ログインساد الصمت داخل القاعة بعد كلمات الأم الأخيرة.
لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان ثقيلًا، كأنه جدار غير مرئي يضغط على صدر ليال ويمنع عنها الهواء. كانت واقفة في مكانها، تحدق في المرأة التي أمامها، وكأنها تراها لأول مرة في حياتها. لم تعد ترى “أمها”. بل ترى غريبة تمامًا. شخصًا صنع من الألم مشروعًا، ومن الخوف هدفًا، ومن البشر أرقامًا. ارتجفت شفتاها. "أطفال… لا يحتاجهم أحد؟" تكرر الكلمات ببطء، وكأن عقلها يرفض تصديقها. لكن الأم لم تنظر إليها. كانت واقفة عند النافذة، تتأمل البحر وكأنه أكثر أمانًا من عيني ابنتها. اشتعل صوت ليال فجأة: "هل تسمعين نفسك؟" تقدمت خطوة. "تسمين البشر… أدوات؟" رفعت الأم عينيها ببطء. ولأول مرة لم يكن في نظرتها دفء. "كنتُ في مكان لا يسمح بالضعف." قالت بصوت منخفض. "الوقت لم يكن في صالحي." ضحكت ليال ضحكة قصيرة، لكنها كانت مكسورة. "ولا في صالحهم أيضًا، أليس كذلك؟" ساد الصمت. ثم قالت الأم: "عندما رفض والدك المشروع… ظننت أنه لا يفهم." "كان يرى العالم بشكل مثالي أكثر مما يجب." "يرى أن هناك حدودًا لا يجب تجاوزها." توقفت لحظة. ثم أكملت: "أما أنا… فكنت أرى ابني يموت أمامي." ارتجفت نبرتها عند كلمة “ابني”. لكن ليال لم تعد تتأثر. "ابنك؟" "وماذا عن باقي الأطفال؟" اقتربت أكثر. "هل كانوا مجرد ثمن؟" أخذت الأم نفسًا عميقًا. "لم أكن أريد ذلك." "لكن البحث كان قد بدأ بالفعل." "والتجارب كانت موجودة." "كنت أحاول السيطرة على ما يمكن إنقاذه." ارتفعت ضحكة ليال هذه المرة، لكنها كانت أقرب إلى الألم. "السيطرة؟" "تسمين قتل أطفال سيطرة؟" تراجعت خطوة، ومررت يدها في شعرها بعصبية. "كان بإمكانك التوقف." "في أي لحظة." هزّت الأم رأسها ببطء. "لم أستطع." "لأنني كنت أرى ابني يذبل أمامي كل يوم." ساد الصمت مجددًا. ثم قالت الأم بصوت خافت: "والدك لم يفهم ذلك." اشتدت ملامح ليال. "بل فهم." "ولهذا رفض." ارتجف صوتها: "رفض أن يصبح قاتلًا." توقفت الكلمات في الهواء كالسكاكين. لكن الأم لم تنفعل. بل ابتسمت ابتسامة باهتة، حزينة. "كان مثاليًا أكثر من اللازم." "إلى درجة لم تسمح له برؤية الحقيقة التي أعيشها كل يوم." اقتربت ليال أكثر. حتى أصبحت المسافة بينهما خطوات قليلة فقط. "وأي حقيقة هذه؟" "أن تقتلي أطفالًا لتُنقذي واحدًا؟" ساد الصمت. ثم قالت الأم بهدوء: "كنت سأفعل أي شيء." توقفت لحظة. "أي شيء." تجمدت القاعة. حتى صوت البحر خارج الزجاج بدا بعيدًا. ثم تابعت: "في ذلك اليوم… عاد والدك إلى المختبر." "لم يكن يعلم بما كنت أنوي فعله." "ولا بما وصلتُ إليه." رفعت ليال رأسها ببطء. "ماذا فعلتِ؟" ساد صمت ثقيل. ثم قالت الأم: "كنت أحمل الحقنة." توقفت. "كنت أحاول منعه." "من تدمير المشروع بالكامل." اتسعت عينا ليال. "منعه؟ أم قتله؟" لم تُجب الأم. بل قالت بهدوء أكثر برودًا: "كنت أرى أنه لا يملك الحق في إيقاف ما بدأناه." ارتجفت ليال. "بدأناه؟" "بدأتم ماذا؟!" لم ترد الأم فورًا. بل استدارت نحو النافذة. "مشروع كان يمكن أن يغيّر العالم." صوتها أصبح أكثر قسوة. "أو ينقذه." ثم أضافت: "أو يدمّره." ساد الصمت. ثم قالت ليال بصوت منخفض لكنه مشتعل: "وأين أنا من كل هذا؟" نظرت الأم إليها. ولأول مرة بدا الاضطراب في عينيها. لكنها قالت: "أنتِ كنتِ النتيجة." تجمدت ليال. كأن الكلمات لم تصل لعقلها في البداية. "ماذا قلتِ؟" اقتربت الأم خطوة. "كنتِ التجربة التي نجحت." "كنتِ الدليل على أن المشروع يمكن أن يعمل." تراجعت ليال خطوة. "لا…" "أنا لست تجربة." لكن الأم أكملت بلا تردد: "فصيلة دمك كانت نادرة." "استجابتك كانت غير متوقعة." "ارتباطك الجيني بي ساعد على تثبيت النتائج." ارتجفت ليال. "يعني أنا… مجرد نتيجة؟" ساد الصمت. لم تنفِ الأم. لم تؤكد. لكن صمتها كان كافيًا. شعرت ليال أن الأرض تميد تحتها. "وأين ياسين؟" رفعت الأم عينيها. "ليس أخاكِ." "هو أحد الأطفال الذين نجحوا جزئيًا." "ظل تحت المراقبة." "طوال الوقت." شعرت ليال بالغثيان. "تراقبونه… مثل شيء؟" "مثل تجربة؟" لم تُجب الأم. ثم قالت: "بعض النتائج لا يمكن تركها دون متابعة." ارتفع صوت ليال فجأة: "وأبي؟" ساد صمت طويل. كأن الاسم وحده أثقل من كل ما قيل. ثم قالت الأم: "لا أعرف أين هو." "اختفى بعد تلك الليلة." "ومنذ ذلك الوقت… وأنا أبحث." ضحكت ليال بمرارة. "تبحثين؟" "عن رجل خنتِه؟" اقتربت الأم خطوة. "لم يكن الأمر بهذه البساطة." لكن ليال رفعت يدها. "عندك كل شيء بسيط… طالما ليس أنتِ الضحية." ساد الصمت. ثم قالت ليال بصوت مكسور لكنه حاد: "لقد دمرتي حياتي." "دمرتِ طفولتي." "دمرتِ أطفالًا لا ذنب لهم." "كل هذا… باسم ابنك." اقتربت الأم ببطء. "كنتُ أحاول إنقاذه." صرخت ليال: "وكم طفلًا قتلتي في الطريق؟!" لم تجب الأم. في تلك اللحظة، دخل الحراس القاعة بسرعة. "أمي…" قالتها ليال بصوت أخير فيه شيء من الرجاء. لكن الأم لم تنظر إليها. "انتهى الحديث." ارتفع صوت ليال: "لم ينتهِ شيء!" "أنتِ هربتِ من كل شيء!" لكن الحراس أمسكوا بها. بدأت تقاوم بعنف. "اتركوني!" "أنتِ السبب!" "أنتِ المجرمة!" اقترب أحد الحراس. وغُرست إبرة في ذراعها. شهقت. بدأ العالم يتمايل. الأصوات ابتعدت. والوجوه أصبحت ضبابًا. آخر ما سمعته كان صوت أمها، بعيدًا جدًا: "ما بدأ هنا… لن ينتهي بسهولة." ثم سقط كل شيء في الظلام.لم يتحرك أحد.بقيت الصورة معلّقة على الشاشة، مضيئة وسط الظلام.والد ليال.واقفًا كما لم تره من قبل.حيًّا.وبجانبه ذلك الرجل الغريب، ممسكًا بالمفتاح رقم 17.حدّقت ليال في الصورة، وشعرت بأن شيئًا في داخلها يحاول استعادة ذكرى وجهٍ لم تره منذ سنوات.قالت بصوت خافت:— من هذا؟لم يجب أحد.التفتت إلى سليم.كان شاحبًا.وللمرة الأولى منذ عرفته، رأت الخوف واضحًا في عينيه.— سليم... من هذا الرجل؟ظل ينظر إلى الشاشة لثوانٍ، ثم قال بصوت منخفض:— لم يكن من المفترض أن يظهر هنا.اقترب آدم من الشاشة.— أنت تعرفه؟رفع سليم عينيه إليه.— أعرفه... وأعرف أنك يفترض أن تعرفه أكثر مني.ساد الصمت.ابتلع آدم ريقه.— رأيته مرة واحدة فقط.— كاذب.جاء صوت الأم من خلفهم.استدار الجميع.كانت تقف عند مدخل المختبر، والملف القديم لا يزال مفتوحًا في يد ليال.قالت الأم:— لقد رآه أكثر من مرة.تجمّد آدم.— ليس من حقك أن تتحدثي.ابتسمت ابتسامة خالية من الفرح.— ولا يحق لك أن تتظاهر بأنك لم تكن جزءًا من البداية.نظرت ليال إلى الصورة مرة أخرى.— قلتِ إن أبي هو من بدأ المشروع.هزّت أمها رأسها ببطء.— قلت لك ما لم تكوني مستع
كانت الطائرة قد هبطت منذ أقل من ساعة.لكن ليال شعرت وكأنها عادت إلى زمن آخر.زمن لم تكن تتذكره بالكامل...أو ربما كانت تتذكره، لكنها ظلت تخاف من الاعتراف به.جلست داخل السيارة، تنظر من النافذة إلى الطريق الممتد أمامها.الهواء مختلف.الضوضاء مختلفة.حتى رائحة الشوارع بدت مألوفة بطريقة مؤلمة.قال آدم من المقعد الأمامي:"الإحداثيات تقود إلى قرية قريبة من مكان إقامتك القديمة."سألته ليال:"هل كنت تعرف هذا المكان؟"صمت.فقالت:"آدم."أجاب دون أن يلتفت:"كنت أعرفه من خلال والدك.""هل زرتَه من قبل؟""مرة واحدة.""متى؟""قبل الحريق."التفتت إليه بسرعة."ولماذا كنت هناك؟"نظر إلى سليم عبر المرآة."لأن والدك طلب مني أن أذهب."تدخل سليم:"لم يكن ذلك وقتًا مناسبًا للحديث."قالت ليال بحدة:"كل مرة تقولان فيها ذلك، أكتشف أن هناك شيئًا أخطر مما أخفيتماه."لم يرد أحد.كانت السيارة تسير في طريق ضيق تحيط به الأشجار والمنازل القديمة.ثم ظهرت أمامهم بوابة حديدية.توقفت السيارة.رفعت ليال رأسها.شعرت بصدمة مفاجئة.البوابة...كانت تعرفها.لم تتذكر من أين.لكن جسدها تذكر قبل عقلها.قال ياسين بصوت ضعيف:"هنا
لم تنطق ليال. كانت تحدق في الخريطة. المكان الذي عاشت فيه طفولتها. المكان الذي ظنت أنها تعرفه جيدًا. لكن الآن... لم تعد تثق حتى في ذكرياتها. قالت بصوت خافت: "أمي هناك." أجاب سليم: "على الأرجح." "ولماذا؟" نظر إلى الإحداثيات. "لأنها تعرف ما يوجد هناك." تدخل آدم: "وأنا أعرف شيئًا آخر." التفتت إليه. "ماذا؟" قال: "المكان الذي حددته الخريطة ليس بيتك." صمت قليلًا. "إنه مكان أقدم." سألت ليال: "أقدم من المشروع؟" هز رأسه. "أقدم من المنظمة نفسها." شعرت ليال بأن الأمر أصبح أكبر مما تخيلت. "إذن لماذا كان أبي يأخذني إلى هناك؟" توقف آدم. نظر إلى سليم. لكن سليم لم يتكلم. صرخت ليال: "ماذا تعرفان؟!" أجاب سليم أخيرًا: "والدك لم يأخذكِ إلى هناك." "ماذا؟" "أمك هي التي أخذتك." تجمدت. بدأت صورة قديمة تظهر في ذاكرتها. طريق طويل... سيارة سوداء... يد أمها وهي تمسك بيدها... وباب حديدي كبير. كانت تظن أنها زيارة عادية. لكنها الآن بدأت تتذكر. سألت: "كان هناك مبنى." قال سليم: "نعم." "وكنت أدخل إليه." "نعم." "لماذا؟"
لم تتحرك ليال.ظلت عيناها معلقتين بالباب.خطوات واحدة...هادئة.ثابتة.تقترب.قال سليم بصوت منخفض:"مهما حدث... لا تفتحي الباب."نظرت إليه ليال."أنت قلت إننا سنعرف من كان يطارد من.""نعم.""إذن دعه يدخل."رفع سليم عينيه إليها."ليال، أنتِ لا تعرفين آدم."أجابته بحدة:"وأنت تعرفه؟"لم يرد.فجأة...توقفت الخطوات أمام الباب.ثانية واحدة من الصمت.ثم ثلاث طرقات.طرق...طرق...طرق.جاء صوت من الخارج:"ليال."تجمدت.كان صوته.آدم.اقترب ياسين من ليال وهمس:"لا تفتحي."التفتت إليه."لماذا؟"نظر إلى الباب بخوف."لأنني أتذكره."توقف كل شيء داخلها."ماذا تتذكر؟"رفع ياسين يده إلى رأسه."المختبر..."ثم أغمض عينيه."أبي كان يصرخ."سألته ليال:"والدك؟""والدك أنتِ."نظر إلى سليم."كان يصرخ عليه."تغير وجه سليم.ثم قال:"ياسين..."لكن ياسين أكمل:"وكان آدم هناك."ساد الصمت.من خلف الباب، قال آدم:"أعرف أنكم تسمعونني."ثم أضاف:"وأعرف أن سليم أخبركم أشياء كثيرة."نظر سليم إلى ليال."لا تستمعي إليه."لكن آدم تابع:"لكنه لم يخبركِ عن الليلة الأخيرة."شعرت ليال بأن قلبها توقف.الليلة الأخيرة.ليلة اخت
لم تتحرك ليال.بقيت واقفة أمام سليم، تحدق في عينيه، بينما كانت كلمات ياسين الأخيرة تتردد في رأسها."رأيته مع أبي."لم يكن الأمر مجرد ذكرى عابرة.كان ياسين يعرفه.وسليم كان يعرف والدها.لكن السؤال الذي لم تستطع ليال تجاهله كان أبسط من كل ذلك:لماذا أخفى عنها الحقيقة؟قالت بصوت منخفض:"أريد أن أعرف ماذا حدث في ذلك اليوم."لم يجب سليم.اقتربت خطوة."اليوم الذي رأيت فيه أبي."صمت."ماذا حدث؟"رفع سليم عينيه إليها.بدا وكأنه اتخذ قرارًا لم يكن يريد اتخاذه.قال:"والدك لم يختفِ."تجمدت ليال."ماذا؟""كان حيًا عندما غادر المختبر."شعرت بأن أنفاسها توقفت."أنت متأكد؟"أومأ."كنت معه.""إلى أين ذهب؟"خفض سليم رأسه."إلى المكان الذي أخفى فيه الملف."اشتدت ملامح ليال."أي ملف؟"لم يجب.صرخت:"أي ملف يا سليم؟!"التفت ياسين إليهما بقلق.لكن سليم ظل هادئًا."الملف الأصلي.""الذي يحتوي على كل شيء.""أسماء المشاركين.""نتائج التجارب.""والأشخاص الذين موّلوا المشروع."صمت لحظة.ثم أضاف:"والدك لم يكن يحاول إنقاذ نفسه.""كان يحاول إسقاط المنظمة بالكامل."شعرت ليال بقشعريرة."ولماذا لم يفعل؟"نظر إليها.
لم تستطع ليال أن تتحرك.كان الرجل يقف أمامها.لم يعد وجهه مجرد صورة قديمة في ذاكرتها.ولم يعد صوتًا خرج من تسجيل مجهول.كان هنا.أمامها.حيًا.حقيقيًا.والدها.سقط الملف من يدها، وارتطم بالأرض بصوت خافت.لكنها لم تسمعه.كل ما كانت تسمعه هو دقات قلبها.اقترب الرجل خطوة."ليال..."تراجعت إلى الخلف.رفعت المسدس نحوه.ارتجفت يدها."لا تقترب."توقف.لم يحاول الدفاع عن نفسه.لم يطلب منها أن تخفض السلاح.فقط نظر إليها.وكان في عينيه شيء جعلها أكثر ارتباكًا.الحزن.قال بصوت منخفض:"كنت أعرف أن هذه اللحظة ستأتي."ضحكت ليال بمرارة."كنت تعرف؟""كنت تعرف أنني سأبحث عنك؟"أومأ."نعم.""وكنت تعرف أنني سأكبر وأنا أعتقد أنك ميت؟"خفض رأسه."نعم."اشتعل الغضب في عينيها."إذن لماذا؟"لم يجب.اقتربت خطوة."لماذا تركتني؟"ظل صامتًا."لماذا تركت أمي تفعل كل ما فعلته؟"ارتجفت نبرتها."لماذا تركتني أعيش سنوات وأنا لا أعرف حتى من أنا؟"رفع عينيه إليها.وقال:"لأن بقائي بجانبك كان سيقتلك."تجمدت."ماذا؟""لو عرفوا أنك ابنتي..."توقف لحظة."لكنتِ أصبحتِ هدفهم منذ اليوم الأول."قالت:"لكني كنت هدفهم بالفعل."أ
مرت ليلة قاسية، لم يكن الوجع الجسدي المبرح هو ما سلبني القدرة على إغماض جفني، بل كانت تلك الأفكار التي تنهش رأسي كالمسامير الصدئة، تخترق وعيي وتعيد ترتيب مخاوفي في طوابير لا تنتهي. في الصباح، فُتح الباب بصرير مزعج كأنه أنين الروح، ودخلت "سمية" ببرودها المعهود وجبروتها الذي ترتديه كدرع لا يلين. أخبر
مرت الساعات وثقلت الدقائق كأنها جبال جاثمة فوق صدري المرتجف. كان الظلام قد لفّ غرفتي بالكامل، محولاً إياها إلى زنزانة انفرادية موحشة، إلا من خيط ضوء نحيل يتسلل من تحت الباب الموصد كأنه ثعبان أبيض يراقب تحركاتي. ومع ذلك الضوء، كانت تتسلل أصواتهم.. أصوات الأفاعي التي تخطط لذبح فريستها وهي حية، غير مب
كانت الساعة المعلقة على حائط غرفتي الباردة تصدر دقاتٍ منتظمة ومستفزة، كأنها عد تنازلي لشيء مجهول ينتظرني خلف أبواب هذا المنزل الملعون. نظرتُ إلى بقع الرطوبة التي رسمت لوحاتٍ كئيبة على السقف، وشعرتُ ببرودة الغرفة تتسلل إلى عظامي رغم حرارة الصيف في الخارج. جلستُ على طرف سريري المتهالك، أصوات "السوست"
ظل صوت الإنذار يتردد في أرجاء المنشأة كنبضٍ معدني متواصل، يضرب الجدران الخرسانية ويعود منها أقوى، حتى بدا وكأنه جزء من الهواء نفسه.أضواء حمراء خافتة أخذت تدور فوق السقف، فتغرق الغرفة بين لحظة وأخرى في ظلال متحركة جعلت الوجوه تبدو غريبة ومشوهة.لكن ليال لم تعد تسمع شيئًا.لم تعد تسمع الإنذار.ولا ص