Share

الغيرة

Author: أ.أ
last update publish date: 2026-05-19 02:03:38

لم تكن كارما تنوي الصعود إلى الطابق العلوي.

أقسمت لنفسها بذلك أكثر من مرة.

لكن بعد منتصف الليل، وبينما كان المنزل غارقًا في الصمت، سمعت صوت ضحكة خافتة قادمة من غرفة لارا.

توقفت خطواتها تلقائيًا.

ثم جاء صوت جواد بعدها مباشرة، منخفضًا، هادئًا بطريقة لم تعتد سماعها منه.

شعرت بشيء بارد يلتف حول صدرها.

ولماذا يزعجها الأمر أصلًا؟

هذا السؤال هو ما أخافها أكثر.

اقتربت ببطء من نهاية الممر، وقبل أن تصل تمامًا…

سمعت لارا تضحك مجددًا.

ضحكة ناعمة، مختلفة، تكاد تبدو سعيدة.

تجمدت كارما مكانها.

لأنها لم تسمع لارا تضحك هكذا من قبل.

عادت إلى غرفتها سريعًا وأغلقت الباب خلفها بعنف خفيف.

قلبها ينبض بسرعة غريبة، وذلك الشعور الثقيل داخلها يزداد سوءًا.

هي لا تحب جواد.

أو هكذا كانت تقنع نفسها دائمًا.

لكن رؤيته يقترب من لارا بهذا الشكل… جعله يبدو بعيدًا عنها فجأة.

بعيدًا بطريقة أزعجتها أكثر مما ينبغي.

جلست فوق السرير تحاول تجاهل الأمر، لكن عقلها ظل يعيد كل اللحظات التي نظر إليها فيها جواد، كل مرة حماها، وكل مرة شعرت فيها أنه يفهم خوفها دون أن تتكلم.

ثم تذكرت شيئًا آخر:

لارا دائمًا تفوز.

دائمًا تحصل على ما تريد.

شعرت بغيرة مفاجئة ومخجلة من نفسها.

وهذا ما دفعها لاتخاذ القرار الأسوأ.

في الليلة التالية، كان جواد وحده في غرفة المكتب يشرب بصمت بينما يراجع بعض الملفات الخاصة بمراد.

الضغط داخل رأسه أصبح لا يحتمل.

مراد عاد. نور ما زالت مختفية. ولارا بدأت تتعلق به بطريقة أخافته أكثر مما اعترف.

رفع الكأس نحو شفتيه ببطء عندما سمع الباب يُفتح.

رفع عينيه ليجد كارما.

“ماذا تريدين؟”

سألها مباشرة.

ترددت للحظة قبل أن تدخل.

“لم أستطع النوم.”

عاد بنظره إلى الملفات.

“وهل هذا خطئي؟”

لكنها لم تغادر.

بل اقتربت أكثر حتى وقفت أمام المكتب.

لاحظ فورًا أنها متوترة.

“كارما.”

همس باسمها بتحذير خافت.

لكنها تجاهلته وجلست أمامه.

ثم أشارت إلى الزجاجة.

“أعطني كأسًا.”

رفع حاجبه باستغراب.

“منذ متى تشربين؟”

ابتسمت بخفة مرتبكة.

“منذ الليلة.”

بعد نصف ساعة، بدأت الغرفة تدور قليلًا حول كارما.

هي ليست معتادة على الكحول أصلًا، لكنها تعمدت الاستمرار.

كانت تريد أن تختفي تلك الغصة داخلها ولو مؤقتًا.

أما جواد، فلاحظ اضطرابها المتزايد.

“يكفي.”

قالها وهو يسحب الكأس من يدها.

لكنها أمسكت معصمه بسرعة.

“هل تحبها؟”

تجمّد للحظة.

“أنتِ ثملة.”

“أجبني.”

تنهد بضيق وهو يبتعد عنها قليلًا.

“هذا ليس شأنك.”

شعرت بالغيرة تشتعل داخلها فورًا.

فابتسمت ابتسامة صغيرة يائسة.

“إذن أنت تحبها فعلًا.”

وقفت فجأة واقتربت منه حتى أصبح قريبًا جدًا منها.

لاحظ ارتجاف أنفاسها فورًا.

“كارما، عودي لغرفتك.”

لكنها لم تتحرك.

بل رفعت عينيها إليه وقالت بصوت مهتز:

“ماذا ينقصني عنها؟”

شعر جواد بانزعاج حقيقي.

ليس لأنه لم يفهم ما يحدث…

بل لأنه فهمه جيدًا جدًا.

“لا تفعلي هذا.”

لكنها اقتربت أكثر.

“هي تؤذيك.”

ضحكت بخفوت مرير.

“وكلما آذتك أكثر… أحببتها أكثر.”

قبض على فكّه بعنف.

“كارما.”

“أنا أستطيع أن أكون أفضل لها منك.”

تجمّد الصمت داخل الغرفة للحظة.

ثم أبعدها جواد برفق لكن بحزم.

“أنتِ لا تفهمين شيئًا.”

شعرت بالإهانة فورًا.

وذلك الألم الطفولي القديم عاد ينهشها مجددًا.

أن تكون دائمًا “الأقل”.

وفي اللحظة نفسها…

كانت لارا تمر قرب غرفة المكتب في طريقها للأسفل.

لكنها توقفت عندما سمعت صوت كارما من الداخل.

اقتربت بهدوء.

ثم رأت المشهد من خلال الباب نصف المفتوح:

كارما قريبة جدًا من جواد، ويدها فوق صدره، وعيناها دامعتان.

أما جواد، فكان ممسكًا بذراعها وكأنه يحاول إبعادها.

لكن من الخارج…

لم يبدُ الأمر هكذا.

شعرت لارا بشيء بارد جدًا يتحرك داخلها.

شيء قديم. ومرعب.

الغيرة.

“أنا أستطيع أن أجعلك تنساهـا.”

قالتها كارما بصوت مرتجف وهي تقترب مجددًا.

لكن قبل أن يرد جواد…

فُتح الباب بعنف.

استدار الاثنان فورًا.

لارا.

كانت تقف بصمت تام، وجهها هادئ بصورة مخيفة.

وهذا أسوأ بكثير من غضبها.

ابتلعت كارما ريقها بصعوبة.

أما جواد، فعرف فورًا أن الكارثة بدأت.

“لارا—”

لكنها رفعت يدها بهدوء لتسكته.

ثم نظرت إلى كارما مباشرة.

“اخرجي.”

قالتها بابتسامة صغيرة.

ابتسامة جعلت الدم يتجمد داخل عروق كارما.

“أنا—”

“الآن.”

همست بها هذه المرة.

فتحركت كارما فورًا نحو الباب دون أن تنظر لأي منهما.

لكن قبل أن تغادر، سمعت لارا تقول بصوت هادئ جدًا خلفها:

“في المرة القادمة التي تحاولين فيها أخذ شيء يخصني…

تأكدي أولًا أنكِ قادرة على الاحتفاظ به.”

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   عندما دخل الظل

    الصمت داخل النفق أصبح خانقًا بعد كلمات مروان.حتى صوت المطر بالخارج بدا بعيدًا فجأة.“إنه كيان بنفسه.”ياسين أول من تكلم.“رائع.”قالها وهو يرفع سلاحه.“كنت أظن ليلتنا سيئة بالفعل.”لكن أحدًا لم يضحك.لأن الخوف الحقيقي لم يكن من الاسم فقط…بل من رد فعل جواد.وجهه شحب بطريقة واضحة، وعيناه اتجهتا فورًا نحو مدخل النفق.كأن جسده كله دخل حالة تأهب غريزية.لارا لاحظت ذلك فورًا.“جواد.”قالتها بهدوء منخفض.“من هو بالضبط؟”لكنه لم يجب.بل وقف رغم ألمه، ثم أمسك سلاحه ببطء.“يجب أن نخرج من هنا الآن.”“إلى أين؟”سأل سليم بعصبية.“النفق له مخرج واحد!”“هناك ممر سفلي.”قال حسام بسرعة.“قديم… لكنه قد يوصلنا للحي الشرقي.”“وقد يكون مغلقًا أو منهارًا.”رد آدم.“هل لديك اقتراح أفضل؟”قبل أن يرد—توقفت أصوات المطر بالخارج فجأة.لا…ليس المطر.بل إطلاق النار.صوت السيارات. الرجال. كل شيء.اختفى دفعة واحدة.الصمت أصبح مرعبًا.كارما ضمت قبضتها فوق السلاح.“أنا أكره هذا.”همست.ثم…بدأت خطوات تُسمع من الخارج.هادئة. ثابتة. بطيئة جدًا.وكأن صاحبها لا يخشى شيئًا إطلاقًا.مروان تراجع للخلف بعنف.الخوف بعينيه

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً    الرجل الذي يتوقف الجميع لأجله

    المطر كان يهطل بغزارة فوق الأزقة الضيقة خلف المبنى المهجور.الجميع يركض، أصوات الرصاص تعود من بعيد، وأنفاسهم أصبحت أثقل مع كل خطوة.لكن لارا…كانت ما تزال تنظر خلفها.نحو الرجل الواقف فوق المبنى المقابل.لم يتحرك.لم يرفع سلاحًا.فقط وقف هناك، بهدوء مرعب، كأنه لا يحتاج لفعل أي شيء كي يخافه الجميع.حتى رجال المنظمة أنفسهم توقفوا للحظات.وكأن وجوده وحده أمر غير متوقع.“لارا!”جواد جذبها بعنف من ذراعها.“تحركي!”التفتت له أخيرًا.“من هذا؟”فكه تشنج للحظة.“ليس الآن.”قالها بسرعة وهو يدفعها للأمام.لكنها لم تخطئ تلك النظرة بعينيه.جواد يعرفه.بل ويخافه.وذلك وحده كان كافيًا ليزرع القلق داخلها.بعد دقائق طويلة من الركض…وصلوا أخيرًا إلى نفق قديم أسفل أحد الجسور المهجورة.الجميع كان يلهث بقوة.الملابس مبتلة، والإرهاق واضح على الوجوه.سليم انحنى واضعًا يديه فوق ركبتيه.“أقسم… أنني سأموت بسبب الجري وليس الرصاص.”“اصمت.”قالها حسام وهو يراقب مدخل النفق بحذر.أما كارما…فكانت تنظر نحو لارا بصمت.ثم أخيرًا اقتربت منها.“أنتِ شاحبة.”“أنا بخير.”ردت فورًا.كارما رفعت حاجبًا.“الكذبة واضحة جدًا لد

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً    الفتى الذي يعرف الطريق

    الصمت خيّم على المبنى المهجور للحظات طويلة بعد كلام الطفل الأمطار بالخارج كانت تضرب النوافذ المحطمة بعنف، والبرد بدأ يتسلل للمكان تدريجيًا.لكن أحدًا لم يتحرك.“ماذا قلت؟”سأل حسام أخيرًا بحدة.الطفل ارتجف أكثر، وعيناه تحركتا بين الأسلحة الموجهة نحوه.بدا في الثانية عشرة تقريبًا، نحيفًا جدًا، ووجهه شاحب من الخوف والإرهاق.كارما كانت أول من اقترب.خفضت سلاحها تمامًا، ثم ركعت أمامه بحذر.“اهدأ.”قالتها بصوت أخف من المعتاد.“لن يؤذيك أحد.”الطفل ظل يحدق بها للحظات، ثم ابتلع ريقه بصعوبة.“هم يراقبون المكان.”همس.توتر الجميع فورًا.“من؟”سأل ياسين.“رجال المنظمة.”سليم شتم بصوت منخفض.“رائع. الليلة تتحسن فعلًا.”لكن لارا لم تهتم بكل ذلك.كانت ما تزال واقفة بعيدًا، تنظر نحو جواد بصمت بارد.وكلامه قبل قليل ما زال يدور داخل رأسها.“طلب مني أبعدكِ عنهم مهما حدث.”شيء داخلها كان غاضبًا.ليس فقط لأن جواد أخفى الأمر…بل لأن الجميع دائمًا يقرر عنها.أبوها. جواد. حتى ليلان أحيانًا.الجميع يتصرف وكأن لارا تحتاج من ينقذها، بينما هي طوال عمرها كانت تنقذ نفسها وحدها.“لارا.”صوت جواد قطع أفكارها.لكن

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الكلمات الأخيرة

    النار كانت تلتهم أطراف الميناء ببطء.الدخان الأسود صعد للسماء، وامتزج بالضباب الكثيف حتى أصبح المكان كله يبدو كجحيم مفتوح.الرصاص ما زال ينطلق من بعيد، لكن تركيز لارا لم يعد على أي شيء سوى جواد.“أخبرها ماذا قال لك والدها قبل أن يختفي.”صوت رائد اخترق الفوضى بوضوح مرعب.جواد ظل ينظر نحوه للحظات طويلة.ثم شد فكه بعنف.وكأن شيئًا داخله يقاوم الخروج.“جواد.”قالتها لارا هذه المرة بهدوء أخطر من الصراخ.“ماذا يقصد؟”رائد ابتسم.“أوه، يبدو أنه لم يخبركِ.”“اخرس.”خرجت من جواد بحدة مفاجئة.لكن رائد ضحك فقط.ثم بدأ يتراجع ببطء وسط رجاله.“الذاكرة شيء ممتع… خصوصًا عندما تعود متأخرة.”“لا تدعه يهرب!”صرخ سليم وهو يطلق النار.الفوضى انفجرت من جديد.رجال المنظمة بدأوا بالانسحاب المنظم، يغلقون الطريق بالنيران حتى يمنعوا المجموعة من اللحاق برائد.ياسين شتم بعنف وهو ينحني خلف حاوية معدنية.“أقسم أنني سأقتله بيدي.”“خذ رقمًا وانتظر الدور.”ردت كارما وهي تعيد تعبئة سلاحها بسرعة.لكن عينيها تحركتا فورًا نحو لارا.ولأول مرة منذ بداية المواجهة…بدت لارا غير مستقرة فعلًا.جواد أمسك ذراعها برفق.“يجب أن نت

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الذكريات التي رفضت أن تموت

    الضباب فوق الميناء أصبح أكثر كثافة.الأضواء البيضاء تنعكس فوق المياه السوداء، والرصاص ما زال يتردد بعيدًا بين الحاويات المعدنية.لكن رغم الفوضى…كان تركيز الجميع منصبًا على جواد.“قل لهم ماذا رأيت تلك الليلة.”صوت رائد ظل يتردد بالمكان كسم بطيء.جواد وقف ثابتًا أمام لارا، لكن أنفاسه لم تعد منتظمة.شيء داخل رأسه بدأ يتشقق.صور متقطعة.ممرات بيضاء طويلة. صفارات إنذار. رجل يركض وسط الدخان.ثم…عينان مألوفتان تنظران له قبل انفجار ضخم.“جواد.”صوت لارا أعاده للحظة للحاضر.نظر لها.وعندما رأت عينيه…شعرت بانقباض داخل صدرها.لأنها لم تره هكذا من قبل.مرتبك. ضائع. وكأنه عاد فجأة لذلك الطفل الذي خرج من المختبر محطمًا.“انظر لي.”قالتها بهدوء منخفض.لكن رائد ضحك.“لا فائدة.”ثم اقترب خطوة بطيئة.“ذاكرته بدأت تعود بالفعل.”“اخرس.”خرجت من لارا بحدة.لكن رائد تجاهلها تمامًا.“كان والدكِ هناك تلك الليلة.”قالها وهو ينظر لها مباشرة.“دخل المختبر قبل الحريق بساعات.”تجمدت ليلان فورًا.أما لارا فبقيت ملامحها باردة، لكن عينيها أصبحت أكثر ظلمة.“لماذا؟”سألت أخيرًا.“لأنه كان يحاول إخراج شخص ما.”تبادل

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الليلة التي انفتح فيها الجرح القديم

    الهواء في الميناء أصبح أثقل فجأة.الضباب، أصوات الأمواج، الكشافات البيضاء الحادة…كل شيء صار يبدو كأنه جزء من كابوس قديم عاد للحياة.رائد وقف فوق الحاوية المعدنية العالية، ينظر إليهم بابتسامته الباردة المعتادة.لكن عيناه كانتا مثبتتين على جواد.“هل أخبرتهم أخيرًا… ماذا فعلت بالمختبر تلك الليلة؟”الصمت انفجر داخل المجموعة.ليلان نظرت لجواد بارتباك. كارما عقدت حاجبيها. حتى سليم توقف عن الحركة للحظة.أما لارا…فقط راقبته.راقبت ذلك التوتر الخاطف الذي مر بعينيه قبل أن يختفي.“لا تستمعوا له.”قالها جواد بهدوء.رائد ضحك بصوت منخفض.“ما زلت تفعلها.”“تفعل ماذا؟”سأل آدم بحدة.لكن رائد لم ينظر إلا لجواد.“يخفي الحقيقة.”لارا تقدمت خطوة للأمام، وسلاحها موجه مباشرة نحو رأس رائد.“تكلم بوضوح أو سأفجر جمجمتك.”ابتسم لها ببطء.“اشتقتُ لكِ أيضًا يا لارا.”“قل ما لديك.”خرج صوتها باردًا بشكل مرعب.رائد أسند ذراعيه فوق السور المعدني للحاوية، ثم قال بهدوء:“في الليلة التي احترق فيها المختبر…”نظر نحو جواد.“هو من أشعل النار.”شهقت كارما بخفوت.أما ليلان فنظرت لجواد بصدمة واضحة.لكن جواد بقي صامتًا.وذ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status