ログインيعوي صوت. إنه يشبه الذئب.
- "ليس لي عهد بالذئاب، إنها لا تسكن هذه الأماكن".
يعوي مجددا فلا يميّز الأصوات، يهاتف أعماق نفسه يحدّثه أن يستريح حيث يجلس ويطلق عنان الروح لغير ذي حيّز.
تنفتح الستارة مجددا. يخرج من خلفه معلنا أنه يمكث في ذات المقام. لم يعتد على التودّد ولا الرجاء لكنه ضعيف أصابت الدنيا عزمه فسقط مغلوبا. يجادل نفسه سرا وجهرا، ويطلب سفرا بعد هدنة كاذبة ثم يحنّ إلى معاودة الرّحيل بحثا عن تلك الدير وأهلها من أموات وأحياء.
يهزأ بخطواته فيخلط ايقاعات تحطّم نسقها. هي تقصر ثم تتمطط. يقفز
ثم يمدّ ساقيه ويميل ويتمايل، إنه مثل صبيّ عابث يعبث بالطريق فيطنب. أحيانا يعدو ويتوقّف.شغل نفسه فلم يعد يكترث لمن تقاطع مع طريقه أو جاوره فسلّم. إنه مسافر يعي أين ترسي سفنه. إنه يقصد شجرة الزيتون المعمّرة الوحيدة، لا يجاورها نبات ولا ديار. ظلّها ظليل، وثمرها وفير. تحتها أحجار أحسن ناحتها صنعا فحوّلها إلى مجلس أدب وسياسة. أحدهم كان يسبق الجميع. كثير اللّغو لا يقتصد اللّفظ. إنه يعاني من مرض الأنانة.قال'
أنا سبقت سيد الشعر، فأبدعت وخبرت أهل البلاغة فكسبت، إنّ مثلي لا يردّ له كلم، ولا يقدر أحد أن يعي معنى المقال حين أرتّبه، ثم أخلد لنوم تاركهم في بهتانهم القديم. أنتم لا علم لكم بالأدب فإني غدا لهاجركم إلى دنيا أغنم فيها'.-"نتودد له كي نسمع حشو الكلام."
يرتّب كلماته ويقرأ ما جادت به النفس "لنهزأ، لنضحك".
'إني أنا الملك المقدام. صاحب عرش بعيد عن اللّئام.
حين أزمجر تهابني السّباع. ولا يقوى الشيطان على ايقاعي'
-"زدنا في الغزل".
يقول:
'حسناء ذات قدّ تبرّمت
تمايلت بقدّها فاختصمواإن في صوتها رقّة مثل حمام يشدو والغربان تشتم'
-"كأن بها علل".
يقول أحدهمفيردّ:'أنت العلّة إذا نطقت كأنك عجوز تشتم.
'-"لا ميزان فيها إنها أشبه بالهذيان". يواصل آخر في استفزازه فيردّ:
'أمّا أنت فمثله، لا تعي معنى الكلم.
صوتك نشاز
لا ميزان يضبطه.'-"نضحك ونطلب منه أن يعيد على مسامعنا كيف نظم فأحسن فتفوّق قوله على ما قاله مسيلمة الكذاب" فيقول:
'ذاك المدّعي لا يفقه ما يؤلف وللقول محرّف، أنا على الضّفة الأخرى ففي قولي حلاوة، ممزوج بطراوة اسمعوا وعوا إن كان لكم عقولا راجحة وقلوبا نقيّة،"لقد لغت لاغية ليس لكلامها داعية، عينها شاخصة لا تدعو ساهية، ساعتها آتية عليها لقاضية، لقبرها دانية تحمل في يدها آنية، لا تسمع حين تحدّث،
بقولها تصدح، لست عليها بقادر، لا تقرب ولا تخاطر.'-"وماذا عن الفصاحة نثرا". يريدون المزيد، فيردّ:
'إن لكلماتي وقعا من السحر، فيها نشيد يأسر، على القلوب شيء ينثر، تداوي فتنفع المتبصّر، وتشغل بال المتكبّر، فكفى لا تستكبر، فإنك عن كلامي لا تقدر. '
-"نسلّم لأمرنا ونشغله بحكاية غير ترتيب كلماته. يعاند فنغادر، فيلحق.
'إني أنا صاحب القلم الأغبر به شوك يصيب الأصمّ.
وإني أنا المعبّر الأقدر
أقسم ظهر المتمرد لا أزيده غير ألم.لا قاسما لظهري فقرطاسي يغلبه، ولا منشدا يعلو صوته عن شجني'
- "ألا تنتهي"، ينطق أكثرهم صبرا فيقول غير آبه:
'أنت تغالب الروح كي لا تسمع. صوت حقّ بالحكمة ينطق' يسكت بعدها:
عادت به الذاكرة إلى ذلك الثرثار كثير الكلام. تذكّر أنه بات يأوي إلى ظلّ جدار لا يحدّث أحدا، لقد أفلت كلماته ودفنت في حلقه حين فرت أحلامه مخلفة ورائها قول بهلول.
أدرك أن الحياة لا تستقيم لهفهو الضائع في فلك غير مدرك لنهايته. ينطق نثرا محشوا بلا معنى. كان يرى الكون في والده. هو له بلسم. شقيق الرّوح، نسمات عليلة تنثر سحرها في فؤاده فينعم. لقد رحل في غفلة، لم يقدر على وداعه ببيت شعر يعلم أنه مختلّ الأوزان والقاعدة، ويعلم أن والده يدرك علله لكنه يسمع فيتبسّم ويطرب أو يصوّر له طربه.-"وجدته جنب الجدار صامتا هامدا، كلمته:
هل لي بكلمات ترفّه عنّا.
"يجيبه:
'إنه حشو في حشو، لا قصة تسكنه.''جوهره أجوف، صداه معتلّ، مداه لا يتعدّى تخاريف منسية.
أنا شبيه إنسان،بي نقص لا يكتمل. أنا حجر أصم، لا أميّز بين قول ذميم وقول حسن. لا أقدر أن أرتّب سقيم كلامي لأرثي والدي. إني أذكر لك لحنا بديعا هلاّ أنشدته. '-"هو حزين
به سواد"'ابعث به فإنّ نفسي تضيق. '
تعاوده اللّحظة فيسترجعها وينشد.
-"من غيرك معلمي"
"ترقب سمعي وصوتي، ونظري وهمسي.
وتكتب على الأرض أحرفا قد تشتكي وجعها، وما تشتكي.
بلمسك تذهب سقمي، وخشية تغدو في عمقها عبق متصاعد يروي عطشي.
أنام دون موعد، وعينك تسهر من وجعي.
تئن الخواطر إن ضجرت، ولا أراك تشكو من الضجر.
كفّك على الرأس كالقلم. يكتب بلطف سجلات تروي حكمة الزمن.
العين ترمقني برفق تلف المعنى باللّحظ.والصّوت حشرجة عذبة بألف صوتم وبعض الآلاف من الكلم.
والقامة درس أحفظه حين انحناء يتعبني، وحين استقامة تطربني.
والمعصم اشتد تصلّبه حين دنا للزمن يصارعه، وتلين رفقا بصبي يخشى عليه تصلبه.
أنت المعلم على مهل، تعتصر في صمت فتعصره، فتستل العلل من الجسد.
أتذكر ذاك الصباح،
وذات مساءوبالأمس.ومن غيرك يذكر شوق الروح للجسد، وأنت الذي فارقت الأحبة في عجل.
في البال بعض الشوق يحتطب من بعضه البعض يشتعل.
وفي النفس صورتك ترتسم، أبقيها حيّة زمنا، أذكرها وعلى شفتي أردد أبتي.
أنت المعلم أرفعك
على الرأس يغدو مرقدك.فمن غيرك معلمي، ترقب سمعي وصوتي.
وتكتب على القلب أحرفا تستحي العين إن هي جفت وما دمعت.
فأنت المعلم من غيرك معلمي."
يغادر دون أن يسلّم.
غادر بدوره يتمتم بعد قول أورثه له الزّمن فأتعب سمعه، إن به صدع، حاله لا تعجب، تبدو سائرة نحو الفناء، الماء آسن فيه طعم عجيب، يرتوي أو لا يرتوي. هو شبيه إنسان، عليه لحاف جنّي حائر، يخفي عنه بعض السّرائر.
أيسجد ويقتربأم يفرّ لذوي الأصوات الرّحيمة تجتثّ لعنات شبيه إنسان.يحدّث صوتا بداخله:
-"إني نظرت رؤية"، أو رأيت أضغاث أحلام. نطفة فعلقة، فمضغة في قعر بئر جحود. تتخفى
فيها عيون غائرة. لا إنسية ولا جنية. ولم تصنعها يد فاجرة. نباتها حسن فيه خبث زانية، صافية في أسفلها عجينة لزجة ليست صافية. إنّ لها اسما تسمعه في تسبيح جند عابر لا يوجع الأرض. مسلّما لا روح فيه، إنها مؤنّثة يسكنها صوت داعية لها في الإنشاد والذّكر. "يسأله صوته:
'أهي متصوّفة؟
'-"إنها مجنونة، لا بل من الدراويش،
تولول وتبسملوتهدهد.تغرق في التمجيد لذكر ذوي الفضائل وذوي الشمائل، من بني البشر عليهم علامات وبشائر. تسويّ بينهم وأصحاب الرسائل. كذلك قال خالقكم إني باعث فيكم من رجالي شدائد، إن دعوتموهم بورد وتهليل وأذكار لبّوا دعوة داع فهلل وبسمل واقترب. "قال صوت غير الأوّل.' إنها أضغاث أحلام
'فيردّ صداه:
-
"هي ريح عاصفة، تخرج من ماء راكد، لا تسرّ الناظر، بها خيوط دامية، تخلطها بحبّات زقّوم يابسة. ليس لفعلها يد شافية، تقطر سمّا،وخزته قاسية، ترياقه في درك أسفل مدن جاثمة عبادها آثمة"ينطق صدى آخر: ‘تبدو كأنها رؤية'.
يسترسل في قوله:
"تكاد تضيء، إنها شهب، نارها حامية، ترعد فتفجّر ألف عين سدّتها زبانية عاتية
وتسودّ فتذهب الأبصار الثاقبة، وميضها يسري بين شحم ولحم وعظم ودم لا تسمع له واقعة. "'إنك تهذي' يرد صداه الأول
فيسترسل مجدّدا.-"لست لذكري بمبدّل، وما أنا عن نفسي بمنذر. إنّ بي لغوا
وإنّي له مسطّر، ينطق هوى النّفس ويزمجر، إنها لرحلة أولى وبعدها كرّة تكسر، إني أرى فيها تودّد، لها أشواك تأكلوبها عينان وفي أسفلها شفتان تعبران بحرين ليس بينهما برزخ، ماء البحرين مالحة لا تصلح. فقم وأصلح فإن بك وهنا على وهن يقتل. وإنك راحل إلى سعيك مكبّل، فقم وأشغل نفسك عن هوى الروح واستعجل.إنك ميّت وإنهم كذلك إلى زوال. "صدى الأصوات تتجادل:
'إنّ صاحبنا مجنون، أو هو يأوي إلى ظلّ مجنون، ما هي إلا برهة ترى منه العجب فأمهلوه حتى الصباح'تختفي أصوات الصدى في جمعها، وتتشتّت كحفنة تراب في عاصفة ذات خريف. يتململ يحرّك أديم الأرض يميط لحافها، ويسحب جثّته حيث أعلى الشجر المقدّسة هكذا كانت ليلتها،
أخذت لقب مقدّسة.يردد.
-
"إني رأيت بالأمس رؤية فهل من معبّر. ""زجاجة خمر بيد إمام
راح يتضرّع، أودّها يطلب أم للإله يتشفّع. على الجبين ختم تقي وفي البطن بعض شراب عفن."'يذهب العقل؟ '
-"يبدو كذلك
الإيمان عنده ساعة بساعة ""إنه لربه يترجّى، يطلب حلاوة الحياة الدنيا.
تبدو معتّقة بها قطرة يشربها فيدنو الولد من أبيه، والمرء من صوت عدوّهمسلّم لا يجادل، للغلظة والشدّة لطارد، لا ينطق في لغوه شتائم. شراب آثم في دنيا آثمة تلطم جوف آثم. "'أيعني أنه لم يشكر؟ '
-"إنه إمام يحجّ إلى الوادي الجاري خمرا. فيه عيون متدفّقة، عصيرها يذهب نهار الناسك المتعبّد ويمسيه ليلا، به فجور ثم تقوى، إنه شبيه إنسان يحمل من الأدران ما يحمل. قالوا له اذهب إلى واديك فإن فيه عبدا قد عصى وأبى واستكبر، وعن ذكر خالق الوادي تلهّى، فذكّره لعلّ لذكرك يعدل. يروح فإذ به يلتمس لنفسه عذرا. إنّ بالوادي نعمة لها نشكر، قليلا ما نقطفها ونعبر، ثم نعيدها ونصبر، ثم نعيدها ونفرغ وننصب. ثم نعيدها ونتبع عبدا قالوا عنه عصى، وعنه تلهّى. لقد خلعت نفسي من إمامة، وتركتها من غير رجعة، فإن بي شيطانا يأكل اليابس والاخضر"
"أأكون عبدا مسكون بشيطان مارد؟ "
"إنها على حق لقد كانت أمّي ترددها، خبرت اليوم أنها تنطق الصّدق. لقد خلعت عمامة الإمامة وصرت شقيا أتلذذ بنعمة
فأصيبها.قالت على مهل وبعد صبر وتبصّر.
"أي بني، إنك تكبر، وإني أرى فيك شيطانا ماكرا.
في الوجه نسيج دقيق رفيع ومعقّد من العلامات التي تنذر بأجلك المخيف."أحسّ بوقع كلماتها تنفخ في أعماقه وهجا يشبه ريحا ثائرة تهزّ الأرض هزّا وتنفض غبارها، وتقتلع حصاها فتتصاعد حبّاتها في التفاف ودوران مربك، فتشعر كأنك على مشارف نهاية قصة النشوء والانبعاث.
يدنو بعضهم... لا يكلّمني منهم أحد... طرحوني أرضا، ومدّدوني، وقوّمي اعوجاجي... ثم تدنو مني بعض النسوة تحمل كل منهنّ لحافا... لا تسمع لهم كلمة تعي بها مقصدا.... وبعدها حملوني وساروا في جوف اللّيل وعيني شاخصة أرقب حركة مسيرهم ووجهتهم... طابور يسير خلف حاملي جسدي، لا أحد يردّد قولا، ولا يخطئ صغيرهم فتصغي إلى قول مسروق، ولا ترى إشارة... لا بكاء أو تحصّرا وألما.... ولا شفقة.... ولا تذمّرا... ولا ابتسامة بريئة أو ساخرة أو ماكرة... لا دمعة تسيل... يختفي الإنشاد والذّكر وتحجب التعويذات... ويقبر حوار شبيه الإنسان بالسراب والأطياف والخيالات والجماد والحيوان.... مشيتهم منظّمة، لكنها ثقيلة...يلحق بهم صاحبي المجنون فيأخذ مكانه، نقلت نظري إليه أترقب جنونه... انتظرت أن يطلب سيجارة أو رغيف خبز أو يردّد أن لبّيك قادم...إنه لا ينطق... إن حاله أفضل... يواصل الحشد حملي... أطلق بصري للوراء فإذ بالكلب الأبيض يلحق من الخلف ومعه معشر الدود وكبيرهم... وعصا لا تبدو يابسة كآخر عهدي بها تسير محاذاتهم، وخيالات تحاذي أشجارا قرب المسلك تتراقص كعادتها.... وقطع متزاوجة بين بياض وسواد تفيض على المكان فتضيء بعضه وتزيد
-"وهل توقفوا؟ "_'لا بل زادوا... أخبروني أن الدّماء داخلي سائلة مميّعة، وأن تجمّدها سيريح وجعي، فوضعوني داخل مخزن تبريد به ثلج كثيف... أخرجوني مثل قطعة جليد، وأخبروني أن الماء السّاخن يريح علّتي ويعدل حالي، ففعلوا حتى اصطلى جسدي... ثم خرجت من عندهم إلى داري ...'-"وهل صرت على منهج غير ما تعلّمته؟ "_'قلّبت نظريتي غربيّها وشرقيّها، فوجدت الإنسان كيانا كادحا، يكافح لغاية مبدؤها ثروة وعدالة... '-"وكيف يحققها...؟"_'بثورة على الحاكم والكفر بمنهجه... '-"هي نفس الفكرة الأولى هل زاروك ثانية؟ ... "يطيل النظر إلى الفتى ويقول... _'نمت في زنازينهم ليالي، وأطعموني ماء مغلي ممزوجا بشيء مسموم، ورغيفا يابسا أو قل حجرا من سجّيل... وغطوني بلحاف من أشواك وعيون... ورأيت كرمهم حين تصافحني يد سجّان محكوم بنار حقد على كل مخالف بالعدل مسكون... ويلقي بي حيث سراديب بها عقارب وسموم تأكل من نصيبها علّي ألاقي سميعا عليما... ''أتعلم أنهم أعدموا أبنائي؟ '-"أي قسوة تلفّهم؟ كم أعمارهم؟ "_'منهم ابن البارحة، ومنهم من يبلغ المائتين أو تزيد ...'-"ماذا تقصد؟ "_'هي كتبي أعدموها، وجهل حارقها أنها محفورة في هذا الر
عاقل من ينعتك مجنون... فيصيب حزنك وشجونك...ويجبرك أن تختار بين جنونك...أو قطع رزق من يطعمونك"...ثم ينظر إلى تلك المصابيح فيحدّثه شيطانه أن يجمعها حيث ركن ويغطّيها فتذهب تلك الأجسام صاغرة يلفّها غطاء لا تبرق ولا ترقص فيه ولا تنشد... فيفعل ويغادر ضاحكا نحو غايته...***انشطر روح الحي نصفين... عتيق وجديد... بيوت بدأت تطلّ بجدرانها القديمة... تنسج خيوط الماضي بدقّة... إنها قصص منسيّة تعاند الأزمنة...تتدفّق فيه صورة نسيها وانسابت خواطره تتدافع... تفرّ من سكونها إلى حركتها...إنها ليست بالبيوت... إنها حياة... إنها أرواح وذوات بها عيون ووجوه وشفاه... إنها تنطق وتسمع... تكتم سرّا وتفصح حين السؤال وتريح عند الكدر... بيوت تداوي العلل وتشفي وتحيي...يعبر أزقتها... أي خراب قد أصابها؟ من شقّ جوفها؟ ...هذا بيت الطّيبة، وذاك منزل المؤذّن، وهناك بيت العلاّمة... وفي آخر الزقاق الأم الكبيرة... وفي الوسط بيت القائد هكذا كانت ألقابهم ...يقف عند بيت القائد ... بيت متواضع لدارس علم ومعرفة ومثقّف لا تملّ محاورته... يطرق فكرة فيسرد معناها، ويشرح جوهرها، ويعطي بديلها، ويستدلّ بحججه فتقنع... ثم يواصل فيبس
نلفّه بقبس ... ونخيطه دسائس... نلبسه وجه عابس... فلا تجزع إن أسرف... بضربك أو نهرك ... أو طردك من مجلس... أو قهرك عند المحن... أو دفعك بقسوة ... والشك فيه قابع ... يصفك بفاجر ..." تهفت قليلا وبه شكّ يحدّثه أن الإنشاد لحلقة ذكر هناك عند الحي وأنّ صداها يسمع.... تتدافع الأصوات كتدافع لعبة الأبيض والأسود المعلّقة أعلى قبر شيخ الكرامات فتقول محدثة بعضها... _'أتراه؟' 'لا هو في الجوار... ' _'اتسمع صوته؟ ' 'لا إنه أخرس... أو سكت كي لا يفتضح أمره ' يحدث نفسه سرا... -"إنها قطع من نور وظلمة وإنها ضريرة " يتواصل الحوار... _'أبه رائحة؟ ' 'أجل به، وإني عائد إلى حيث الكفن، لأسأل خالقي يدلني فالعطور تتشابه.... ' _'اذهب، ونحن هاهنا باقون وإن له لممسكين ' في سرّه مجددا... -"لقد اقلعت عن العطور مذ شددت الرحال إلى تلك المنازل.... هذه واحدة أغنمها بعد مشقّة... " تواصل تلك المصابيح رقصاتها وتواصل قطع السواد مناجاة رديفتها.... ليأتي مبعوثه حيث الكفن... _'نعم إن به رائحة... ' 'وكيف تكون؟ ' _'ليست عطرا... ولا مسكا ولا عود ندّ.... إن به عرقا' 'كيف يبدو؟ ' _'لم يفسد' 'وم
فعل فعلته، ومرّر عليها كبريته لتشتعل، فيسحب دخانها الكثيف متسلّلا إلى رئتيه فيطرب عقله.... يعيدها متواترة ... ينظّف ويلفّ، ويشعل ويسحب دخانها... ثم يكتفي... لقد صار أفضل... يواصل سيره بعد فسحة صغيرة، ويرقب صامتا تلك المسالك... إنه يطلب راحة... ليس التّعب بل شعور غريب بشيء تسلّل إلى أعماقه يقضمه.... يلوح في الجوار جدار قديم بزاويتين، تقدّم وآوى إلى ظلّه ينشد دواء... يتّكئ... ثم يتمدّد... به ثقل وارتعاش... يعاوده ألم الرأس، وفي عينيه دمع ساخن يخرج منسابا... أصابه تعرّقا زاده في ارتعاشه، فأخذ يطقطق أسنانه دون توقف.... يغفو أو ربما يكون قد أغمي عليه، فدنت منه غيبوبة لا يعرف مداها... إنه محموم من ليلة صقيع ممطرة... لا يد آدميّ تعالجه، ولا جار أو عابر سبيل يعثر على جثّته إن أخذته يد المنيّة غيلة.... يئنّ طويلا، ويخلد إلى كوابيسه اللّعينة وأضغاث أحلامه.... تمرّ أمامه أحداث متلاطمة تعيد شريطا من الحكايا إلى الوراء... يرى منها طيفا... وأحيانا يسمع كلمة، أو إشارة متكلّم ... يقف به حلمه الممزوج بالحمى عند ليل كسيح ... لا رغبة له في الأحلام.... فنفسه متثاقلة عزوف، وبعضه يأكل بعضه بلا شفقة،
-"بسطوة النار، وحكم لهيبها، وبحق الحقيقة، وصوت الحقيقة، لأجعل منك قصّة إنسان بدل شبيه إنسان...."تغرق نظراته في التحديق بالعاشقين.... إن بعينيه بريق تتدفّق منه نارا حامية، وإن بلسانه كلام يثقله شربه، وإن به حركة معطّلة يتربّص بها صائد ملذّة....تسري في هشيم وحطب، فتزيد توهّجا، تحرّكها ريح شرقية تأذن بليلة ملائكية.... تتراقص ألسنتها فتحرّك الأطياف الجاثمة القابعة على مقربة منه...فينطق مقاله ...- "لقد بدأت في الاحتفال... مرحى برفقة تؤنس جمودي... إني لا أبالي بقول شيخ يدّعي أنه حكيم... لن أقلع عن حديث الإنس والجن، وخلائق الأكوان صلبها ورخوها، فإني مثلهم جسد ينشد طرب النفس، فأكون ظالما إن تركت... لن أترك أمرا كنت له طالبا ولو صرت بدل المجنون ألف مجنون...""لن يعاتبني قريني، فإنّ به رغبة تسرق بعض من روحه... وتزرع نطفتها في غير ذي أديم، فتنبت بغير ذي جبلّة..."يستقيم ويبسط يداه مثل منشد... يطلق كلمات تدعو صحبه أن ...-"اجتمعوا... فلي قول إن حفظتموه سلمتم، وإن أدركتموه وتدبّرتم معانيه ملكتم أرواحكم وآمنتم قسمتها بين لصّ وحاقد وحاسد وظالم وواعظ ومرشد وصادق... وإن أنتم ردّدتم قولها في ليلكم ت
يخرج من البيت المتآكل ويشيّع بصره نحو جذع شجرة يابسة قست عليها الطبيعة منذ عقود ونخرها دود الفناء فأفسد عرقها واجتثّ نضارتها. اسودّت وتشقّقت وفتحت خدوشا تلفّها لفّا مميتا. كانت كذلك منذ زمن. لم تنبت يوما ولم يفكّر أهلها في اقتلاعها. هي شجرة عجوز سردت عنها حكايات غريبة عن حسناء ألفت لقاء وليفها خفية
يسدل اللّيل ستاره... لم يحدّث جليسه هذه المرّة، فكلاهما مسافر يبحث عن رفقة ضائعة.صارت النّار رمادا. يمزّق قلبها بقايا دخان وقطعتين من الجمر تميلان للانطفاء. كأنّهما عينان أعيتهما الصّحوة الفاقدة للغفوة. نعم تبدو كذلك، يقلّبها فتتوارى ثم تعود لتظهر. تغمض وتفتح. يعيدها فتفعل ما فعلته في صنيعها الأوّ
يعبر المنحدر ليجد نفسه وسط الوادي تحيطه شجيرات يانعة ريحها عطرة. تحرّكها نسمات تبدو باردة. لا تؤذي، باردة لا تقسو. ينزع الحذاء ويضرب بخفّيه الرّمال الرّاسبة. يتلذّذ وقعها ودغدغتها، كأنّه يريد أن يجذب الأحداث للوراء قليلا حيث الرّفقة الصغيرة وحيث لحن الطّفولة. اقترب من جرف به استدارة، لا يزال يحتفظ
يطيل النّظر والجلوس، فإذ به يلحظ خيط دخان. رفقة قادمة على عجل علّها تمسح غبار الطّريق، وتذيب جليدا كسى قلبا مكسورا، وتستلّ أشواك الدّرب المحفوف بالمخاطر والمطبّات. إنّه يدنو فيدنو، قد دنا. وقف وتسمّر، وحدّق فأطنب، ومال شدقيه قليلا ثم ضحك، ثمّ تكدّر، ثمّ قهقه، ثمّ نفخ في مزماره المصنوع من القصب، خرج







