ANMELDENبدأ المعازيم والصحفيون بالانسحاب التدريجي من أروقة قصر عائلة الراوي، تاركين خلفهم بقايا ليلةٍ صاخبة غيرت مجرى حياة الكثيرين. همَّ ميثم الهاشمي بالمغادرة بخطواته الرزينة، لكن عبد العزيز استوقفه بابتسامة باهتة تحاول استجداء الود، قائلاً:
— "في مناسبة كهذه لا يمكنك المغادرة يا سيد ميثم.. لدينا عشاء عائلي خاص، وأنت الآن أصبحت فرداً من عائلتنا، وصهرنا العزيز." نظر ميثم إليه بنظرة خالية من أي اهتمام، نظرة جعلت عبد العزيز يشعر بضآلته أمام هذا العملاق، ورد بنبرة قاطعة: — "لدي أعمال لا تؤجل.. سآتي في وقت لاحق." دون انتظار رد، خرج ميثم بهيبته المعتادة، وخلفه مساعده الشخصي "حسام" الذي كان يتبع خطى رئيسه كظله. تقدم حسام بسرعة وفتح باب السيارة السوداء الفخمة، لينزلق ميثم إلى الداخل محاطاً بهدوء المقصورة المريحة. ما إن انطلقت السيارة وشقت طريقها في شوارع المدينة، حتى كسر ميثم الصمت بصوت عميق ومحذر: — "راقبوا ابنة الراوي جيداً.. إنها تخطط لشيء سخيف، وأنا لا أحب المفاجآت." ارتبك حسام للحظة، فشعور ميثم وتوقعاته لا تخيب أبداً، ورد بجدية: — "أمرك سيدي.. قصر عائلة الراوي بات الآن تحت مجهرنا، الكاميرات في كل زاوية والحرس منتشرون، لا يمكنها القيام بأي حركة دون علمنا." لم يعقب ميثم، بل أخرج هاتفه ليرى سخط شقيقته مرجان يتفجر في الرسائل المتلاحقة: «أخي.. هل يعقل أن أكون آخر من يعلم بخطوبتك؟!»، وتبعتها برسالة أخرى مفعمة بالعتاب: «لقد أخلفتَ وعدك لي، وفوق ذلك كذبت عليّ! قلت إنك ذاهب للعمل بينما كنت تبرم عقد زواجك من ابنة الراوي!» أغلق الهاتف ببرود ورماه جانباً، غير آبهٍ بدموع شقيقته أو تساؤلاتها، فالمشاعر بالنسبة له تأتي دائماً في المرتبة الثانية بعد المنطق. التفت إلى حسام وقال بنبرة عملية: — "بخصوص عائلة الراوي.. انقل لهم بعض الأسهم المتفق عليها، وسجل القصر الذي في مدينة الشمال باسمهم. أما بخصوص السيارات والجزيرة الخاصة، فتنقل ملكيتها لهم فور إتمام مراسم الزواج.. هي وبقية الأمور الأخرى." أجاب حسام وهو يدون الملاحظات بجدية تامة: — "حسناً سيدي، كل الأوراق جاهزة والترتيبات تمت، لا ينقصنا سوى توقيعك لتدخل حيز التنفيذ." . . . في تلك الأثناء، كانت الجدران المزخرفة لغرفة ليندا تشهد على مؤامرة ولدت من رحم اليأس. جلست ليندا مع صديقتها الوفية ساندي، تروي لها بمرارة ما قاله والدها، وكيف تحولت ملامحه الحنونة إلى قناعٍ لرجل أعمال يبيع أغلى ما يملك مقابل النجاة. سألتها ساندي بنبرة يملؤها القلق: — "إذن.. ما هي خطتكِ يا ليندا؟ هل ستستسلمين لهذا القدر؟" أجابتها ليندا بصوتٍ خافت، لكنه يحمل نبرة حديدية لم تعهدها ساندي من قبل: — "ليس أمامي حلٌ سوى الهروب.. الهروب إلى مكان بعيد لا تطاله يد ميثم الهاشمي، ولا تخترقه نظراته." حدقت فيها ساندي بشفقة ممزوجة بالذهول: — "يا ليندا، يؤلمني أن أحطم آمالكِ، لكن كيف؟ أنتِ تعلمين أن القصر بات ثكنة عسكرية؛ الكاميرات ترصد دبيب النمل، والحرس والخدم في كل زاوية.. الخروج من هنا انتحار!" ردت ليندا بعزمٍ لا يلين: — "لقد درستُ كل ثغرة، والشخص الوحيد الذي يمكنني الائتمان على روحي معه هو أنتِ يا ساندي.. لا تخذليني، أرجوكِ!" احتضنتها ساندي بقوة وهي تهمس بوفاء: — "أنا أفديكِ بروحي يا ليندا، قولي ما تشائين وسأنفذه ولو كان فيه هلاكي." بدأت ليندا بسرد تفاصيل الخطة بدقة مذهلة: — "استمعي جيداً، في تمام الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً، تنتهي نوبة الحارس الأول للكاميرات، وتظل الشاشات دون مراقبة لمدة عشر دقائق تقريباً حتى يصل الحارس الليلي. في هذا الوقت القاتل، عليكِ الدخول وتعطيل النظام. سأخرج أنا من الباب الخلفي للحديقة، وسأعبر جهة اليسار حيث تخلو من الحراس، أما كلاب الحراسة فهي تعرفني ولن تؤذيني.. ثم سأقفز من السور وأغادر هذا السجن." كانت ساندي تنصت بتركيزٍ شديد، مصدومة من تحول ليندا من فتاة رقيقة إلى "عقل مدبر" يبحث عن حريته. سألتها بجدية: — "وبعد تجاوز الأسوار؟ إلى أين ومع من؟" أجابت ليندا: — "أريدكِ أن تجدي لي شخصاً موثوقاً ينتظرني خلف القصر بسيارة ليقودني بعيداً عن هذه المدينة، سأختفي في مكان لا يعرفه أحد حتى أستقر وأبدأ حياتي من جديد." غادرت ساندي على عجل لتجهيز الترتيبات، بينما شرعت ليندا بحزم حقيبة صغيرة ضمت فيها الضروريات ومبلغاً نقدياً كبيراً يكفيها لسنوات. وفجأة، اخترق سكون الغرفة صوت طرقات على الباب: "طق.. طق.. طق". قفز قلب ليندا من مكانه، وبسرعة البرق دست الحقيبة تحت السرير وهي تحاول جاهدة رسم ملامح الهدوء على وجهها الشاحب، وقالت بنبرة حاولت جعلها طبيعية: — "تفضل بالدخول." دخلت والدتها سماح، واقتربت لتجلس بجانبها قائلة باستغراب: — "يا صغيرتي، لماذا لم تبدلي ملابسكِ بعد؟ الغرفة مبعثرة بشكل غريب، سأنادي الخادمات لترتيبها فوراً." تعلثم لسان ليندا من التوتر: — "لا داعي يا أمي.. أنا سأقوم بذلك. لقد بعثرتُ الأشياء فقط لأنني كنت أختار ما سآخذه معي إلى بيتي الجديد حين أتزوج." أشرق وجه سماح بابتسامة رضا واحتضنت ابنتها قائلة: — "أخيراً اقتنعتِ يا حبيبتي! صدقيني، هذا الزواج هو مصلحتكِ الكبرى، ونحن لا نريد إلا سعادتكِ.. ستفهمين هذا الشعور حين تصبحين أماً." رسمت ليندا ابتسامة مزيفة، شعرت وكأنها تنصل سكيناً في قلبها وهي تكذب: — "أعلم يا أمي.. لقد فكرتُ جيداً ووجدتُ أن كلامكم هو الصواب." قبلتها والدتها بفرح وقررت إهداءها "كنز العائلة"؛ قلادة أثرية قديمة تُورث لبنات العائلة عند زواجهن. وبينما كانت تحاول إلباسها إياها، انزلقت القلادة من يد سماح واستقرت تحت السرير. في تلك اللحظة، شعرت ليندا أن أنفاسها توقفت؛ فلو انحنت والدتها لرأت حقيبة الهرب! قفزت ليندا بسرعة البرق وقالت بصوتٍ مرتجف: — "أنا سأجلبها يا أمي! لا تتعبي نفسكِ بالانحناء." التقطت القلادة بيد مرتعشة، وبعد أن ألبستها إياها سماح وغادرت الغرفة، انهارت ليندا خلف الباب المقفل. مسحت العرق عن جبينها، وتوجهت للاستحمام بسرعة وهي تخشى أن يدخل أحد في غيابها ويكتشف سرها. خرجت ليندا بعد قليل، مرتدية فستاناً أسود بسيطاً أبرز بياض بشرتها الناصع بتباينٍ ساحر، ورفعت شعرها بتمردٍ أنيق، ثم رسمت القناع الأخير على وجهها وخرجت لتناول العشاء مع عائلتها.. العشاء الأخير في هذا القصر كما كانت تظن. خطت ليندا خطواتها نحو مائدة الطعام الثقيلة، حيث كانت عائلتها قد اكتمل شملها بانتظارها. كان والدها عبد العزيز يجلس في رأس المائدة كقائدٍ يحتفل بنصره، وعن يمينه زوجته سماح التي كانت ترمق ابنتها بنظرات فخر، بينما جلس شقيقها الصغير سلمان عن يساره، وتوسط المائدة شقيقها الأكبر سالم بملامحه الجامدة. كسر والدها صمت الصحون الماركة بابتسامة عريضة: — "هيا يا ليندا، اجلسي.. كنا جميعاً بانتظاركِ. هل ما نقلته لي والدتكِ صحيح؟ هل غدوتِ أخيراً تلك الفتاة الناضجة التي تزن الأمور بميزان العقل والمصلحة؟ يا ابنتي، أنا الآن راضٍ عنكِ كل الرضا." حبست ليندا صرختها في أعماقها، وجلست في مقعدها المخصص، مجبرةً عضلات وجهها على رسم ابتسامة باهتة وهي ترد بذكاء يخفي خلفه بركاناً: — "نعم يا أبي.. لقد أدركتُ الآن أنني كبرت، وأن مصلحتي تكمن في اتباع مشورتك وتفكيرك الذي طرحته عليّ هذا الصباح." بينما كان الطعام يُقدم، ساد جو من الترقب، فجأة.. انفتح الباب الخشبي الضخم لتدخل عجوزٌ وقورة، تسبقها هيبتها التي تجبر الجميع على الانحناء. كانت الجدة "ماريا"؛ وعلى الرغم من وهن جسدها، إلا أن عينيها كانت تشعان بذكاء حاد. وقف الجميع إجلالاً لها، وسارع عبد العزيز للترحيب بها: — "أهلاً يا أمي.. يبدو أن صحتكِ تحسنت كثيراً وأصبحتِ قادرة على مغادرة الفراش، هذا يسعدنا." اتكأت ماريا على عكازها الأبنوسي، ونظرت إليهم نظرة فاحصة قبل أن تضرب بعكازها بقوة على الأرض، محدثةً صوتاً زلزل هدوء القاعة: — "نعم تحسنت.. غبتُ عنكم لأسبوعٍ واحدٍ فقط بسبب المرض، فإذا بي أعود لأجد أخباراً تقلب موازين العائلة! كيف تجرؤون على اتخاذ قرارٍ مصيري كهذا دون استشارتي؟!" حاول سالم تدارك الموقف بسرعة، فاقترب منها قائلاً: — "جدتي، لا داعي لهذا الغضب، فصحتكِ لا تحتمل. لقد فعلنا هذا من أجل تأمين مستقبلنا جميعاً، وكان الأجدر بكِ أن تهنئينا على هذا التحالف الأسطوري." مد يده لمساعدتها على الجلوس، لكنها سحبت يدها بقوةٍ لا تناسب سنها، وجلست في المقابل تماماً لابنها عبد العزيز، ووجهت كلامها بصرامة إلى ليندا: — "وماذا عنكِ أنتِ يا ليندا؟ هل لديكِ أي اعتراض؟ تحدثي الآن ولا تخفي شيئاً، فنحن لا نريد فضائح لاحقاً.. هذا الطريق يا ابنتي لا رجعة فيه، وبمجرد أن تخطي خطوتكِ الأولى، ستغلق الأبواب خلفكِ للأبد." شعرت ليندا بضغط النظرات يطبق على أنفاسها. نظرت إلى وجه والدها الذي انقبضت ملامحه بتهديد صامت، ثم إلى جدتها التي كانت تنتظر الحقيقة. فكرت للحظة: لو نطقتُ الآن، سينقلب الجميع ضدي، وسيفشل هربي قبل أن يبدأ. وقبل أن تفتح فمها، حسم عبد العزيز الأمر بصوتٍ جهوري حاد: — "لقد انتهى وقت النقاش يا أمي. ميثم الهاشمي قد سجل بالفعل أسهم الشركة وقصراً فخماً وأملاكاً لا تحصى باسمنا. الزواج بات أمراً واقعاً، وليندا باركت هذا القرار بمحض إرادتها. القضية حُسمت، ولا أريد سماع أي مناقشة في هذا الموضوع بعد اليوم!" ساد صمتٌ جنائزي على المائدة، بينما كانت ليندا تشعر بوزن القلادة حول عنقها وكأنها حبل مشنقة يضيق.. لكنها في أعماقها كانت تعد الثواني المتبقية حتى الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً. انتهى العشاء الأخير، وعادت ليندا إلى غرفتها والاضطراب ينهش صدرها. كانت الساعة تشير إلى العاشرة والنصف ليلاً؛ وقتٌ مثالي لتبدأ فيه مراسم الوداع الصامت. دلفت إلى الحمام لتغسل وجهها بالماء البارد، محاولةً طرد شبح الخوف من عينيها. استبدلت فستانها الأسود الفاخر بملابس عملية؛ جينز أسود وكنزة قطنية داكنة، ولفّت وشاحاً حول وجهها ليخفي ملامحها عن أعين العابرين. حملت حقيبتها التي تضم أشلاء حياتها السابقة ومستقبلها المجهول، ونظرت إلى الساعة بلهفة.. لقد حانت ساعة الصفر. اهتز هاتفها برسالة عاجلة من ساندي: «هيا يا ليندا! الكاميرات انطفأت الآن، الثغرة الزمنية ضيقة جداً والحارس الليلي قد يصل في أي لحظة. استعجلي! صديقي ينتظركِ خلف السور من الجهة اليمنى، تجنب الجهة اليسرى لئلا يثير جلبة الكلاب وتفشل الخطة.» أخذت ليندا نفساً عميقاً، وفتحت نافذة غرفتها المطلة على الحديقة الخلفية. ربطت حبلاً متيناً كانت قد أعدته مسبقاً، ونزلت بواسطته بخفةٍ لم تكن تعلم أنها تملكها. كانت تتسلل بين ظلال الأشجار كطيفٍ هارب، تترقب كل حركة وكل صوت. وقبل أن تضع قدمها على حافة السور لتتسلقه، شق سكون الليل صوتٌ هامس من خلفها: — "ألا تريدين توديعي قبل أن ترحلي؟" تجمدت الدماء في عروق ليندا، وشعرت بقلبها يتوقف لثوانٍ مرعبة قبل أن تلتفت وتجد ساندي تقف بابتسامة قلقة. تنفست الصعداء وهمست باضطراب: — "ساندي! لقد أرعبتِني، ظننتُ أن أمري قد كُشف!" ضحكت ساندي بخفةٍ مشوبة بالدموع، وعانقت صديقتها عناقاً طويلاً كأنه الوداع الأخير. افترقتا بسرعة، لتقفز ليندا فوق السور العالي مستغلةً نوم كلاب الحراسة الذي بدا وكأنه معجزة في تلك الليلة. ما إن لمست قدماها الأرض الترابية خلف السور، حتى رأت أضواء سيارة سوداء تقترب منها بهدوء مريب. لكن غصة من القلق داهمتها؛ فالسيارة تقف في الجهة اليسرى، وساندي أكدت بوضوح أن الانتظار سيكون جهة اليمين! فكرت للحظة: هل غير مكانه خوفاً من الحراس؟ أم أن الخطر يتربص بي؟ لكن ضيق الوقت لم يترك لها مجالاً للتفكير. اتجهت نحو السيارة وسألت السائق بصوتٍ خافت: — "هل أنتَ صديق ساندي؟" أجابها الرجل من خلف الزجاج المعتم بسرعة وحزم: — "نعم يا آنسة ليندا، أنا من طرف الآنسة ساندي. هيا، اركبي فوراً، لا وقت للأسئلة، فالقصر سيعلن حالة الطوارئ في أي لحظة!" لم تتردد ليندا، ألقت بنفسها في المقعد الخلفي، وانطلقت السيارة بأقصى سرعتها، تمزق سكون الليل وتختفي في عتمة الطرقات الجانبية، تاركةً خلفها قصر الراوي وقيود ميثم الهاشمي.. أو هكذا خُيل إليها. . . . مرت الدقائق على ساندي كأنها سنوات، كانت تقف خلف شجرة ضخمة تراقب بصمت، وتنتظر إشارة من صديقها "سامر" تؤكد نجاة ليندا. وفجأة، اهتز هاتفها باتصالٍ مزعج خرق سكون الليل. فتحت الخط بلهفة، ليأتيها صوت سامر المضطرب: — "يا ساندي.. أين هي صديقتكِ؟ لماذا لم تأتِ ليندا حتى الآن؟ أنا أنتظر خلف السور من جهة اليمين منذ قرابة نصف ساعة ولم يظهر لها أثر!" تجمدت ساندي في مكانها، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها كأنها الموت. صرخت بهمسٍ مخنوق وهي تكاد تفقد توازنها: — "ماذا تقول يا سامر؟! كيف يكون هذا؟ لقد رأيتها بعيني وهي تعبر السور قبل عشر دقائق! أين ذهبت إذن؟ هل أنت متأكد أنك لم ترَ خيالها حتى؟!" أجابها سامر بنبرة قاطعة: — "أقسم لكِ، المكان مقفر تماماً، لم تمر سيارة ولا بشر من هنا. ساندي.. هل أنتِ متأكدة أنها سلكت الطريق الصحيح؟" في زاوية غرفتها الهادئة، كانت ليندا الراوي تتأمل انعكاسها في المرآة. اليوم أتمّت عامها الثامن عشر؛ شعرها البني الفاتح المنسدل على كتفيها كان يلمع تحت ضوء المصباح الخافت، وعيناها البنيتان تحملان بريقاً من الأمل الطفولي، وبشرتها الناصعة توردت قليلاً بفعل الحماس. كانت تظن أن بلوغها هذا السن يعني بداية استقلالها، بداية رسم طريقها الخاص. لكن الصمت الذي يلف القصر لم يكن صمت احتفال، بل كان أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة. انفتح الباب بقوة، ليدخل والدها، السيد عبد العزيز الراوي، بخطواته الواثقة، يتبعه شقيقها سالم الذي كان يبتسم بزهوٍ غريب. لم تكن في أيديهم هدايا، بل كانت ملامحهم تحمل طموحاً لا يعرف الرحمة وقف عبد العزيز أمام ابنته، وبدلاً من أن يطبع قبلة الأبوة على جبينها، قال بصوتٍ أجوف وجامد: —"انتهى وقت اللعب يا ليندا. اليوم أصبحتِ امرأة.. واليوم حان الوقت لتؤدي واجبكِ تجاه عائلة الراوي!" تسمرت ليندا في مكانها. الصدمة كانت أكبر من أن تستوعبها الدموع؛ جفت المآقي وتجمدت الأنفاس. هذا الرجل الذي طالما دللها، الذي لم يرفض لها طلباً يوماً، يقف الآن ليقذف بها في جوف النار. وسالم، ال
نظرت ليندا إلى اليد الممدودة نحوها وكأنها قيدٌ صِيغَ من ذهبٍ خالص؛ تلمع بالثراء لكنها تخنق الحرية. ترددت لثوانٍ بدت كأنها دهر، مما جعل أنظار المعازيم تتركز عليهما في صمتٍ ثقيل. لكن ميثم الهاشمي ظل واقفاً بشموخه الطاغي، عيناه الزيتونيتان لم ترمشا، بل كانتا تحدقان بها ببرودٍ يتحدى كبرياءها الصغير ويُخضعه. حاولت جاهدة أن تتجاهل كفه الممدودة، لكن وقع نظرها على وجه والدها؛ كانت نظراته خلف ميثم تحمل تهديداً صريحاً بالويل إن هي تجرأت على إحراجه. بقلبٍ يرتجف، رفعت يدها الواهنة ووضعتها في يد ميثم. كان فرق الحجم شاسعاً ومربكاً؛ حيث اختفت يد ليندا الرقيقة تماماً داخل كف ميثم الواسعة والصلبة. في تلك اللحظة، أحست بحرارة جسده تنتقل إليها، وضغط على كفها بخفةٍ مدروسة، ضغطةً لم تكن للمساندة، بل كانت إعلاناً صامتاً لرسالةٍ مرعبة: «أنتِ ملكي الآن.. ولا مفرّ لكِ من قبضة الهاشمي!» تعالت أصوات الزغاريد والمباركات، وقالت والدتها سماح بفرحٍ لا يعلم ما خلف الستار: — "يا لكم من ثنائي جميل! حفظكم الرحمن من كل سوء." أردف والدها مؤيداً لكلام زوجته بابتسامة نصر: — "كأنكما خُلقتما لبعضكما البعض..
بدأ المعازيم والصحفيون بالانسحاب التدريجي من أروقة قصر عائلة الراوي، تاركين خلفهم بقايا ليلةٍ صاخبة غيرت مجرى حياة الكثيرين. همَّ ميثم الهاشمي بالمغادرة بخطواته الرزينة، لكن عبد العزيز استوقفه بابتسامة باهتة تحاول استجداء الود، قائلاً: — "في مناسبة كهذه لا يمكنك المغادرة يا سيد ميثم.. لدينا عشاء عائلي خاص، وأنت الآن أصبحت فرداً من عائلتنا، وصهرنا العزيز." نظر ميثم إليه بنظرة خالية من أي اهتمام، نظرة جعلت عبد العزيز يشعر بضآلته أمام هذا العملاق، ورد بنبرة قاطعة: — "لدي أعمال لا تؤجل.. سآتي في وقت لاحق." دون انتظار رد، خرج ميثم بهيبته المعتادة، وخلفه مساعده الشخصي "حسام" الذي كان يتبع خطى رئيسه كظله. تقدم حسام بسرعة وفتح باب السيارة السوداء الفخمة، لينزلق ميثم إلى الداخل محاطاً بهدوء المقصورة المريحة. ما إن انطلقت السيارة وشقت طريقها في شوارع المدينة، حتى كسر ميثم الصمت بصوت عميق ومحذر: — "راقبوا ابنة الراوي جيداً.. إنها تخطط لشيء سخيف، وأنا لا أحب المفاجآت." ارتبك حسام للحظة، فشعور ميثم وتوقعاته لا تخيب أبداً، ورد بجدية: — "أمرك سيدي.. قصر عائلة الراوي بات الآن تحت مجه
انطلقت السيارة السوداء (التي كانت تنهب الأرض نهباً) مبتعدةً عن أسوار قصر الراوي. ساد صمتٌ ثقيل داخل المقصورة، لم يقطعه سوى صوت أنفاس ليندا المتلاحقة. فجأة، كسر السائق الصمت بنبرة محذرة وهو يراقب الطريق عبر المرآة: — "آنسة ليندا.. إن كنتِ تحملين هاتفاً أو أي جهاز إلكتروني، تخلصي منه فوراً! ميثم الهاشمي يملك تقنيات تتبع يمكنها تحديد موقعكِ حتى تحت الأرض." أخذت ليندا نفساً عميقاً، وشعرت بقليل من الطمأنينة لأنها كانت قد استبقت هذا الاحتمال بذكاء فطري. ردت بنبرة واثقة رغم ارتجاف صوتها: — "لقد فكرتُ في ذلك.. تخلصتُ من هاتفي قبل أن أعبر السور، وتركتُ القلادة الأثرية التي أهدتني إياها والدتي فوق السرير، لم أرد أن يكون هناك خيطٌ واحد يربطهم بمكاني." ثم نظرت بحزنٍ وغيظ إلى يدها اليمنى، حيث كان خاتم الخطوبة الملعون يلمع ببرودٍ مستفز تحت إضاءة السيارة الخافتة. حاولت سحبه مراراً وتكراراً حتى احمرّ جلد إصبعها، لكنه كان ملتصقاً بها وكأنه جزءٌ من جسدها. همست بيأس: — "لقد تخلصتُ من كل شيء.. سوى هذا الخاتم! لم أستطع انتزاعه من يدي مهما حاولت، وكأن له مخالب تنغرس في جلدي." استدار السائق
خرج عبد العزيز من بوابة قصره بخطواتٍ متخبطة، يسبقه غضبه وصوت أنفاسه المتهدجة. استقر خلف مقود سيارته والشرر يتطاير من عينيه، عازماً على قلب المدينة رأساً على عقب بحثاً عن ابنته المتمردة. لكن، ما إن اقترب من البوابة الخارجية حتى لجمت المكابح صرخة إطاراتها؛ كانت هناك سيارة سوداء فخمة تقف كالصخرة في عرض الطريق، تحجب عنه ضوء الفجر الصاعد. ترجل من السيارة رجلٌ فارع الطول، ببدلة سوداء قاتمة زادته هيبةً وغموضاً. تقدم بخطواتٍ رزينة وثابتة، تسبقها نظرة حادة كالنصل. توقف أمام عبد العزيز وقال بنبرةٍ باردة تجمدت لها الدماء في العروق: — "يا سيد عبد العزيز.. أين هي ابنتك؟ وكيف لها أن تفلت من أسوارك بهذه السهولة؟ أم أنك ساعدتها على الاختفاء بعد أن ضمنت الأسهم والقصور في جيبك؟" صُعق عبد العزيز، وتراجع خطوة للخلف وهو يشعر بلسانه يثقل في فمه. ميثم الهاشمي كان يقف أمامه، والأسوأ من حضوره هو "معرفته" بالخبر قبل أن يشيع. أجاب بتلعثمٍ لم يعهده أحد من قبل: — "ميثم.. كيف.. كيف علمت بخبر هروبها؟ أنا.. أنا حقاً في غاية الأسف، لم أكن أتوقع منها هذا الجحود! لطالما كانت فتاةً مهذبة ومطيعة، لكنني أشك في أ
خلف زجاج النافذة، كان ضياء يراقب خيال "ليندا" وهي تتنقل في أرجاء المنزل الصغير، ملامحها كانت تعكس دهشة طفلة اكتشفت عالماً جديداً. أخرج هاتفه وأجاب بصوتٍ خفيض: — "نعم يا سيدي، هي الآن في الداخل.. لكنها تصر بكبرياءٍ عجيب على دفع الإيجار، ماذا أفعل مع عنادها هذا؟" جاءته ضحكة الطرف الآخر عبر الأثير، ضحكةٌ امتزج فيها الإعجاب بالسخرية المكتومة: — "عنيدة كما عهدتُها دوماً، حتى وهي في أوج انكسارها لا تتخلى عن كبريائها. خذ منها مبلغاً رمزياً فقط، فإذا قررت 'آنسة الراوي' شيئاً، فلن يثنيها عنه إنس ولا جان." أغلق ضياء الخط، ومسح ملامحه ببرودٍ هادئ قبل أن يدخل إليها. كانت ليندا تستكشف زوايا "المنزل" بحماسٍ غريب، وكأنها لم ترَ جدرانًا من قبل. التفتت إليه فور دخوله وقالت بعينين تشعان شغفاً: — "ضياء، هل يمكنك أخذي إلى السوق؟ أريد شراء بعض المستلزمات، هذا المكان يحتاج لمساتي الخاصة ليصبح ملائماً لي.. بما أنني سأقيم هنا لفترة." ابتسم ضياء بصدقٍ هذه المرة، والدهشة ترتسم على وجهه: — "يبدو أنكِ متحمسة حقاً لفكرة العيش في هذا المنزل البسيط!" رسمت ليندا ابتسامةً حالمة، وتنهدت بعمقٍ وكأنه







