เข้าสู่ระบบاستيقظت ليفيا قبل شروق الشمس بقليل.
لم تنم سوى ساعات متقطعة، وكلما أغمضت عينيها، عادت إليها صورة أدريان وهو يغادر منزلهم دون أن يلتفت إليها. كانت تلك اللحظة تتكرر في ذهنها بإلحاح مؤلم، كأنها تحاول أن تفهم ما الذي لم تقله، أو ما الذي كان يجب أن تفعله لتمنعه من الرحيل. أطلقت زفرة طويلة، ثم دفعت الغطاء عنها وجلست على حافة السرير للحظات. شعرت بثقل غريب في صدرها، ليس حزنًا خالصًا ولا غضبًا واضحًا، بل مزيج مربك من الاثنين، يتسلل إلى داخلها دون أن يمنحها تفسيرًا. اعتادت أن تبدأ يومها بنفسها. كانت ترفض أن تعتمد على أحد، حتى في أبسط التفاصيل. لكن هذا الصباح تحديدًا، شعرت للحظة برغبة خفية في أن يكون هناك من يمد لها يدًا، من يخفف عنها هذا الصمت الداخلي الذي يزداد اتساعًا. انتقلت بهدوء إلى كرسيها المتحرك، ثم اتجهت نحو الحمام، قبل أن تعود بعد دقائق مرتدية ثوبًا بسيطًا بلون أزرق فاتح. نظرت إلى انعكاسها في المرآة. رفعت يدها ترتب خصلات شعرها البني الطويل، ثم ابتسمت لنفسها ابتسامة خافتة. لكن تلك الابتسامة لم تصل إلى عينيها. كانت محاولة واعية لإقناع نفسها بأنها بخير، رغم أن شيئًا في داخلها كان يهمس بالعكس. “لن أسمح لليلة الأمس أن تكسرني.” قالتها بصوت منخفض، وكأنها تعاهد نفسها، أو ربما تحاول أن تصدق ما تقول. ⸻ في الطابق السفلي، كانت أميليا تجهز الإفطار، بينما جلس جورج بصمت يطالع الجريدة دون أن يقرأ منها سطرًا واحدًا. كان ذهنه مشغولًا، يتوقع ما سيحدث، ويخشى في الوقت ذاته من مواجهته. ما إن دخلت ليفيا حتى رفع والدها رأسه. حاول أن يبتسم. “صباح الخير.” بادلتهم الابتسامة. “صباح الخير.” ساد صمت قصير. كان صمتًا مشحونًا بما لم يُقل، وكأن الكلمات تقف على حافة الشفاه لكنها ترفض الخروج. ثم قالت ليفيا بهدوء: “أبي… أريد أن أتحدث معك بعد الإفطار.” تبادل جورج وأميليا النظرات. كان يعرف مسبقًا ما الذي ستقوله. وشعر بوخزة خفيفة في قلبه، مزيج من القلق والندم، لأنه ربما كان جزءًا من هذا القرار الذي يثقل كاهلها الآن. ⸻ في الجهة الأخرى من المدينة… لم يكن حال أدريان أفضل. دخل مقر شركة كراوفورد بملامح جامدة، فتوقف الموظفون عن الحديث للحظة. كان حضوره دائمًا يفرض صمتًا، لكن اليوم كان مختلفًا. كان الصمت أثقل، وكأن شيئًا غير مرئي يحيط به. ألقى التحية باقتضاب، ثم اتجه مباشرة إلى المصعد. لكن قبل أن يضغط الزر، سمع صوت سكرتيرة والده. “سيد أدريان… السيد ريتشارد بانتظارك.” رد دون أن ينظر إليها: “أخبريه أن ينتظر.” ثم دخل المصعد وأغلق الباب. بمجرد أن انغلقت الأبواب، زفر ببطء، وأسند رأسه للحظة إلى الجدار المعدني البارد. شعر بضيق غير مبرر، كأن شيئًا يضغط على صدره دون أن يمنحه سببًا واضحًا. بعد دقائق، كان يقف داخل مكتبه، يخلع سترته ويضعها على المقعد. رن هاتفه. نواه بينيت. أجاب هذه المرة. “ماذا؟” جاءه صوت نواه هادئًا. “اهدأ أولًا.” “ليس لدي وقت للنصائح.” ضحك نواه. “إذن اسمع الخبر.” صمت أدريان. كان جزء منه لا يريد أن يسمع، لكنه لم يغلق الخط. “صوفيا روس أخبرتني أن ليفيا ستطلب اليوم إلغاء موضوع الزواج.” انعقد حاجباه. “ماذا؟” “يبدو أنها لا تريد أن تُجبرك على شيء.” ساد الصمت. في تلك اللحظة، شعر بشيء يتحرك داخله، انقباض خفيف لكنه واضح، كأن فكرة فقدان هذا الارتباط—حتى لو لم يرده—أثارت فيه فراغًا غير متوقع. لم يكن الأمر متعلقًا بالزواج نفسه، بل بشيء أعمق لم يستطع تسميته. قال ببرود مصطنع: “هذا أفضل.” لكن صوته لم يكن ثابتًا كما أراد. لكن نواه التقط التردد في صوته. “هل أنت متأكد؟” تردد أدريان للحظة، وكأن الإجابة ليست واضحة حتى له. ثم أغلق الهاتف دون أن يجيب. بقي واقفًا مكانه، ينظر إلى الفراغ، محاولًا إقناع نفسه بأن ما يشعر به لا يعني شيئًا. ⸻ بعد ساعة… وصلت ليفيا إلى المؤسسة الخيرية التي كانت تعمل فيها متطوعة قبل الحادث، ثم واصلت زيارتها حتى بعد أن أصبحت تستخدم الكرسي المتحرك. استقبلها الموظفون بابتسامات صادقة. كانت محبوبة بينهم. وجودها هناك كان يمنحها شعورًا بالثبات، كأنها تستعيد جزءًا من نفسها الذي لم يتغير رغم كل شيء. وبينما كانت تتحدث مع إحدى الموظفات، توقفت سيارة سوداء أمام المبنى. ترجل منها ريتشارد كراوفورد. ثم تبعه… أدريان. تجمدت ابتسامة ليفيا. شعرت بقلبها يخفق بقوة مفاجئة، وكأن جسدها سبق عقلها في إدراك حضوره. أما أدريان، فلم يكن يعلم أصلًا أن والده سيقوده إلى هذا المكان. وحين وقعت عيناه عليها، شعر بتوتر خفي، كأن المسافة بينهما امتلأت بكل ما لم يُقال بينهما. التقت عيناهما. ساد صمت ثقيل. كان صمتًا يحمل أسئلة، واعتذارات غير منطوقة، وترددًا لا يعرف أي منهما كيف يتجاوزه. اقترب ريتشارد منهما بخطوات ثابتة وقال بهدوء: “أعتقد أن الوقت حان لتتحدثا بعيدًا عن الجميع.” نظر أدريان إلى والده بحدة. “قلت لك إنني لا أريد…” قاطعه ريتشارد بنظرة صارمة. ثم التفت إلى ليفيا. “أعتذر يا ابنتي… لكن هناك أمور لا تُحل إلا بالمواجهة.” أخذت ليفيا نفسًا عميقًا. شعرت بأنفاسها تثقل، وكأنها تستعد لشيء أكبر من مجرد حديث. ثم رفعت نظرها إلى أدريان. وقالت بهدوء لم يتوقعه: “لا تقلق… لن أحاول إقناعك بالزواج.” كانت كلماتها ثابتة، لكن داخلها كان هناك ارتجاف خفي، صراع بين رغبتها في الحفاظ على كرامتها، وبين جزء صغير منها كان يتمنى لو أنه قال شيئًا مختلفًا. للمرة الأولى… لم يجد أدريان أي كلمة يرد بها. وقف صامتًا، يشعر بأن هذا الصمت أثقل من أي جدال، وكأن ما بينهما بدأ يتشكل في منطقة لا يستطيع السيطرة عليها. وللمرة الأولى أيضًا، لم يكن متأكدًا مما يريده حقًا.كان أدريان، وصمته، والشخص الذي بدا أنه يملك انتباهه بالكامل. بقيت هذه الفكرة عالقة في ذهن ليفيا حتى بعد أن بدأت العائلة تتفرق من حولهما، ولم تستطع أن تمنع نفسها من العودة إليها مرة بعد أخرى، رغم محاولتها المستمرة لإقناع نفسها بأن الأمر لا يعنيها. ربما كان العمل هو السبب، وربما كانت هناك مسألة عاجلة احتاجت إلى رده، وربما لم يكن في الأمر شيء يستحق كل هذا التفكير أصلًا، لكنها كلما حاولت أن تجد تفسيرًا منطقيًا لانشغاله المستمر بهاتفه، وجدت نفسها تعود إلى السؤال ذاته: لماذا تشعر وكأنه لم يعد يراها؟ لم يكن أدريان قد قال شيئًا جارحًا، ولم يتجاهلها بصورة واضحة، بل على العكس، ساعدها عندما تعثرت، وسار إلى جوارها حين عادا إلى الداخل، وكلما احتاجت إلى مساعدته قدمها دون تردد، لكن ذلك لم يكن ما كانت تبحث عنه الآن. كانت تريد انتباهه، تلك النظرة التي اعتادت أن تجدها في عينيه حتى عندما لا يقول شيئًا، ذلك الشعور الذي جعلها في الفترة الأخيرة تدرك أن وجودها أصبح يحتل مكانًا واضحًا في حياته. أما الليلة، فقد بدا وكأنه سحب ذلك الاهتمام منها بهدوء. وهذا هو ما أوجعها. وحين دخلا الغرفة، كانت ليفيا لا تزال
لم تكن ليفيا تتوقع أن يعود رايان في ذلك المساء. وصلت إلى القصر قبل موعد العشاء بقليل، وكانت العائلتان قد اجتمعتا في الحديقة، وحين توقفت السيارة أمام المدخل، رفعت رأسها لترى من القادم. ما إن نزل رايان حتى وقفت من مكانها دون تفكير. “رايان؟” ابتسم لها وهو يقترب، ومد يده إليها، فصافحته بحرارة قبل أن تقول وهي تنظر إليه بعتاب: “عدت منذ أيام ولم تخبرني؟” ضحك. “كنت أعرف أنك ستعاتبينني.” “وأنت مع ذلك عدت.” “ولهذا جئت مستعدًا.” تدخل والدها ضاحكًا، موضحًا أن رايان أراد أن يفاجئ الجميع، وسرعان ما أحاطت به العائلة بالترحيب. صديقًا قديمًا للعائلتين، يعرفه الجميع جيدًا، ولذلك لم يكن حضوره غريبًا على أحد. جلست ليفيا إلى جواره لبعض الوقت، وسألته عن سفره وعمله، وتبادلا الحديث بسهولة عادت معها الألفة القديمة دون حاجة إلى استدعاء أي ذكريات بعيدة. وبعد دقائق، وصل أدريان. صافح رايان بحرارة معتادة، وتبادلا الحديث عن عودته، ثم جلس أدريان إلى جوار ليفيا. لم يبدُ عليه أي انزعاج. كان يعرف رايان جيدًا، ولم يكن وجوده بحد ذاته شيئًا يستحق الاستغراب. بدأ العشاء وسط أحاديث العائلتين، ثم ذكر رايان أنه
استيقظت ليفيا في الصباح وهي لا تزال تشعر بآثار الأمس في كل تفاصيلها. لم تكن القبلة هي أكثر ما يشغلها، رغم أنها كلما تذكرتها شعرت بحرارة تصعد إلى وجهها. كان سؤاله هو الذي لم تستطع التخلص منه. إذا أردت طفلًا منك… هل ستعطينني إياه؟ ثم ذلك الجزء الذي جاء بعدها، عندما نظر إليها وقال إنه يريد أن يعرف إن كانت تستطيع أن تتخيل مستقبلًا يكون هو فيه. لماذا قال ذلك؟ ولماذا الآن؟ كانت الأسئلة كثيرة، لكنها قررت ألا تسمح لها بإفساد صباحها. نزلت إلى الطابق السفلي، وحين دخلت غرفة الطعام وجدته هناك. كان أدريان جالسًا في مكانه، يرتدي ملابس العمل، وملامحه هادئة بصورة غريبة. رفعت عينيها إليه. توقعت أن ينظر إليها. لكنه لم يفعل. قالت: “صباح الخير.” “صباح الخير.” ثم لا شيء. جلست ليفيا ببطء. راقبته من خلف فنجانها. كان يقرأ بعض الأوراق، يقلب الصفحات واحدة تلو الأخرى، وكأن وجودها أمامه لا يعني شيئًا. انتظرت قليلًا. ثم قالت: “ألا تنظر إليّ حتى؟” رفع عينيه إليها أخيرًا. “أنا أنظر إليك الآن.” ثم أعاد عينيه إلى الورقة. حدقت فيه. “كنت أظن أنك ستقول شيئًا آخر.” “مثل ماذا؟” “لا أعرف.” قال
بقيت ليفيا تحدق فيه، بينما كان سؤال أدريان يتردد في رأسها بلا توقف. “إذا أردت طفلًا منك… هل ستعطينني إياه؟” لم يكن السؤال عابرًا، ولم تكن طريقته في طرحه تسمح لها بأن تتعامل معه كأنه مجرد مزحة. كان جالسًا أمامها بملامح متجهمة، وعينين ثابتتين تراقبان أدق تغير في وجهها، وكأنه ينتظر منها إجابة محددة. ترددت للحظات، ثم قالت بهدوء: “لكن…” رفع حاجبه. “ماذا؟” ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت “أنت لا تحب الأطفال أصلًا.” تجمد وجهه. “من قال لكِ ذلك؟” رفعت كتفيها بخفة. “أنت.” “أنا؟” ضحكت بهدوء. “ليس بصورة مباشرة، لكنني ألاحظك كلما اقترب طفل.” اشتد فكه. “وهذا لا يعني شيئًا.” “بل يعني الكثير.” ثم أضافت وهي تحاول كتم ضحكتها: “ذلك اليوم مثلًا، عندما جلس الطفل إلى جانبي، أخذته مني وكأنك كنت تنتظر تلك اللحظة.” نظر إليها طويلًا. “كان يزعجك.” “لم يكن يزعجني.” “كان ملتصقًا بك.” “وكان لطيفًا.” ازدادت ملامحه تصلبًا. أما هي، فابتسمت أكثر، وكأن هدوءه المستفز بدأ يثير رغبتها في مواصلة الحديث. “ثم إنني لا أفهم…” توقفت لحظة. “كيف تريد طفلًا.." ورفعت عينيها إ
انتهى لقاء الأصدقاء أخيرًا، وبدأ الجميع بالمغادرة.كانت ليفيا لا تزال تقف قرب المدخل، تودع آخر من بقي من أصدقائها، بينما كان أدريان قد ابتعد منذ دقائق دون أن يقول شيئًا.خرج من المكان واتجه إلى السيارة، ثم وقف بجانبها، واضعًا يديه في جيبي معطفه، وملامحه جامدة بصورة واضحة.كانت ليفيا تراقبه من بعيد.ظنت أنه غادر.لكن عندما انتهت من وداع أصدقائها، خرجت من المبنى ببطء، فوجدته واقفًا عند السيارة ينتظرها.اقتربت منه، وابتسمت بخفة.“ظننت أنك ذهبت.”التفت إليها أدريان فورًا، وكأن الجملة استفزته.قال بانفعال مكتوم:“ماذا كنتِ تظنين؟”رمشت باستغراب.“لا شيء…”“فقط ظننت أنك مللت وانتظرتني.”اشتد فكه.وقال بحدة:“وأترك زوجتي هنا وحدها؟”سكتت.كان صوته يحمل غضبًا حقيقيًا، ولم يكن فيه أي شيء من المزاح.ثم فتح لها باب السيارة.“اركبي.”نظرت إليه للحظة.ثم قالت بخفة محاولة استعادة الجو:“حسنًا، حسنًا… لا داعي لكل هذا الغضب.”لم يجب.انتظرت حتى استقرت في المقعد، ثم أغلق الباب بهدوء.دار حول السيارة وجلس خلف المقود.وانطلقت السيارة.⸻مرّت الدقائق الأولى بصمت.كانت ليفيا تنظر إليه من حين إلى آخر.كان
بعد أن ابتعد أدريان عن الطاولة، بقي جاستن في مكانه للحظات، ثم نهض بهدوء ولحق به إلى الجهة الأخرى من المطعم. لم يكن في ملامحه تحدٍ، ولم يكن يريد شجارًا، لكنه كان يعرف أن هناك شيئًا يجب أن يقوله قبل أن يغادر.توقف خلف أدريان وقال: “أدريان، أريد أن أتحدث معك قبل أن أذهب.”استدار أدريان ببطء، وكانت ملامحه قد عادت إلى هدوئها المعتاد، رغم أن صدره كان لا يزال مثقلًا بما حدث قبل دقائق.“تحدث.”تردد جاستن لحظة، ثم قال مباشرة: “أنا أحب ليفيا.”لم يتحرك أدريان.حتى تعابير وجهه لم تتغير في البداية، لكن عضلة صغيرة ارتجفت في فكه، ثم شد يديه خلف ظهره حتى لا يظهر ما أحدثته الجملة داخله.قال بعد صمت قصير: “هي لا تعرف؟”“لا.”“ولم تخبرها؟”“ليس بعد.”رفع أدريان عينيه إليه.“ولماذا تخبرني أنا؟”أجاب جاستن بصراحة: “لأنني أعرف أنك زوجها، وأعرف أن وجودي في حياتها قد يزعجك. لم أكن أريد أن تسمعها مني بطريقة تجعلها تشعر بأنها مضطرة إلى اختيار طرف.”بقي أدريان صامتًا.كان الاعتراف يؤلمه أكثر مما توقع، ليس لأن جاستن قال إنه يحبها فقط، بل لأنه قالها بثبات رجل يعرف ما يريد.قال أدريان أخيرًا: “لا تخبرها الآن.”رف







