共有

الخامس والخمسون

作者: Noona
last update 公開日: 2026-06-25 02:27:38

مع سقوط عماد ومالك في ذلك الثقب الدلالي الذي صنعه عُزير، لم يجدا أنفسهما في بُعد كوني آخر، بل حدث ما هربا منه طويلاً: **الارتطام الحاد بالواقع**.

سقط القلم من يد عماد، وأحدث صوتاً معدنياً رناناً وهو يتدحرج على الأرضية الخشبية لغرفته. تراجع عماد إلى الخلف ليرتطم بظهر سريره القديم، لاهثاً، وعرقه يبلل قميصه القطني. لم يكن هناك حبر فضي في شرايينه، بل كان دم خافق يتدفق بعنف في عروق يده التي تشنجت من كثرة الإمساك بالقلم.

أشرقت شمس الصباح من النافذة لتكشف عن تفاصيل الغرفة: أكواب قهوة جافة، مسودات متناثرة على المكتب، والكشكول الأسود القديم مفتوحاً في المنتصف.

التفت عماد بجانبه ليرى **مالك** جائعاً، شاحب الوجه، يجلس على المقعد المقابل للمكتب وعيناه حمراوان من أثر السهر لـ 48 ساعة متواصلة دون نوم. لم يكن مالك معادلة رياضية، بل كان صديقه وشريكه في كتابة هذه الرواية الملعونة التي استنزفت عقليهما.

> "عماد... هل أنت معي؟" قالها مالك بصوت مبحوح وهو يفرك جبهته. "لقد غبت عن الوعي لعشر دقائق كاملة وأنت ممسك بالقلم وكأنك في تشنج عصبي. ظننت أن دماغك قد سكت."

تنفس عماد الصعداء، ونظر إلى كفه الارتجافية:

> "لقد كنا بالداخل يا مالك... أنت لم ترَ ما حدث، الكشكول كان يبتلعنا، وأمي... لقد رأيت أمي هناك."

وقف مالك، واقترب من المكتب ببطء، ونظر إلى الكشكول ثم إلى عماد بنظرة واقعية باردة تخلو من الفلسفة:

> "أنت تهلوس بسبب قلة النوم والشعور بالذنب، يا صديقي. والدتك توفيت في المستشفى قبل عام، وأنت تحاول إحياءها في هذه السطور منذ أشهر. النص لا يتنفس، نحن من نختنق."

حاول عماد النهوض ليثبت لمالك أن ما حدث كان حقيقياً. التقط الكشكول من على المكتب، وبدأ يقلب الصفحات بسرعة بحثاً عن السطور الممحاة وعلامات الحذف التي تركها "عُزير". لكن الصدمة كانت واقعية تماماً:

 * **البياض المفاجئ:** الفصل الأخير الذي سهرا على كتابته طوال الليل... اختفى تماماً. الصفحات العشر الأخيرة كانت بيضاء فارغة، لا أثر فيها لحبر أسود أو فضي.

 * **البصمة المادية:** في أسفل الصفحة البيضاء الأولى، وجدا بقعة حبر رطبة دائرية صغيرة جداً، وكأن شخصاً وضع سن القلم هناك وضغط بقوة لثوانٍ قبل أن يغلق الكتاب.

> "هذا مستحيل..." همس مالك وهو يتفحص الورق بيده. "أنا بنفسي كتبت ثلاث صفحات قبل أن تصاب أنت بتلك النوبة. أين ذهب الحبر؟"

فجأة، رن هاتف عماد الأرضي في زاوية الغرفة. كان الصوت حاداً ومفاجئاً في هدوء الصباح. تقدم عماد ورفع السماعة ببطء:

> "مرحباً؟"

جاءه صوت رجل مسن، هادئ وثقيل، صوت هرب من ذبذبات قديمة:

> "عماد... مالك... الكشكول الذي بين أيديكم ليس مسودة لرواية. إنه التقرير الطبي الأخير الذي تركه والدي، 'الكاتب الأول'، قبل أن يغلقوا عليه باب المصحة العقلية عام 1998. لا تكملوا الكتابة، فالسطر التالي سيكلفكم عقولكم."

أقفل الخط فوراً، وترك صوت الطنين المتقطع يملأ الغرفة.

التفت عماد إلى مالك، وعيناه متسعتان من الذهول: "هل سمعت؟ هناك شخص يعرف بشأن الكشكول، يعلم عن الكاتب الأول!"

أمسك مالك بحقيبته بغضب، وبدأ يجمع أوراقه:

> "أنا مغادر يا عماد. هذه اللعبة أصبحت خطيرة وتتجاوز حدود الأدب والكتابة. نحن ننهار نفسياً، وهناك شخص يتلاعب بنا أو يراقب شقتنا. سأخذ قسطاً من الراحة، وأنصحك أن تحرق هذا الكشكول اللعين."

خرج مالك وأغلق الباب خلفه بعنف، تاركاً عماد بمفرده في مواجهة الواقع الصامت.

جلس عماد على مقعده، وسحب الكشكول إليه مجدداً. نظر إلى بقعة الحبر الدائرية الرطبة في أسفل الصفحة البيضاء. أخرج من جيبه قلماً جافاً عادياً باللون الأزرق، ووضعه فوق الورقة. كانت يده ترتجف، لكن الرغبة في معرفة الحقيقة كانت أقوى من الخوف.

بدأ يكتب بالخط العادي، متخذاً أولى خطواته في الفصل الجديد، متخلياً عن المجازات، ومواجهاً ما سيأتي به الواقع.

بدون نهاية

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • اللقاء المجنون   الثاني والستون

    سحب مالك القلم من بين أصابع عماد برعشة عنيفة، واضعاً سنه على ظهر العقد. كان الصمت المطبق الذي خيّم على الطاولة أثقل من أن يتحمله بشر. لكن قبل أن يخط مالك حرفاً واحداً، وقعت خطى ثقيلة، منتظمة، آتية من عمق الممر المظلم، لتكسر حدة المشهد.ظهر من بين الظلال رجل مسن، يرتدي حلة رمادية مهترئة تعود لثقبة التسعينيات، ويربط عنقه بخيوط صوفية خشنة، حاملاً في يده حقيبة دبلومات جلدية سوداء. لم يكن وهماً هذه المرة، بل كان الأستاذ رفعت بشحمه ولحمه، ملامحه خطتها تجاعيد السنين الحقيقية، وعيناه لم تعودا زجاجيتين، بل كانتا تحملان عتاباً حياً.انعقد لسان عماد، بينما شهقت سارة وهي تتراجع خطوة للخلف: "الأستاذ رفعت؟! أنت... أنت عايش؟"التفت رفعت نحو نجوى، متجاهلاً ذهول الشباب، ووضع حقيبته الثقيلة فوق عقد الإخلاء مباشرة، ليحجب السطور الباردة. قال بصوت هادئ يحمل نبرة القانون القديم: "البيوع التي تبنى على الإكراه والتدليس باطلة يا أستاذة نجوى. شقة الست سارة ليست إيجاراً قديماً عادياً، هذا العقار مسجل كأثر لغوي ومعماري، ولا تملك أي شركة استثمار حق هدمه بموجب قرار المحافظة الصادر الأسبوع الماضي. وأخو سارة باع لكِ

  • اللقاء المجنون   الحادي والستون

    اندفعت أخيرًا لتكملة اللغز الغامض الذي انطلقت في صدع الزمن. بمجرد أن تلامست الحروف المطبوعة بالعنف باستخدام الورق الصقيل، نهار السقف الزجاجي الذي يعرض أرقام المبيعات، ومعه تلاشت الرف الشافهقة والخطوط الثائرة التي تلوثها رماد نفضته ريح عاتية. لم يقع عماد في الفراغ لغوي هذه المرة باللون الأخضر، بل شعر بارتطام جسده الصلب بكرسي بلاستيكي اللون. استنشق غريبًا ثقيلًا مخنوقًا برائحة عوادم السيارات، وصوت كلكيت الميكروباصات، وراخاخ عرقسوس يتجول في ليل القاهرة الخانق. لقد وهبوا إلى أرض الواقع. ليست الرواية الحقيقية، بل هي الرواية الشعبية المصرية الحقيقية، وتحديداً في "مقهى تكعيبة" بالممر المحاذي لشارع هدى شعراوي وسط البلد. كان الوقت يتجاوز منتصف الليل، والطقس رطباً وحاراً، والناس من حولهم يجلسون ويدخنون الشيشة ويتحدثون في السياسة وأسعار العروض بلامبالاة عابرة. جلسة عماد على الكرسي، يتصبب عرقاً حقيقياً لزجاً، ولم الحبر الأزرق العادي في جيبه قد حبره ولوّث قميصه ببقعة دكنت فوق قلبه. بجانبه، كانت سارة تجلس على مقعد مجاور، ومع ذلك لم تظهر ملابس عسكرية ولا تحمل الملف الأصفر؛ كانت ترتدي رداء نسائي أ

  • اللقاء المجنون   الفصل الستون

    الممر الخلفي لم يكن يؤدي إلى مطبخ "جروبي" بمفهومه الواقعي، بل كان دهليزاً لغوياً ضيقاً، جدرانه مبنية من أسطر متراصة لكلمات متلاحمة وكثيفة. البرودة التي كانت تلف الشقة بالداخل تحولت هنا إلى رطوبة خانقة برائحة العفن والورق المخزن في أقبية رطبة لقرون.كان عماد يركض في المقدمة، يده اليمنى تقبض على يد سارة بقوة تزداد مع كل خطوة، كأن تلك القبضة هي الحبل السري الوحيد الذي يبقيهما في عالم الأحياء، بينما يده اليسرى تجر مالك الذي كان جسده يترنح، يثقل خفةً وثقلاً بدوره حسب الكلمات التي يمرون بها."سرعتكم تتناقص في الجمل القصيرة!" صرخت نادية من خلفهم، وهي تحاول جاهدة موازنة الكاميرا الثقيلة على كتفها بينما تتعثر في هوامش سفلية نُسيت كمطبات في أرضية الممر. "عليك أن تصف الركض بعبارات طويلة يا عماد! الحركة تحتاج إلى إطناب لغوي لكي نمتلك مساحة زمنية أكبر!"التفت عماد برأسه أثناء الركض، فرأى خلف نادية مرأى يوقف الدماء في العروق. الجدار الرمادي للممحاة لم يعد مجرد مساحة مصمتة؛ لقد اتخذ شكلاً هلامياً عملاقاً، وبدأت تبرز منه أذرع مصنوعة من شفرات حادة تشبه مقصات التصحيح المطبعي. وخلف هذا المسخ، كان يتقدم

  • اللقاء المجنون   التاسع والخمسون

    تصلب عماد في مكانه. واجهة "جروبي" الزجاجية العريقة لم تتشقق كزجاج عادي، بل انشقت إلى خطوط طولية وعرضية تشبه مربعات التقطيع اللغوي، تفرز خلفها الفراغ الأبيض المرعب الذي بدأ يبتلع الكراسي الخيزرانية طاولة تلو الأخرى."مالك!" صرخ عماد، واندفع نحو الركن المظلم.لكن سارة جذبت معطفه بقوة، وعيناها تفيضان بدموع لم تكن زرقاء ولا سوداء، بل كانت شفافة تماما، كأن مشاعرها هي الشيء الحقيقي الوحيد المتبقي في هذا العالم الزائف. "عماد، لا تقترب منه هكذا! انظر إلى يده... إنه لا يكتب، إنه يُجبر على الكتابة!"بالفعل، كانت يد مالك تتحرك بحركات اهتزازية عنيفة، وقلمه الأحمر يرسم خطوطًا عشوائية فوق الرخام، تنبثق منها جمل حادة تلغي وجودهم: *(وفجأة، نسيت سارة اسم عماد... وفجأة، تلاشت الرغبة في النجاة).*في تلك اللحظة القاتلة، وأمام هذا المحو الوشيك، حدث شيء لم يحسب له النص حسابًا. التقت عينا عماد بعيني سارة وسط الغبار الرمادي المتساقط. في عمق هذا الرعب، ولدت نبرة غريبة من السكون؛ تذكر عماد فجأة مسودة قديمة جداً، قصة حب مبتورة كتبها في مراهقته قبل أن يمزقها الكاتب الأول ويعيد تدويرهما كشخصيتين غريبتين في رواية

  • اللقاء المجنون   الثامن والخمسون

    ارتجف سن القلم في يد عماد، وأخذ الخط الأزرق يبهت مفسحاً المجال لخدوش جافة على وجه الورقة المصقولة. كان الجفاف يتسلل إلى النص كأنه جفاف في عروقه هو. انتبه إلى أن ميلان الغرفة لم يكن مجرد وهم بصري؛ لقد أصبحت الجدران تمتد طوليًا بنسب غير هندسية، كأنما مُطَّت أبعاد المكان على شاشة عرض سينمائي مشوهة. خزانة الكتب الخشبية التي دفعها المهندس عاصم بدأت تهتز، ليس بفعل دفع الحشود بالخارج، بل لأن الحواف الخشبية نفسها أخذت تفقد تماسكها، ملقية بظلال مستطيلة شائهة على الأرضية."المداد ينفد!" هتف عاصم بصوت متحشرج وهو يحاول تثبيت الخرائط التي بدأت أطرافها تتآكل وتتحول إلى رقع بيضاء خاوية. "عماد، لا تسمح للسطر بأن ينقطع! إذا جف القلم قبل أن نصل إلى الشارع، سنبقى عالقين في هذا الممر اللانهائي.. سنصبح مجرد هوامش سقطت سهوًا بين الفصول!"التفتت سارة نحو عماد، وقد انعكس ضوء أزرق باهت منبعث من الشق المتسع للجدار على وجهها الشاحب. صرخت فوق صوت النفير الخارجي: "عماد! اكتب بأي شيء! دمك، عرقك، أو اضغط على الورقة حتى تتمزق! المهم ألا يتوقف التدفق السردي!"في تلك اللحظة، تحرك الأستاذ رفعت. لم تكن حركته آدمية بالكا

  • اللقاء المجنون   السابع والخمسون

    امتزجت قطرة العرق الساقطة من جبين عماد بالحبر الأزرق على الورقة، فاصطبغت المساحة المحيطة بالكلمات بتموجات باهتة. لم يكن هناك مجال للتفكير في بلاغة الجمل أو جماليات التشبيه؛ كان الأمر أشبه بتقرير شرطة يدونه رجل يركض لإنقاذ حياته. الأنفاس خلف الباب ظلت مسموعة، ثقيلة ومنتظمة، كأنها محرك ضخم يعمل بالحد الأدنى من طاقته في انتظار إشارة الانطلاق.تحرك مقبض الباب مجدداً، لكن هذه المرة بصوت معدني حاد أشار إلى أن القفل الداخلي قد تحلل ببساطة، وكأن المادة الحديدية فقدت صلابتها الواقعية لتتحول إلى مجرد وصف واهن على الورق. تراجعت سارة خطوة، ممسكة بملفها الأصفر القديم، وعيناها مثبتتان على الشق المظلم الذي بدأ يتسع.لم يكن القادم كائناً هلامياً، بل كان رجلاً حقيقياً، يرتدي حلة رمادية مهترئة تعود لثقبة التسعينيات، ربطة عنقه منسوجة بخيوط صوفية خشنة، وملامحه جامدة كأنه تمثال شمعي أُعيد تحريكه على عجل. كان عماد يعرف هذا الوجه؛ إنه **"الأستاذ رفعت"**، الجار الذي كان يقطن في الشقة المقابلة لهم عندما كان عماد طفلاً في السابعة من عمره، الرجل الذي قيل إنه سافر فجأة إلى الخارج وانقطعت أخباره منذ عقود.دخل رفع

  • اللقاء المجنون   الفصل الخامس

    [١٧/‏٥ ٧:٠٠ م] انجاز2: جيوفاني (بالمصري المكسر): "أنا دوقت حلويات بتاع أنتِ يا ليلى.. هذا طعام سحر! وأنا شوف إدارة وتنظيم بتاع آدم.. ده شغل محترفين... أنا عندي عرض ليكم.."العرض كان عبارة عن تمويل ضخم لافتتاح أكبر "أكاديمية ومطعم حلويات عالمي" في قلب شرم الشيخ، ويكونوا هما الشركاء بالإدارة والاسم،

  • اللقاء المجنون   الفصل الرابع

    المشروع كسر الدنيا، والفندق بدأ يرجع له الروح. وفي ليلة ساحرة، والنجوم مالية سما شرم الشيخ، كانت ليلى واقفة بتجهز طلبات لزبائن، وآدم واقف جنبها بيساعدها ويناولها الأطباق بانسجام تام وكأنهم بقوا "تيم" مستحيل يتفرق.آدم (بص لليلى بهدوء): "تعرفي يا ليلى.. الخسارة اللي خسرتها دي، طلعت أكبر مكسب في حيا

  • اللقاء المجنون   الفصل الثالث

    بالليل، دانا وعمر عملوا حفلة صغيرة على الشاطئ لليللى. وآدم كان واقفًا بعيدًا بي يبتسم وهو بيشرب العصير. شيري .. إحنا خلاص مفيش حاجة بيننا، ياريت يفهمي ده". وسابها ومشي في اتجاه ليلى. آدم وصل لليللي اللي كانت واقفة قدام البحر والهوا بيطير شعرها: آدم: "مبروك يا شيف.. طلعتي بتعرفي تتصرفي تحت ا

  • اللقاء المجنون   الفصل الثاني

    دانا وعمر.. فرقة الإنقاذ والمصايببره الثلاجة، الحفلة بدأت، ودانا وعمر بيدوروا على آدم وليلى في كل مكان.دانا: "يا عمر ليلى تليفونها مقفول، والتورتة مظهرتش.. البنت دي جرالها حاجة!"عمر (بيمزح): "تلاقيها هربت بالتورتة وأكلتها لوحدها.. أو تلاقي آدم طردها وخلص منها.لكن عمر لاحظ إن عربية المطبخ والعما

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status