل بيرون ، نظر إلى والده، الإمبراطور... الذي كان يسعل بعنف وهو على السرير ، تأمله بصمت ثم أغلق الباب خلفه، وتقدم حتى اقترب التفت إليه الإمبراطور، وابتسم بصعوبة:—أنت هنا...؟ سحب بيرون كرسيًا، وجلس قربه:—لقد استدعيتني... كيف لا ألبّي؟ سعل الإمبراطور مجددًا، سعالًا أعنف اعتدل بصعوبة... لكن الدم خرج من فمه ، وقف بيرون فورًا، تناول مناديل حريرية، ومسح فمه بهدوء. ابتسم الإمبراطور بسخرية، وهو يتكئ على الوسادة:—يبدو... أن هذه القوى بدات تبتلعني ، لفّ بيرون المنديل الملطخ بالدم، وأدخله في جيبه ، ثم جلس مجددًا، وقال بثبات:—فداك الكون وما فيه يا مولاي. خفض صوته قليلًا:—إن لزم الأمر... سأذبح هذه المملكة كلها فداك ، ولا يهون أذاك. هزّ الإمبراطور رأسه ببطء:—لم يعد هذا يجدي... أغمض عينيه لحظة، ثم فتحهما:—أظنها... بدأت تستهلكني. نظر إليه بيرون بثبات، دون أن يرمش:—لا يحق لك الرحيل رد الإمبراطور بصوت متعب:—لن أرحل... إنها نوبات فقط تصيبني بين حين وآخر. اتكأ بيرون إلى الخلف قليلًا:—هذا جيد ثم أضاف، بنبرة هادئة لكن مخيفة:—لأنني... لا أرحم هذا العالم إلا لوجودك فيه. رفع عينيه إليه:—إن اختفيت... سأحرقه ، ثم ابتسم ابتسامة ساخرة خفيفة:—فانا ابقيه قائمًا... تفضّلًا مني. ابتسم الإمبراطور بصعوبة:—حقًا؟ أجابه بيرون بهدوء:—وهل تشك؟ هزّ الإمبراطور رأسه ببطء:—لا... صمت قليلًا...ثم قال الإمبراطور بصوت منخفض:—لم أكن أريد... أن يراني أحد بهذا الضعف... سواك. ابتسم بيرون بخفة:—يا إلهي... كم أنا فخور مال قليلًا للأمام:—أنا المفضل لدى محور الكون... إمبراطور العالم... والدي العزيز؟ ابتسم الإمبراطور بصعوبة:—أظنك الوحيد... الذي يستطيع أن يجعلني أبتسم حقًا... وأنا في هذه الحالة. تنهد بيرون بتصنّع:—يا إلهي... توقف عن هذا، ستجعلني مغرورًا أكثر مما أنا عليه. نظر إليه الإمبراطور... ثم سعل مجددًا بعنف نهض بيرون فورًا، تناول كأس الماء، وساعده على أن يستند في وضع نصف جلوس قرّب الكأس من شفتيه:—اشرب. وفي تلك اللحظة... طُرق الباب ، رفع بيرون رأسه، ونظر نحوه. وضع الكأس جانبًا، ثم ساعد الإمبراطور على أن يرقد مجددًا التفت الإمبراطور برأسه بصعوبة، وتبعه بنظره ، فتح بيرون الباب. انحنت الخادمة:أحضرت الفاكهة للإمبراطور. نظر بيرون إلى الصينية، ثم أخذها منها:—حسنًا... اذهبي. أغلق الباب برفق ، عاد إلى الداخل، وجلس قرب السرير قرّب الصينية، وأخذ يقطع الفاكهة بهدوء ، قال الإمبراطور بصعوبة:—لماذا... تقطعها بنفسك؟ أجاب بيرون ببساطة، دون أن يرفع عينيه:—لأن من سيأكلها... أبي !!! أغمض الإمبراطور عينيه لحظة... ثم فتحهما، ونظر إلى السقف بصمت ، بعد لحظات، قال:—إلى أين... كنت متوجهًا؟ رفع بيرون نظره قليلًا، ممسكًا بالسكين ، ثم عاد لتقطيع الفاكهة:—إلى فيليكس... ثم ربما نيكولاس أيضًا تنهد الإمبراطور:—لماذا؟ أجاب بيرون بهدوء:—لأحرّضهم ، التفت الإمبراطور نحوه فورًا، وعقد حاجبيه، بينما بيرون... استمر في تقطيع الفاكهة وكأن الأمر عادي. تابع:—لا أريدهم أن يشاركوا في الحملة ، وضع السكين جانبًا، وطعن قطعة فاكهة بالشوكة ، مدها نحو فم الإمبراطور ، ظل الإمبراطور ينظر إليه... قبل أن يقول:—تقولها لي بهذه الجرأة؟ أنك تحرّض أبنائي... على مخالفة أوامري؟ ابتسم بيرون، ودفع الشوكة نحو فمه تناول الإمبراطور اللقمة ببطء، وعيناه لا تفارقان وجهه ، قال بيرون بهدوء:—ليست جرأة... توقف لحظة، ثم أضاف:—بل حقيقة. ثم نظر إليه:—وليسوا أبناؤك فقط... بل إخوتي. صمت لحظة، ثم أكمل:—الهجوم على التايتانور في عقر دارهم... ليس مخاطرة بل انتحار صريح. رفع كتفيه بخفة:—ولا ارى أن ذهب تايتا... يستحق أرواحهم أخذ قطعة أخرى، ومدها له:—أعرف أن بقية إخوتي لن يقتنعوا بكلامي...لهذا... أخاطب من يمكنني التأثير عليه. تناول الإمبراطور اللقمة، وهو لا يزال ينظر إليه ، ثم ابتسم بخفوت:—إلى هذه الدرجة... تستهين بي؟ لتخبرني بهذا الشكل؟ اعترض بيرون فورًا:—بل... إلى هذه الدرجة أثق بك. نظر الإمبراطور إليه ، فابتسم بيرون ، تبادلا نظرة طويلة... صامتة ثم رفع بيرون الشوكة مجددًا، وأطعمه لقمة أخرى... ثم أخرى ** دخل إيلادور القصر، وملامحه مشدودة كوترٍ على وشك الانقطاع هرعت إليه الملكة، يكاد القلق يفتك بها:—جلالتك! هل أنت بخير؟ لكن صوتها اختنق في حلقها حين وقعت عيناها على ذراعه الملطخة بالدم انتفضت، وهمست بفزع:—يا إلهي... ما هذا؟ لم يجبها اكتفى بنظرة صامتة، باردة، ثم قال بصوت منخفض لكنه قاطع:—هل الدوق أدريان في الداخل؟ خفضت رأسها، وهزته ببطء تجاوزها دون كلمة أخرى. "نادي لي الدوق أدريان."قالها للحارس دون أن يلتفت. "أمرك، جلالتك." دخل أدريان إلى قاعة العرش ، الباب أُغلق خلفه بهدوء ثقيل، كأن القاعة ابتلعت الصوت في الداخل، كان إيلادور واقفًا أمام العرش، ظهره مستقيم، ويداه معقودتان خلفه. يتأمل العرش المهيب—أسود يتخلله الأحمر القاني، والبساط الممتد نحوه كأنه طريق من دم انحنى أدريان:—جلالتك... استدعيتني؟ استدار إيلادور.بـعـنـف عيناه القرمزيتان اشتعلتا، وذراعه لا تزال تنزف دون أن تُعالج ، وجهه كان كوحشٍ أُيقظ من سباته، وحاجباه المعقودان يرسمان غضبًا لا يُطاق. رفع أدريان رأسه...ثم خفضه فورًا، كأن النظر إليه جريمة. بدأ إيلادور يقترب خطوة ...خطوة...كل خطوة كانت تهديدًا كل خطوة كانت كأنها تدق على صدر أدريان من الداخل. حتى وقف أمامه مباشرة.—بِمَ أمرتك... يا أدريان؟ ارتجف صوته وهو يجيب:—أُقِرّ بتقصيري، جلالتك... أنا— قاطعه إيلادور بنظرة حادة.—هل تعرف... ما فعلته؟ رفع إصبعه وأشار إلى العرش خلفه:—هل تعرف منذ متى وأنا... أحمي هذا. ابتلع أدريان ريقه، قبض على معصمه بقوة ، لكن إيلادور لم يتوقف. —هل تعرف كم شخص مات اليوم؟ صوته انخفض... لكنه صار أثقل :—هل تعرف كم سنة... من عمري قضيتها لأحمي هذه المملكة؟" صمت ، رأس أدريان انخفض أكثر. —هل... تعرف؟! انتفض أدريان، وصوته خرج متكسّرًا:—صدقني جلالتك، لقد حرصنا—كنت في فاليسيا كما أمرتني—وأول ما وصلني الخبر— في لحظة لم يُكمل صوت معدني حاد شقّ الهواء سيف إيلادور خرج—كوميض ولم يكن هناك وقت للصدمة رأس أدريان ارتفع في الهواء...ثم سقط الجسد بعد لحظة قصيرة، كدمية انقطعت خيوطها. ساد الصمت ثقيـل... خانق ، قطرات الدم سقطت على البساط الأحمر—تندمج معه حتى كأنها لم تكن شيئًا جديدًا وقف إيلادور مكانه يتنفس ببطء ببرود.كأن ما حدث... لم يكن أكثر من تنفيذ حكم ** جلست ريموندا على حافة السرير، تشبك أصابعها بقوة حتى ابيضّت مفاصلها، ودموعها تنهمر بصمت... بلا إذن، بلا توقف. تلك المشاهد...تلك الصرخات...ما زالت تطفو في رأسها ككابوسٍ لا ينتهي. تمتمت في داخلها:—ما هذا العالم؟... ما تلك الوحوش؟... خفضت رأسها، أنفها محمر، وكتفاها ترتجفان وهي تبكي دون صوت انفتح الباب برفق دخل نيرو، وخلفه بونو، ومعهما الجنية. قال نيرو بصوت هادئ:—جلالتك... الملكة ريموندا؟ رفعت رأسها بسرعة، ومسحت دموعها بكفها على عجل:—م... مرحبًا يا نيرو. اقترب منها بقلق:—هل أنتِ على ما يرام؟ نظرت إليه للحظة... ثم خفضت رأسها مجددًا انهارت. رغم محاولتها المقاومة، انفجرت بالبكاء، تهز رأسها نافية. ثم رفعت وجهها، وعيناها ممتلئتان بالدموع:—لا أعرف يا نيرو... لا أعرف... لا أفهم... أشعر وكأنني... في دوامة كوابيس... جلس إلى جانبها، بنبرة ألطف:—لماذا تقولين هذا؟ قالت بين شهقاتها:—تلك... تلك الكائنات المخيفة... مال برأسه باستغراب:—أي كائنات؟ همست وهي تبكي:—التي... تلتهم البشر... تغيّر وجهه فورًا:—التايتانور؟! هل... رأيتِ أحدها؟ هزّت رأسها ببطء:—نعم... رأيت أبشع شيء يمكن أن يُرى... تنهد بقلق:—لكن أين؟ كيف؟... لا تقولي—في الخارج؟ أومأت ، اتسعت عيناه بدهشة، بينما قال بونو بحدة: —ماذااا؟! كيف خرجتِ؟! الخطر في كل مكان! ارتجفت وقالت بسرعة:—أعرف... أعرف... ثم غطّت وجهها بكلتا يديها:—ليتني لم أخرج... لم أكن لأرى كل ذلك... تبادل نيرو وبونو النظرات ، قال نيرو محاولًا تهدئتها:—اهدئي يا جلالتك... لكن لا يجب الخروج وحدك، هذا خطر جدًا. أغمضت عينيها وهزّت رأسها ببطء ثم سألت فجأة:—كيف حاله؟ نظر نيرو باستغراب:—من؟ قالت بهدوء خافت:—الملك... عقد حاجبيه:—ما به الملك؟ سكتت لحظة... ثم ابتسمت ابتسامة باهتة، كأنها تخفي شيئًا: —لا شيء...ثم رفعت نظرها إليه:—هل... يمكنك أن تتركني وحدي قليلًا؟ أومأ برأسه نهض، وتبعه بونو والجنية ، تأملت خروجهم بصمت... حتى أُغلق الباب ساد الهدوء جلست لبعض الوقت، تفكر ثم وقفت فجأة. "يجب أن أطمئن عليه..." خرجت من جناحها، واتجهت نحو جناح الملك. وقفت أمام الباب انحنى الحارس:—مرحبًا جلالتك. قالت بثبات:—أريد الدخول" فتح لها الباب ، دخلت ، تقدمت ببطء... لكنها توقفت فجأة ، ضيّقت عينيها المنظر أمامها... لم تتوقعه على سرير الملك... كانت أديلين مستلقية..كأنّ التساؤلات انهالت عليه دفعةً واحدة: كيف يعرف هذا الوحش بشأن نطاق الطاقة؟ كيف يعرف المسافة المطلوبة؟ وإن كان لهذه الكائنات ملكٌ يقودها... فهي بطبيعتها بدائية، لا عقل بشريًا لها كي تتطور أو تنتظم ، لقد أُبيدت الأنواع المتقدمة منها سلفًا لوضع حدٍّ لها... لكن من يدري؟إن كانت هذه الكائنات قد تطورت إلى هذه الدرجة... فربما هذا أبسط ما لديها.شدّ كاسبر على أسنانه، ثم ركل الوحش في بطنه فتراجع للخلف. رفع كاسبر كفّه عاليًا، لكن الوحش — وبسرعة خاطفة — أمسك بمعصمه قبل أن يستوعب ما يحدث ، ابتسم له ابتسامة واسعة، ثم لوى معصمه وكسره.صرخ كاسبر متأوهًا: —يا إلهي... سحقًا!نظر إلى الوحش بغضب، ثم ركله بقوة ليندفع بعيدًا. أمسك بيده المصابة، عضّ على أسنانه، ولفّها بعنف حتى أعاد العظم إلى موضعه، يتنفس بسرعة من شدّة الألم. أغمض عينيه، وقف بثبات، أرجع إحدى قدميه للخلف، وأحكم قبضته على السيف... ثم اندفع.اصطدم السيفان، ودخلا في مبارزةٍ ساخنة؛ كلٌّ منهما يقاتل بكل ما لديه ، توقفا أخيرًا، يتنفسان بصعوبة، وصدر كاسبر يعلو ويهبط بعنف.علّق الوحش سيفه على كتفه، وابتسم بخبث قائلًا:—أتعرف أنني ألهو معك منذ ساعات
وقف كاسبر على صهوة حصانه في مقدمة الجيش ، إلى جانبه ألكسندر وأوغست، وفي الجهة الأخرى ليوبولد وخلفهم الجيش متراصٌّ في صفوف ممتدة.تقدّم كاسبر خطوة، ثم استدار بحصانه ليواجه الجنود، بينما بقي الثلاثة في ثباتهم قال بصوت جهوري، ممسكًا بلجام حصانه:—اسمعوا أيها الجيش...ساد الصمت.تابع :—تذكّروا جيدًا أننا ندخل أقوى وأرعب أرض... أرض تايتا. مقبرة البشرية.شدّ على اللجام :—لكن تذكّروا... لا شيء أقوى من كاليمور وجيشها ، رفع صوته أكثر:—اثبتوا! ترابطوا. ! وإياكم والتردد!ثم صرخ:—إما النصر... أو النصر!»ارتجّ الميدان بصوت الجنود:—تحيا كاليمور! يحيا الجيش الكاليموري! بينما كانت الهتافات تتصاعد، ظل أوغست يمسح الأفق بنظرة حادة، يقيّم الأرض والاتجاهات بصمترفع كاسبر يده عاليًا وأشار: —الوحدة الأولى إلى الشرق!تحرّك جيش ليوبولد ، الوحدة الثانية إلى الغرب...!اندفع جيش ألكسندر ، الوحدة الثالثة إلى الشمال! تحرّك جيش أوغست ثم قال اخيرا: —الوحدة الأخيرة... خلفي.استدار بحصانه وانطلق، فتبعته القوات، وغبار الرمال يرتفع تحت حوافر الخيل توقّف أوغست لحظة نظر إلى كاسبر وهو يبتعد مع جيشه...ثم استدار بصمت، وأكمل طر
تراجعت كارينا خطوة صغيرة إلى الخلف، وكأن كلمة "وفاق" لم تكن بريئة كما بدت لها تسارعت أنفاسها أكثر، وعيناها ما زالتا معلّقتين به بحذر ، قالت بصوت منخفض متردد: —و... ما معنى هذا الوفاق؟ابتسم بيرون ابتسامة خفيفة، وأدار رأسه قليلًا كأنه يختار كلماته بعناية:—معناه بسيط جدًا... اقترب خطوة واحدة فقط دون أن يلمسها، لكن المسافة بينهما صارت خانقة: —أن نتوقف عن لعب دور الأعداء.سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أخف، شبه ساخرة:—أنا لا أحب أن أكون عدوًا لأحد... خصوصًا لمن يحمل أسرارًا خطيرة كهذه.ارتجفت أصابعها قليلًا ،قالت بسرعة:—أنا لا أفهم ما تقصده ، اسرار ماذا؟رفع حاجبه، ثم أشار بخفة إلى المكان الذي كان فيه الكاتب قبل قليل، اغمضت عينيها بحسرة على حالها ، خفض صوته:—دعيني أكون أوضح...اقترب نصف خطوة أخرى، فشدّت جسدها تلقائيًا :—أنا لم أركِ... ولم أرَ شيئًا لا الكاتب... ولا هذا المشهد المثير للاهتمام.ثم أضاف بسخرية خفيفة:—وأنتِ ..من الآن فصاعدًا... ابنة بارة بعمها حسناً؟؟ ثم...أليس العم أبًا؟ارتجفت شفتاها: —ولِمَ تظن انني سوف أفعل ما تريد؟ابتسم بيرون بهدوء غريب:—لأنكِ ذكية ، ثم أمال رأسه قليلًا: —وا
اتكأ إيلادور على الكرسي :-أنا أسمع... تفضّلي يا آنسة... ....ريموندا؟ ، نظرت إليه بامتعاض، وتمتمت بصوت خافت:—هل يدّعي أنه لا يتذكر اسمي جيدًا؟؟؟قال إيلادور:—معذرة؟ ، رفعت ريموندا رأسها بسرعة، وقالت وهي تتدارك بابتسامة قصيرة:—لا، لم أقل شيئًا. عمومًا... لديّ مخزون أسئلة لدرجة أنني لا أعرف بأيّها أبدأ!سكت لحظات، ثم قال:—اسألي أي شيء. أنا أسمع.رفعت سبابتها قائلة :—وستجيب عليها كلها، أليس كذلك؟نظر إليها ورد بهدوء: —سأجيب على ما أعرف.ضيّقت عينيها قائلة : —أنت تعرفها كلها . ما أعنيه... أنك لن تتفادى الإجابة.فرد ببرود:—بل سأتفادى ما لا يناسبني. لذا اسألي... دون شروط ، تلفّتت بتذمر، فتنهد قائلا :—ألن تسألي؟التفتت إليه ثم قالت : آه... نعم. في الحقيقة... كيف تُضيئون الأماكن هنا؟ عقد حاجبيه تساؤلاً: كيف؟ لا أفهم قصدك.قالت على استحياء:—نحن نستخدم الشموع لإضاءة الحجرات و... هزّ رأسه وقد فهم: —آه... تسألين عن تلك القوة التي تُنير بلا فتيل!!؟؟سكت لحظة، ثم قال: —نسميها كهرباء ، وأشار إلى الجدار:—هي نورٌ يسري في أسلاك خفية، كما يسري الماء في القنوات لا زيت لها، ولا نار... ومع ذلك تملأ المكان
عمَّ الصمت والهدوء ، قال الإمبراطور دون أن يلتفت: "تفضّل"اقترب إيلادور رفع الإمبراطور كأس العصير وارتشف منه، بينما كان إيلادور يتأمّله بصمت تقدّم بخطوات ثقيلة تهزّ الأرض حتى وقف أمام الإمبراطور مباشرة، ينظر إليه بحدّةٍ اعتادها الجميع منه؛ وجهٌ متجهّم لا يعرف اللين.رفع الإمبراطور رأسه ، تبادلا النظرات وضع الإمبراطور كأسه على الطاولة وأشار بكفّه إلى إيلادور أن يجلس نظر إليه لحظة، ثم جلس على الكرسي المقابل، وظلّ ينظر بثبات دون أن ينبس بكلمة.ابتسم الإمبراطور ابتسامة خفيفة، وخفض رأسه قليلًا وقال:—اسكب لنفسك كأسًا... لعلّنا سنقول الكثير.نظر إيلادور إلى القنينة الزجاجية، ثم إلى الكأس الفارغ أمامه، ورفع رأسه متكئًا وقال:—ألستَ من استضافني؟ اسكب لي أنت.توقف الإمبراطور والكأس بين يديه، ثم ابتسم بسخرية خفيفة وضعه جانبًا واتكأ على كرسيّه قائلًا:—أظنّ أن والدك علّمك أشياء كثيرة يا إيلادور... لكنه لم يعلّمك الخوف.ظلّ إيلادور صامتًا تابع الإمبراطور:—وهذا طبيعي... لا يمكنه أن يعلّمك شيئًا هو شخصيًا لا يعترف به ، والدك كان محاربًا قويًا... وصديقًا جيدًا لي.»عقد إيلادور حاجبيه أكثر حتى بدا وجهه
جلست ريموندا على طرف السرير، حيث كان إيلادور يغطّ في نومٍ مضطرب، يتعرّق بغزارة ولأول مرة... تراه عن قربٍ إلى هذه الدرجة. كان شعره الأسود الفحمي يصل إلى نهاية عنقه وتلك الظلال الداكنة تحت عينيه الحادتين ، كانت تدل على الإجهاد الذي يعيشه وتلك التجاعيد بين حاجبيه ، تلك التي طُبعت على وجهه من كثرة ما كان يقطّبهما ، أثر شاربٍ خفيف بالكاد يُرى ،عظام فكه البارزة ووجهه... المليء بالخدوش ،قديمة... وجديدة آثار معارك لا تُحصى.وهناك ندبةٌ قديمة تبدأ من مدمع عينه اليسرى، تمتد مائلةً عبر وجهه حتى تصل إلى نهاية أنفه في الجهة اليمنى وضعت كفّها برفق على جبينه كان جسده يشتعل كالنار من شدّة الحمى.تمتمت بقلق: —يا إلهي... ماذا عليّ أن أفعل؟ نظرت إلى الباب... ثم إليه ، فخاطبت نفسها بخفوت: —لقد رفض قطعًا أن أخبر أحدًا...سكتت لحظة تفكّر بحيرة ثم قالت: —على الأقل... يجب أن أُخفّف هذه الحرارة ، وقفت لتستعد لتخرج لكنه تحرّك قليلًا فتوقّفت، راقبته مال برأسه قليلًا... لكنه ظل نائمًا تنفّست بعمق، ثم خرجت من الجناح بعد دقائق، عادت تحمل وعاءً ممتلئًا بالماء، ومعه قطع قماش.جلست قرب رأسه ،بلّلت القماش ، عصرته فو