بيت / الآخر / تخاريف / تخاريف الفصل 10

مشاركة

تخاريف الفصل 10

last update تاريخ النشر: 2026-06-28 05:20:22

يعوي صوت. إنه يشبه الذئب.

- "ليس لي عهد بالذئاب، إنها لا تسكن هذه الأماكن".

 يعوي مجددا فلا يميّز الأصوات، يهاتف أعماق نفسه يحدّثه أن يستريح حيث يجلس ويطلق عنان الروح لغير ذي حيّز.

تنفتح الستارة مجددا. يخرج من خلفه معلنا أنه يمكث في ذات المقام. لم يعتد على التودّد ولا الرجاء لكنه ضعيف أصابت الدنيا عزمه فسقط مغلوبا. يجادل نفسه سرا وجهرا، ويطلب سفرا بعد هدنة كاذبة ثم يحنّ إلى معاودة الرّحيل بحثا عن تلك الدير وأهلها من أموات وأحياء.

يهزأ بخطواته فيخلط ايقاعات تحطّم نسقها. هي تقصر ثم تتمطط. يقفز

ثم يمدّ ساقيه ويميل ويتمايل، إنه مثل صبيّ عابث يعبث بالطريق فيطنب. أحيانا يعدو ويتوقّف.

شغل نفسه فلم يعد يكترث لمن تقاطع مع طريقه أو جاوره فسلّم. إنه مسافر يعي أين ترسي سفنهإنه يقصد شجرة الزيتون المعمّرة الوحيدة، لا يجاورها نبات ولا ديار. ظلّها ظليل، وثمرها وفير. تحتها أحجار أحسن ناحتها صنعا فحوّلها إلى مجلس أدب وسياسة. أحدهم كان يسبق الجميع. كثير اللّغو لا يقتصد اللّفظ. إنه يعاني من مرض الأنانة.

قال'

أنا سبقت سيد الشعر، فأبدعت وخبرت أهل البلاغة فكسبت، إنّ مثلي لا يردّ له كلم، ولا يقدر أحد أن يعي معنى المقال حين أرتّبه، ثم أخلد لنوم تاركهم في بهتانهم القديم.  أنتم لا علم لكم بالأدب فإني غدا لهاجركم إلى دنيا أغنم فيها'.

-"نتودد له كي نسمع حشو الكلام."

يرتّب كلماته ويقرأ ما جادت به النفس "لنهزأ، لنضحك".

'إني أنا الملك المقدام. صاحب عرش بعيد عن اللّئام.

حين أزمجر تهابني السّباع. ولا يقوى الشيطان على ايقاعي'

-"زدنا في الغزل".

يقول:

'حسناء ذات قدّ تبرّمت

تمايلت بقدّها فاختصموا

إن في صوتها رقّة مثل حمام يشدو والغربان تشتم'

-"كأن بها علل".

يقول أحدهم

فيردّ:

نت العلّة إذا نطقت كأنك عجوز تشتم.

'

-"لا ميزان فيها إنها أشبه بالهذيان". يواصل آخر في استفزازه فيردّ:

'أمّا أنت فمثله، لا تعي معنى الكلم.

صوتك نشاز

لا ميزان يضبطه.

'

-"نضحك ونطلب منه أن يعيد على مسامعنا كيف نظم فأحسن فتفوّق قوله على ما قاله مسيلمة الكذاب" فيقول:

'ذاك المدّعي لا يفقه ما يؤلف وللقول محرّف، أنا على الضّفة الأخرى ففي قولي حلاوة، ممزوج بطراوة اسمعوا وعوا إن كان لكم عقولا راجحة وقلوبا نقيّة،"لقد لغت لاغية ليس لكلامها داعية، عينها شاخصة لا تدعو ساهية، ساعتها آتية عليها لقاضية، لقبرها دانية تحمل في يدها آنية، لا تسمع حين تحدّث،

بقولها تصدح، لست عليها بقادر، لا تقرب ولا تخاطر.

'

-"وماذا عن الفصاحة نثرا"يريدون المزيد، فيردّ:

'إن لكلماتي وقعا من السحر، فيها نشيد يأسر، على القلوب شيء ينثر، تداوي فتنفع المتبصّر، وتشغل بال المتكبّر، فكفى لا تستكبر، فإنك عن كلامي لا تقدر'

-"نسلّم لأمرنا ونشغله بحكاية غير ترتيب كلماته. يعاند فنغادر، فيلحق.

'إني أنا صاحب القلم الأغبر به شوك يصيب الأصمّ.

وإني أنا المعبّر الأقدر

أقسم ظهر المتمرد لا أزيده غير ألم.

لا قاسما لظهري فقرطاسي يغلبه، ولا منشدا يعلو صوته عن شجني'

- "ألا تنتهي"، ينطق أكثرهم صبرا فيقول غير آبه:

'أنت تغالب الروح كي لا تسمع. صوت حقّ بالحكمة ينطق' يسكت بعدها:

عادت به الذاكرة إلى ذلك الثرثار كثير الكلام. تذكّر أنه بات يأوي إلى ظلّ جدار لا يحدّث أحدا، لقد أفلت كلماته ودفنت في حلقه حين فرت أحلامه مخلفة ورائها قول بهلول.

أدرك أن الحياة لا تستقيم له

فهو الضائع في فلك غير مدرك لنهايته. ينطق نثرا محشوا بلا معنى. كان يرى الكون في والده. هو له بلسم. شقيق الرّوح، نسمات عليلة تنثر سحرها في فؤاده فينعم. لقد رحل في غفلة، لم يقدر على وداعه ببيت شعر يعلم أنه مختلّ الأوزان والقاعدة، ويعلم أن والده يدرك علله لكنه يسمع فيتبسّم ويطرب أو يصوّر له طربه.

-"وجدته جنب الجدار صامتا هامدا، كلمته:

هل لي بكلمات ترفّه عنّا.

يجيبه:

'إنه حشو في حشو، لا قصة تسكنه.

'

'جوهره أجوف، صداه معتلّ، مداه لا يتعدّى تخاريف منسية.

أنا شبيه إنسان،

بي نقص لا يكتمل. أنا حجر أصم، لا أميّز بين قول ذميم وقول حسن. لا أقدر أن أرتّب سقيم كلامي لأرثي والدي. إني أذكر لك لحنا بديعا هلاّ أنشدته'

-"هو حزين

به سواد

'ابعث به فإنّ نفسي تضيق'

تعاوده اللّحظة فيسترجعها وينشد.

-"من غيرك معلمي"

"ترقب سمعي وصوتي، ونظري وهمسي.

وتكتب على الأرض أحرفا قد تشتكي وجعها، وما تشتكي.

 بلمسك تذهب سقمي، وخشية تغدو في عمقها عبق متصاعد يروي عطشي.

أنام دون موعد، وعينك تسهر من وجعي.

 تئن الخواطر إن ضجرت، ولا أراك تشكو من الضجر.

كفّك على الرأس كالقلم. يكتب بلطف سجلات تروي حكمة الزمن.

العين ترمقني برفق تلف المعنى باللّحظ.

والصّوت حشرجة عذبة بألف صوتم وبعض الآلاف من الكلم.

والقامة درس أحفظه حين انحناء يتعبني، وحين استقامة تطربني.

والمعصم اشتد تصلّبه حين دنا للزمن يصارعه، وتلين رفقا بصبي يخشى عليه تصلبه.

أنت المعلم على مهل، تعتصر في صمت فتعصره، فتستل العلل من الجسد.

أتذكر ذاك الصباح،

وذات مساء

وبالأمس.

ومن غيرك يذكر شوق الروح للجسد، وأنت الذي فارقت الأحبة في عجل.

في البال بعض الشوق يحتطب من بعضه البعض يشتعل.

وفي النفس صورتك ترتسم، أبقيها حيّة زمنا، أذكرها وعلى شفتي أردد أبتي. 

أنت المعلم أرفعك

على الرأس يغدو مرقدك. 

فمن غيرك معلمي، ترقب سمعي وصوتي

وتكتب على القلب أحرفا تستحي العين إن هي جفت وما دمعت. 

فأنت المعلم من غيرك معلمي."

يغادر دون أن يسلّم.

غادر بدوره يتمتم بعد قول أورثه له الزّمن فأتعب سمعه، إن به صدع، حاله لا تعجب، تبدو سائرة نحو الفناء، الماء آسن فيه طعم عجيب، يرتوي أو لا يرتوي. هو شبيه إنسان، عليه لحاف جنّي حائر، يخفي عنه بعض السّرائر.

أيسجد ويقترب

أم يفرّ لذوي الأصوات الرّحيمة تجتثّ لعنات شبيه إنسان.

يحدّث صوتا بداخله:

-"إني نظرت رؤية"، أو رأيت أضغاث أحلام. نطفة فعلقة، فمضغة في قعر بئر جحود. تتخفى

فيها عيون غائرة. لا إنسية ولا جنية. ولم تصنعها يد فاجرة. نباتها حسن فيه خبث زانية، صافية في أسفلها عجينة لزجة ليست صافية. إنّ لها اسما تسمعه في تسبيح جند عابر لا يوجع الأرض. مسلّما لا روح فيه، إنها مؤنّثة يسكنها صوت داعية لها في الإنشاد والذّكر. "

يسأله صوته:

'أهي متصوّفة؟

'

-"إنها مجنونة، لا بل من الدراويش،

تولول وتبسمل

وتهدهد.

تغرق في التمجيد لذكر ذوي الفضائل وذوي الشمائل، من بني البشر عليهم علامات وبشائر. تسويّ بينهم وأصحاب الرسائل. كذلك قال خالقكم إني باعث فيكم من رجالي شدائد، إن دعوتموهم بورد وتهليل وأذكار لبّوا دعوة داع فهلل وبسمل واقترب"

قال صوت غير الأوّل.' إنها أضغاث أحلام

'

فيردّ صداه:

-

"هي ريح عاصفة، تخرج من ماء راكد، لا تسرّ الناظر، بها خيوط دامية، تخلطها بحبّات زقّوم يابسة. ليس لفعلها يد شافية، تقطر سمّا،

وخزته قاسية، ترياقه في درك أسفل مدن جاثمة عبادها آثمة

"

ينطق صدى آخرتبدو كأنها رؤية'.

يسترسل في قوله:

"تكاد تضيء، إنها شهب، نارها حامية، ترعد فتفجّر ألف عين سدّتها زبانية عاتية

وتسودّ فتذهب الأبصار الثاقبة، وميضها يسري بين شحم ولحم وعظم ودم لا تسمع له واقعة"

'إنك تهذي' يرد صداه الأول

فيسترسل مجدّدا.

-"لست لذكري بمبدّل، وما أنا عن نفسي بمنذر. إنّ بي لغوا

وإنّي له مسطّر، ينطق هوى النّفس ويزمجر، إنها لرحلة أولى وبعدها كرّة تكسر، إني أرى فيها تودّد، لها أشواك تأكل

وبها عينان وفي أسفلها شفتان تعبران بحرين ليس بينهما برزخ، ماء البحرين مالحة لا تصلح.

 فقم وأصلح فإن بك وهنا على وهن يقتل. وإنك راحل إلى سعيك مكبّل، فقم وأشغل نفسك عن هوى الروح واستعجل.

إنك ميّت وإنهم كذلك إلى زوال"

صدى الأصوات تتجادل:

'إنّ صاحبنا مجنون، أو هو يأوي إلى ظلّ مجنون، ما هي إلا برهة ترى منه العجب فأمهلوه حتى الصباح

'

تختفي أصوات الصدى في جمعها، وتتشتّت كحفنة تراب في عاصفة ذات خريف. يتململ يحرّك أديم الأرض يميط لحافها، ويسحب جثّته حيث أعلى الشجر المقدّسة هكذا كانت ليلتها،

أخذت لقب مقدّسة.

يردد.

-

ني رأيت بالأمس رؤية فهل من معبّر"

"زجاجة خمر بيد إمام

راح يتضرّع، أودّها يطلب أم للإله يتشفّع. على الجبين ختم تقي وفي البطن بعض شراب عفن.

"

'يذهب العقل؟ '

-"يبدو كذلك

الإيمان عنده ساعة بساعة "

"إنه لربه يترجّى، يطلب حلاوة الحياة الدنيا.

تبدو معتّقة بها قطرة يشربها فيدنو الولد من أبيه، والمرء من صوت عدوّه

مسلّم لا يجادل، للغلظة والشدّة لطارد، لا ينطق في لغوه شتائم. شراب آثم في دنيا آثمة تلطم جوف آثم"

'أيعني أنه لم يشكر؟ '

-"إنه إمام يحجّ إلى الوادي الجاري خمرا. فيه عيون متدفّقة، عصيرها يذهب نهار الناسك المتعبّد ويمسيه ليلا، به فجور ثم تقوى، إنه شبيه إنسان يحمل من الأدران ما يحمل. قالوا له اذهب إلى واديك فإن فيه عبدا قد عصى وأبى واستكبر، وعن ذكر خالق الوادي تلهّى، فذكّره لعلّ لذكرك يعدل. يروح فإذ به يلتمس لنفسه عذرا. إنّ بالوادي نعمة لها نشكر، قليلا ما نقطفها ونعبر، ثم نعيدها ونصبر، ثم نعيدها ونفرغ وننصب. ثم نعيدها ونتبع عبدا قالوا عنه عصى، وعنه تلهّى. لقد خلعت نفسي من إمامة، وتركتها من غير رجعة، فإن بي شيطانا يأكل اليابس والاخضر"

"أأكون عبدا مسكون بشيطان مارد؟ "

"إنها على حق لقد كانت أمّي ترددها، خبرت اليوم أنها تنطق الصّدق. لقد خلعت عمامة الإمامة وصرت شقيا أتلذذ بنعمة

فأصيبها.

قالت على مهل وبعد صبر وتبصّر.

"أي بني، إنك تكبر، وإني أرى فيك شيطانا ماكرا.

في الوجه نسيج دقيق رفيع ومعقّد من العلامات التي تنذر بأجلك المخيف."

أحسّ بوقع كلماتها تنفخ في أعماقه وهجا يشبه ريحا ثائرة تهزّ الأرض هزّا وتنفض غبارها، وتقتلع حصاها فتتصاعد حبّاتها في التفاف ودوران مربك، فتشعر كأنك على مشارف نهاية قصة النشوء والانبعاث.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • تخاريف    تخاريف الفصل 16

    إني هنا أجمع حطبا، وأشعل نارا، وأطعم نفسي من زهيد الطعام وأنام نومتي هذه حيث أنت وأخرج حيث تلك المنازل المتطرّفة أطلب ودّ فقير فأخدمه إن قبل وأعطي شيوخا وعجائزا أعطية إن هم رغبوا وأعزق أرض فقير، فأنبت فيها من الثمرات والزّرع ما يسدّ به الرّمق، وإن نقصت أعطياتي عدت لمن أوكلته خزائني لأحمل ما يسدّ الحاجة، فيخبرني أن ما ينقص من هناك يزيد هنا، وإنّ في الأمر سرّ، فأي تعويذة تردّد لتخرّ لك خزائن الدنيا ولتجارتك تزيد تودّدا؟أفرّ حيث مرضى أسقيهم وأطعمهم، وأخدم إن أرادوا فلا أشقى من فعلي ولا أحس التّعب.إنّ حياة القصور وحبّ المال يزيد كدر ا على كدر، وأقنعة تلبس على الوجوه تخفي عللا أنت لها كاشفا إن غادرك الصحب والولد. فإن أردت واصل واطلب ودّ رفيق يأنس نهارك، ويفارق ليلك، فطريقك من هنا. وإن أردت رفيقا يناجيك ليلا، ويفرّ عنك نهارا فأعبر من هنا، وإن رغبت في رفيق يتودد لجيبك فلك هذا المسلك فيه الدليل ومنه المخرج، وإن رغبت في ملاطفة متزلّف لحاجة يقضيها فذاك مهربك هناك ومن هنا، وإن أردت صدقا وحسن معاش فاعتزل ذئاب البشر، وتطهّر لتتكشّف من منهم الذئب ومن الحمل الوديع، فتخيّر من إليه ستتودّد ولأجله تح

  • تخاريف    تخاريف الفصل 15

    يصمت بعدها ويحدّث صحبه:'انصرفوا فرادى دون ضجيج، وإني لاحق بكم، فصاحبنا هذا قد نال نصيبه من الحساب، وفي عقيدتنا التي ورثناها لا نحاسب الظالم سوى مرّة. هي نفس عزوف غرقت في هموم داخلها. سعت أن تلبس جلبابا لا يخصّها، فحملت أوزار مالكها فلنرحل فإن به سخط لو خرج من مكمنه لسلبنا راحتنا وأرّق من بعدنا نسلنا. 'تفرّقوا وهفت صوت الحكيم المنادي وخفّت تلك الأصوات المتزاحمة خارجا، فتستكين الأنفس مجددا ليواصل رقدته التي طالت.تدوي الأرض من تحته كأن شرخا أو صدعا يفتح فيها جرفا يبتلع بعضه فينهض مشوشا مخطوف العقل. يمسك بيده لحافا أخضر. يرمقه بنظرة خجولة، فمرتجفة فساخطة، فعلم أنّ أضغاث أحلامه قد عادت إليه فأقلقت مضجعه.استقام وتوجّه لصاحب المقام يطلب الصفح، فليس عليه بقادر، ولا عن ملكه بمنازع.يخرج من باب المرقد ويعبر مضيق أسواره، مخلفا وراء ظهره ساعة من نهار أنكرها. يعبر المضيق منهكا، جسده لم يعد يقوى على حمله. تفصله لحظات عن الجنون. تخاريف الصّباح والمساء أعيته. لم يظفر بعد بإنسي يحادثه.لم يفعل ذلك السوء الكبير لكي ينال عقابه في معاشه قبل معاده. إنّ به قرين يسحبه للانتحار لحظة ضعف تصيبه، أو انتظار

  • تخاريف    تخاريف الفصل 14

    يسكت ويستقيم ثم يبدأ في الكلام:-"أأبدأ في الإنشاد؟ "-"إن منبتي أنقى من صاحب المقام، قد أنشد فأملك داره، فأغدو صاحب الكرامة، ومقصدا، فأنا العائد بعد التطهّر." "إني ملاقي الحقيقة هاهنا حيث غريمي."هاتفه أخرس، انعقد لسانه عن الكلام فصيّر نفسه أبكم وكذا جذع النخل الخاوية والصخرة الصمّاء لا تحرّك سواكنها.-"لقد باعوك فاشتروا لأنفسهم سيدا. ""نزعت عنك هالتك وقداستك. "يصرخ:-" حيّ، إني شبيه إنسان "." حيّ، لست مثلي تجرّد وتطهّر، ففرّت منه شياطين الإنس والجان""حي، لا مسكن لك ولا مفرّ، فإن أردت أخلد مكانك فتكون الراقد منزوع الكرامات""حيّ، إنك ميّت، وإني لك خليفة أكتب بدل القصة ألف قصة وإنك على الهامش"يهتزّ لحاف أخضر بقوّة شديدة، تصلّب وهو رخو وتمدّد ثم تقلّص، كأنه يرقص من صدى كلمات لا معنى لها إنه أبعد من أن يكون وحي يوحى. أضغاث أحلامه عادت إليه.-" لحاف به روح؟ وما الغريب فقد صوّرت لي هواجسي عصا تتحرك وتحدّث. إنها مسكونة أو مسيّرة لتقصّ عليّ قصّتها، أو لتذكر لي أني أنا من يقبع على هامش القصة. وأنّ للمقام حرّاسا وسدنة، وأنّ فيهم من يسقي، وفيهم من يطعم، وفيهم السجّان، إن عصيت وزدت في طغ

  • تخاريف    تخاريف الفصل 13

    تفرّ جماعات يمينا وشمالا، تغالب العقل وتأمن للوسواس، فتزدحم وتتدافع هربا من نطق النهاية.إنّ شيطانه قد غلب فرمان الزبانية فصنع لنفسه مخرجا، فعاد من هناك إلى هنا. لقد عاد من أقاصي جهنّم زاحفا، حاله كقطعة خشب أكلت النار بعض أطرافها، واسودّ لونها. ثقلت خطاه وهو يلمح سرابا أو أشبه بالسراب، تحنّط برهة فإذ بالرائحة لا تشبه ذاك الشواء الآدمي الموضوع داخل تنّور تُوقَد ناره بوتيرة أدقّ من عقارب الساعة. كأنها أرضه الأولى، يطيل النظر بعد أن اعتدل في جلسته، ويمسك بيده حفنة تراب يتحسّس رائحتها فإذ هي أديم أرضه، فأيقن أنه عاد من جديد إلى بلده بعد هروبه من الحساب. مشى وهو يتحاشى نظراتهم وتلويح أياديهم تشير إليه. نعم إنه فلان. كيف؟ أَلم يمت؟ أَلم نحضر جنازته؟ أَلم نطلب له المغفرة عن زلّاته وأفعاله؟ تسارعت خطاه حتى بلغ مدخل داره فتكشّفت هيئته لتتمازج المشاعر وتتناقض بين ساخط وراغب، ومذهول وخائف، ومستبشر بغد أفضل، ومتشائم من قادم مقيت.تربّع على عرش مملكته الصغيرة مجددا، وأثنى اليمين أن يقطع مع صنيعه الأول خوفا وموعظة من لسعات جهنّم في العالم الفوقي. خرج واستنشق نسمات باردة ليعلن بداية رحلة التوبة الك

  • تخاريف    تخاريف الفصل 12

    ينتهي من فزعه ويرتّب أنفاسه ويحمل بقايا المسافر ويمشي يقطّع الطريق إلى فواصل. إنّ به رجاء يخفيه في جوفه خشية. إنه يرغب في يوم صاخب لا يهدأ.بالجوار دار معمّر أو قل مستعمر وضيعة، ومدرسة شيّدوها ليحتكرها لنفسه ولخلفته الغازية. لم يعاصر أحداثها، فتلك الضّيعة بعيدة عن مسرح الجريمة. المدرسة أضحت حرّة فصيّروها مزار علم وتأديب. كل من فيها فقير. كانت قلعة عامرة وصارت بعد زمن شاغرة. نقلوا روحها إلى قلب الحي تاركيها ليد عابثة، أو لأرواح مازحة، أو مقصدا لزائر حلّ ليله أو صادفه سيل يلدغ جسده فيتخفّى.تقدّم نحوها فإذ بها مفقودة مرهقة. تغلّبت عليها الأيادي الغادرة فرتّبتها من جديد دون ترتيب، ليس بها نفس ولا تصدح بذاكرة فقد سلبت جميع دفاترها.يلتفت إلى مطمور، مدفن أو قل مخزن تصرخ منه الأنفس.-"ماذا أرى؟"إن به عصا وحيدة تجلس في الوسط وصدى صوت يتردد.-"لست أدري إن اختارت مكانها أم في المدن ريح تهزّها أم يد زائر تخلت عنها؟"يجلس أمامها ويترك حيّزا ويمسّي مازحا، فتمسّي، فيسقط خائرا صاعقا مغشيّا عليه.يغالب ويعود إلى هيئته الأولى ويسلّم مشكّكا.فتسلّم. فيرغب أن يسقط أو هو يسقط عنوة.-"عود يابس ينطق!! إن

  • تخاريف    تخاريف الفصل 11

    تدنو نفسك في لحظة شكّ إلى مرقدها حتى تظن أنك ملاق خالقك وأنت بعد تلهو مع أترابك بوجه مرح لا يعي ثقل الأيام وشدّتها.مشى وفي نظراته ذهول أخذ نصفه، وأوجز عمر الصبيان داخله. توقّف ثمّ دنا من بركة الماء فإذ بها تحمل انعكاس صورته. سألها متى؟ وكيف؟ ولماذا؟ إنّ في الوجه وسامة تسكنها براءة الحمل، وفي النفس جبلّة أخذت بالسّليقة، طيبة المنبت وحسنة المعشر، ونقيّة العرق. صمت ورفع بصره إلى السماء ذات الزرقة الخفيفة، فضحك وقال:- "أضغاث أحلام من أمّ تخشى على وليدها نسمة ريح دافئة في يوم ثقيل عنيد شديد البرودة".ما أن أزاح سهام نظراته عن جزء الكون، حتى وجم الوجه وتقطّعت الصورة المبثوثة داخل كيانه الصغير تنشد صدق القول، فركض مسرعا إلى شيخه الجليل يطلب علما يظنّ أنه يملكه، وهوس نفس يعتقد أنه الأقدر على إزاحة وقعه من قلب طفل مازال بعد لم يبدأ شوطه الأول في حلم ليله بعد غفوته، وأحلام نهاره سرا وجهرا والعين تبصر. همّ إليه في عجل وسأل:-"هل أشبهه؟"سكت برهة.-" أتبدو عجينتي مخلوطة بمارج من نار؟ "صمت مجددا - "أتسكن تفاصيل شيطانية داخل تقسيمات الوجنتين؟ أم في سواد العينين؟ أو في لعس قدّه الخالق في الشفتين

  • تخاريف    تخاريف الفصل 2

    يطيل النّظر والجلوس، فإذ به يلحظ خيط دخان. رفقة قادمة على عجل علّها تمسح غبار الطّريق، وتذيب جليدا كسى قلبا مكسورا، وتستلّ أشواك الدّرب المحفوف بالمخاطر والمطبّات. إنّه يدنو فيدنو، قد دنا. وقف وتسمّر، وحدّق فأطنب، ومال شدقيه قليلا ثم ضحك، ثمّ تكدّر، ثمّ قهقه، ثمّ نفخ في مزماره المصنوع من القصب، خرج

  • تخاريف    تخاريف الفصل 1

    تصديررواية تخاريف هي تعبير عن ذات تحمل في جوفها فكرة مجنونة وخيال جامح، وهواجس مثقلة. فتدكّ داخلها كلّ انتماء للواقع، وتفتكّ من بين قسوة الأيام ذكرى فيها سطور معلومة، وسطور متخفية، وسطور مجهولة. ومن السطور ترتسم الصورة تراوح بين الوضوح والعتمة، فتخال نصفها مرئي ونصف الآخر مستتر، في حين أن الصورة ك

  • تخاريف    تخاريف الفصل 9

    رمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث. في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من ن

  • تخاريف    تخاريف الفصل 8

    يزيد في بحثه فتتعثّر يديه بصندوق أسود يختلف عن صندوق المال. يفتحه، إن به ورق صغير مزقته يد بارعة إلى بطاقات ومعها قنّينة. يبدو عطرها مختلف. يسكب منها قليلا فإذ بسائل أصفر شبيه الزّعفران يواصل السّكب. بقرب القنينة كتاب صغير على غلافه طلاسم، ومصحف صغير ملفوف داخل قطعة قماش بيضاء، ومن تحته أجزاء من أق

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status