로그인ساد الصمت داخل الغرفة الصغيرة.
لم يكن صمتًا عاديًا... بل كان ثقلًا يخنق الأنفاس، حتى بدا صوت المطر المتساقط على زجاج النافذة وكأنه الشيء الوحيد الذي ما زال حيًا في هذا المكان. جلست أروى على طرف السرير، تحدق في الأرض بعينين فارغتين. كانت يداها قد نُظفتا من الدماء... لكنها ما زالت تشعر بدفئها فوق أصابعها. كلما أغلقت عينيها... رأت هبة تسقط أمام السيارة من جديد. ارتجف جسدها كله. ثم همست بصوت بالكاد سمعه من كان يجلس أمامها. ــ هل... ماتت فعلًا؟ لم يجبها سمير مباشرة. أخفض رأسه... وأغمض عينيه لثوانٍ. ثم هز رأسه ببطء. لم تحتمل أروى الإجابة. وضعت يديها على وجهها، وانفجرت بالبكاء. بكاء مكتوم... مليء بالعجز والندم. أما سمير... فاكتفى بالنظر إليها بصمت. وكأن الكلمات أصبحت بلا قيمة. مرت دقائق طويلة... لم يتحدث خلالها أي منهما. حتى قطع سمير الصمت أخيرًا. ــ كنت سعيدًا اليوم... رفعت أروى رأسها نحوه ببطء. تابع وهو يبتسم ابتسامة باهتة. ــ عندما أخبرتِني أنك قُبلت في الشركة... شعرت أن كل تعبنا لم يذهب سدى. ابتلعت أروى غصة مريرة. أكمل بصوت خافت. ــ قلت في نفسي... أخيرًا بدأت حياتنا. خفض رأسه. ثم أردف بعد لحظات. ــ كنت أفكر أننا سنبدأ نجمع المال... ونبحث عن بيت صغير... حتى لو كان متواضعًا. المهم... أن يكون بيتنا. أغمض عينيه. ثم أطلق ضحكة قصيرة... لكنها كانت مليئة بالألم. ــ يبدو أن الأحلام كانت أكبر منا. بدأت دموع أروى تنهمر من جديد. كانت ترى أحلامهما تنهار أمامها... كما لو أنها بيت من زجاج. ساد الصمت مرة أخرى. ثم قال سمير بصوت مبحوح. ــ غدًا... لن أذهب إلى عملي. وبعد الغد أيضًا. تنهد بعمق. ــ وربما... لن أعود إليه أبدًا. رفعت أروى رأسها بسرعة. ــ لا تقل ذلك... ابتسم بأسى. ــ كيف لا أقوله؟ أخفض نظره إلى الأرض. ــ ستفصلني الشركة. وسأدخل السجن. وعندما أخرج... لن يقبل أحد بتوظيفي. سكت قليلًا. ثم أكمل بصعوبة. ــ كنت أريد أن أمنحك حياة جميلة... لكنني حتى هذا... لم أعد أستطيع فعله. ارتجفت شفتا أروى. ــ لا... أرجوك لا تتحدث هكذا. مرر سمير يده فوق وجهه. ثم قال بصوت متعب. ــ أنا لا أخاف من السجن. صمت للحظة. ــ أخاف فقط... أن أخلف كل وعد قطعته لك. بكت أروى أكثر. لم تكن قادرة على رؤية الرجل الذي أحبته بهذه الحالة. مدت يدها نحوه دون وعي. وضعتها فوق يده. ــ سنجد حلًا... لابد أن نجد. رفع عينيه إليها. ابتسم ابتسامة شاحبة. ــ أتمنى ذلك. وقبل أن تضيف شيئًا... ارتفع صوت طرقات خفيفة على الباب. دخل أحد رجال الشرطة. نظر إليهما باحترام، ثم قال: ــ أعتذر على الإزعاج... لكننا بحاجة إلى أخذ أقوالكما. وقف سمير ببطء. ثم نظر إلى أروى. ــ هل تستطيعين الوقوف؟ أومأت برأسها بصمت. نهضت بصعوبة. كانت قدماها ترتجفان. خرج الثلاثة من الغرفة. ساد الصمت في الممر الطويل. لم يكن يسمع سوى وقع خطواتهم. كانت أروى تسير بجوار سمير. ورأسها ممتلئ بصوته... "ستنتهي حياتي..." "لن أعود إلى عملي..." "سأخلف كل وعد قطعته لك..." توقفت فجأة. استدار سمير نحوها باستغراب. نظر إليها. كانت دموعها تنساب بصمت. قال بقلق: ــ أروى... هل أنتِ بخير؟ رفعت عينيها إليه. حدقت فيه طويلًا. ثم قالت بصوت مرتجف. ــ لا تقل شيئًا... عقد حاجبيه. ــ ماذا؟ ابتلعت ريقها بصعوبة. ثم قالت وهي تحاول منع دموعها من السقوط. ــ عندما يسألون... دعني أنا أتكلم. اتسعت عينا سمير. ــ أروى... ماذا تقولين؟ هزت رأسها. ــ أرجوك... لا تعترض. اقترب منها خطوة. وقال بسرعة. ــ لا... لن أسمح لك... قاطعته وهي تبتسم ابتسامة حزينة. ــ لقد وعدتني... أننا سنبقى معًا دائمًا. سكتت لحظة. ثم همست. ــ إذا دخلت السجن... ستنتهي حياتك. أما أنا... فسأتحملها. أمسك ذراعها بسرعة. ــ لا... هذا مستحيل. لن أقبل بذلك. لكنها سحبت ذراعها برفق. وقالت بثبات لم تعرف من أين جاءت به. ــ اعتبرها... أول شيء أفعله من أجل مستقبلنا. وفي تلك اللحظة... فتح الشرطي باب غرفة التحقيق. وقال: ــ تفضلا. أخذت أروى نفسًا عميقًا. ثم دخلت الغرفة بخطوات بطيئة. بينما بقي سمير واقفًا مكانه لثوانٍ... ينظر إلى الباب الذي أغلق خلفهاأشياء لا يعرفها الآخرون لم تكن الأيام التالية سهلة على أروى. رغم أنها استطاعت الحصول على المال الذي تحتاجه لعلاج نوال، إلا أن الاتفاق الذي وقعته مع رائد ظل حاضرًا في ذهنها. خمسة أوامر. لم تكن تعرف ما هي. ولا متى سيطلب منها تنفيذها. كل ما تعرفه أنها وافقت لأنها لم تكن تملك خيارًا آخر. ومع ذلك... كلما تذكرت أن نوال حصلت على ما تحتاجه، شعرت بشيء من الراحة. كان ذلك أهم شيء بالنسبة إليها. --- في صباح اليوم التالي، ذهبت أروى إلى المستشفى. أنهت الإجراءات المطلوبة، وسددت المبلغ الذي كان عليها دفعه. وقفت أمام موظفة الحسابات، تراجع الإيصال بين يديها. ــ هل هذا كل شيء؟ ــ نعم، هذا المبلغ يغطي الدفعة المطلوبة حاليًا. أغمضت أروى عينيها للحظة. شعرت براحة كبيرة. أخيرًا... لم تعد تفكر في كيفية تدبير المال. على الأقل في الوقت الحالي. أخذت الإيصال. وشكرت الموظفة. ثم توجهت إلى غرفة نوال. كانت نوال مستلقية على سريرها. ابتسمت عندما رأتها. ــ أروى! اقتربت منها وجلست بجانبها. ــ كيف تشعرين اليوم؟ ــ أفضل. ثم نظرت إليها بحنان. ــ وأنتِ؟ ابتسمت أروى. ــ أنا بخير. لم تخبرها ع
أما رائد... فبقي في مكتبه. كان يعلم أن الخطأ لا يستحق خمسة أشهر. كان يعلم أن خسارة الشركة محدودة. وكان يعلم أيضًا... أن أروى لم تتعمد ما حدث. لكن هذا لم يكن ما يريده. هو لم يكن يعاقبها على التقرير. كان يعاقبها على شيء آخر. على هبة. على السنوات الثلاث التي عاشها وهو يحمل ألم فقدها. وعلى السنتين اللتين خرجت أروى قبلهما من السجن. نظر إلى الملف أمامه. ثم قال ببرود: ــ سنتان لم تقضيهما هناك... وأنا سأجعلك تدفعين ثمنهما هنا. لكنه عندما تذكر وجهها وهي تقول: "أرجوك..." ساد الصمت في المكتب. لثوانٍ قليلة... شعر بوخزة من الذنب. لكنه تجاهلها. وأعاد فتح ملفه. لم يكن مستعدًا للتراجع. أما أروى... فلم تكن تعرف أن الخطأ الذي ارتكبته بسبب إرهاقها وضغط العمل لم يكن سوى بداية لأشهر ستصبح فيها حياتها أكثر صعوبةمرّت الأسابيع التالية ببطء.كانت أروى قد اعتادت على نصف راتبها.أو حاولت أن تعتاد عليه على الأقل.أصبحت تحسب كل درهم قبل أن تنفقه.تتخلى عن أشياء كانت تعتبرها بسيطة.وتبحث دائمًا عن الأرخص.لكنها لم تندم على شيء.فطالما استطاعت الاستمرار في عملها...وطالما بقيت قادرة على م
مرّت عدة أيام منذ ذلك الصباح...لكن أروى لم تستطع أن تنسى ما حدث في الممر.كلما رأت رائد من بعيد...كانت تتوتر دون إرادة منها.لم تكن تعرف سبب غضبه.ولم تكن تعرف لماذا اقترب منها بتلك الطريقة.لكن جسدها كان يتذكر.تتذكر يده وهي تمسك بذراعها.وتتذكر ظهرها عندما اصطدم بالحائط.وتتذكر نظراته الغاضبة.لذلك...كانت تتجنب النظر إليه قدر الإمكان.---في ذلك اليوم، كان العمل أكثر ضغطًا من المعتاد.تراكمت الملفات فوق مكتب أروى.ملف بعد آخر.وتقرير بعد آخر.كلما انتهت من مجموعة، وصلت أخرى.كانت ليان تساعدها قدر استطاعتها، لكن حجم العمل كان أكبر من المعتاد.ــ أروى، هل انتهيتِ من التقرير؟رفعت رأسها بسرعة.ــ تقريبًا.ــ الأستاذ خالد يحتاجه قبل الظهر.ــ سأحاول إنهاءه الآن.عادت إلى الحاسوب.كانت عيناها تؤلمانها من كثرة التركيز.شربت القليل من الماء.ثم واصلت العمل.لم تنتبه إلى خطأ صغير في إحدى الأرقام.رقم واحد فقط...لكنه غيّر نتيجة الحساب النهائي.راجعته مرة.ثم أرسلته.وما إن ضغطت على زر الإرسال...حتى انتقلت إلى الملف التالي.كانت تظن أن كل شيء انتهى.لكنها لم تكن تعلم...أن ذلك الخطأ الصغ
أريد فقط تقريرًا كاملًا. ــ حاضر. أخذ المدير الملف وغادر. لم تمر ساعات كثيرة... حتى بدأ الأمر. كانت أروى منهمكة في عملها عندما جاءها الأستاذ خالد. وضع أمامها مجموعة من الملفات. قال: ــ أروى، أحتاج منك إنهاء هذه قبل نهاية الدوام. نظرت إلى الكمية. ثم رفعت رأسها. ــ كلها اليوم؟ ــ للأسف. هناك ضغط في القسم. أومأت. ــ حسنًا. ابتسم خالد. ــ أعتمد عليك. بدأت العمل. لم تسأل لماذا ازدادت المهام فجأة. فهي اعتادت أن تثبت نفسها. لكنها لم تكن تعلم... أن بعض تلك المهام لم تأتِ مصادفة. --- مرّت الأيام. وفي كل يوم... كانت أروى تحصل على عمل أكثر. ملفات إضافية. مراجعات. تقارير عاجلة. مهام كان يمكن توزيعها على أكثر من موظف. ومع ذلك... لم تشتكِ. كانت تعود إلى غرفتها في المساء متعبة. تخلع حذاءها. وتجلس على طرف السرير. ثم تنظر إلى يديها. أحيانًا كانت تشعر أنها لم تعد تملك طاقة حتى لتغيير ملابسها. لكنها كانت تتذكر نوال. فتنهض. تحضر شيئًا بسيطًا لتأكله. ثم تراجع حساباتها. تقتطع مصاريف الإيجار. مصاريف الطعام. المواصلات.
ثم أضافت بسرعة: ــ ربما أحتاج فقط إلى بعض القهوة. ابتسمت ليان. ــ هذه أول مرة أراكِ تدافعين عن القهوة. ضحكت أروى بخفة. لكن ضحكتها لم تكن طبيعية. كانت مجرد محاولة لإخفاء الارتباك. ــ سأعود إلى مكتبي. أومأت ليان. ــ حسنًا، لكن إذا شعرتِ بأي تعب أخبريني. ــ سأفعل. استدارت أروى... ومشت. لكن خطواتها كانت أبطأ من المعتاد. --- جلست أمام مكتبها. فتحت الحاسوب. ظهرت الملفات أمامها. حدقت في الشاشة. ثم وضعت أصابعها على لوحة المفاتيح. كتبت سطرًا. ثم توقفت. حاولت أن تركز. لكن عقلها عاد إليها من جديد. يد رائد وهي تقبض على ذراعها. دفعه لها. صوته. نظراته. والسؤال الذي لم تفهمه حتى الآن: "لماذا أنتِ هنا؟" رفعت يدها إلى كتفها مرة أخرى. همست: ــ ماذا كان يقصد؟ هل أخطأت في شيء؟ هل هناك مشكلة في عملي؟ لكنها لم تجد أي تفسير. كانت تتعامل معه مثل أي مدير. احترمته. أنجزت ما طُلب منها. لم تتجاوز حدودها. فلماذا يعاملها وكأنها ارتكبت في حقه جريمة؟ أخفضت عينيها. ثم حاولت طرد الأفكار من رأسها. فتحت أحد الملفات. وأجبرت نفسها عل
ارتجف صوت أروى. ــ أستاذ رائد... أنا... لا أفهم... بقي ينظر إليها. كأن كلماتها لم تصل إليه. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة. وقبضتاه ما زالتا تضغطان على كتفيها. كل ما كان يراه أمامه... لم يكن أروى. بل وجه هبة. ضحكتها. وابتسامتها. وذلك اليوم... اليوم الذي انتهى فيه كل شيء. اشتدت قبضته دون أن يشعر. فشهقت أروى من الألم. وحاولت أن تتراجع... لكن الحائط كان خلفها. لم يكن أمامها أي مهرب. كانت المرة الأولى منذ خروجها من السجن... التي تشعر فيها بذلك العجز. نظرت إلى عينيه. لم ترَ فيهما الكراهية فقط... بل شيئًا آخر. وجعًا... كأن هذا الرجل يحمل جرحًا قديمًا لا يتوقف عن النزيف. لكنها... لم تعرف سببه. ولا لماذا كانت هي أمامه. --- في تلك اللحظة... وقعت عين رائد على وجهها. لم يرَ تحديًا. ولا شماتة. ولا ابتسامة مستفزة. رأى امرأة شاحبة. مرتبكة. ترفع رأسها بصعوبة بسبب فارق الطول بينهما. وعيناها... كانتا مليئتين بالخوف. خوف حقيقي. ساد صمت ثقيل. ثم... نظر إلى يديه. كانت أصابعه ما تزال تقبض على كتفيها بقوة. اتسعت عيناه قليلًا. وكأنه استيقظ فجأة من كابوس. تركها فورً