로그인م يكن المطر فوق نيوفيرا مجرد مطر تلك الليلة كان يضرب المدينة بعنف، يجلد زجاج الأبراج والشوارع الغارقة في انعكاسات الأضواء، فيما كانت السماء تنفتح بين لحظة وأخرى على ومضات برق حادة تشق السواد الممتد فوقها. ارتجفت نوافذ المستشفى مع إحدى الضربات القريبة، ثم عاد كل شيء إلى ذلك الضوء الأبيض البارد ضوء لا يتغير ممرات طويلة أبواب مغلقة. وأصوات أجهزة طبية لا تتوقف عن تذكير الجميع بأن الحياة، في بعض الأماكن، قد تصبح مجرد نبضات مرسومة على شاشة. أما خلف باب العناية المركزة، فلم يتحرك إياد كان لا يزال جالسًا إلى جانب نور يده تحيط بأصابعها الباردة، بينما بقيت عيناه معلقتين بوجهها الشاحب. لم يكن يطلب معجزة. لم يعد حتى يعرف ماذا يطلب حركة بسيطة في أصابعها ارتعاشة في رموشها. أي علامة... أي شيء يعيد إليه القدرة على التنفس دون أن يشعر بأن صدره ينهار من الداخل لكن نور بقيت كما هي. هادئة أكثر مما ينبغي وساكنة بطريقة جعلت كل ثانية تمر عليه أثقل من سابقتها فوق الشاشة، تحرك الخط الأخضر ببطء. يصعد، ينخفض، ثم يستمر، ذلك الخط الرفيع كان الشيء الوحيد الذي يمنعه من الاعتراف بالفكرة التي كان يحاول دفنها
لم يتغير شيء داخل غرفة العناية المركزة ظل الضوء الأبيض القاسي منسكبًا فوق وجه نور الشاحب، فيما واصلت الأجهزة الطبية إطلاق أصواتها المنتظمة، باردة ودقيقة، كأنها لا تعرف شيئًا عن الرجل الجالس إلى جانب السرير ولا عن العالم الذي كان ينهار داخله. وخلف الزجاج، لم يتوقف المطر كانت قطراته تنحدر فوق النوافذ في خطوط متشابكة، تحجب أضواء المدينة وتعيد تشكيلها كل ثانية، بينما بقي الليل خارج المستشفى غارقًا في عتمته الثقيلة. لكن الشيء الذي لم يعد كما كان كان إياد جلس إلى جانبها منذ وقت طويل. لم يعد يعرف كم مضى ساعة، ساعتان؟ أم أن الزمن توقف منذ اللحظة التي حملوها فيها بعيدًا عنه؟، كانت يده الكبيرة تحتضن أصابعها الباردة بحذر، ولم يرخِ قبضته عنها للحظة واحدة. كأن مجرد ترك يدها... قد يمنح الموت فرصة لسرقتها أما عيناه، فكانتا تتحركان فوق ملامحها ببطء جبهتها رموشها الساكنة شفتيها اللتين فقدتا لونهما كان ينظر إليها كما لو أنه يراها للمرة الأولى أو للمرة الأخيرة. مال نحوها قليلًا خرجت أنفاسه بطيئة، ثقيلة، قبل أن يهمس:" أتعلمين ما أكثر شيء أخافني يوم عرفت أنكِ حامل؟" لم تتحرك لكن إياد تابع:" لم أخف
لم يكن ليل المستشفى يشبه أي ليل آخر خلف النوافذ الطويلة، كان المطر لا يزال يهطل فوق نيوفيرا، يرسم خيوطًا متلاحقة فوق الزجاج قبل أن تبتلعها العتمة. أما داخل المستشفى، فقد بدت البرودة مختلفة؛ لم تكن برودة الطقس وحدها، بل ذلك النوع من البرد الذي يتسلل إلى العظام حين يصبح المكان مليئًا بالبشر، فارغًا من الطمأنينة. امتدت الأضواء البيضاء فوق الممر الطويل، وانعكست على الأرضية اللامعة حتى بدت الجدران أكثر شحوبًا. خطوات الممرضات كانت تمر بين حين وآخر باب يُفتح عربة طبية تتحرك ثم يعود كل شيء إلى الإيقاع نفسه. صوت الأجهزة نبضة إلكترونية ثم أخرى منتظمة، باردة، وكأنها لا تعرف أن رجلًا يقف خلف أحد الأبواب ينتظر أن تقرر تلك الأصوات مصير حياته. كان إياد لا يزال أمام الزجاج. لم يعد يعرف منذ متى وقف هناك لم ينظر إلى الساعة ولم يشعر بمرور الليل. حتى جسده، الذي بدأ الإرهاق يظهر فوقه بوضوح، لم يكن يعني له شيئًا. كل شيء توقف عند جملة واحدة. جملة خرجت من فم الطبيب قبل ساعات، لكنها بقيت تدور في رأسه كما لو أنها قيلت قبل لحظات."حالة نور خطيرة جدًا." داخل غرفة العناية المركزة، كانت نور مستلقية فوق الس
لم تكن نيوفيرا تنام تلك الليلة فوق الأبراج العالية، انحدر المطر في خطوط فضية متلاحقة، وانعكس ضوء البرق على الواجهات الزجاجية للحظات خاطفة قبل أن يبتلعها الظلام من جديد. السيارات القليلة التي بقيت في الشوارع شقت طريقها فوق الإسفلت المبلل، بينما اختفت أصوات المدينة المعتادة خلف هدير السماء. مدينة عاشت طويلًا على الضوضاء والمال والدم بدت، للمرة الأولى، وكأنها تعرف أن شيئًا أكبر من قدرتها على الاحتمال قد بدأ يتحرك في أعماقها. لكن تلك الليلة لم تكن الكارثة تنتظر في الشوارع كانت خلف باب أبيض. امتد الممر الطويل أمام غرفة العناية المركزة تحت ضوء بارد لا يرحم. عند نهايته، وقف إياد أمام الزجاج منذ وقت لم يعد أحد قادرًا على تحديده. لم يقترب من المقاعد. ولم يطلب الماء ولم يسمح لعم حازم حتى بأن يقنعه بالابتعاد خطوات قليلة. بقيت آثار المطر واضحة على كتفي بدلته السوداء، وقد التصق القماش في بعض المواضع بجسده من شدة البلل. أما يداه، اللتان بقيتا إلى جانبيه، فحملتا آثارًا داكنة من دم جاف لم يفكر أحد في سؤاله إن كان قد غسله أم لا وقف عم حازم على مسافة منه. لم يكن المطر ولا الدم ما أقلقه كان و
بدت الأضواء البيضاء داخل المستشفى قاسية على نحو مؤلم تلك الليلة. رائحة المعقمات الثقيلة ملأت الممرات الطويلة، وأصوات الأجهزة الطبية امتزجت بخطوات الأطباء والممرضات السريعة، حتى بدا المكان بأكمله وكأنه يقف فوق حافة كارثة لا يعرف أحد كيف ستنتهي. أما إياد فكان واقفًا أمام غرفة العمليات منذ وقت لم يعد يعرف مقداره. يداه بقيتا إلى جانبيه، وعلى أصابعه آثار خفيفة من دم نور. لم يحاول تنظيفها ولم يسمح لأحد بالاقتراب منه كانت عيناه مثبتتين على الباب الأبيض المغلق، وكأنه ينتظر أن يُفتح في أي لحظة ليعيد إليه الحياة التي توقفت داخله منذ دخلت نور إلى هناك. وخلف الزجاج كان المطر يهطل بعنف لكن العاصفة الحقيقية كانت في داخله. وأخيرًا انفتح باب غرفة العمليات خرجت الطبيبة الرئيسية بخطوات متعبة. كان وجهها شاحبًا، وعيناها تحملان ذلك النوع من الإرهاق الذي لا يحتاج إلى شرح التفت عم حازم إليها أما إياد فرفع عينيه فقط: "سيد إياد…" توقفت أنفاسه ابتلعت الطبيبة ريقها، ثم حاولت أن تبتسم: "مبروك… إنها فتاة، والطفلة بخير." ثم صمتت لم يتحرك إياد'لم تتغير ملامحه فقط ظل ينظر إليها ثانية؛ ثم ثانية أخرى وأخيرًا
لم تعد ليلة نيوفيرا تشبه أي ليلة أخرى كان المطر يهطل بعنف فوق المدينة، والبرق يشق السماء بين لحظة وأخرى، فيكشف الشوارع للحظات خاطفة قبل أن يعيدها الظلام إلى عتمته الثقيلة. أما علاء فكان يقود سيارته بسرعة جنونية لم يكن يفكر في شيء سوى الباب المفتوح والمنزل الفارغ ووشاح والدته الذي وجده ملقى على الأرض. كانت أنفاسه ثقيلة بشكل مؤلم وقلبه يضرب داخل صدره بعنف حتى شعر بأنه قد يتوقف في أي لحظة."أمي…" خرجت الكلمة منه كأنها رجاء أكثر من كونها نداء لم ينتظر حتى تتوقف السيارة بالكامل فتح الباب وقفز منها، ثم اندفع نحو المنزل: "أمي؟!" لكن لم يأته أي جواب فقط ذلك الفراغ البارد الذي استقبله من الداخل كانت الغرفة مقلوبة بالكامل كرسي محطم قرب الجدار. أكواب مكسورة فوق الأرض وأشياء مبعثرة هنا وهناك، وكأن مقاومة قصيرة وعنيفة حدثت داخل المكان. توقف علاء وسط الغرفة شعر بشيء بارد يخترق صدره ثم وقعت عيناه على الأرض. الوشاح، وشاح والدته انحنى بسرعة والتقطه ضغط عليه بين أصابعه المرتجفة وكان ذلك كافيًا لينهار آخر شيء كان يمنعه من الانفجار. اهتز هاتفه فجأة نظر إلى الشاشة رقم مجهول فتح الرسالة إذا أردت رؤي
لم يكن ما حدث في الصف أمرًا عابرًا… على الأقل بالنسبة لـ نور. منذ تلك اللحظة، أصبحت كل الأنظار تتبعها، وكل همسة وضحكة صغيرة خلف ظهرها كأنها سهم يصيب قلبها مباشرة. الطلاب يهمسون بهمسات خافتة: — "هاي هي…" — "اللي كانت تلاحق إياد…" — "واضح مو طبيعية…" لكن نور لم ترد. جلست في مكانها كعادتها،
لم ينم إياد تلك الليلة. رغم التعب الذي يضغط على كتفيه، رغم الألم المنتشر في جسده بعد المباراة، إلا أن عقله كان مشغولًا بشيء واحد… هي. تلك الفتاة التي ظهرت فجأة وقالت إنه يجب أن يعرف أنها هي من كانت تترك له الرسائل الصغيرة، الحلوى، والكلمات التي تصل إلى قلبه بصمت… جوليا. جلس على سريره، ينظر
مرّت خمس سنوات… لكن داخل نور، لم يمر شيء. ما زالت تلك الطفلة التي فقدت كل شيء في ليلة واحدة، الطفلة التي تعلمت أن العالم قاسٍ، وأن الانتظار لا يعني الأمان. في صباح بارد، كانت واقفة عند بوابة المدرسة، تضم حقيبتها إلى صدرها كأنها تحتمي بها، وعيناها تبحثان عن أي ملامح مألوفة وسط زحام الطلاب. الض
لم يكن الليل عاديًا تلك الليلة… السماء تمزقت بصوت الرعد، والمطر كان يهطل بغزارة، يغسل الطريق وكأنه يحاول محو كل أثر خطأ، كل ذنب لم يُغتفر بعد. الهواء كان ثقيلاً، رطبًا، يحمل رائحة البرق والتراب المبتل، والظلام كان يلتف حول الطريق كغطاء ثقيل لا ينكشف. على طريق مظلم، كانت شاحنة ضخمة تشق الطريق بس







