Masukكانت ليان طوال الطريق إلى المنزل عاجزة عن إبعاد عينيها عن السوار الذي وضعه نادر حول معصمها.
كانت الشمس تميل نحو الغروب، وتصبغ شوارع مدينة أُوران بلون ذهبي هادئ، بينما بدأت أضواء المحال والمقاهي تشتعل واحدة تلو الأخرى. ومن نافذة السيارة، كانت ليان تراقب المارة والسيارات والأبنية القديمة التي اعتادت رؤيتها كل يوم، لكنها في تلك اللحظة شعرت وكأن المدينة بأكملها تبدو مختلفة. ربما لأن قلبها كان سعيدًا. وربما لأن الإنسان حين يحب، يرى العالم بعينين مختلفتين. لاحظ نادر أنها تنظر إلى السوار للمرة العاشرة، فابتسم وقال: "أما زلتِ تنظرين إليه؟" التفتت إليه وهي تبتسم. "إنه جميل." "إذن أعجبك؟" "كثيرًا." "كنت أعرف أنه سيعجبك." رفعت معصمها أمام الضوء، فتألقت القطعة الذهبية الصغيرة المعلقة في السوار. "لكنني لا أفهم كيف تذكرت أنني أحببته." ابتسم نادر دون أن يرفع عينيه عن الطريق. "أنا أنسى الكثير من الأشياء، لكنني لا أنسى الأشياء التي تخصك." خفضت ليان عينيها بخجل. كانت تلك الجملة البسيطة كافية لتجعل قلبها يزداد تعلقًا به. بعد لحظات، قالت: "بالمناسبة، ما زلت لم تخبرني ما الأمر المهم الذي وعدتني بأن تحدثني عنه." رفع نادر حاجبه. "أي أمر؟" "نادر!" ضحك. "لقد نسيت." "أنت لا تنسى شيئًا." "ربما غيرت رأيي." "ماذا تقصد؟" نظر إليها للحظة ثم عاد إلى الطريق. "سأخبرك بعد يومين." "ولماذا بعد يومين؟" "لأنني أريد أن يكون الوقت مناسبًا." "أنت تجعلني أشعر بالفضول." "وهذا هو المطلوب." عقدت ذراعيها أمام صدرها، وتظاهرت بالاستياء. "حسنًا، لا تخبرني." ضحك مرة أخرى. "غضبتِ؟" "لا." "أعرف هذه الكلمة. عندما تقولين لا، فهذا يعني نعم." التفتت إليه، ثم قالت: "أنت واثق بنفسك أكثر مما ينبغي." مد يده للحظة، وأمسك يدها. "لأنني أعرفك." نظرت إلى يده التي احتضنت أصابعها، ثم إلى وجهه. لم تكن تعرف لماذا شعرت أن تلك الكلمات تحمل معنى أكبر مما تبدو عليه. عندما وصلت ليان إلى منزلها، وجدت جُمانة جالسة في غرفة المعيشة تنتظرها. رفعت جُمانة رأسها، وما إن رأت الابتسامة على وجه ليان حتى قالت: "يبدو أن الأمير أعادك إلى القصر." ضحكت ليان وهي تضع حقيبتها جانبًا. "كفى." "إذن كنتما معًا؟" "نعم." "وماذا حدث؟" رفعت ليان معصمها بفخر. "انظري." اقتربت جُمانة منها، وتأملت السوار. "إنه جميل." "أليس كذلك؟" "جميل جدًا." لكن نبرتها لم تكن تحمل الحماس نفسه الذي توقعته ليان. نظرت إليها باستغراب. "ما بكِ؟" "لا شيء." "جُمانة." "قلت لا شيء." جلست ليان إلى جوارها. "أعرفك. عندما تقولين لا شيء بهذه الطريقة، يكون هناك شيء." تنهدت جُمانة وقالت: "رأيت نادر بالأمس." توقفت ليان. "أين؟" "في وسط المدينة." "وماذا كان يفعل؟" "كان وحده." شعرت ليان بشيء من الارتياح. "حسنًا، وماذا في ذلك؟" "كان يبدو متوترًا." ابتسمت ليان. "ربما بسبب العمل." "ربما." لم تعجبها الطريقة التي قالت بها جُمانة تلك الكلمة. "أرجوكِ، لا تبدئي." "أنا لم أقل شيئًا." "لكن نظراتك تقول الكثير." أمسكت جُمانة بيدها. "أنا لا أريد سوى أن تنتبهي." "إلى ماذا؟" "إلى نفسك." صمتت ليان لحظات، ثم قالت بثقة: "أنا أثق بنادر." نظرت إليها جُمانة طويلًا، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. "وأنا أتمنى أن يكون جديرًا بهذه الثقة." لم تعرف ليان لماذا شعرت بثقل تلك الجملة. لكنها قررت أن تتجاهلها. في الجهة الأخرى من المدينة، كان نادر يجلس وحده في مكتبه داخل قصر الروافد. كانت الملفات مكدسة أمامه، والحاسوب مفتوحًا، إلا أنه لم يكن يقرأ شيئًا. كان عقله في مكان آخر تمامًا. رن هاتفه. نظر إلى الشاشة، فتغيرت ملامحه. لم يجب. رن الهاتف مرة ثانية. ثم ثالثة. أخيرًا، أجاب بصوت متوتر: "ماذا تريدين؟" جاءه صوت امرأة من الطرف الآخر. "أنت تعرف جيدًا ماذا أريد." أغمض نادر عينيه. "لقد انتهى الأمر." ضحكت المرأة بهدوء. "انتهى؟ هل تظن أن الحقيقة تختفي لمجرد أنك قررت أن تنتهي؟" شد نادر على الهاتف. "قلت لكِ إنني سأتعامل مع الأمر." "متى؟" "قريبًا." "قلت ذلك منذ أشهر." ارتفع صوته: "سأحل الأمر!" ساد الصمت للحظات. ثم قالت المرأة: "هل أخبرتها؟" لم يجب. "هل أخبرت ليان؟" أشاح بنظره عن الهاتف. "لا." "إذن لم ينتهِ شيء." "لا تتدخلي في حياتي." "أنا لا أتدخل في حياتك يا نادر. أنا فقط أذكرك بأن حياتك الحالية قائمة على سر تخفيه عنها." أغمض عينيه. كان يعلم أنها محقة. وهذا ما جعله أكثر غضبًا. قال بصوت منخفض: "سأخبرها." "متى؟" "قريبًا." ضحكت بسخرية. "إذا لم تخبرها أنت، فسأفعل أنا." وقبل أن يجيب، انقطع الاتصال. ظل نادر يحدق في الهاتف. ثم فتح أحد أدراج مكتبه وأخرج ظرفًا بنيًا قديمًا. فتحه بيد مرتجفة. كانت بداخله صورة. صورة قديمة تجمعه بالمرأة التي تحدث معها للتو. ظل يحدق فيها طويلًا. ثم أعادها إلى الظرف وأغلق الدرج بقوة. كان يريد أن يدفن الماضي. لكنه لم يكن يعرف أن الماضي لا يُدفن ما دام هناك من يستطيع إخراجه إلى النور. في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان على رسالة من نادر. "صباح الخير. لا تنسي أن لدينا موعدًا غدًا." ابتسمت. أجابت: "وكيف أنسى؟ ما زلت أنتظر أن أعرف ما هي المفاجأة." لم يصل الرد مباشرة. وضعت الهاتف جانبًا وذهبت لإعداد قهوتها. وبعد دقائق، وصلتها رسالة أخرى: "غدًا ستعرفين كل شيء." قرأت الجملة أكثر من مرة. شعرت بفضول غريب. كان هناك شيء في طريقة حديثه جعل قلبها يخفق. لكنها لم تكن تعرف إن كان ذلك بسبب السعادة أم القلق. في المساء، خرجت ليان برفقة جُمانة إلى أحد المقاهي في وسط أُوران. كان المكان مزدحمًا، والموسيقى الهادئة تختلط بأحاديث الزبائن. قالت جُمانة: "أعتقد أنني متحمسة لمعرفة المفاجأة أكثر منك." ضحكت ليان. "ربما سيتقدم لخطبتي." توقفت جُمانة عن الكلام. نظرت إليها ثم ابتسمت. "ربما." "تخيلّي." "وهل تتمنين ذلك فعلًا؟" أخذت ليان نفسًا عميقًا. "منذ وقت طويل." "وهل تحدثتما عن الزواج؟" "مرة." "وماذا قال؟" ابتسمت ليان. "قال إنه عندما يكون مستعدًا، سأكون أول من يعرف." وضعت جُمانة يدها فوق يد صديقتها. "أتمنى أن يكون صادقًا معك." نظرت ليان إليها باستغراب. "لماذا تقولين ذلك دائمًا؟" ابتسمت جُمانة بحزن. "لا أعرف." ثم قالت: "لكن إذا جاء يوم وشعرتِ أن هناك شيئًا غير صحيح، فلا تتجاهلي شعورك من أجله." لم تجب ليان. كانت للمرة الأولى تشعر أن كلمات جُمانة تترك أثرًا مزعجًا في قلبها. في تلك الليلة، عاد نادر إلى منزله متأخرًا. وقف أمام المرآة طويلًا. خلع ساعته، ثم أخرج هاتفه. كانت هناك رسالة جديدة. "غدًا، إما أن تخبرها أنت، أو سأخبرها أنا." قرأها أكثر من مرة. ثم حذفها. جلس على حافة السرير، ووضع رأسه بين يديه. لأول مرة منذ سنوات، شعر بالخوف الحقيقي. لم يكن يخاف من انكشاف سره فحسب. كان يخاف من خسارة ليان. والأسوأ من ذلك أنه كان يعلم أن خوفه هذا لا يلغي ما فعله. في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان قبل أن يرن المنبه. كان قلبها يخفق بقوة. اليوم هو اليوم الذي وعدها فيه نادر بأن يخبرها بالحقيقة. ارتدت فستانًا بسيطًا، وصففت شعرها، ثم وضعت السوار في معصمها. وقفت أمام المرآة وابتسمت. "ربما تبدأ اليوم أجمل أيام حياتي." لم تكن تعرف أن حياتها ستتغير فعلًا. لكن ليس بالطريقة التي تمنتها. في تمام العاشرة، وصلتها رسالة من نادر: "ليان، يجب أن أراك قبل الموعد. حدث شيء." توقفت أنفاسها. أجابت بسرعة: "ماذا حدث؟" انتظرت. لم يصل الرد. اتصلت به. هاتفه مغلق. اتصلت مرة ثانية. لا جواب. ثم، قبل أن تتمكن من الاتصال به مجددًا، وصلتها رسالة من رقم مجهول. فتحتها. كانت جملة واحدة فقط: "إذا كنتِ تظنين أنك تعرفين الرجل الذي تحبينه، فأنتِ لا تعرفين عنه شيئًا." تجمدت أصابعها حول الهاتف. ظلت تحدق في الشاشة دون أن ترمش. ثم رفعت عينيها ببطء نحو المرآة. للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات... شعرت ليان بالخوف من الرجل الذي أحبته. ولم تكن تعرف أن تلك الرسالة لم تكن سوى أول حجر سيسقط من الجدار الذي بنت خلفه نادر أسراره.مرّت سبعة أشهر منذ اختفى راشد. سبعة أشهر تغيّر فيها كل شيء، حتى الأشياء التي ظنت ليان أنها لن تتغير أبدًا. كان السديم أكثر هدوءًا من أي وقت مضى. لم تعد الحواجز تُغلق عند الغروب، ولم يعد الحراس يقفون على أسوار المدينة خوفًا من رجال الهلال الأسود، ولم يعد الناس يتحدثون عن العهد وكأنه لعنة تنتظر أن تستيقظ. حتى اسم ميرال أصبح من الماضي. مدينة كاملة كانت قد عاشت في الظلام، ثم اختفت مع آخر أسرارها. أما ليان، فقد تعلمت أن تعيش دون أن تنتظر كارثة جديدة. كانت تجلس كل صباح في الحديقة، تحت الشجرة التي وجدت عندها حجر جلال. وضعت قربها كرسيًا صغيرًا لنادر، وكان يأتي كل يوم تقريبًا حاملاً كوبين من الشراب. في ذلك الصباح، جلس بجانبها وقال: "لم يعد أمامنا سوى أسابيع." نظرت إليه. "أعرف." "هل أنت خائفة؟" ابتسمت. "قليلًا." "وأنا كثيرًا." ضحكت. "أنت تخاف أكثر مني." "طبعًا." قالها بثقة جعلتها تضحك أكثر. ثم وضع يده على بطنها. "أظن أنه يتحرك." قالت: "هو يتحرك منذ دقائق." "ولم تخبريني؟" "كنت أريد أن أتركك تكتشف بنفسك." ابتسم. "هذا ابنك." رفعت حاجبها. "ابني؟" "أو ابنتي." "كنت تقو
كان الدخان يتصاعد فوق القصر، والناس يركضون في كل اتجاه. لم تفكر ليان. ركضت بكل ما تملك من قوة. كان نادر خلفها، وفؤاد وماهر وريان ورجال الحراسة يتبعونهم. لكن قبل أن يصلوا إلى البوابة، انفجرت نافذة الطابق العلوي. صرخت ليان: "أمي!" حاول نادر إيقافها. "انتظري!" لكنها أفلتت يده. دخلت القصر. كان الدخان كثيفًا، والهواء مليئًا برائحة الحريق. نادَت: "أمي!" لم يجب أحد. ثم سمعت صوتًا من الممر. "ليان." توقفت. كان صوت سلمى. ركضت نحوه. وجدتها واقفة عند نهاية الممر، ووجهها شاحب، لكن لم يكن بها أي جرح. احتضنتها ليان. "هل أنت بخير؟" قالت سلمى: "أنا بخير." ابتعدت ليان. "أين أبي؟" لم تجب. قالت: "فؤاد!" جاء صوت من خلفها. "أنا هنا." استدارت. كان فؤاد يقف أمام باب القاعة. لكن شيئًا ما كان غريبًا. كانت عيناه جامدتين. اقتربت ليان. "أبي؟" رفع يده. "لا تقتربي." توقفت. دخل نادر. نظر إلى فؤاد. ثم قال: "هناك شيء خطأ." أجاب فؤاد: "أعرف." وفجأة سقط على ركبتيه. أسرعت سلمى إليه. "فؤاد!" أمسك رأسه. كان يتنفس بصعوبة. ثم قال: "إنه هنا." سألت ليان: "من؟" رفع عينيه.
لم يتحرك أحد. بقيت كلمات سليم معلقة في الغرفة كأنها نذير لا يريد أحد أن يسمعه. الخائن بينكم. كانت ليان لا تزال تمسك خاتمه، بينما كانت العلامة على يدها تتوهج بضوء خافت. قال فؤاد: "أعطيني الخاتم." رفعت عينيها إليه. "لماذا؟" "ربما يكون ملعونًا." تدخل نادر: "لو كان كذلك، لما تركه سليم في يده." قالت سلمى: "ليس الخاتم هو المشكلة." نظر الجميع إليها. أشارت إلى يد ليان. "العلامة." سأل فؤاد: "ماذا عنها؟" قالت سلمى: "إنها لم تتفاعل مع العهد منذ أن تحرر." ثم نظرت إلى الخاتم. "لكنها تفاعلت الآن." قالت ليان: "ماذا يعني ذلك؟" أجابت سلمى: "يعني أن سليم لم يكن يتحدث عن الماضي." سأل نادر: "إذن عن ماذا؟" رفعت سلمى عينيها. "عن الحاضر." --- بدأت الشكوك تنتشر في القصر قبل أن ينتهي الليل. أمر فؤاد بإغلاق جميع البوابات. وأرسل يامن ورائد رجالًا لمراقبة الطرق المؤدية إلى السديم. أما ماهر، فجلس مع خرائط المدن محاولًا معرفة ما إذا كانت هناك حركة غير طبيعية على الحدود. لكن ليان لم تكن تستطيع التفكير. كانت جملة سليم تلاحقها. الخائن بينكم. قال نادر: "أنت تفكرين في شخص معين."
لم تستطع ليان أن تتحدث. ظلّت جالسة تحت الشجرة، ويدها على صدرها، بينما كان نادر يراقب وجهها بقلق. قال: "ليان، ما بك؟" هزّت رأسها. "لا أعرف." "هل تشعرين بالألم؟" "ليس ألمًا." ثم أخذت نفسًا عميقًا. "مجرد دوار." نهض نادر. "سنعود إلى البيت." أمسكت يده. "انتظر." نظر إليها. كانت عيناها معلقتين بالكتاب المفتوح على الصفحة الأخيرة. قالت: "هناك شيء لم أقرأه جيدًا." أعادا النظر إلى السطر. "ابحثي عن ابنك الذي لم يولد بعد، لأن العهد لم ينتهِ فيك..." ساد الصمت. قال نادر: "هذا مستحيل." "لماذا؟" "لأن العهد انتهى." "ربما." "ليان." نظرت إليه. "ماذا؟" "ربما جلال لم يكن يتحدث عن العهد الذي نعرفه." أغلقت الكتاب. "إذن علينا أن نعرف." --- عادا إلى السديم قبل الغروب. كانت سلمى في الحديقة مع فؤاد، وحين رأت وجه ليان، أسرعت إليها. "ماذا حدث؟" قالت ليان: "أريد أن أتحدث معكما." جلس الأربعة في غرفة هادئة. وضعت ليان الكتاب أمامهما. قرأ فؤاد الصفحة الأخيرة. تغير وجهه. قالت سلمى: "من أين وجدتم هذا؟" "في حقيبة سليم." ثم قالت ليان: "أريد أن أعرف كل شيء." صمت فؤاد. قالت سلم
لم تفتح ليان الرسالة في الطريق. ظلّت طوال الساعات الماضية تحدّق من نافذة العربة، بينما كانت كلمات سليم تتردد في رأسها. عاصم لم يكن والدك الوحيد. لم تستطع أن تفهمها. فؤاد كان والدها الذي رباها، وعاصم كان الرجل الذي أنجبتها منه أمها بحسب ما عرفت طوال حياتها. فمن يكون الثالث؟ ولماذا أخفى سليم هذه الحقيقة كل تلك السنوات؟ وحين توقفت العربة أمام منزلها في السديم، كانت قد اتخذت قرارها. لن تخبر أحدًا بالرسالة قبل أن تعرف الحقيقة بنفسها. نزلت من العربة. كانت سلمى أول من ركض إليها. احتضنتها بقوة. قالت: "ظننت أن شيئًا حدث لك." ضحكت ليان. "أنا بخير." أمسكت سلمى وجهها. "متأكدة؟" "نعم." ثم نظرت إلى نادر. "وهو أيضًا." اقترب فؤاد. وضع يده على كتف نادر. "الحمد لله." ثم نظر إلى ليان. "هل انتهى الأمر؟" صمتت للحظة. ثم أجابت: "أظن ذلك." لكنها لم تكن متأكدة. --- في المساء، جلست ليان وحدها في غرفتها. أخرجت الرسالة. كانت قصيرة. فتحتها. وجدت فيها: "ليان، أعرف أنني تأخرت كثيرًا، لكن بعض الحقائق لا يمكن كشفها إلا عندما يصبح الإنسان قادرًا على سماعها. عاصم أحبك، وهذا صحيح.
ساد الصمت في الساحة. كان عاصم يقف أمامهم، لكن ليان لم تستطع أن تنظر إليه بوصفه والدها الذي عرفته في طفولتها، ولا الرجل الذي اختفى تاركًا خلفه أسئلة لا تنتهي. كان شيئًا آخر. ظلًا من ماضيه. بقايا روح تركها العهد خلفه. قالت ليان: "أين أبي؟" ابتسم الكيان. "رحل." "أين؟" "إلى المكان الذي لا تستطيعين الوصول إليه." تقدمت خطوة. "أنت تكذب." "بل أحاول أن أحميك." قال نادر: "من ماذا؟" نظر إليه الكيان. "منها." ثم أشار إلى ليان. تجمد نادر. قالت ليان: "ماذا تقصد؟" أجاب: "هي السبب في كل ما حدث." "أنا؟" "منذ ولادتك، والعهد يبحث عنك." ثم تابع: "لم يكن عاصم هو من اختفى. لقد اختفى لأنه عرف أن العهد سيستخدمك لفتح الباب." قالت ليان: "إذن لماذا أبقاني فؤاد حية؟" "لأنه أحبك." تغيرت ملامح الكيان. "وهذا كان خطأه." صرخ سليم: "كفى!" رفع الكيان يده. اندفع ضوء أسود نحو سليم، فألقاه أرضًا. ركضت ليان نحوه، لكن نادر أمسكها. قال: "لا." "إنه مصاب." "إنه يريد تشتيتنا." قال الكيان: "ذكي." ثم نظر إلى نادر. "أنت تفهم." قال نادر: "لا أفهم شيئًا." "بل تفهم أكثر مما تعتقد." اقتر







