FAZER LOGINتوقفت جيداء مكانها فور سماع الجملة. أما آسر السيوفي فظل ينظر إليها بثبات أربكها أكثر رفعت جيداء حاجبها محاولة الحفاظ على هدوئها: — “و من أخبرك؟” ضحك آسر ضحكة قصيرة بلا دفء. ثم استدار نحو الطاولة القريبة وسحب لها المقعد بهدوء: — “اجلسي أولًا.” شعرت بالضيق فورًا من طريقته. و كأنها دخلت تحقيقًا لا لقاءً بين زوجين. لكنها جلست بالنهاية. أما هو فلم يجلس مباشرة. ظل واقفًا للحظات ينظر إليها. ثم قال: — “كنتِ معه في دار الرعاية.” لم يكن سؤالًا. بل حقيقة. تنهدت جيداء: — “نعم.” تصلب فكه قليلًا. ثم جلس أخيرًا أمامها: — “لماذا؟” فتحت فمها لتجيب: — “الأمر لم يكن مخططًا، هو جاء إلى المكتب بالصدفة وبعدها—” قاطعها فورًا: — “وأنتِ ذهبتِ معه.” ضيقت عينيها: — “كنت ذاهبة أصلًا.” لكن آسر لم يبدُ مهتمًا بالتفاصيل. كان هناك شيء آخر يغلي داخله بوضوح. شيء أعمق من مجرد الغيرة. مال للخلف قليلًا وهو يراقبها: — “أتعلمين ما المشكلة يا جيداء؟” قالتها ببرود خفيف: — “بالتأكيد ستخبرني.” تجاهل سخريتها تمامًا. ثم قال غاضبا: — “أن الجميع يعرف ما يحدث معكِ… إلا أنا.” توقفت للحظة. لأن
هاتفها اهتز فجأة فوق الطاولة الصغيرة بجانبها. فتحت عينيها بضيق. ثم التقطته ببطء. وعندما رأت الاسم… تنفست الصعداء براحه . آسر السيوفي. حدقت بالشاشة لثانيتين قبل أن تلتفت الي زينبب و قالت " امي انه اسر" ابتسمت زينب وقالت ساذهب اذا وطبعت قباه على خدها اجابت جيداء اخيرا — “ألو؟” جاءها صوته فورًا. هادئًا. لكن حادًا بشكل غريب: — “أين أنتِ؟” رفعت حاجبها قليلًا. حتى طريقته بدت مختلفة الليلة. همست: — “أنا—” لكنه قاطعها قبل أن تكمل: — “بعد نصف ساعة.” تجمدت للحظة: — “ماذا؟” جاءه صوته منخفضًا حاسمًا: — “سأنتظركِ في المطعم بجانب الفندق القديم.” قطبت حاجبيها أكثر: — “آسر أنا لا أفهم—” لكنه أكمل بنفس النبرة: — “لا تتأخري.” ثم… أغلق الخط. أنزلت الهاتف ببطء وهي تحدق بالشاشة بدهشة حقيقية. همست ندى التي خرجت لتوها من الداخل وهي تحمل كوبين من العصير: — “من كان؟” رفعت جيداء عينيها إليها ببطء: — “آسر.” اقتربت ندى فورًا: — “ماذا يريد؟” تنفست جيداء ببطء وهي ما تزال غير مستوعبة المكالمة: — “لا أعرف.” ثم أضافت بعد لحظة: — “طلب مني
ظلّت جيداء واقفة للحظات أمام مدخل دار الرعاية بعد رحيل زين العبد. كانت تشعر أن اليوم كله يتحرك بسرعة أكبر من قدرتها على الاستيعاب. عمران. التهديد. السيارة السوداء. والهدوء المخيف الذي تعامل به زين مع الأمر كله. تنفست ببطء وهي تحاول طرد التوتر من داخلها. لكن صوت ندى أعادها للحظة الحالية: — “تعالي… قبل أن تقلق ماما زينب فعلًا.” أومأت جيداء أخيرًا وتحركت معها نحو الداخل. على عكس التوتر الذي كان يملأ الشارع بالخارج… كان المكان هادئًا بشكل مريح. رائحة أدوية خفيفة. إضاءة دافئة. وصوت تلفاز بعيد في إحدى الغرف. شعرت جيداء بشيء داخل صدرها يهدأ قليلًا فور دخولها. ربما لأن هذا المكان… كان من الأماكن القليلة التي شعرت فيها بالأمان يومًا ما. ابتسمت إحدى المشرفات فور رؤيتها: — “أخيرًا جئتِ، ماما زينب لم تتوقف عن السؤال عنكِ.” ضحكت ندى بخفة: — “إذن سنُعاقب نحن الاثنتين اليوم.” ابتسمت السيدة: — “خصوصًا أنتِ.” رفعت ندى حاجبها باعتراض: — “أنا؟!” — “لأنكِ لم تزوريها منذ أسبوع.” — “كنت أعمل!” لكن المشرفة كانت قد غادرت وهي تضحك بالفعل. تنهدت ندى:
“كنتِ أشجع وأنتِ صغيرة.” شدّت أصابعها حول حقيبتها بقوة محاولة استعادة ثباتها. بينما اقتربت ندى منها بسرعة: — “هل أنتِ بخير؟” أومأت جيداء ببطء دون اقتناع حقيقي. ثم رفعت عينيها نحو عمران مجددًا. كان قد وصل بالفعل إلى سيارته السوداء. فتح الباب الأمامي ببطء… لكن قبل أن يركب— توقفت سيارة سوداء أخرى بعنف قرب الرصيف. تجمد الجميع. حتى عمران التفت بضيق واضح. ثم خلال ثوانٍ معدودة فقط… فُتحت أبواب السيارة سريعًا. وخرج منها أربعة رجال ضخام البنية. كل شيء حدث بسرعة صادمة. أحدهم أمسك بذراع عمران بعنف. الثاني انتزع الهاتف من يده. والثالث دفعه بقوة نحو السيارة. شهقت ندى بصدمة: — “ما الذي—؟!” أما جيداء… فتجمدت مكانها بالكامل. لثانية لم تستوعب ما يحدث. رأت عمران يحاول الإفلات بعنف: — “اتركوني! هل جننتم—” لكن أحد الرجال لكمه بقوة في بطنه. انقطع صوته فورًا. ثم تم تكتيفه بسرعة احترافية واضحة قبل دفعه داخل السيارة السوداء. كل شيء انتهى خلال أقل من دقيقة. دقيقة واحدة فقط. ثم أُغلقت الأبواب بعنف. واختفت السيارة من أمام الدار. ساد الصمت. صمت كامل مذهول. كانت ندى تنظر للطريق
الفصل: أمام البوابة توقفت جيداء مكانها للحظة وهي تمسك بمقبض الباب. ثم اتسعت عيناها بدهشة قصيرة. … زين العبد. كان يقف بهدوئه المعتاد مرتديًا بدلته الداكنة، وملامحه ثابتة كعادتها، لكن عينيه انتقلتا سريعًا بينها وبين ندى، وكأنه أدرك فورًا أن هناك شيئًا غير طبيعي. قطبت جيداء حاجبيها: — “زين؟” رفع ملفًا كان بيده قليلًا: — “كنت قريبًا من هنا… قلت إنني سأمر لأخذ بعض الأوراق الخاصة بالمشروع.” ثم توقف قليلًا وهو يراقب شحوب وجهها: — “يبدو أن الوقت غير مناسب.” تبادلت ندى وجيداء نظرة سريعة. أما جيداء فتنفست ببطء وهي تحاول استعادة ثباتها: — “لدي أمر طارئ فقط.” لكن ندى سبقتها هذه المرة. قالتها بسرعة وقلق واضح: — “عمران اخو ماما زينب خرح من السجن .” ساد الصمت. صمت قصير جدًا. لكنه كان كافيًا لتلاحظ جيداء شيئًا نادرًا. تغيرًا خفيفًا جدًا داخل عيني زين ايام الجامعة سمع من جيداء عن عمران . اختفى هدوؤه للحظة واحدة فقط… ثم عاد. سأل بهدوء: — “ماذا فعل؟” أجابت جيداء ببرود متوتر: — “لا شيء يخصك.” لكن ندى قالت فورًا: — “اتصل بها وهددها بشكل غير مباشر…
ظل هاتف جيداء بين يديها لثوانٍ طويلة بعد انقطاع الخط. كأن عقلها يرفض استيعاب ما حدث للتو. أما ندى فكانت تراقب وجهها بصمت، و القلق يزداد تدريجيًا داخل عينيها. — “جيداء؟” لم ترد. كانت تحدق في الشاشة السوداء فقط. ذلك الصوت. ذلك النفس البارد الهادئ. رغم أنها لم تسمع سوى ثوانٍ قليلة… إلا أن جسدها كله عرف صاحبه فورًا. عمران. شعرت ببرودة تزحف أسفل عمودها الفقري. ثم فجأة… اهتز الهاتف مجددًا بين أصابعها. شهقت ندى: — “إنه نفس الرقم؟” أومأت جيداء ببطء. وقبل أن تمنع نفسها… أجابت. جاءها صوته فورًا هذه المرة. هادئًا. مستمتعًا. وكأنه يعرف تمامًا تأثير وجوده عليها. — “يبدو أنني قاطعت لحظة لطيفة.” أغمضت جيداء عينيها للحظة قصيرة. تحاول السيطرة على ارتجاف أنفاسها. ثم قالت ببرود مصطنع: — “ماذا تريد؟” ضحك ضحكة قصيرة منخفضة. النوع الذي يجعل الدم يتجمد داخل العروق. — “لا أحب هذه الطريقة الجافة يا صغيرة.” تصلبت ملامحها فورًا عند الكلمة. صغيرة. كم كانت تكره عندما يناديها هكذا. لأنها تعيدها فورًا إلى تلك الطفلة التي كانت تختبئ خلف الأبواب كل







