تسجيل الدخول
المقدمة
كانت لميس تقرأ العقود كما يقرأ بعض الناس الوجوه؛ لا تثق بالعبارات الواضحة أكثر مما ينبغي، ولا تمر بعينيها فوق هامش صغير قبل أن تسأل عمّا يحاول إخفاءه. ومع ذلك، كانت ريانا تقول دائمًا إن صديقتها تستطيع اكتشاف الخديعة في عقد من ثلاثين صفحة، ثم تعجز عن رؤيتها في جملة واحدة يقولها رجل تحبه. في ذلك المساء، جلست الصديقات الثلاث داخل مكتب لميس بعد مغادرة الموظفين. كانت المدينة تشتعل خلف الواجهة الزجاجية بأضوائها، بينما بقي المكتب غارقًا في هدوء لا يقطعه إلا صوت الأوراق بين يدي ريانا. جلست لميس خلف مكتبها الكبير، تراجع بريدًا إلكترونيًا للمرة الثالثة. أمامها برد فنجان القهوة من دون أن تلمسه، وإلى جواره استقرت باقة ورد بيضاء وصلت قبل ساعة. أما هناء، فكانت تقف إلى جانبها ممسكة بيدها، وتضع ضمادة صغيرة حول إصبع جرحته حافة ورقة. قالت هناء: — تستطيعين إدارة شركة كاملة، لكنك لا تستطيعين فتح ظرف من دون أن تؤذي نفسك. ابتسمت لميس وهي تراقب الضمادة. — لهذا أحتفظ بممرضة قريبة مني. — أنا صديقتك، ولست ممرضتك الخاصة. رفعت ريانا عينيها عن الملف وقالت: — لا تصدقيها. إنها تعالجك مجانًا منذ الجامعة، ومع ذلك لم تنجح في أخطر مرض لديك. عقدت لميس حاجبيها. — وما مرضي؟ أغلقت ريانا الملف ووضعته فوق المكتب. — الرجال الذين يحتاجون إليك أكثر مما يحبونك. اختفت ابتسامة لميس قليلًا، ثم سحبت يدها من هناء. — إذا كنت تقصدين كريم، فقولي اسمه. — أنا أقصد كل رجل دخل حياتك وهو يحمل مشكلة، ثم خرج منها بعد أن جعلها مشكلتك أنت. قالت هناء محذرة: — ريانا... لكن ريانا تابعت: — الأول كان يحتاج إلى المال ليبدأ مشروعه، فدفعتِ له. والثاني كان يحتاج إلى معارفك ليجد عملًا، فعرّفته إلى نصف المدينة. والآن كريم يحتاج إلى اسمك كي ينجح مشروعه الجديد. اعتدلت لميس في مقعدها. — كريم لم يطلب مني مالًا. — ليس كل من يستغل امرأة يمد يده إلى محفظتها. قالتها ريانا بهدوء، فبدت العبارة أشد قسوة مما لو صرخت بها. نظرت لميس إلى باقة الورد. — أنتما لا تعرفانه كما أعرفه. تبادلت ريانا وهناء نظرة قصيرة. لاحظتها لميس، فضاقت عيناها. — ما معنى هذه النظرة؟ جلست هناء على طرف المكتب وقالت بلطف: — معناها أننا سمعنا هذه الجملة منك من قبل. — لأنكما تحكمان على كل رجل يقترب مني. قالت ريانا: — نحن لا نحكم عليهم. نحن فقط نلاحظ الأشياء التي تقررين أنت ألا تلاحظيها. — مثل ماذا؟ أشارت ريانا إلى باقة الورد. — مثل أن كريم تأخر عن عشائكما للمرة الثالثة، ثم أرسل الزهور إلى مكتبك كي يراك الموظفون تسامحينه. دافعت لميس بسرعة: — كان لديه اجتماع مهم. — أخبرك بذلك قبل الموعد أم بعده؟ توقفت لميس لحظة. — بعده، لأن هاتفه نفد شحنه. تنهدت ريانا، بينما خفضت هناء عينيها حتى لا تبدو وكأنها توافقها. شعرت لميس بالغضب. لم تكن غاضبة منهما وحدهما، بل من ذلك الجزء الصغير داخلها الذي طرح السؤال نفسه قبل أن تصل الزهور، ثم سكت بمجرد أن قرأت البطاقة. تناولت البطاقة من بين الأزهار وقرأت عبارتها مرة أخرى: «سامحيني. كنت أبني المستقبل الذي يليق بنا.» لم يقل إنه اشتاق إليها، ولم يقل إنه آسف لأنه تركها تنتظر. ومع ذلك، بدت الجملة جميلة بما يكفي كي تغطي ما لم يقله. سألتها هناء: — هل اعتذر فعلًا؟ رفعت لميس البطاقة. — ألا ترين؟ أجابتها ريانا: — أرى تفسيرًا داخل باقة ورد. لا أرى اعتذارًا. وضعت لميس البطاقة بعصبية. — لا أفهم لماذا تصران على أنني امرأة عاجزة عن معرفة من يحبها. لان وجه هناء. — لأننا نعرف أنك لست عاجزة. أنت ترين كل شيء يا لميس، لكنك حين تخافين خسارة أحد، تبحثين له عن تفسير أجمل من الحقيقة. ساد الصمت. للحظة، عادت بهن الذاكرة إلى سنوات الجامعة؛ ثلاث فتيات جمعتهن غرفة صغيرة وأحلام أكبر من قدرتها على استيعابها. صارت هناء ممرضة تعرف كيف تخفف ألم الناس من دون أن تعدهم بأنه سيختفي. وصارت ريانا محامية لا تصدق الكلام الذي لا يصمد أمام دليل. أما لميس، فبنت شركة واسمًا وحياة بدت كاملة لكل من ينظر إليها من الخارج. لكنها، كلما أحبت، عادت تلك الفتاة التي كانت تظن أن بقاء الرجل دليل على صدقه، وأن منح الفرص بطولة، وأن الألم الذي تحتمله من أجله لا بد أن يتحول يومًا إلى حب يليق بتضحياتها. اهتز هاتفها فوق المكتب. ظهر اسم كريم. سبقت يدها تفكيرها، فأجابت. جاء صوته دافئًا: — هل ما زلت غاضبة مني؟ نظرت إلى صديقتيها، ثم أدارت مقعدها قليلًا نحو النافذة. — لا أعرف. ضحك بخفة. — هذا يعني أنك سامحتني نصف مسامحة. سأكسب النصف الآخر غدًا. سألته: — كيف؟ — لدي طلب صغير. أغلقت ريانا عينيها، أما هناء فاكتفت بالنظر إلى لميس. سألت لميس: — ما هو؟ — مقطع قصير لا يتجاوز عشرين ثانية. أريدك أن تتحدثي فيه عن مشروع «خطوة»، وتقولي إنك تعرفينني وتثقين بي. اسمك سيجعل الناس يمنحون المشروع فرصة. نظرت لميس إلى باقة الورد، ثم إلى بطاقة الاعتذار، وتذكرت كلام ريانا: «كريم يحتاج إلى اسمك.» كان عليها أن تطلب الاطلاع على المشروع أولًا. كان عليها أن تسأله لماذا لا تكفي فكرته لإقناع الناس، ولماذا يريد أن يقترض ثقتهم بها. لكنها سمعت في صوته شيئًا آخر: رجلًا يحتاج إليها. وذلك كان دائمًا أقصر طريق إلى قلبها. قالت: — تعال غدًا، وسنصور المقطع هنا. رفع كريم صوته بسعادة: — كنت أعلم أنك لن تخذليني. انتهت المكالمة. لم تقل ريانا شيئًا، ولم تحتج إلى ذلك. كانت نظرتها وحدها كافية. أما لميس، فمدت يدها نحو فنجان القهوة البارد، ورفعت رأسها بعناد كما لو أنها اتخذت قرارًا لا يحق لأحد مناقشته. لم تكن عاجزة عن التمييز بين الحب والغباء. كانت ترى الفرق بينهما بوضوح... ثم تغيّر أسماء الأشياء كي تستطيع الاستمرار.الفصل الحادي عشرمن يجلس على رأس الطاولةعند السادسة والنصف صباحًا، كان الطبيب يطلب من لميس أن تعود إلى غرفة الفحص، بينما كانت هي تغسل الدم عن وجهها داخل حمام المستشفى.لم تنم، ولم تبدل ثيابها. اكتفت باستعارة سترة سوداء من هناء لتخفي بقع الدم التي غطت قميصها، وربطت شعرها إلى الخلف.وقفت أمام المرآة.كانت هناك خدوش صغيرة فوق جبينها، وهالة داكنة تحت عينيها، ورائحة دخان لا تزال عالقة بشعرها.لم تبدُ كرئيسة شركة تستعد لاجتماع مجلس الإدارة.بدت كناجية خرجت لتوّها من حريق، ولم تحصل بعد على الوقت الكافي لتفهم ما الذي احترق بداخلها.طرقت ريانا الباب.— بقيت ساعة ونصف.خرجت لميس.كانت ريانا تحمل ملفًا سميكًا، بينما حمل آدم الحاسوب والهاتف الذي أعطته سارة لهما. أما هناء فبقيت في المستشفى إلى جوار سارة ويزن، بعدما وعدت لميس أن تتصل بها فور خروج كريم من تأثير التخدير.قالت ريانا:— حصلت على جلسة عاجلة، لكن القاضي لن ينظر في طلب تجميد التفويض قبل التاسعة والنصف.— الاجتماع في الثامنة.— أعرف.— إذن سيحصلون على ساعة ونصف.— إذا دخلتِ الاجتماع وأثبتنا أن توقيعك استُعمل بطريق الاحتيال، يمكننا تعطيل ا
الفصل العاشرما لا يصلحه الندمظل الضوء الأحمر فوق باب غرفة العمليات مشتعلًا.جلست لميس على المقعد المقابل له، ويداها فوق ركبتيها. كان الدم قد جف بين أصابعها وتحت أظافرها، لكن رائحته بقيت عالقة بها، كأن جسد كريم لم يعد خلف ذلك الباب، بل ما زال فوقها يحميها من الرصاصة.اقتربت منها ممرضة تحمل قطعة قماش مبللة.— يمكنك تنظيف يديك.نظرت لميس إليها من دون أن تمد يدها.قالت الممرضة بلطف:— لن يساعده بقاؤك هكذا.أخذت لميس قطعة القماش أخيرًا.مسحت كفها مرة، فظهر الجلد تحت الدم. أعادتها مرة ثانية، ثم توقفت حين تذكرت أصابع كريم الباردة وهي تنفلت من يدها داخل سيارة الإسعاف.تركت القماش إلى جوارها.وصلت ريانا مسرعة، وخلفها آدم والمفتش سليم.كانت ريانا لا تزال ترتدي الثياب نفسها التي دخلت بها المبنى، وقد غطى الرماد كتفها وشعرها. وقفت أمام لميس، ثم انحنت قليلًا لتتفحص وجهها.— هل فحصك الطبيب؟— أنا بخير.— هذا ليس جوابًا.— لم تصبني الرصاصة.— والدخان؟— قلت إنني بخير.جلست ريانا إلى جانبها.— حسنًا. سأؤجل صراخي إلى أن ينتهي الطبيب، لكنني أعدك أنه سيكون طويلًا ومهينًا.لميس لم تبتسم.سألت المفتش:—
الفصل التاسعثمن الحقيقةبقيت لميس لحظة تحت جسد كريم، عاجزة عن التمييز بين صوت الرصاص وصوت الدم الذي يضرب داخل أذنيها.كان الظلام كثيفًا، ورائحة البارود تملأ الممر. امتدت يد من العتمة نحو بطاقة الدخول الملقاة قرب أصابعها.أطبقت لميس كفها عليها قبل أن تصل إليها اليد.جاء صوت نادر غاضبًا:— خذوها منها!تحرك ظلّان في الممر.حاولت لميس الزحف إلى الخلف، لكن ثقل كريم فوق ساقيها أعاقها. وضعت يدًا خلف كتفه وجرّته معها، تاركة فوق الأرض خطًا داكنًا لم تستطع رؤيته، لكنها شعرت بحرارته تحت أصابعها.همست قرب أذنه:— كريم... افتح عينيك.لم يجب.اقتربت الخطوات.ضمّت البطاقة داخل قبضتها حتى حفرت حافتها في جلدها. لم تعد مجرد قطعة تفتح الأبواب؛ أصبحت الشيء الذي أُصيب رجل من أجله، واختُطف طفل بسببه، وكادت شركتها تُنتزع منها من دون أن تفهم كيف.انحنت يد تبحث في الظلام فوق الأرض.حبست لميس أنفاسها.ثم اشتعل ضوء أحمر متقطع عند نهاية الممر، وتبعه صوت نظام الطوارئ:«تحذير. تم اكتشاف حريق في الطابق السادس عشر. يرجى إخلاء المبنى فورًا.»ظهر أحد الرجال للحظة تحت الضوء الأحمر. كان يرتدي قناعًا أسود ويحمل عبوة معد
الفصل الثامنالباب الأخيرقرأَت لميس طلب كريم للمرة الثالثة:«أحضري معك بطاقة الدخول إلى شركة أفق. من دونها لن نستطيع إثبات شيء ضد نادر.»كان واضحًا الآن أن الذاكرة لم تكن تحمل دليلًا، وأنه لم يطلب بطاقة الدخول كي يحميها، بل كي يكمل ما بدأه.ومع ذلك، كتبت:«متى وأين؟»أمسكت ريانا الهاتف قبل أن ترسل.— ماذا تفعلين؟— أجعله يعتقد أنني ما زلت أصدقه.— أنت لا تجيدين التمثيل معه.— أجيده في الاجتماعات مع رجال أخطر منه.قالت مريم:— لكنه لا يعرفك داخل الاجتماعات فقط. يعرف متى تخافين، ومتى تكذبين، وأي كلمة تجعلك تترددين.أجابت لميس:— وأنا أعرف الآن ماذا يريد.قالت ريانا:— معرفتك بما يريد لا تعني أنك لن تمنحيه إياه. لقد عرفتِ أنه يكذب أكثر من مرة، وفي كل مرة وجدتِ سببًا جديدًا للعودة.تدخل آدم:— يمكننا استعمال طلبه لصالحنا.التفتوا إليه.كان قد وصل إلى المقهى بعدما أنهى فحص الذاكرة، وجلس في الطرف الآخر من الطاولة، يراقب النقاش من دون أن يتدخل حتى تلك اللحظة.قالت ريانا:— ماذا تقترح؟— نعطيه بطاقة تبدو حقيقية، لكن صلاحيتها محدودة. إذا حاول استعمالها، نعرف الباب الذي يقف أمامه والوقت الدقيق
الفصل السابعالمرأة التي سبقتهااستيقظت لميس في الخامسة صباحًا، مع أنها لم تنم إلا بعد الثالثة.كان اسم مريم آخر ما رأته على شاشة هاتفها، وأول ما عاد إلى ذهنها حين فتحت عينيها.جلست في سريرها وأعادت قراءة الرسالة:«إذا أردت أن تعرفي كيف ستنتهي قصتك، تعالي واسمعي كيف انتهت قصتي أنا.»أسفلها عنوان مقهى وموعد عند العاشرة.لم تجب.وضعت الهاتف جانبًا، ثم مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت الذاكرة الإلكترونية التي أعطاها لها كريم.قطعة صغيرة سوداء، لا تحمل اسمًا ولا علامة. وعدها بأنها تضم الأدلة التي ستعيد إليها شركتها، بينما أخبرتها ريانا أنها قد تكون مجرد حبل آخر يربطها به.فتحت حاسوبها، ثم توقفت قبل إدخال الذاكرة.تذكرت تحذيره: «لا تفتحيها على جهاز متصل بالإنترنت.»نزعتها من يدها كما لو أنها احترقت.لأول مرة منذ بداية الأزمة، لم تعرف أي التحذيرين تخاف أكثر: تحذير الرجل الذي كذب عليها، أم تحذير الصديقة التي لم تكذب قط.---في الثامنة، دخلت مكتب ريانا.كانت المحامية تقف قرب النافذة تتحدث في الهاتف. توقفت عندما رأت لميس، وأنهت المكالمة سريعًا.لم تقل صباح الخير.وضعت لميس الذاكرة فوق المكتب.— أري
الفصل السادسكل امرأة عرفت رجلًا آخربقي السؤال معلقًا عند باب الشقة:— من هذه يا كريم؟لم يجب.انتقلت عينا المرأة بينه وبين لميس. كان الطفل مستلقيًا فوق كتفها، يعبث بأصابع صغيرة في خصلات شعرها، غير مدرك أن كلمة واحدة منه هدمت حياة ثلاثتهم.قالت لميس:— نعم، من أنا يا كريم؟فتح فمه، ثم نظر إلى المرأة.— سارة، خذي يزن إلى الغرفة. سأتحدث معك لاحقًا.اشتد وجهها.— سألتك من هذه.قال بنبرة أكثر صرامة:— ليس أمام الطفل.نزل يزن من بين ذراعي أمه، واتجه نحو كريم بخطوات متعثرة. انحنى والده وحمله، فتشبث الطفل بعنقه كما لو أن وجوده بين ذراعيه أمر معتاد.راقبت لميس المشهد، وشعرت بأن كل لحظة أخبرها فيها كريم أنه وحيد عادت لتقف أمامها وتسخر منها.سألته:— كم عمره؟رفع كريم عينيه إليها.— ثلاث سنوات.ثلاث سنوات.كانت تعرف عنه نوع القهوة التي يشربها، والندبة الصغيرة قرب كتفه، واسم أستاذ الرياضيات الذي كان يكرهه في المدرسة. أخبرها عن موت والده، وعن أمه التي لم تفهم أحلامه، وعن خطيبته القديمة التي خانته.لكنه لم يجد خلال أربعة أشهر جملة واحدة يخبرها فيها أن له طفلًا.قالت سارة ببطء:— لماذا تسألين عن ع







