Masuk— الفتاة المنبوذة
أما الفتاة الجالسة في المقعد القريب من النافذة، فكانت مختلفة عن الجميع. كانت عيناها معلقتين بكتابها، وسماعتها تستقر في إحدى أذنيها، وكأن ما يحدث حولها لا يعنيها على الإطلاق. وقف الأستاذ أمام الطلاب، ثم التفت إلى الشاب الجديد الذي كان لا يزال واقفًا بالقرب من الباب. ابتسم له وقال: — حسنًا، أيها الطالب الجديد، عرّفنا بنفسك. أومأ الشاب باحترام. — حسنًا، أستاذي. تقدم خطوة إلى الأمام، ثم وقف أمام الجميع بثبات. كانت ملامحه هادئة، وابتسامته عفوية، بينما أخذت عيناه تتجولان في أرجاء الفصل دون توتر واضح. قال: — اسمي ألكسندر، أبلغ من العمر سبعة عشر عامًا. أتيت إلى أكاديمية Rosenthal Academy لأتابع دراستي هنا. توقف قليلًا، ثم ابتسم وهو ينظر إلى المكان من حوله. — سمعت الكثير عن هذه المدرسة، ويبدو لي أنها جميلة بالفعل، حتى اسمها وحده يحمل شيئًا مميزًا. ساد الفصل صمت قصير، بينما كان معظم الطلاب يحدقون فيه باهتمام. تابع ألكسندر: — وهناك سبب خاص جعلني أختار الدراسة هنا. لم يوضح السبب، واكتفى بابتسامة صغيرة. في تلك اللحظة، كانت أنظار الجميع تقريبًا متجهة إليه. الجميع... باستثناء فتاة واحدة. كانت الفتاة المنبوذة لا تزال تنظر إلى كتابها، تقلب الصفحة بهدوء، وكأن الطالب الجديد لم يدخل الفصل أصلًا. لاحظ بعض الطلاب ذلك، لكن الفتيات كنّ أكثر انشغالًا بمراقبة ألكسندر. قالت إحدى الطالبات لصديقتها بصوت خافت، وهي تحاول ألا تلفت انتباه الأستاذ: — انظري إليه... إنه جميل جدًا. أجابتها الأخرى وهي تتأمله من رأسه حتى قدميه: — ليس جميلًا فقط، انظري إلى وسامته وطوله! يبدو كأنه عارض أزياء. ضحكت فتاة ثالثة بخفوت، ثم قالت بإعجاب واضح: — وانظري إلى عينيه رماديتان فضيتان كانهما تعكسان ضوء القمر ... وبشرته! كم هو وسيم وأنيق! تبادلت الفتيات النظرات، وبدأت الهمسات تنتشر بين المقاعد. أما الفتاة المنبوذة، فقد توقفت عن تقليب صفحات كتابها للحظة. لم ترفع رأسها. اكتفت بالنظر إلى الصفحة أمامها، ثم تمتمت في سرها بانزعاج: كم هن جاهلات... وناقصات عقل. أخذت نفسًا هادئًا، ثم تابعت في نفسها: لو كان لديهن قليل من العقل، لما أضعن وقتهن في الحديث عنه. لم تكن ترى في الأمر ما يستحق كل هذا الاهتمام. وبينما كان الطلاب منشغلين بألكسندر، التفت الأستاذ إليه بابتسامة مشجعة. — تبدو فتى جيدًا، وأعتقد أنك ستعتاد على مدرستنا سريعًا. أتمنى أن تعجبك هنا، وأن تحقق السبب الذي دفعك إلى المجيء إليها. رفع ألكسندر عينيه نحو الأستاذ، ثم ابتسم. — أتمنى ذلك أيضًا. لكن قبل أن يبحث عن مقعد، لفت انتباهه شيء غريب. لاحظ أن جميع الطلاب تقريبًا ينظرون إليه، بينما كانت فتاة واحدة فقط لا تمنحه أي اهتمام. استقرت عيناه عليها للحظات. كانت تجلس بهدوء، وشعرها البني القصير يحيط بوجهها، وعيناها ثابتتان على كتابها. لم تبدُ فضولية، ولم تحاول حتى أن تعرف من يكون. بدت وكأن وجوده من عدمه لا يعني لها شيئًا. ارتسمت على وجه ألكسندر ابتسامة خفيفة، وكأنه وجد في تجاهلها شيئًا لافتًا. في المقابل، بدأت الطالبات يلاحظن ابتسامته. قالت إحداهن بحماس: — انظرن إلى ابتسامته! كم هي مشرقة! ضحك بعض الطلاب، بينما هز الأستاذ رأسه مبتسمًا، ثم أشار إلى أحد المقاعد. — حسنًا، لا داعي لأن تبقى واقفًا. اذهب واجلس. أومأ ألكسندر. — حاضر، أستاذي. حمل حقيبته، ثم بدأ يتقدم بين صفوف المقاعد. كانت بعض العيون تلاحقه، وبدأت الطالبات يتابعن خطواته باهتمام، وكأن كل واحدة منهن تحاول معرفة أين سيجلس. لكن ألكسندر لم يتوقف عند أي من المقاعد الفارغة القريبة. واصل السير حتى وصل إلى المقعد الموجود بجانب الفتاة المنبوذة. سحب الكرسي بهدوء، ووضع حقيبته بجانبه، ثم جلس. في اللحظة نفسها، تبدلت ملامح عدد من الطلاب. التفت بعضهم إلى بعض بدهشة. ثم ارتفعت همسة من أحد المقاعد: — لا تجلس بجانبها! وأضاف طالب آخر: — ألا تعرف أنها منبوذة؟ أما إحدى الفتيات، فنظرت إلى ألكسندر بامتعاض واضح، وقالت: — ابتعد عنها... ستندم إذا جلست بجانبها. كانت كلماتها تحمل تحذيرًا أكثر مما تحمل نصيحة. رفع ألكسندر عينيه عن حقيبته، ونظر إلى المتحدثين بهدوء. ثم ألقى نظرة سريعة إلى الفتاة الجالسة بجانبه. كانت لا تزال تنظر إلى كتابها. لم تتدخل. لم تدافع عن نفسها. ولم تبدُ عليها أي علامة اهتمام بما يقولونه. ابتسم ألكسندر ابتسامة صغيرة، ثم قال للطلاب بنبرة هادئة وواثقة: — لا شأن لكم بهذا. اهتموا بأموركم. ساد الصمت. لم يتوقع أحد أن يرد بهذه البساطة. أما الفتاة المنبوذة، فتوقفت يدها فوق الصفحة للحظة. لأول مرة منذ دخوله، رفعت عينيها عن كتابها ونظرت إليه. كانت نظرتها قصيرة، حذرة، وكأنها تحاول أن تفهم سبب تصرفه. التقت عيناها بعيني ألكسندر. لم يقل شيئًا. ولم تقل هي شيئًا. لكن تلك النظرة القصيرة كانت كافية لتكون أول خيط في حكاية لم يكن أيٌّ منهما يعرف إلى أين ستقودهما. ثم خفضت الفتاة عينيها مجددًا إلى كتابها، بينما جلس ألكسندر في مكانه بهدوء. أما بقية الطلاب، فظلوا يتبادلون النظرات والهمسات، وكأن جلوس الطالب الجديد بجانب الفتاة المنبوذة كان أكثر شيء غير متوقع حدث لهم في ذلك الصباح.حلّ المساء، وعادت الفتاة المنبوذة من المدرسة بخطوات هادئة، بينما كان اليكسندر يسير خلفها على مسافة قصيرة، واضعًا يديه في جيوب معطفه، يراقب الطريق بصمت. كان الهواء باردًا قليلًا، والشارع أكثر هدوءًا من المعتاد. لم يكن يُسمع سوى وقع خطواتهما المتتابعة وأصوات السيارات البعيدة. وفجأة، توقفت الفتاة المنبوذة. رفع اليكسندر رأسه باستغراب، فرأى أمامها جروًا صغيرًا أبيض اللون، يقف بالقرب من أحد المنازل، وكان ينبح بصوت ضعيف ومتقطع. ما إن رأته حتى تغيرت ملامحها. لأول مرة منذ بداية الطريق، بدت على وجهها علامات فرح واضحة. أسرعت نحوه، ثم جلست على ركبتيها أمامه ومدت يدها لتداعب فروه الناعم. — هل تبحث عن أهلك؟ توقف الجرو عن النباح، وأخذ ينظر إليها بعينين بريئتين. ابتسمت له الفتاة المنبوذة ابتسامة صغيرة، ثم مررت أصابعها فوق رأسه. — لا تخف... أنا هنا. حرك الجرو ذيله، واقترب منها أكثر. ضحكت بخفة. — وأنت؟ لماذا أنت هنا وحدك؟ أنت ما زلت صغيرًا... أين صاحبك؟ حملته بين ذراعيها ونهضت، ثم أخذت تدور به ببطء، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة مشرقة لم يعتد اليكسندر رؤيتها منها. — أنت ناع
قلب إيفان مشغّل الـMP3 بين أصابعه ببطء، وأخذ يتأمله للحظات، وكأن ملمسه أعاد إليه ذكرى ظلّت عالقة في مكان بعيد من ذاكرته.ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، لم تكن ابتسامة سخرية هذه المرة، بل كانت تحمل شيئًا من الحنين.رفع عينيه نحو الفتاة المنبوذة وقال بهدوء:— لقد أهديتكِ هذا عندما كنا طفلين... أتتذكرين؟ما إن سمعت كلماته حتى توترت.تشنجت أصابعها دون وعي، وقبضت على طرف تنورتها، بينما بقيت عيناها معلقتين به.أما إيفان، فظل ينظر إليها، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا:— أتتذكرين عندما أحضركِ أبي إلى منزلنا؟صمت قليلًا، وكأن الصورة بدأت تتشكل أمام عينيه من جديد.— كان ذلك أجمل يوم بالنسبة إليّ...ثم ابتسم.وانسحب الحاضر من حوله شيئًا فشيئًا، لتعود ذاكرته إلى ما قبل عشر سنوات.قبل عشر سنوات...كان منزل عائلة إيفان هادئًا في ذلك الصباح، وأشعة الشمس تتسلل عبر النوافذ الكبيرة لتنعكس على أرضية الصالون اللامعة.كان إيفان الصغير في غرفته عندما سمع صوت والده يناديه من الأسفل.— إيفان! انزل يا بني، لقد أحضرت لكِ صديقة لطيفة.اتسعت عينا إيفان بحماس.ترك ما كان يفعله واندفع خارج غرفته، ثم بدأ يركض على الد
كانت الفتاة المنبوذة جالسةً في مقعدها بصمت، تحدّق أمامها بشرود، بينما كان اليكسندر قد خرج، على الأرجح، إلى الحمّام.مرّت الدقائق بطيئةً وثقيلة، ولم يدخل الأستاذ إلى الفصل بعد. أخذ الضجر يتسلل إليها شيئًا فشيئًا، فتنفست بضيق، ثم ألقت نظرة سريعة حولها.لم يكن إيفان في مكانه أيضًا.لقد جاء معهم في وقت سابق، لكنها لم تره منذ ذلك الحين، ولم يظهر حتى الآن في الفصل.تنهدت بهدوء، ثم وقفت عن مقعدها.أخرجت سماعاتها، ووضعتها فوق أذنيها، بينما وضعت مشغّل الـMP3 الصغير في جيبها، ثم غادرت الفصل دون أن تلفت انتباه أحد.سارت في الممر الهادئ بخطوات متثاقلة، وكانت أصوات الطلاب المتناثرة تصلها مكتومةً عبر السماعات. وبينما كانت ترفع عينيها تبحث عن إيفان، ظهرت أمامها ميلينا وصوفيا.كانت كل واحدة منهما تشبك ذراعها بذراع الأخرى، وتسيران معًا وهما تتحدثان وتضحكان.ما إن لمحَتا الفتاة المنبوذة حتى خفتت ضحكاتهما، وتبادلت الاثنتان نظرةً ذات مغزى.لم تهتم الفتاة المنبوذة، وأرادت تجاوزهما دون كلمة.لكن، وقبل أن تخطو خطوة أخرى، مدت ميلينا ساقها فجأة أمامها.لم تنتبه الفتاة المنبوذة إلى ما فعلته إلا بعد فوات الأو
وضع اليكسندر يديه في جيبي معطفه، ثم حرّك إحدى ساقيه بملل، وأطلق صفيرًا قصيرًا وهو يرفع ذقنه بغرور، وكأنه يتحدث عن أمر محسوم لا يقبل النقاش. — لماذا سنُعجب بشكلك أصلًا؟ رغم أنني أوسم منك. التفت إليه إيفان ببطء، وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة توحي بأنه لم يأخذ كلامه على محمل الجد. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رقبته، ثم قال بنبرة ساخرة: — لأنني رأيتكم تنظرون إليّ بدهشة، لذلك قلت هذا. لم يرد اليكسندر، واكتفى بنظرة جانبية متعالية. في تلك اللحظة، تقدمت الفتاة المنبوذة نحو الدراجة النارية بخطوات هادئة، ثم وقفت أمام إيفان ونظرت إليه ببرود تام. — ما الذي أتى بك إلى هنا؟ اذهب في طريقك. رفع إيفان حاجبه، ثم أجابها بنبرة هادئة تحمل شيئًا من المزاح: — إنها صدفة، ألم يعجبك الأمر؟ لكن حسنًا كما تريدين... إلا أن قلبي لن يفرط بكما. وقبل أن ترد، جاء صوت اليكسندر من بعيد، مرتفعًا وواضحًا: — فرّط بنا! نحن لا نريد مساعدتك! كان إيفان على وشك وضع الخوذة على رأسه، إلا أن الفتاة المنبوذة نظرت إلى الساعة في معصمها، واتسعت عيناها قليلًا حين أدركت الوقت. — لا، لا، توقف! سنذهب معك. توقفت يد إيفان في الهواء، ثم
---نظرت الفتاة المنبوذة إلى الورقة الموضوعة بجانب الثلاجة، ثم مدت يدها وأخذتها بتردد. فتحتها وبدأت تقرأ ما كُتب فيها سطرًا بعد آخر.ومع استمرارها في القراءة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة دون أن تشعر.لكنها سرعان ما انتبهت إلى نفسها، فعادت ملامحها الباردة إلى وجهها وكأن شيئًا لم يحدث.وضعت الورقة جانبًا، ثم وضعت يديها على خصرها، وأخذت تحرك قدمها بضيق وهي تحدق في الثلاجة الممتلئة أمامها.تنفست بعمق، وقالت لنفسها بنبرة ساخطة:— ماذا أفعل الآن بهذه البلوى التي سقطت فوق رأسي؟!ثم حدقت في الرفوف لحظة أخرى، وتذكرت ما فعله اليكسندر في منزلها.قطبت حاجبيها وقالت بانزعاج:— ولم يكتفِ بذلك... بل عبث بدفتري أيضًا، وأخذ قلمي واستخدمه!هزت رأسها بضيق، ثم استدارت وغادرت المطبخ.دخلت غرفتها، واتجهت مباشرة إلى الحمام. فتحت الصنبور، وغسلت وجهها بالماء البارد، ثم أمسكت فرشاة أسنانها وبدأت بتنظيف أسنانها بحركات قوية، وكأنها تفرغ فيها كل انزعاجها.وبعد دقائق، غسلت فمها، ثم خرجت وهي تجفف وجهها بمنشفة صغيرة.لكنها توقفت عند عتبة غرفتها.أخذت تتفحص المكان بنظرة طويلة.كانت الملابس مبعثرة هنا وهناك، والكت
---ثم ألقى أليكسندر نظرة أخيرة نحو الفتاة المنبوذة، ليتأكد من أنها ما تزال غارقة في نومها. كانت ملامحها هادئة على غير عادتها، وشعرها مبعثر قليلًا حول وجهها.التفت بعدها نحو حقيبتها الموضوعة على الأريكة، فتردد للحظة، ثم اقترب منها وفتحها بحذر. أخرج قلمًا وورقة صغيرة، واتجه بهما إلى المطبخ.وقف أمام الثلاجة، وأسند الورقة إلى الطاولة، ثم طواها إلى نصفين وبدأ يكتب بخط واضح:> «أرجوكِ، لا تغضبي مني بسبب ما فعلته. أعلم أنكِ قد تظنين أنني أشفق عليكِ، لكن الأمر ليس كذلك. أنا فقط أردت مساعدتك، لا أكثر.ولكي لا تنزعجي مني، اعتبري كل ما اشتريته لكِ دينًا عليكِ، ويمكنكِ إعادته إليّ عندما تستطيعين. ولا تنسي أنني أحضرت لكِ البيتزا التي تحبينها، لقد وضعتها في الثلاجة، فسخنيها عندما تستيقظين وتناوليها. لا أريدكِ أن تبقي جائعة.»توقف عن الكتابة قليلًا، وحدّق في الكلمات أمامه، ثم أضاف بابتسامة صغيرة:> «وأرجوكِ، لا تفكري كثيرًا في الأمر. لم أفعل شيئًا يستحق الشكر.»طوى الورقة بعناية، ووضعها في مكان واضح بجوار الثلاجة، حتى تكون أول ما تقع عليه عيناها عندما تستيقظ.ثم اتجه نحو المكتبة الصغيرة الموجودة ف







