Masukشعرت ليال وكأنها تغوص في بحرٍ بلا نهاية.
كانت الأصوات بعيدة ومشوشة، تتداخل مع الظلام الذي يحيط بها من كل جانب. ثم بدأ كل شيء يعود ببطء. صوت أمواج. صوت رياح خفيفة. ورائحة ملح البحر. فتحت عينيها بصعوبة. كان الضوء الساطع يتسلل عبر نافذة زجاجية ضخمة تمتد من الأرض حتى السقف. رمشت عدة مرات محاولة استيعاب ما تراه. لم تكن داخل الطائرة. ولم تكن داخل غرفة المستشفى. بل داخل غرفة واسعة أشبه بجناح فاخر في فندق مطل على البحر. نهضت ببطء. فشعرت بألم خفيف في رأسها. وضعت يدها على عنقها. وتذكرت فجأة. الطائرة. الرجل الغامض. والظلام الذي ابتلعها. قفزت من السرير. "ياسين!" لم يجبها أحد. بدأ قلبها يخفق بعنف. نظرت حولها بسرعة. الغرفة خالية. لا حراس. لا أقفال. لا كاميرات ظاهرة. وهذا ما أخافها أكثر. اقتربت من الباب بحذر. وضعت يدها على المقبض. ثم فتحته. انفتح بسهولة. تجمدت للحظة. ثم خرجت. كان الممر خارج الغرفة مختلفًا عن أي مكان رأته من قبل. جدران بيضاء ناصعة. أرضية زجاجية لامعة. وشاشات إلكترونية مثبتة على الجدران تعرض بيانات ورسومات معقدة. في نهاية الممر امتدت نوافذ ضخمة تكشف مشهدًا جعلها تتوقف. البحر. بحر أزرق لا نهاية له. وفي الأسفل ظهرت عشرات المباني الحديثة المنتشرة على مساحة الجزيرة. أبراج مراقبة. مختبرات. منصات هبوط. وهوائيات ضخمة ترتفع نحو السماء. شعرت بقشعريرة. لم تكن هذه مجرد منظمة. بل مدينة كاملة مخفية عن العالم. بدأت تسير ببطء. كانت ترى علماء يرتدون المعاطف البيضاء. وأفراد أمن يتحركون في الممرات. لكن الغريب أن أحدًا لم يمنعها. لم يحاول أحد إيقافها. بل إن بعضهم كان ينظر إليها باحترام غريب. وكأنهم يعرفونها. أو يعرفون من تكون. استوقفت إحدى الموظفات. "أين ياسين؟" ترددت المرأة. ثم قالت: "إنه يتلقى الرعاية الطبية." شعرت ليال بالقلق. "أريد رؤيته." لكن الموظفة ابتسمت ابتسامة باهتة. "سيكون بخير." ثم غادرت بسرعة. كأنها لا تريد مواصلة الحديث. بدأ التوتر يتسلل إلى قلبها. لم يعجبها شيء في هذا المكان. كل شيء كان مرتبًا أكثر من اللازم. هادئًا أكثر من اللازم. وكأن وراء هذا الهدوء سرًا مرعبًا. واصلت السير. انعطفت داخل ممر جانبي. ثم آخر. ثم لاحظت أنها لم تعد ترى النوافذ أو البحر. أصبحت الممرات أضيق. والإضاءة أكثر خفوتًا. توقفت. كانت قد ضلت طريقها. التفتت لتعود. لكن شيئًا لفت انتباهها. باب معدني ضخم. مفتوح قليلًا. وخلفه ضوء أزرق خافت. اقتربت ببطء. ثم دفعت الباب. فانفتح. وفي اللحظة التالية شعرت بأن الهواء البارد يضرب وجهها. تجمدت في مكانها. كانت الغرفة هائلة. صفوف طويلة من الكبسولات الزجاجية تمتد في جميع الاتجاهات. أضواء زرقاء تتوهج داخلها. وأجهزة لا تتوقف عن إصدار أصوات إلكترونية متقطعة. اقتربت أكثر. ثم شعرت بأن الدم يتجمد في عروقها. داخل إحدى الكبسولات... كان هناك طفل. لم يكن نائمًا بشكل طبيعي. بل مغمورًا بسائل شفاف. وأنابيب كثيرة متصلة بجسده. شهقت. وتراجعت خطوة. ثم نظرت إلى الكبسولة التالية. طفلة أخرى. ثم ثالثة. ثم رابعة. عشرات الأطفال. ربما أكثر. امتدت الكبسولات حتى نهاية القاعة. شعرت بالغثيان. "يا إلهي..." همست بصوت مرتجف. بدأت تتقدم بين الصفوف. كلما تقدمت ازداد الرعب داخلها. بعض الأطفال كانوا صغارًا جدًا. وبعضهم في عمرها تقريبًا. وعلى كل كبسولة رقم فقط. لا أسماء. لا معلومات. مجرد أرقام. وكأنهم ليسوا بشرًا. وصلت إلى غرفة أخرى متصلة بالقاعة. وهناك كانت الصدمة أكبر. رفوف طويلة تحمل مئات العينات. أنابيب دم. تقارير طبية. وسجلات إلكترونية. شاشات تعرض تحاليل جينية معقدة. ورموزًا لم تفهم معظمها. اقتربت من إحدى الشاشات. وضغطت عليها. فظهرت قائمة طويلة. عينات. ملفات. مشاريع. أرقام لا تنتهي. ثم وقع بصرها على اسم جعل أنفاسها تتوقف. الحالة A. ارتجفت يدها. ضغطت على الملف. فظهرت صورتها. شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها. بدأت تتصفح بسرعة. سنوات من المراقبة. تقارير. تحاليل. اختبارات. كل لحظة من حياتها تقريبًا كانت مسجلة. تراجعت وهي ترتجف. ثم ظهر ملف آخر. الحالة B. ياسين. أغمضت عينيها بقوة. لا... لا يمكن. أخذت تتراجع للخلف. لكنها اصطدمت بطاولة معدنية. التفتت بسرعة. ثم شعرت بأنفاسها تتوقف. على الطاولة كانت ملفات كثيرة. وبجانبها صور. صور لأطفال آخرين. بعض الصور قديمة جدًا. وبعضها ممزق. وفي أعلى كل ملف ختم واحد. مشروع فينيكس. شعرت بدوار مفاجئ. وأخذت أنفاسها تتسارع. كانت الجدران تدور حولها. والأسئلة تهاجم عقلها بلا رحمة. هل كانت أمها تعرف؟ هل هي من بنت هذا المكان؟ هل كل هؤلاء الأطفال جزء من المشروع؟ هل ما حدث لها حدث لهم أيضًا؟ --- بدأت تركض نحو الباب. كانت تريد الخروج. الهرب. الابتعاد عن كل شيء. لكن رؤيتها أصبحت مشوشة. وتثاقلت خطواتها. ثم لمحت شيئًا أخيرًا. ملفًا مفتوحًا على إحدى الطاولات. وفي أسفل الصفحة... توقيع. توقيع امرأة. اسم واحد فقط. ليان. شعرت وكأن شيئًا انكسر داخلها. تراجعت خطوة. ثم أخرى. وأخيرًا... ابتلعها الظلام. عندما فتحت عينيها مجددًا كانت مستلقية على أريكة ناعمة داخل غرفة هادئة. قفزت جالسة. "أين أنا؟!" جاءها صوت هادئ من الخلف. "أنتِ بأمان." استدارت بسرعة. كان الرجل الغامض. شعرت بالغضب يشتعل داخلها. "بأمان؟!" نهضت. "رأيت الأطفال!" "رأيت كل شيء!" "ما هذا المكان؟!" ظل صامتًا. فصرخت: "أجبني!" لكن الرجل اكتفى بالنظر إليها للحظات. ثم قال: "هناك شخص واحد فقط يستطيع أن يجيب عن أسئلتك." شعرت بقلبها ينقبض. كانت تعرف من يقصد. دون أن ينطق الاسم. اقترب منها. وأشار نحو الباب. "تعالي معي." سارا عبر ممر طويل. ثم صعدا عدة طوابق. وأخيرًا توقفا أمام باب ضخم مصنوع من الزجاج والفولاذ. كان أكبر باب رأته في حياتها. نظر إليها الرجل الغامض. "هل أنت مستعدة؟" لم تجب. لأنها لم تكن مستعدة. ولن تكون. لكنها أومأت برأسها. ففتح الباب. ببطء. بدأ الضوء يتسلل من الداخل. ودخلت ليال. كانت القاعة واسعة بشكل مذهل. جدرانها من الزجاج. والبحر يمتد خلفها بلا نهاية. وفي منتصف القاعة... وقفت امرأة تنظر نحو الأفق. شعر أسود طويل. وقفة هادئة. وهيبة غريبة. شعرت ليال بأن قلبها توقف. استدارت المرأة ببطء. والتقت عيناهما لأول مرة. كانت نفس ملامح الصورة القديمة. نفس العينين. نفس الابتسامة الهادئة. ثم قالت بصوت دافئ: "مرحبًا يا ليال." وتجمد العالم كله حولها.لم يتحرك أحد.بقيت الصورة معلّقة على الشاشة، مضيئة وسط الظلام.والد ليال.واقفًا كما لم تره من قبل.حيًّا.وبجانبه ذلك الرجل الغريب، ممسكًا بالمفتاح رقم 17.حدّقت ليال في الصورة، وشعرت بأن شيئًا في داخلها يحاول استعادة ذكرى وجهٍ لم تره منذ سنوات.قالت بصوت خافت:— من هذا؟لم يجب أحد.التفتت إلى سليم.كان شاحبًا.وللمرة الأولى منذ عرفته، رأت الخوف واضحًا في عينيه.— سليم... من هذا الرجل؟ظل ينظر إلى الشاشة لثوانٍ، ثم قال بصوت منخفض:— لم يكن من المفترض أن يظهر هنا.اقترب آدم من الشاشة.— أنت تعرفه؟رفع سليم عينيه إليه.— أعرفه... وأعرف أنك يفترض أن تعرفه أكثر مني.ساد الصمت.ابتلع آدم ريقه.— رأيته مرة واحدة فقط.— كاذب.جاء صوت الأم من خلفهم.استدار الجميع.كانت تقف عند مدخل المختبر، والملف القديم لا يزال مفتوحًا في يد ليال.قالت الأم:— لقد رآه أكثر من مرة.تجمّد آدم.— ليس من حقك أن تتحدثي.ابتسمت ابتسامة خالية من الفرح.— ولا يحق لك أن تتظاهر بأنك لم تكن جزءًا من البداية.نظرت ليال إلى الصورة مرة أخرى.— قلتِ إن أبي هو من بدأ المشروع.هزّت أمها رأسها ببطء.— قلت لك ما لم تكوني مستع
كانت الطائرة قد هبطت منذ أقل من ساعة.لكن ليال شعرت وكأنها عادت إلى زمن آخر.زمن لم تكن تتذكره بالكامل...أو ربما كانت تتذكره، لكنها ظلت تخاف من الاعتراف به.جلست داخل السيارة، تنظر من النافذة إلى الطريق الممتد أمامها.الهواء مختلف.الضوضاء مختلفة.حتى رائحة الشوارع بدت مألوفة بطريقة مؤلمة.قال آدم من المقعد الأمامي:"الإحداثيات تقود إلى قرية قريبة من مكان إقامتك القديمة."سألته ليال:"هل كنت تعرف هذا المكان؟"صمت.فقالت:"آدم."أجاب دون أن يلتفت:"كنت أعرفه من خلال والدك.""هل زرتَه من قبل؟""مرة واحدة.""متى؟""قبل الحريق."التفتت إليه بسرعة."ولماذا كنت هناك؟"نظر إلى سليم عبر المرآة."لأن والدك طلب مني أن أذهب."تدخل سليم:"لم يكن ذلك وقتًا مناسبًا للحديث."قالت ليال بحدة:"كل مرة تقولان فيها ذلك، أكتشف أن هناك شيئًا أخطر مما أخفيتماه."لم يرد أحد.كانت السيارة تسير في طريق ضيق تحيط به الأشجار والمنازل القديمة.ثم ظهرت أمامهم بوابة حديدية.توقفت السيارة.رفعت ليال رأسها.شعرت بصدمة مفاجئة.البوابة...كانت تعرفها.لم تتذكر من أين.لكن جسدها تذكر قبل عقلها.قال ياسين بصوت ضعيف:"هنا
لم تنطق ليال. كانت تحدق في الخريطة. المكان الذي عاشت فيه طفولتها. المكان الذي ظنت أنها تعرفه جيدًا. لكن الآن... لم تعد تثق حتى في ذكرياتها. قالت بصوت خافت: "أمي هناك." أجاب سليم: "على الأرجح." "ولماذا؟" نظر إلى الإحداثيات. "لأنها تعرف ما يوجد هناك." تدخل آدم: "وأنا أعرف شيئًا آخر." التفتت إليه. "ماذا؟" قال: "المكان الذي حددته الخريطة ليس بيتك." صمت قليلًا. "إنه مكان أقدم." سألت ليال: "أقدم من المشروع؟" هز رأسه. "أقدم من المنظمة نفسها." شعرت ليال بأن الأمر أصبح أكبر مما تخيلت. "إذن لماذا كان أبي يأخذني إلى هناك؟" توقف آدم. نظر إلى سليم. لكن سليم لم يتكلم. صرخت ليال: "ماذا تعرفان؟!" أجاب سليم أخيرًا: "والدك لم يأخذكِ إلى هناك." "ماذا؟" "أمك هي التي أخذتك." تجمدت. بدأت صورة قديمة تظهر في ذاكرتها. طريق طويل... سيارة سوداء... يد أمها وهي تمسك بيدها... وباب حديدي كبير. كانت تظن أنها زيارة عادية. لكنها الآن بدأت تتذكر. سألت: "كان هناك مبنى." قال سليم: "نعم." "وكنت أدخل إليه." "نعم." "لماذا؟"
لم تتحرك ليال.ظلت عيناها معلقتين بالباب.خطوات واحدة...هادئة.ثابتة.تقترب.قال سليم بصوت منخفض:"مهما حدث... لا تفتحي الباب."نظرت إليه ليال."أنت قلت إننا سنعرف من كان يطارد من.""نعم.""إذن دعه يدخل."رفع سليم عينيه إليها."ليال، أنتِ لا تعرفين آدم."أجابته بحدة:"وأنت تعرفه؟"لم يرد.فجأة...توقفت الخطوات أمام الباب.ثانية واحدة من الصمت.ثم ثلاث طرقات.طرق...طرق...طرق.جاء صوت من الخارج:"ليال."تجمدت.كان صوته.آدم.اقترب ياسين من ليال وهمس:"لا تفتحي."التفتت إليه."لماذا؟"نظر إلى الباب بخوف."لأنني أتذكره."توقف كل شيء داخلها."ماذا تتذكر؟"رفع ياسين يده إلى رأسه."المختبر..."ثم أغمض عينيه."أبي كان يصرخ."سألته ليال:"والدك؟""والدك أنتِ."نظر إلى سليم."كان يصرخ عليه."تغير وجه سليم.ثم قال:"ياسين..."لكن ياسين أكمل:"وكان آدم هناك."ساد الصمت.من خلف الباب، قال آدم:"أعرف أنكم تسمعونني."ثم أضاف:"وأعرف أن سليم أخبركم أشياء كثيرة."نظر سليم إلى ليال."لا تستمعي إليه."لكن آدم تابع:"لكنه لم يخبركِ عن الليلة الأخيرة."شعرت ليال بأن قلبها توقف.الليلة الأخيرة.ليلة اخت
لم تتحرك ليال.بقيت واقفة أمام سليم، تحدق في عينيه، بينما كانت كلمات ياسين الأخيرة تتردد في رأسها."رأيته مع أبي."لم يكن الأمر مجرد ذكرى عابرة.كان ياسين يعرفه.وسليم كان يعرف والدها.لكن السؤال الذي لم تستطع ليال تجاهله كان أبسط من كل ذلك:لماذا أخفى عنها الحقيقة؟قالت بصوت منخفض:"أريد أن أعرف ماذا حدث في ذلك اليوم."لم يجب سليم.اقتربت خطوة."اليوم الذي رأيت فيه أبي."صمت."ماذا حدث؟"رفع سليم عينيه إليها.بدا وكأنه اتخذ قرارًا لم يكن يريد اتخاذه.قال:"والدك لم يختفِ."تجمدت ليال."ماذا؟""كان حيًا عندما غادر المختبر."شعرت بأن أنفاسها توقفت."أنت متأكد؟"أومأ."كنت معه.""إلى أين ذهب؟"خفض سليم رأسه."إلى المكان الذي أخفى فيه الملف."اشتدت ملامح ليال."أي ملف؟"لم يجب.صرخت:"أي ملف يا سليم؟!"التفت ياسين إليهما بقلق.لكن سليم ظل هادئًا."الملف الأصلي.""الذي يحتوي على كل شيء.""أسماء المشاركين.""نتائج التجارب.""والأشخاص الذين موّلوا المشروع."صمت لحظة.ثم أضاف:"والدك لم يكن يحاول إنقاذ نفسه.""كان يحاول إسقاط المنظمة بالكامل."شعرت ليال بقشعريرة."ولماذا لم يفعل؟"نظر إليها.
لم تستطع ليال أن تتحرك.كان الرجل يقف أمامها.لم يعد وجهه مجرد صورة قديمة في ذاكرتها.ولم يعد صوتًا خرج من تسجيل مجهول.كان هنا.أمامها.حيًا.حقيقيًا.والدها.سقط الملف من يدها، وارتطم بالأرض بصوت خافت.لكنها لم تسمعه.كل ما كانت تسمعه هو دقات قلبها.اقترب الرجل خطوة."ليال..."تراجعت إلى الخلف.رفعت المسدس نحوه.ارتجفت يدها."لا تقترب."توقف.لم يحاول الدفاع عن نفسه.لم يطلب منها أن تخفض السلاح.فقط نظر إليها.وكان في عينيه شيء جعلها أكثر ارتباكًا.الحزن.قال بصوت منخفض:"كنت أعرف أن هذه اللحظة ستأتي."ضحكت ليال بمرارة."كنت تعرف؟""كنت تعرف أنني سأبحث عنك؟"أومأ."نعم.""وكنت تعرف أنني سأكبر وأنا أعتقد أنك ميت؟"خفض رأسه."نعم."اشتعل الغضب في عينيها."إذن لماذا؟"لم يجب.اقتربت خطوة."لماذا تركتني؟"ظل صامتًا."لماذا تركت أمي تفعل كل ما فعلته؟"ارتجفت نبرتها."لماذا تركتني أعيش سنوات وأنا لا أعرف حتى من أنا؟"رفع عينيه إليها.وقال:"لأن بقائي بجانبك كان سيقتلك."تجمدت."ماذا؟""لو عرفوا أنك ابنتي..."توقف لحظة."لكنتِ أصبحتِ هدفهم منذ اليوم الأول."قالت:"لكني كنت هدفهم بالفعل."أ
كان أول ما شعرت به ليال هو الألم.ليس ألم الجروح هذه المرة فقط، بل ذلك النوع الثقيل الذي يأتي بعد فقدان الوعي، كأن جسدها كله يرفض العودة للحياة دفعة واحدة. فتحت ليال عينيها ببطء.الضوء كان خافتًا.السقف خشبي.الصمت ثقيل بشكل غريب.حاولت أن تتحرك، لكن جسدها كان مثقلًا وكأنها خرجت من معركة طويلة لا ت
أغلقت ليال باب المختبر خلفها بقوة حتى ارتجت مفاصله المعدنية، ثم استندت إليه لثوانٍ قصيرة تحاول التقاط أنفاسها. كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، بينما امتزجت رائحة المواد الكيميائية العالقة بملابسها برائحة الدم التي لم تفارقها منذ ساعات.في يدها اليمنى كانت تقبض على حقيبة مشروع فينيكس كأنها كنز انتزعته من
انزلق الباب الإلكتروني ببطء خلفي، مطلقاً صفيراً خافتاً بدا كأنه آخر تحذير قبل السقوط في الهاوية. خرجت إلى الممر وأنا أضغط على جرح كتفي بيدي المرتجفة. كان الهواء بارداً بصورة مؤلمة، يتسلل عبر ملابسي الممزقة ويغرس أنيابه في الجروح المنتشرة على جسدي. ارتجفت قدماي للحظة. الأرضية البيضاء اللامعة انعكس
توقفت أنفاسي تماماً خلف ذلك الباب، كأن الهواء نفسه تجمد داخل رئتي. الرواق الطويل بدا فجأة أكثر ضيقاً، وأكثر برودة، حتى الأضواء البيضاء المعلقة في السقف صارت ترتجف أمام عينيّ كأنها على وشك الانطفاء. كنت أضع يدي المرتعشة فوق فمي محاوِلة كتم أنفاسي، لكن تلك التنهيدة الصغيرة التي أفلتت مني دون إرادة كا