LOGINفي صباح اليوم التالي، كان الصف هادئًا نسبيًّا، ولم يكن يُسمع سوى صوت صفحات الكتب وهي تُقلَّب بين حين وآخر، وحفيف أقلام الطلاب فوق دفاترهم. كان ضوء الصباح يتسلّل من النوافذ الكبيرة، فينعكس على الطاولات الخشبية ويمنح الغرفة دفئًا خفيفًا رغم برودة الطقس في الخارج.
وقف الأستاذ أمام السبورة، وأمسك بقطعة من الطباشير، ثم كتب عنوان الدرس: «التفاعلات الكيميائية» استدار نحو الطلاب وقال بنبرة هادئة: — حسنًا، اليوم سنتحدث عن التفاعلات الكيميائية، وكيف تتحول المواد من مواد متفاعلة إلى مواد جديدة تُعرف بالنواتج. فعندما تتغير الروابط بين الذرات، تتكوّن مواد تختلف في خصائصها عن المواد الأصلية. بدأ يشرح الدرس، ثم أخذ يكتب بعض الأمثلة على السبورة، بينما كان الطلاب يتابعونه ويسجلون الملاحظات في دفاترهم. أما الفتاة المنبوذة، فكانت تجلس في مكانها بهدوء، وعيناها مثبتتان على كتابها، تتابع الشرح دون أن تهتم بما يدور حولها. وفجأة... انفتح باب الصف. دخل طالب إلى الغرفة دون أن يطرق الباب أو يطلب الإذن، وكأن دخول الصف في منتصف الدرس أمر عادي بالنسبة إليه. توقفت يد الأستاذ عن الكتابة، وساد الصمت للحظات. رفع الأستاذ نظره إليه، وحدّق فيه بنظرة صارمة، ثم قال: — إلى أين؟ توقف الطالب في مكانه، ثم أدار رأسه ببطء نحو الأستاذ. كان يمضغ علكة بلا مبالاة، وعلى شفته حلقة صغيرة لامعة زادت مظهره جرأة وتمردًا. كانت ملامحه هادئة، لكن العبوس الخفيف على وجهه جعل من الواضح أنه لم يكن في مزاج يسمح له بالمجادلة. أخرج العلكة قليلًا من فمه، ثم قال ببرود: — إلى طاولتي... إلى أين تظن أنني ذاهب؟ تغيرت ملامح الأستاذ، وقال بلهجة أكثر حزمًا: — لكنك لم تستأذن، وقد تأخرت عن الدرس. اخرج من الصف. رفع الطالب حاجبه، وكأنه لم يتوقع أن يُطلب منه الخروج، ثم سار نحوه بخطوات سريعة. تعلقت أنظار جميع الطلاب به. بدأت الهمسات تنتشر في أرجاء الصف؛ بعضهم كان يراقب طوله، وآخرون يتأملون ملامحه، بينما راحت الفتيات يتبادلن النظرات ويتحدثن عن وسامته. قالت إحدى الفتيات بصوت خافت: — إنه وسيم حقًا كما يبدو دائماً... وردت أخرى وهي تبتسم: — أليس هذا هو الفتى الكسول؟ وأضافت ثالثة: — نعم، إنه دائمًا يتأخر عن الحصص... ولا يهتم بأي شيء. وفي وسط كل تلك الهمسات، بقيت الفتاة المنبوذة كما هي. لم ترفع رأسها حتى. كانت عيناها تتحركان بين سطور كتابها، وكأن الطالب الذي دخل للتو لم يكن موجودًا أصلًا. أما الطالب، فتوقف أمام الأستاذ وقال بوجه عابس: — هل سأضطر إلى شرح كل شيء لك يا أستاذ؟ أنا لن أخرج، فلا تزعجني. اتسعت عينا بعض الطلاب دهشةً من جرأته، بينما وضع آخرون أيديهم على أفواههم محاولين كتم ضحكاتهم. حدق الأستاذ فيه للحظات، وكأنه يحاول استيعاب ما سمعه. ثم تنفس بعمق، وقال بغضب مكتوم: — يا لك من طالب... لكن الطالب لم يهتم. استدار ببساطة، وأدخل يديه في جيبي سترته، ثم اتجه نحو مقعده بخطوات هادئة، وكأن شيئًا لم يحدث. وصل إلى طاولته، ووضع حقيبته على الأرض بجانب الكرسي، ثم جلس. وبعد لحظات، وضع ذراعيه فوق الطاولة وأسند رأسه عليهما، وكأنه جاء إلى المدرسة فقط ليحصل على قسط من النوم. التفتت الفتاة المنبوذة إليه نظرت إليه لثوانٍ بصمت، ثم ضيقت عينيها قليلًا. لم يتغير... كان تصرفه أحمق كما تتذكره تمامًا. عادت إلى كتابها دون أن تنطق بكلمة، وكأنها قررت ألا تمنحه ثانيةً أخرى من اهتمامها. أما الأستاذ، فقد بدا أن صبره قد نفد تمامًا. وضع الطباشير على الطاولة بعصبية، ثم قال بغضب: — أنا لم أشرح شيئًا بعد! أكملوا الدرس بأنفسكم... أو دعوا إيفان يشرحه لكم! تبادل الطلاب النظرات بدهشة. ثم حمل الأستاذ أوراقه بسرعة، واتجه نحو الباب وخرج من الصف بخطوات غاضبة، دون أن يلتفت إلى الخلف. وبمجرد أن أُغلق الباب خلفه، خيّم صمت غريب على المكان. رفع أحد الطلاب رأسه عن كتابه، ونظر إلى الباب، ثم قال بهمس: — أظن أننا في ورطة... أما إيفان، فلم يرفع رأسه حتى. ظل مستلقيًا فوق ذراعيه، وكأن ما حدث لا يعنيه إطلاقًا.حلّ المساء، وعادت الفتاة المنبوذة من المدرسة بخطوات هادئة، بينما كان اليكسندر يسير خلفها على مسافة قصيرة، واضعًا يديه في جيوب معطفه، يراقب الطريق بصمت. كان الهواء باردًا قليلًا، والشارع أكثر هدوءًا من المعتاد. لم يكن يُسمع سوى وقع خطواتهما المتتابعة وأصوات السيارات البعيدة. وفجأة، توقفت الفتاة المنبوذة. رفع اليكسندر رأسه باستغراب، فرأى أمامها جروًا صغيرًا أبيض اللون، يقف بالقرب من أحد المنازل، وكان ينبح بصوت ضعيف ومتقطع. ما إن رأته حتى تغيرت ملامحها. لأول مرة منذ بداية الطريق، بدت على وجهها علامات فرح واضحة. أسرعت نحوه، ثم جلست على ركبتيها أمامه ومدت يدها لتداعب فروه الناعم. — هل تبحث عن أهلك؟ توقف الجرو عن النباح، وأخذ ينظر إليها بعينين بريئتين. ابتسمت له الفتاة المنبوذة ابتسامة صغيرة، ثم مررت أصابعها فوق رأسه. — لا تخف... أنا هنا. حرك الجرو ذيله، واقترب منها أكثر. ضحكت بخفة. — وأنت؟ لماذا أنت هنا وحدك؟ أنت ما زلت صغيرًا... أين صاحبك؟ حملته بين ذراعيها ونهضت، ثم أخذت تدور به ببطء، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة مشرقة لم يعتد اليكسندر رؤيتها منها. — أنت ناع
قلب إيفان مشغّل الـMP3 بين أصابعه ببطء، وأخذ يتأمله للحظات، وكأن ملمسه أعاد إليه ذكرى ظلّت عالقة في مكان بعيد من ذاكرته.ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، لم تكن ابتسامة سخرية هذه المرة، بل كانت تحمل شيئًا من الحنين.رفع عينيه نحو الفتاة المنبوذة وقال بهدوء:— لقد أهديتكِ هذا عندما كنا طفلين... أتتذكرين؟ما إن سمعت كلماته حتى توترت.تشنجت أصابعها دون وعي، وقبضت على طرف تنورتها، بينما بقيت عيناها معلقتين به.أما إيفان، فظل ينظر إليها، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا:— أتتذكرين عندما أحضركِ أبي إلى منزلنا؟صمت قليلًا، وكأن الصورة بدأت تتشكل أمام عينيه من جديد.— كان ذلك أجمل يوم بالنسبة إليّ...ثم ابتسم.وانسحب الحاضر من حوله شيئًا فشيئًا، لتعود ذاكرته إلى ما قبل عشر سنوات.قبل عشر سنوات...كان منزل عائلة إيفان هادئًا في ذلك الصباح، وأشعة الشمس تتسلل عبر النوافذ الكبيرة لتنعكس على أرضية الصالون اللامعة.كان إيفان الصغير في غرفته عندما سمع صوت والده يناديه من الأسفل.— إيفان! انزل يا بني، لقد أحضرت لكِ صديقة لطيفة.اتسعت عينا إيفان بحماس.ترك ما كان يفعله واندفع خارج غرفته، ثم بدأ يركض على الد
كانت الفتاة المنبوذة جالسةً في مقعدها بصمت، تحدّق أمامها بشرود، بينما كان اليكسندر قد خرج، على الأرجح، إلى الحمّام.مرّت الدقائق بطيئةً وثقيلة، ولم يدخل الأستاذ إلى الفصل بعد. أخذ الضجر يتسلل إليها شيئًا فشيئًا، فتنفست بضيق، ثم ألقت نظرة سريعة حولها.لم يكن إيفان في مكانه أيضًا.لقد جاء معهم في وقت سابق، لكنها لم تره منذ ذلك الحين، ولم يظهر حتى الآن في الفصل.تنهدت بهدوء، ثم وقفت عن مقعدها.أخرجت سماعاتها، ووضعتها فوق أذنيها، بينما وضعت مشغّل الـMP3 الصغير في جيبها، ثم غادرت الفصل دون أن تلفت انتباه أحد.سارت في الممر الهادئ بخطوات متثاقلة، وكانت أصوات الطلاب المتناثرة تصلها مكتومةً عبر السماعات. وبينما كانت ترفع عينيها تبحث عن إيفان، ظهرت أمامها ميلينا وصوفيا.كانت كل واحدة منهما تشبك ذراعها بذراع الأخرى، وتسيران معًا وهما تتحدثان وتضحكان.ما إن لمحَتا الفتاة المنبوذة حتى خفتت ضحكاتهما، وتبادلت الاثنتان نظرةً ذات مغزى.لم تهتم الفتاة المنبوذة، وأرادت تجاوزهما دون كلمة.لكن، وقبل أن تخطو خطوة أخرى، مدت ميلينا ساقها فجأة أمامها.لم تنتبه الفتاة المنبوذة إلى ما فعلته إلا بعد فوات الأو
وضع اليكسندر يديه في جيبي معطفه، ثم حرّك إحدى ساقيه بملل، وأطلق صفيرًا قصيرًا وهو يرفع ذقنه بغرور، وكأنه يتحدث عن أمر محسوم لا يقبل النقاش. — لماذا سنُعجب بشكلك أصلًا؟ رغم أنني أوسم منك. التفت إليه إيفان ببطء، وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة توحي بأنه لم يأخذ كلامه على محمل الجد. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رقبته، ثم قال بنبرة ساخرة: — لأنني رأيتكم تنظرون إليّ بدهشة، لذلك قلت هذا. لم يرد اليكسندر، واكتفى بنظرة جانبية متعالية. في تلك اللحظة، تقدمت الفتاة المنبوذة نحو الدراجة النارية بخطوات هادئة، ثم وقفت أمام إيفان ونظرت إليه ببرود تام. — ما الذي أتى بك إلى هنا؟ اذهب في طريقك. رفع إيفان حاجبه، ثم أجابها بنبرة هادئة تحمل شيئًا من المزاح: — إنها صدفة، ألم يعجبك الأمر؟ لكن حسنًا كما تريدين... إلا أن قلبي لن يفرط بكما. وقبل أن ترد، جاء صوت اليكسندر من بعيد، مرتفعًا وواضحًا: — فرّط بنا! نحن لا نريد مساعدتك! كان إيفان على وشك وضع الخوذة على رأسه، إلا أن الفتاة المنبوذة نظرت إلى الساعة في معصمها، واتسعت عيناها قليلًا حين أدركت الوقت. — لا، لا، توقف! سنذهب معك. توقفت يد إيفان في الهواء، ثم
---نظرت الفتاة المنبوذة إلى الورقة الموضوعة بجانب الثلاجة، ثم مدت يدها وأخذتها بتردد. فتحتها وبدأت تقرأ ما كُتب فيها سطرًا بعد آخر.ومع استمرارها في القراءة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة دون أن تشعر.لكنها سرعان ما انتبهت إلى نفسها، فعادت ملامحها الباردة إلى وجهها وكأن شيئًا لم يحدث.وضعت الورقة جانبًا، ثم وضعت يديها على خصرها، وأخذت تحرك قدمها بضيق وهي تحدق في الثلاجة الممتلئة أمامها.تنفست بعمق، وقالت لنفسها بنبرة ساخطة:— ماذا أفعل الآن بهذه البلوى التي سقطت فوق رأسي؟!ثم حدقت في الرفوف لحظة أخرى، وتذكرت ما فعله اليكسندر في منزلها.قطبت حاجبيها وقالت بانزعاج:— ولم يكتفِ بذلك... بل عبث بدفتري أيضًا، وأخذ قلمي واستخدمه!هزت رأسها بضيق، ثم استدارت وغادرت المطبخ.دخلت غرفتها، واتجهت مباشرة إلى الحمام. فتحت الصنبور، وغسلت وجهها بالماء البارد، ثم أمسكت فرشاة أسنانها وبدأت بتنظيف أسنانها بحركات قوية، وكأنها تفرغ فيها كل انزعاجها.وبعد دقائق، غسلت فمها، ثم خرجت وهي تجفف وجهها بمنشفة صغيرة.لكنها توقفت عند عتبة غرفتها.أخذت تتفحص المكان بنظرة طويلة.كانت الملابس مبعثرة هنا وهناك، والكت
---ثم ألقى أليكسندر نظرة أخيرة نحو الفتاة المنبوذة، ليتأكد من أنها ما تزال غارقة في نومها. كانت ملامحها هادئة على غير عادتها، وشعرها مبعثر قليلًا حول وجهها.التفت بعدها نحو حقيبتها الموضوعة على الأريكة، فتردد للحظة، ثم اقترب منها وفتحها بحذر. أخرج قلمًا وورقة صغيرة، واتجه بهما إلى المطبخ.وقف أمام الثلاجة، وأسند الورقة إلى الطاولة، ثم طواها إلى نصفين وبدأ يكتب بخط واضح:> «أرجوكِ، لا تغضبي مني بسبب ما فعلته. أعلم أنكِ قد تظنين أنني أشفق عليكِ، لكن الأمر ليس كذلك. أنا فقط أردت مساعدتك، لا أكثر.ولكي لا تنزعجي مني، اعتبري كل ما اشتريته لكِ دينًا عليكِ، ويمكنكِ إعادته إليّ عندما تستطيعين. ولا تنسي أنني أحضرت لكِ البيتزا التي تحبينها، لقد وضعتها في الثلاجة، فسخنيها عندما تستيقظين وتناوليها. لا أريدكِ أن تبقي جائعة.»توقف عن الكتابة قليلًا، وحدّق في الكلمات أمامه، ثم أضاف بابتسامة صغيرة:> «وأرجوكِ، لا تفكري كثيرًا في الأمر. لم أفعل شيئًا يستحق الشكر.»طوى الورقة بعناية، ووضعها في مكان واضح بجوار الثلاجة، حتى تكون أول ما تقع عليه عيناها عندما تستيقظ.ثم اتجه نحو المكتبة الصغيرة الموجودة ف







