Share

3

Author: سايلا
last update publish date: 2026-03-30 05:42:34

بدأ المعازيم والصحفيون بالانسحاب التدريجي من أروقة قصر عائلة الراوي، تاركين خلفهم بقايا ليلةٍ صاخبة غيرت مجرى حياة الكثيرين. همَّ ميثم الهاشمي بالمغادرة بخطواته الرزينة، لكن عبد العزيز استوقفه بابتسامة باهتة تحاول استجداء الود، قائلاً:

— "في مناسبة كهذه لا يمكنك المغادرة يا سيد ميثم.. لدينا عشاء عائلي خاص، وأنت الآن أصبحت فرداً من عائلتنا، وصهرنا العزيز."

​نظر ميثم إليه بنظرة خالية من أي اهتمام، نظرة جعلت عبد العزيز يشعر بضآلته أمام هذا العملاق، ورد بنبرة قاطعة:

— "لدي أعمال لا تؤجل.. سآتي في وقت لاحق."

​دون انتظار رد، خرج ميثم بهيبته المعتادة، وخلفه مساعده الشخصي "حسام" الذي كان يتبع خطى رئيسه كظله. تقدم حسام بسرعة وفتح باب السيارة السوداء الفخمة، لينزلق ميثم إلى الداخل محاطاً بهدوء المقصورة المريحة. ما إن انطلقت السيارة وشقت طريقها في شوارع المدينة، حتى كسر ميثم الصمت بصوت عميق ومحذر:

— "راقبوا ابنة الراوي جيداً.. إنها تخطط لشيء سخيف، وأنا لا أحب المفاجآت."

​ارتبك حسام للحظة، فشعور ميثم وتوقعاته لا تخيب أبداً، ورد بجدية:

— "أمرك سيدي.. قصر عائلة الراوي بات الآن تحت مجهرنا، الكاميرات في كل زاوية والحرس منتشرون، لا يمكنها القيام بأي حركة دون علمنا."

​لم يعقب ميثم، بل أخرج هاتفه ليرى سخط شقيقته مرجان يتفجر في الرسائل المتلاحقة: «أخي.. هل يعقل أن أكون آخر من يعلم بخطوبتك؟!»، وتبعتها برسالة أخرى مفعمة بالعتاب: «لقد أخلفتَ وعدك لي، وفوق ذلك كذبت عليّ! قلت إنك ذاهب للعمل بينما كنت تبرم عقد زواجك من ابنة الراوي!»

​أغلق الهاتف ببرود ورماه جانباً، غير آبهٍ بدموع شقيقته أو تساؤلاتها، فالمشاعر بالنسبة له تأتي دائماً في المرتبة الثانية بعد المنطق. التفت إلى حسام وقال بنبرة عملية:

— "بخصوص عائلة الراوي.. انقل لهم بعض الأسهم المتفق عليها، وسجل القصر الذي في مدينة الشمال باسمهم. أما بخصوص السيارات والجزيرة الخاصة، فتنقل ملكيتها لهم فور إتمام مراسم الزواج.. هي وبقية الأمور الأخرى."

​أجاب حسام وهو يدون الملاحظات بجدية تامة:

— "حسناً سيدي، كل الأوراق جاهزة والترتيبات تمت، لا ينقصنا سوى توقيعك لتدخل حيز التنفيذ."

.

.

.

في تلك الأثناء، كانت الجدران المزخرفة لغرفة ليندا تشهد على مؤامرة ولدت من رحم اليأس. جلست ليندا مع صديقتها الوفية ساندي، تروي لها بمرارة ما قاله والدها، وكيف تحولت ملامحه الحنونة إلى قناعٍ لرجل أعمال يبيع أغلى ما يملك مقابل النجاة.

​سألتها ساندي بنبرة يملؤها القلق:

— "إذن.. ما هي خطتكِ يا ليندا؟ هل ستستسلمين لهذا القدر؟"

​أجابتها ليندا بصوتٍ خافت، لكنه يحمل نبرة حديدية لم تعهدها ساندي من قبل:

— "ليس أمامي حلٌ سوى الهروب.. الهروب إلى مكان بعيد لا تطاله يد ميثم الهاشمي، ولا تخترقه نظراته."

​حدقت فيها ساندي بشفقة ممزوجة بالذهول:

— "يا ليندا، يؤلمني أن أحطم آمالكِ، لكن كيف؟ أنتِ تعلمين أن القصر بات ثكنة عسكرية؛ الكاميرات ترصد دبيب النمل، والحرس والخدم في كل زاوية.. الخروج من هنا انتحار!"

​ردت ليندا بعزمٍ لا يلين:

— "لقد درستُ كل ثغرة، والشخص الوحيد الذي يمكنني الائتمان على روحي معه هو أنتِ يا ساندي.. لا تخذليني، أرجوكِ!"

​احتضنتها ساندي بقوة وهي تهمس بوفاء:

— "أنا أفديكِ بروحي يا ليندا، قولي ما تشائين وسأنفذه ولو كان فيه هلاكي."

​بدأت ليندا بسرد تفاصيل الخطة بدقة مذهلة:

— "استمعي جيداً، في تمام الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً، تنتهي نوبة الحارس الأول للكاميرات، وتظل الشاشات دون مراقبة لمدة عشر دقائق تقريباً حتى يصل الحارس الليلي. في هذا الوقت القاتل، عليكِ الدخول وتعطيل النظام. سأخرج أنا من الباب الخلفي للحديقة، وسأعبر جهة اليسار حيث تخلو من الحراس، أما كلاب الحراسة فهي تعرفني ولن تؤذيني.. ثم سأقفز من السور وأغادر هذا السجن."

​كانت ساندي تنصت بتركيزٍ شديد، مصدومة من تحول ليندا من فتاة رقيقة إلى "عقل مدبر" يبحث عن حريته. سألتها بجدية:

— "وبعد تجاوز الأسوار؟ إلى أين ومع من؟"

​أجابت ليندا:

— "أريدكِ أن تجدي لي شخصاً موثوقاً ينتظرني خلف القصر بسيارة ليقودني بعيداً عن هذه المدينة، سأختفي في مكان لا يعرفه أحد حتى أستقر وأبدأ حياتي من جديد."

​غادرت ساندي على عجل لتجهيز الترتيبات، بينما شرعت ليندا بحزم حقيبة صغيرة ضمت فيها الضروريات ومبلغاً نقدياً كبيراً يكفيها لسنوات. وفجأة، اخترق سكون الغرفة صوت طرقات على الباب: "طق.. طق.. طق".

​قفز قلب ليندا من مكانه، وبسرعة البرق دست الحقيبة تحت السرير وهي تحاول جاهدة رسم ملامح الهدوء على وجهها الشاحب، وقالت بنبرة حاولت جعلها طبيعية:

— "تفضل بالدخول."

​دخلت والدتها سماح، واقتربت لتجلس بجانبها قائلة باستغراب:

— "يا صغيرتي، لماذا لم تبدلي ملابسكِ بعد؟ الغرفة مبعثرة بشكل غريب، سأنادي الخادمات لترتيبها فوراً."

​تعلثم لسان ليندا من التوتر:

— "لا داعي يا أمي.. أنا سأقوم بذلك. لقد بعثرتُ الأشياء فقط لأنني كنت أختار ما سآخذه معي إلى بيتي الجديد حين أتزوج."

​أشرق وجه سماح بابتسامة رضا واحتضنت ابنتها قائلة:

— "أخيراً اقتنعتِ يا حبيبتي! صدقيني، هذا الزواج هو مصلحتكِ الكبرى، ونحن لا نريد إلا سعادتكِ.. ستفهمين هذا الشعور حين تصبحين أماً."

​رسمت ليندا ابتسامة مزيفة، شعرت وكأنها تنصل سكيناً في قلبها وهي تكذب:

— "أعلم يا أمي.. لقد فكرتُ جيداً ووجدتُ أن كلامكم هو الصواب."

​قبلتها والدتها بفرح وقررت إهداءها "كنز العائلة"؛ قلادة أثرية قديمة تُورث لبنات العائلة عند زواجهن. وبينما كانت تحاول إلباسها إياها، انزلقت القلادة من يد سماح واستقرت تحت السرير.

​في تلك اللحظة، شعرت ليندا أن أنفاسها توقفت؛ فلو انحنت والدتها لرأت حقيبة الهرب! قفزت ليندا بسرعة البرق وقالت بصوتٍ مرتجف:

— "أنا سأجلبها يا أمي! لا تتعبي نفسكِ بالانحناء."

​التقطت القلادة بيد مرتعشة، وبعد أن ألبستها إياها سماح وغادرت الغرفة، انهارت ليندا خلف الباب المقفل. مسحت العرق عن جبينها، وتوجهت للاستحمام بسرعة وهي تخشى أن يدخل أحد في غيابها ويكتشف سرها.

​خرجت ليندا بعد قليل، مرتدية فستاناً أسود بسيطاً أبرز بياض بشرتها الناصع بتباينٍ ساحر، ورفعت شعرها بتمردٍ أنيق، ثم رسمت القناع الأخير على وجهها وخرجت لتناول العشاء مع عائلتها.. العشاء الأخير في هذا القصر كما كانت تظن.

خطت ليندا خطواتها نحو مائدة الطعام الثقيلة، حيث كانت عائلتها قد اكتمل شملها بانتظارها. كان والدها عبد العزيز يجلس في رأس المائدة كقائدٍ يحتفل بنصره، وعن يمينه زوجته سماح التي كانت ترمق ابنتها بنظرات فخر، بينما جلس شقيقها الصغير سلمان عن يساره، وتوسط المائدة شقيقها الأكبر سالم بملامحه الجامدة.

​كسر والدها صمت الصحون الماركة بابتسامة عريضة:

— "هيا يا ليندا، اجلسي.. كنا جميعاً بانتظاركِ. هل ما نقلته لي والدتكِ صحيح؟ هل غدوتِ أخيراً تلك الفتاة الناضجة التي تزن الأمور بميزان العقل والمصلحة؟ يا ابنتي، أنا الآن راضٍ عنكِ كل الرضا."

​حبست ليندا صرختها في أعماقها، وجلست في مقعدها المخصص، مجبرةً عضلات وجهها على رسم ابتسامة باهتة وهي ترد بذكاء يخفي خلفه بركاناً:

— "نعم يا أبي.. لقد أدركتُ الآن أنني كبرت، وأن مصلحتي تكمن في اتباع مشورتك وتفكيرك الذي طرحته عليّ هذا الصباح."

​بينما كان الطعام يُقدم، ساد جو من الترقب، فجأة.. انفتح الباب الخشبي الضخم لتدخل عجوزٌ وقورة، تسبقها هيبتها التي تجبر الجميع على الانحناء. كانت الجدة "ماريا"؛ وعلى الرغم من وهن جسدها، إلا أن عينيها كانت تشعان بذكاء حاد. وقف الجميع إجلالاً لها، وسارع عبد العزيز للترحيب بها:

— "أهلاً يا أمي.. يبدو أن صحتكِ تحسنت كثيراً وأصبحتِ قادرة على مغادرة الفراش، هذا يسعدنا."

​اتكأت ماريا على عكازها الأبنوسي، ونظرت إليهم نظرة فاحصة قبل أن تضرب بعكازها بقوة على الأرض، محدثةً صوتاً زلزل هدوء القاعة:

— "نعم تحسنت.. غبتُ عنكم لأسبوعٍ واحدٍ فقط بسبب المرض، فإذا بي أعود لأجد أخباراً تقلب موازين العائلة! كيف تجرؤون على اتخاذ قرارٍ مصيري كهذا دون استشارتي؟!"

​حاول سالم تدارك الموقف بسرعة، فاقترب منها قائلاً:

— "جدتي، لا داعي لهذا الغضب، فصحتكِ لا تحتمل. لقد فعلنا هذا من أجل تأمين مستقبلنا جميعاً، وكان الأجدر بكِ أن تهنئينا على هذا التحالف الأسطوري."

​مد يده لمساعدتها على الجلوس، لكنها سحبت يدها بقوةٍ لا تناسب سنها، وجلست في المقابل تماماً لابنها عبد العزيز، ووجهت كلامها بصرامة إلى ليندا:

— "وماذا عنكِ أنتِ يا ليندا؟ هل لديكِ أي اعتراض؟ تحدثي الآن ولا تخفي شيئاً، فنحن لا نريد فضائح لاحقاً.. هذا الطريق يا ابنتي لا رجعة فيه، وبمجرد أن تخطي خطوتكِ الأولى، ستغلق الأبواب خلفكِ للأبد."

​شعرت ليندا بضغط النظرات يطبق على أنفاسها. نظرت إلى وجه والدها الذي انقبضت ملامحه بتهديد صامت، ثم إلى جدتها التي كانت تنتظر الحقيقة. فكرت للحظة: لو نطقتُ الآن، سينقلب الجميع ضدي، وسيفشل هربي قبل أن يبدأ.

​وقبل أن تفتح فمها، حسم عبد العزيز الأمر بصوتٍ جهوري حاد:

— "لقد انتهى وقت النقاش يا أمي. ميثم الهاشمي قد سجل بالفعل أسهم الشركة وقصراً فخماً وأملاكاً لا تحصى باسمنا. الزواج بات أمراً واقعاً، وليندا باركت هذا القرار بمحض إرادتها. القضية حُسمت، ولا أريد سماع أي مناقشة في هذا الموضوع بعد اليوم!"

​ساد صمتٌ جنائزي على المائدة، بينما كانت ليندا تشعر بوزن القلادة حول عنقها وكأنها حبل مشنقة يضيق.. لكنها في أعماقها كانت تعد الثواني المتبقية حتى الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً.

انتهى العشاء الأخير، وعادت ليندا إلى غرفتها والاضطراب ينهش صدرها. كانت الساعة تشير إلى العاشرة والنصف ليلاً؛ وقتٌ مثالي لتبدأ فيه مراسم الوداع الصامت. دلفت إلى الحمام لتغسل وجهها بالماء البارد، محاولةً طرد شبح الخوف من عينيها. استبدلت فستانها الأسود الفاخر بملابس عملية؛ جينز أسود وكنزة قطنية داكنة، ولفّت وشاحاً حول وجهها ليخفي ملامحها عن أعين العابرين.

​حملت حقيبتها التي تضم أشلاء حياتها السابقة ومستقبلها المجهول، ونظرت إلى الساعة بلهفة.. لقد حانت ساعة الصفر.

اهتز هاتفها برسالة عاجلة من ساندي:

«هيا يا ليندا! الكاميرات انطفأت الآن، الثغرة الزمنية ضيقة جداً والحارس الليلي قد يصل في أي لحظة. استعجلي! صديقي ينتظركِ خلف السور من الجهة اليمنى، تجنب الجهة اليسرى لئلا يثير جلبة الكلاب وتفشل الخطة.»

​أخذت ليندا نفساً عميقاً، وفتحت نافذة غرفتها المطلة على الحديقة الخلفية. ربطت حبلاً متيناً كانت قد أعدته مسبقاً، ونزلت بواسطته بخفةٍ لم تكن تعلم أنها تملكها. كانت تتسلل بين ظلال الأشجار كطيفٍ هارب، تترقب كل حركة وكل صوت. وقبل أن تضع قدمها على حافة السور لتتسلقه، شق سكون الليل صوتٌ هامس من خلفها:

— "ألا تريدين توديعي قبل أن ترحلي؟"

​تجمدت الدماء في عروق ليندا، وشعرت بقلبها يتوقف لثوانٍ مرعبة قبل أن تلتفت وتجد ساندي تقف بابتسامة قلقة. تنفست الصعداء وهمست باضطراب:

— "ساندي! لقد أرعبتِني، ظننتُ أن أمري قد كُشف!"

​ضحكت ساندي بخفةٍ مشوبة بالدموع، وعانقت صديقتها عناقاً طويلاً كأنه الوداع الأخير. افترقتا بسرعة، لتقفز ليندا فوق السور العالي مستغلةً نوم كلاب الحراسة الذي بدا وكأنه معجزة في تلك الليلة.

​ما إن لمست قدماها الأرض الترابية خلف السور، حتى رأت أضواء سيارة سوداء تقترب منها بهدوء مريب. لكن غصة من القلق داهمتها؛ فالسيارة تقف في الجهة اليسرى، وساندي أكدت بوضوح أن الانتظار سيكون جهة اليمين!

​فكرت للحظة: هل غير مكانه خوفاً من الحراس؟ أم أن الخطر يتربص بي؟ لكن ضيق الوقت لم يترك لها مجالاً للتفكير. اتجهت نحو السيارة وسألت السائق بصوتٍ خافت:

— "هل أنتَ صديق ساندي؟"

​أجابها الرجل من خلف الزجاج المعتم بسرعة وحزم:

— "نعم يا آنسة ليندا، أنا من طرف الآنسة ساندي. هيا، اركبي فوراً، لا وقت للأسئلة، فالقصر سيعلن حالة الطوارئ في أي لحظة!"

​لم تتردد ليندا، ألقت بنفسها في المقعد الخلفي، وانطلقت السيارة بأقصى سرعتها، تمزق سكون الليل وتختفي في عتمة الطرقات الجانبية، تاركةً خلفها قصر الراوي وقيود ميثم الهاشمي.. أو هكذا خُيل إليها.

.

.

.

مرت الدقائق على ساندي كأنها سنوات، كانت تقف خلف شجرة ضخمة تراقب بصمت، وتنتظر إشارة من صديقها "سامر" تؤكد نجاة ليندا. وفجأة، اهتز هاتفها باتصالٍ مزعج خرق سكون الليل. فتحت الخط بلهفة، ليأتيها صوت سامر المضطرب:

— "يا ساندي.. أين هي صديقتكِ؟ لماذا لم تأتِ ليندا حتى الآن؟ أنا أنتظر خلف السور من جهة اليمين منذ قرابة نصف ساعة ولم يظهر لها أثر!"

​تجمدت ساندي في مكانها، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها كأنها الموت. صرخت بهمسٍ مخنوق وهي تكاد تفقد توازنها:

— "ماذا تقول يا سامر؟! كيف يكون هذا؟ لقد رأيتها بعيني وهي تعبر السور قبل عشر دقائق! أين ذهبت إذن؟ هل أنت متأكد أنك لم ترَ خيالها حتى؟!"

​أجابها سامر بنبرة قاطعة:

— "أقسم لكِ، المكان مقفر تماماً، لم تمر سيارة ولا بشر من هنا. ساندي.. هل أنتِ متأكدة أنها سلكت الطريق الصحيح؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عروس الجحيم   13

    استجمعت ليندا كل ما تبقى من كبريائها وهي لا تزال محاصرة بين ذراعيه، ونظرت في عينيه بصلابة، وقالت بنبرةٍ لم تهتز: — "الشرط الأول.. أن تحافظ على سلامة أي شخص يخصني وقريب مني، أياً كان، وألا يمسهم سوء بسببك أو بسبب هذه اللعبة." ​ارتسمت على شفتي ميثم ابتسامة غامضة، فأكملت هي بحدة أكبر: — "الشرط الثاني.. أن يظل هذا الزواج سراً بعيداً عن أضواء الإنترنت والصحافة؛ كل ما نُشر على المنصات يجب أن يُحذف فوراً، ولا أريد أن يُربط اسمي باسمك في العلن." ​صمتت للحظة لتلتقط أنفاسها، ثم قالت الكلمات التي وقعت كالصاعقة: — "والشرط الثالث.. ألا أتقيد بهذا الزواج؛ أخرج أينما شئت، وأختفي متى ما أردت، دون أن تتبعني ظلالك أو رجالك." ​ساد صمتٌ ثقيل في المكتب، ولم يكن يُسمع سوى صوت عقارب الساعة الكبيرة. أرخى ميثم قبضته عن خصرها قليلاً، لكنه لم يبتعد، بل مال برأسه نحو أذنها وهمس بصوتٍ أجش جعل القشعريرة تسري في جسدها: — "الأول والثاني.. اعتبريهما قد نُفذا بالفعل؛ فأنا لا أحب الفوضى، أما الشرط الثالث، فلا أستطيع تنفيذه.. لقد أصبحتِ زوجتي رسمياً أمام القانون، ومن حقّي -بل من واجبي- أن أعلم بكل تحركاتكِ

  • عروس الجحيم   12

    وجّه ميثم نظراته الحادة نحو الممرضة، وقال بصوته الآمر: — "أحضري لها الحساء قبل أن تعطيها المهدئ، سأتصل بـ (حسام) ليجلب لها وحدات دم فوراً؛ فقد خسرت الكثير منه بالفعل.. والآن، لنخرج جميعاً، المائدة قد جُهزت." ​خرج الجميع تاركين ليندا لتنال قسطاً من الراحة، وجلسوا حول طاولة الطعام التي غلفها صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى رنين الأواني. كسر عبد العزيز الصمت وهو ينظر إلى ميثم بتوجس: — "ميثم.. هل تعتقد حقاً أن بقاء ليندا في هذا المكان آمنٌ لها أكثر من بقائها معنا؟" ​رد ميثم ببرودٍ شديد، دون أن يرفع بصره عن طبقه: — "نعم.. ستبقى هنا." ​في تلك اللحظة، كان الصغير سلمان يرمق ميثم بنظراتٍ يملؤها الحقد والوعيد، لكنه التزم الصمت كبركانٍ يوشك على الانفجار. وما إن انتهوا من وجبة العشاء، حتى همّت عائلة "الراوي" بالخروج ووداع ميثم وليندا. أمسكت سماح بيد ابنها سلمان لتقوده نحو الباب، وقالت: — "هيا بنا يا صغيري.. حان وقت العودة." ​لكن سلمان سحب يده بغضبٍ طفولي صارخاً: — "لقد وعدتُها أنني سأبقى معها! ثم إنني لن أتركها مع هذا الشرير أبداً!" ​أشار بإصبعه الصغير نحو ميثم بتحدٍ، ثم ركض بسرعة البر

  • عروس الجحيم   11

    بمجرد أن أغلق الباب خلف هيفاء، انتفضت ليندا من مكانها كشرارةٍ مستعرة، وتناست ضعف جسدها وهي تصرخ بغضبٍ مكتوم: — "زوجتك؟! متى تزوجنا بحق الجحيم؟ أنا لا أريدك، ألا تفهم ذلك أم أنك تتغابى؟" ​ظل ميثم واقفاً مكانه، لم تهتز شعرة في جسده من ثورتها، بل حافظ على هدوئه الجليدي وهو ينظر إليها بنظراتٍ غامضة، وقال بصوتٍ رخيم: — "ليس من الجيد لصحتكِ أن تنفعلي هكذا وأنتِ في فترة النقاهة.. وبالمناسبة، لقد أتممنا كافة مراسم الزواج بينما كنتِ بين الحياة والموت، وأصبحنا الآن زوجين شرعاً وقانوناً.. أوراقكِ الرسمية كلها تحمل اسمي الآن." ​ضحكت ليندا بسخرية مريرة وهي تحاول استجماع قواها للوقوف أمام منضدة الزينة: — "كف عن هذا التمثيل! لا يوجد أحد هنا لتظهر اهتمامك الزائف بي.. أخبرني ماذا تريد مني بالتحديد؟ ولماذا كل هذا الإصرار على هذا الزواج المهين؟" ​صمت ميثم قليلاً، ودار حول الغرفة وكأنه يتفقد ممتلكاته، ثم قال بنبرةٍ جادة خالية من المشاعر: — "جيد.. بدأ عقلُكِ يعمل أخيراً. الحقيقة هي أنني أريد شيئاً معيناً، لكنه ليس منكِ بالتحديد، بل هو أمرٌ سأصل إليه عن طريقكِ أنتِ.. وبوجودكِ بجانبي كزوجة، س

  • عروس الجحيم   10

    فتحت ليندا عينيها ببطء شديد، وكأن جفنيها صخورٌ ثقيلة تأبى الارتفاع. لم تجد سقف الغرفة الخشبي المتواضع، بل وجدت نفسها تحت ثريا كريستالية ضخمة تعكس ضوءاً خافتاً يبعث على الهدوء والرهبة في آنٍ واحد. نظرت حولها بذهول مشوب بالخوف؛ لم تعد في المنزل البسيط الذي كانت تسكن فيه منذ فتره، بل هي الآن في جناحٍ فخم . ​كان السرير تحتها ناعماً لدرجة أنها شعرت وكأنها تطفو فوق غيمة من القطن، وكانت ترتدي فستاناً أبيض رقيقاً من الحرير الخالص، يلامس بشرتها ببرودةٍ زادت من شعورها بالغرابة. حاولت أن تنادي، أن تصرخ، أن تسأل عن أي شيء، لكن حنجرتها خانتها؛ خرج صوتها مبحوحاً وجافاً، وكأن لسانها لم يذق قطرة ماء منذ دهور، وكأنها كانت غائبة عن الوعي لأيامٍ طويلة. ​حاولت النهوض، لكن جسدها كان في حالة من الوهن الشديد، وكأن قواها قد سُحبت منها تماماً. وبعد دقائق من الصراع الصامت مع ضعفها، فُتح الباب الضخم بهدوء، ودخلت ممرضة بزيٍّ ناصع البياض. وبمجرد أن وقع بصرها على ليندا وهي تحاول الحركة، ركضت نحوها بلهفة: — "يا آنسة! لقد استيقظتِ أخيراً.. الحمد لله على سلامتكِ! مهلاً، أرجوكِ لا تتحركي، سأذهب فوراً لإحضار شيءٍ

  • عروس الجحيم   9

    هذه المرة، قطعت ليندا عهداً على نفسها ألا تكرر خطأها السابق؛ فلم تفارق المطبخ قيد أنملة، وظلت تراقب القدر وكأنها تحرس كنزاً ثميناً. وحين اقتربت المعكرونة من النضج، بدأت بتجهيز السفرة بخفة ونشاط، وضعت العصير البارد ورتبت الأطباق بأناقة القصور التي لم تفارق مخيلتها. ​عادت للمطبخ لتلقي نظرة أخيرة، لكنها لمحت "كتلة الفراء الصغيرة" وهي تنطلق كالسهم، محملة بطاقة جنونية في أرجاء المنزل. وقبل أن تستوعب ليندا الموقف أو تحاول اعتراض طريقها، كانت القطة قد قفزت ببراعة تحسد عليها فوق "المجلى"، ومنه إلى حافة القدر الساخن، لتسقطه أرضاً في مشهد بدا وكأن الزمن فيه قد توقف! ​تناثرت المعكرونة والماء في كل مكان، وانطلقت القطة هاربة دون توقف وكأن شيئاً لم يكن. ركضت ليندا نحوها بسرعة، وبدلاً من الغضب، حملتها بتفحص وقلق: — "يا إلهي! هل احترقتِ؟ أيتها المشاغبة.. لقد قتلتِ مسيرتي الفنية قبل أن تبدأ! هل كان عليكِ حقاً أن تسقطي طبختي الوحيدة أرضاً؟" ​دخلت هيفاء المطبخ بخطوات مسرعة بعد أن سمعت صوت الارتطام، وتوقفت مذهولة أمام المشهد — "هل أنتِ بخير يا ليندا؟ أوه.. يبدو أن هذه القطة المشاغبة ه

  • عروس الجحيم   8

    وقبل أن تستطيع ليندا لملمة شتات نفسها للرد على ذلك السؤال الصاعق، ظهرت امرأة من خلف الفتاة "تالين" وسحبتها بعنفٍ من ذراعها، وهي تصرخ بصوتٍ مبحوح من الغضب — "تالين! ما هذا الهراء الذي تهذين به؟ أيتها الفتاة العديمة الأخلاق، يبدو أنني لم أحسن تربيتكِ، وسأعيد تأديبكِ من جديد.. هيا أمامي إلى المنزل!" ​التفتت تالين إلى والدتها بعينين تشتعلان تمرداً وقالت بمرارة: — "أمي! ما خطبكِ؟ أنا فقط أريد الخروج من هذه القرية الخانقة، وقد جاءتني فرصة لا تعوض.. هل تريدين مني أن أضيعها وأنتظر ابن عمي الغبي ليتزوجني واضل عالقه في عالم الفقر؟" ​ارتعشت الأم من شدة الغضب، وبحركة سريعة صفعت ابنتها صفعةً دوت في أرجاء المكان، وقالت بنبرةٍ يملؤها الخزي: — "يا للعار! كيف تتجرئين على ذكر ابن عمكِ بهذه الطريقة؟ في أحلامكِ فقط ستخرجين من هذه القرية ما دمتُ على قيد الحياة.. هيا إلى المنزل بسرعة!" ​جرت المرأة ابنتها بقوة وسط ذهول الحاضرين، لكن الغريب أن تالين لم تبكِ ولم تتأثر، بل كانت ملامحها جامدة وكأنها اعتادت هذا النوع من القسوة والتعامل المهين. ​كانت الصدمة تعلو وجه ليندا ماذا يحدث بحق الجحيم لماذا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status