Share

٢٤.ثيريس

Author: أ.أ
last update publish date: 2026-05-27 08:07:45

“الوريثة بدأت تستعيد شخصيتها الأصلية.”

سقطت كلمات داغر داخل القاعة كحكم بالموت.

أما ثراء…

أو ربما ثيريس…

فكانت ترتجف بعنف داخل ذراعي آسر.

الضوء الفضي يخرج من جسدها على دفعات متقطعة، كأن روحين تتصارعان داخلها في اللحظة نفسها.

أنفاسها متكسرة.

وأصابعها تتشبث بمعطفه الأسود بلا وعي.

أما آسر…

فكان يحتضنها بقوة مخيفة.

كأنه يخشى أن يأخذها العالم منه إن خفف قبضته للحظة واحدة.

“ثراء.”

خرج اسمها منه منخفضًا.

متوترًا.

يكاد يكون رجاءً.

لكن عينيها حين رفعت رأسها نحوه…

لم تكونا عيني ثراء بالكامل.

اللون الفضي أصبح أوضح.

أعمق.

وأقدم من أن يكون بشريًا.

شعرت سيرين بالقشعريرة تمر داخلها.

أما كيان…

فبدا لأول مرة منذ عرفته خائفًا فعلًا.

“آسر…”

قالها ببطء.

“…إنها تستيقظ أسرع مما توقعنا.”

لكن آسر لم يرد.

كل تركيزه كان عليها.

على الفتاة التي ترتجف بين ذراعيه وكأنها تضيع.

ثم فجأة—

شهقت ثراء بعنف.

الصور انفجرت داخل عقلها مجددًا.

هذه المرة لم تكن مجرد ومضات.

بل ذكريات كاملة.

واضحة.

حقيقية.

مدينة بيضاء ضخمة تعلوها ثلاث أقمار فضية.

قصور من الضوء الأسود.

سماء مليئة بالشقوق.

وجيش كامل ينحني أمام امرأة ترتدي تاجًا فضيًا.

امرأة بعينين فضيتين…

تشبهها.

لا.

ليست تشبهها.

هي.

ثم سمعت الاسم يتردد داخل العالم كله.

“ثيريس.”

ارتجف قلبها بعنف.

شعرت بالاسم داخل روحها.

كأنه كان نائمًا هناك طوال الوقت.

ثم رأت آسر.

واقفًا أسفل درجات عرشها.

أصغر قليلًا.

لكن عيناه…

تلك العينان المرهقتان نفسيهما.

ينظر إليها كما لو كانت الكون كله.

ثم ركع أمامها ببطء.

ووضع يده فوق قلبه.

“أنا لكِ حتى نهاية السُدُم.”

شهقت ثراء بعنف.

وعادت إلى الواقع فجأة.

لكن دموعها كانت تسقط بلا توقف الآن.

“آسر…”

خرج اسمه منها مرتجفًا.

أما هو…

فتجمد.

لأنه رأى في عينيها أنها تذكرت شيئًا.

شيئًا كبيرًا.

“ماذا رأيتِ؟”

همس بها.

لكنها لم تستطع الإجابة فورًا.

لأن قلبها كان يؤلمها بشكل لا يحتمل.

اشتياق.

قديم جدًا.

أقدم من عمرها كله.

شعرت وكأنها فقدته مرة من قبل…

وخافت أن تفقده مجددًا.

وفجأة دفنت وجهها داخل صدره.

متشبثة به بقوة.

شهق كيان بخفة.

أما آسر…

فاتسعت عيناه ببطء.

لأن ثراء لم تقترب منه هكذا من قبل.

ولأن الطريقة التي تعلقت بها به…

لم تكن طريقة فتاة خائفة فقط.

بل طريقة شخص عاد أخيرًا إلى الشيء الوحيد الآمن لديه.

أغلق ذراعيه حولها فورًا.

ببطء.

وحذر شديد.

كأنها شيء هش قد ينكسر بين يديه.

ثم أغمض عينيه للحظة قصيرة.

وشعرت سيرين بالألم داخل وجهه.

ذلك الألم القديم الذي لم يختفِ أبدًا.

لكن داغر قطع اللحظة بصوته البارد:

“كم هو مؤثر.”

رفع آسر رأسه نحوه ببطء.

وعيناه أصبحتا قاتلتين فورًا.

“أنت تقترب كثيرًا من الموت.”

ابتسم داغر بخفة.

“لكنني لست مخطئًا.”

ثم نظر إلى ثراء مباشرة.

“أليس كذلك يا ثيريس؟”

ارتجف جسدها فور سماع الاسم.

أما آسر…

فتحركت الظلال حوله بعنف.

“لا تنادها بهذا الاسم.”

ضحك داغر.

“ولماذا؟ هذا اسمها الحقيقي.”

“اسمها ثراء.”

قالها آسر فورًا.

بقوة.

وكأنه يرفض شيئًا أكبر من مجرد اسم.

لكن داغر هز رأسه ببطء.

“ثراء مجرد قناع بشري.”

ثم ابتسم ابتسامة باردة.

“أما ثيريس… فهي نهاية العوالم.”

ساد الصمت.

حتى الهواء أصبح أثقل.

أما ثراء…

فشعرت بالخوف يزحف داخلها مجددًا.

“ماذا يعني هذا…؟”

لكن أحدًا لم يجب فورًا.

لأن السماء بالخارج انفجرت مجددًا بصوت مرعب.

واهتزت القاعة بالكامل.

ثم بدأت الأرضية السوداء تتشقق تحت أقدامهم.

صرخت سيرين:

“البوابة تفتح أسرع!”

شتم كيان بعنف هذه المرة.

“إذا استمرت هكذا سنُسحق جميعًا.”

لكن داغر بدا هادئًا بشكل مرعب.

“هذا ما يجب أن يحدث.”

ثم فتح ذراعيه ببطء.

“لقد عادت الملكة أخيرًا.”

وفجأة—

انحنى رجال داغر جميعًا أمام ثراء.

مرة واحدة.

برؤوس منخفضة.

كأنهم أمام كائن مقدس.

شهقت ثراء وتراجعت خطوة تلقائية.

لكن آسر وقف أمامها فورًا.

كعادته.

دائمًا بينها وبين العالم.

“لن يلمسها أحد.”

قالها بصوت منخفض وخطير.

لكن داغر نظر إليه بشفقة هذه المرة.

“أنت ما زلت لا تفهم.”

ثم أشار إلى ثراء.

“هي ليست بشرية بالكامل بعد الآن.”

شعرت أنفاسها تختنق.

“لا…”

همست بها.

لكن العلامات فوق عنقها اشتعلت فجأة.

صرخت بألم وانحنت للأمام.

وفي اللحظة التالية…

انفجر الضوء الفضي من جسدها بعنف هائل.

تحطمت أجزاء من القاعة.

والهواء نفسه تمزق.

أما آسر…

فأمسكها قبل أن تسقط.

“ثراء!”

لكنها كانت تسمع الأصوات مجددًا.

آلاف الأصوات.

آلاف الأرواح.

“افتحي البوابة…”

“عودي إلينا…”

“يا ثيريس…”

وضعت يديها فوق أذنيها وهي تبكي.

“توقفوا…”

لكن الأصوات ازدادت.

ثم رأت شيئًا جديدًا.

ليليث.

المرأة التي رأتها سابقًا.

تقف أمامها داخل الظلام.

لكن هذه المرة…

لم تكن غريبة.

بل مألوفة بشكل مؤلم.

ثم ابتسمت ليليث بحزن.

“أخيرًا استيقظتِ.”

شهقت ثراء بعنف.

“من أنتِ؟!”

لكن ليليث لم تجب مباشرة.

بل نظرت خلفها.

وثـراء التفتت تلقائيًا.

ورأت آسر.

لكن ليس آسر الحالي.

بل آسر الماضي.

واقفًا وسط الدماء.

مكسورًا.

يبكي.

يبكي فعلًا.

وهو يحتضن جسد ليليث الغارق بالدم.

شهقت ثراء وهي تشعر بقلبها يتحطم.

ثم سمعت ليليث تقول:

“لقد أحبني… لكنه أحبكِ أكثر.”

تجمدت.

“ماذا…؟”

لكن المشهد تبدل فجأة.

ورأت نفسها.

لا…

ثيريس.

تقف بعيدًا تراقب آسر وهو يحتضن ليليث.

والألم داخلها كان مرعبًا.

غيرة.

وحب.

ووحدة.

ثم فهمت الحقيقة.

ليليث لم تكن الوريثة الأصلية.

بل مجرد حاملة مؤقتة لقوة ثيريس.

أما ثيريس…

فكانت الروح الحقيقية المرتبطة بالبوابة.

وشعرت بالغثيان فورًا.

لأن الذكريات بدأت تختلط داخلها.

ذكرياتها هي…

وذكريات شخص آخر.

ثم سمعت صوت آسر قربها.

بعيدًا.

ومتوترًا.

“ثراء! ابقي معي.”

فتحت عينيها بصعوبة.

وكان أول شيء رأته…

الخوف داخل وجهه.

خوف حقيقي.

كأنه يشاهدها تختفي أمامه.

فمدت يدها المرتجفة نحوه فورًا.

“آسري…”

خرجت الكلمة ضعيفة جدًا.

لكنها أصابته كالسهم.

اقترب منها فورًا.

أمسك يدها بكلتا يديه.

“أنا هنا.”

ثم قرب جبينه من جبينها.

وعيناه مثبتتان داخل عينيها كأنه يحاول إبقاءها معه بالقوة.

“لا تذهبي بعيدًا عني.”

ارتجف قلبها بعنف.

لأن صوته…

كان مكسورًا.

ولأنها شعرت فجأة أنه عاش هذا المشهد من قبل.

وفقدها فعلًا مرة.

ثم همست وهي تبكي:

“أخاف…”

أغلق عينيه للحظة قصيرة.

ثم قال بصوت خافت جدًا:

“وأنا أخاف أكثر.”

شعرت بأنفاسه المرتجفة قربها.

وشعرت بيده تمسك يدها كأنها الشيء الوحيد الذي يبقيه حيًا.

لكن داغر قال فجأة:

“لن تستطيع منعها هذه المرة.”

رفع آسر رأسه نحوه ببطء.

وكان الشر داخل عينيه مخيفًا.

“راقبني.”

ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.

اقترب آسر من ثراء مجددًا.

رفع يده ببطء نحو وجهها.

ثم…

وضع جبهته فوق جبهتها.

وأغمض عينيه.

في اللحظة التالية…

انفجرت الظلال والضوء معًا حولهما.

شهقت سيرين.

أما كيان فاتسعت عيناه.

“مستحيل…”

لأن آسر كان يفعل شيئًا محرّمًا.

يربط روحه بها بالكامل.

وشعرت ثراء فجأة بشيء يفتح داخلها.

دفء.

ألم.

حب قديم جدًا.

ثم سمعت صوته داخل عقلها مباشرة لأول مرة.

“مهما أصبحتِ…”

“مهما تذكرتِ…”

“أنتِ ثراء بالنسبة لي.”

انهارت دموعها فورًا.

أما هو…

ففتح عينيه ببطء.

والرابطة بينهما اشتعلت بضوء فضي هائل.

ثم همس لها أمام الجميع:

“حتى لو وقف العالم كله ضدكِ…”

“سأقف أنا معكِ.”

وفي اللحظة نفسها…

انفتحت البوابة بالكامل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٥.ما تخفيه الأرواح

    مرّ يومان.يومان كاملان دون مطاردة.دون معارك.دون ظهور للملك القديم.ودون أن تهتز الغابة بين العالمين تحت أقدام جيشٍ قادم من السُدُم.ومع ذلك...لم يشعر أحد بالراحة.لأن الجميع كانوا يعلمون أن الهدوء الحالي ليس سلامًا.بل انتظار.انتظار لشيء مجهول يقترب ببطء.استيقظت ثراء على دفء مألوف.دفء أصبح جزءًا من صباحاتها.فتحت عينيها ببطء.لتجد نفسها كما اعتادت خلال الأيام الأخيرة.بين ذراعي آسر.كانت رأسها فوق صدره.وإحدى ذراعيه تحيط خصرها بإحكام.أما الأخرى فكانت فوق شعرها وكأنه حرسها طوال الليل.ابتسمت دون وعي.ثم رفعت رأسها قليلًا.تأملت وجهه.ذلك الوجه الذي حاولت رسمه مئات المرات.الوجه الذي لاحق أحلامها لأشهر طويلة.الوجه الذي غير حياتها كلها.بدت ملامحه هادئة أثناء النوم.هادئة بشكل يناقض الرجل الذي يستطيع إسقاط مدينة كاملة إذا غضب.مدت أصابعها نحو خده بحذر.لكن قبل أن تلمسه...أمسك يدها.دون أن يفتح عينيه.ابتسمت فورًا."كنت مستيقظًا."قال بصوت ناعس:"منذ ربع ساعة تقريبًا."ضحكت بخفة."وتتظاهر بالنوم؟"فتح إحدى عينيه."كنت أستمتع.""بماذا؟"اقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٤.حين ينكسر الحاكم

    ابتسم الملك القديم.رغم أن يد آسر كانت تطبق على عنقه بقوة كافية لتحطيم جبل.رغم أن الظلال الفضية والسوداء كانت تعصف بالمكان كله.رغم أن الأرض نفسها بدأت تتشقق تحت أقدامهما.ابتسم.وكأنه انتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.أما آسر...فلم يعد يشبه نفسه.كانت عيناه مضيئتين بالكامل.فضة نقية تحترق داخل العتمة.والغضب الذي يملأه لم يعد غضب رجل.بل غضب عالم كامل.قال بصوت جعل الهواء يرتجف:"أنطق اسم أمي مرة أخرى... وسأجعلك تتمنى لو بقيت ميتًا."ضحك الملك القديم.ضحكة هادئة.مستفزة.ثم نظر مباشرة إلى ثراء الواقفة خلف آسر.وكأن يد آسر حول عنقه لا تعنيه."هل ترين؟"همس لها."هذا هو الوجه الحقيقي الذي لم تريه لكِ بعد."شعرت ثراء بقشعريرة.لكن ليس خوفًا.بل غضبًا.لأنها أدركت شيئًا.ذلك الرجل يحاول استفزاز آسر عمدًا.يحاول دفعه إلى فقدان السيطرة.يحاول تحويله إلى الوحش الذي كانه يومًا.فخطت خطوة للأمام.رغم صرخة سيرين:"ثراء لا!"لكنها لم تتوقف.رفعت رأسها بثبات.ونظرت مباشرة إلى الملك القديم.ثم قالت:"أنت خائف منه."ساد الصمت.حتى آسر التفت إليها.أما الملك القديم...فتوقفت ابتسامته لثانية واحدة.ث

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٣.الرجل الذي عاد من الموت

    لم تنم ثراء تلك الليلة.حتى بعدما هدأت النار داخل المدفأة، وحتى بعدما غطّت العتمة الكوخ والغابة معًا…ظل عقلها مستيقظًا.كلمات آسر.نظرة سيرين.اسم الملك القديم.كل شيء كان يضغط فوق صدرها بثقل غريب.كانت مستلقية فوق الفراش الخشبي الصغير داخل الغرفة، بينما الضوء الفضي المتسلل من النافذة ينساب فوق الأرض بهدوء بارد.أما آسر…فلم يكن بجانبها.شعرت بذلك فورًا.فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت قليلًا تنظر حولها.الغرفة فارغة.لكن رائحته…ما تزال هنا.رائحة المطر والدخان البارد.وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يتسلل إليها.ثم نهضت بهدوء.خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى الصالة الصغيرة داخل الكوخ.وهناك…رأته.كان واقفًا خارج الكوخ قرب البحيرة السوداء.ظهره إليها.والمطر الفضي الخفيف يتساقط فوق شعره الأسود الطويل.توقفت للحظة تتأمله بصمت.حتى من بعيد…كان يبدو وحيدًا بشكل مؤلم.فتحت الباب بهدوء وخرجت إليه.وفور أن اقتربت—قال دون أن يلتفت:“كان يجب أن تنامي.”ابتسمت بخفة.“وأنت؟”ساد الصمت.ثم قال بهدوء:“الحراس لا ينامون كثيرًا.”اقتربت أكثر حتى وقفت بجانبه.كانت البحير

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٢.الأشياء التي لا يقولها الحراس

    استمرت النار مشتعلة داخل المدفأة الحجرية، ترسل وهجًا ذهبيًا خافتًا فوق جدران الكوخ الداكنة.لكن رغم دفئها…ظل التوتر يملأ المكان.كانت ثراء تجلس قرب النافذة بصمت، بينما الضباب الفضي بالخارج يتحرك ببطء بين الأشجار السوداء.أما آسر…فكان واقفًا في الجهة المقابلة، ذراعاه معقودتان، وعيناه لا تفارقان سيرين منذ لحظة دخولها.وكأن وجودها هنا وحده نذير كارثة.لاحظت سيرين نظرته أخيرًا.ثم قالت ببرود هادئ:“إن استمريت بالنظر إليّ هكذا، سأعود وأتركك تواجه المجلس وحدك.”أغمض آسر عينيه للحظة بضيق واضح.“أنتِ لا تأتي إلى هنا إلا حين تكون الأمور سيئة.”رفعت حاجبها.“لأنك دائمًا تجعل الأمور سيئة.”كادت ثراء تبتسم لولا القلق المسيطر على قلبها.كان واضحًا أن هذه طريقتهم المعتادة في الحديث.حدة تخفي خلفها خوفًا حقيقيًا على بعضهم.اقتربت سيرين من الطاولة الخشبية ببطء، ثم وضعت شيئًا صغيرًا فوقها.خاتم فضي أسود غريب.تجمد آسر فور رؤيته.أما ثراء…فشعرت بطاقة باردة تخرج منه.“ما هذا؟”أجابتها سيرين بهدوء:“خاتم تتبع.”اقترب آسر ببطء.عيناه أصبحتا أكثر ظلمة.“لمن؟”ساد الصمت لثانية.ثم قالت سيرين:“وُجد داخل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤١.الغابة التي تسمع الخوف

    لم تكن الغابة بين العالمين مكانًا يشبه أي شيء عرفته ثراء من قبل.حتى الهواء بدا مختلفًا.أثقل.أبرد.ومحمّلًا بشيء خفي يجعل القلب متوترًا دون سبب واضح.كانت الأشجار السوداء العملاقة تمتد بلا نهاية، جذوعها ملتوية كأنها كائنات حيّة تجمدت أثناء صراخٍ أبدي، بينما الضباب الفضي يتحرك فوق الأرض ببطء كالماء.لا شمس.لا قمر.فقط نور باهت مجهول المصدر يغمر المكان.أما الصمت…فكان مرعبًا.صمت يجعل صوت أنفاسها يبدو عاليًا جدًا.وقفت ثراء قرب آسر دون أن تشعر، حتى كادت تلتصق به.ولأول مرة منذ عرفته…لاحظت أنه متوتر فعلًا.ليس غضبًا.ولا حذرًا عاديًا.بل توتر حقيقي.كانت عيناه تتحركان باستمرار بين الأشجار، والظلال تحت قدميه لا تهدأ لحظة.همست بخفوت:“آسري…”نظر إليها فورًا.وكأن صوتها وحده قادر على إعادته إليها مهما كان غارقًا في أفكاره.“هل أنتِ بخير؟”رغم خوفها…ابتسمت بخفة.“يجب أن أكون أنا من يسألك هذا.”اقترب منها فورًا.ثم رفع يده ولمس خدها برفق شديد، وكأنه يحتاج التأكد أنها أمامه فعلًا.“طالما أنتِ بخير… يمكنني تحمل أي شيء.”ارتجف قلبها بعنف.حتى هنا…حتى في هذا المكان المخيف…ما يزال ينظر إل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٠.حين يصبح الحب تهديدًا للعالم

    بعد رحيل كيان…لم يعد الصمت داخل المرسم مريحًا كما كان.أصبح ثقيلًا.حادًا.كأن الكلمات التي تركها خلفه ما زالت عالقة داخل الجدران نفسها.“لن يسمحوا ببقائها حية.”كانت الجملة تدور داخل عقل ثراء بلا توقف.أما آسر…فكان واقفًا قرب النافذة منذ دقائق طويلة دون أن يتحرك.ظهره إليها.والظلال تتحرك ببطء حول قدميه.تعرف هذا الصمت.إنه صمته حين يكون غارقًا في التفكير.أو الغضب.أو الخوف.اقتربت منه ببطء.ثم توقفت خلفه مباشرة.“آسري…”لم يجب فورًا.لكنها رأت كتفيه ينخفضان قليلًا بمجرد سماع صوتها.فرفعت يدها ولمست ظهره برفق.“انظر إليّ.”أغمض عينيه للحظة طويلة.ثم استدار أخيرًا.وكانت تلك أول مرة ترى فيها هذا القدر من الإرهاق داخل ملامحه.كأن القرون كلها هبطت فوق كتفيه دفعة واحدة.همست بخفوت:“هل ما قاله كيان صحيح؟”ساد الصمت.ثم قال أخيرًا:“نعم.”شعرت بانقباض داخل صدرها.لكنها تماسكت.“إذن سنجد حلًا.”ضحك بخفوت مرير.ليس سخرية منها…بل من نفسه.“أنتِ لا تفهمين يا ثراء.”اقترب خطوة منها.وعيناه تحملان شيئًا مؤلمًا جدًا.“السُدُم لا تترك ما تعتبره ملكًا لها.”ارتجفت أنفاسها.“وأنت؟”خفض عينيه لل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status