LOGINالفصل الرابع عشر: المنزل رقم 17
ظل كريم جالسًا داخل سيارته عدة ثوانٍ بعد اختفاء الرجل الغامض. كانت يده ما تزال ممسكة بالهاتف، وعيناه معلقتين على الشاشة التي اختفى منها اسم نور كما ظهر. حاول إقناع نفسه أن ما رآه مجرد خطأ. مجرد خلل في الهاتف. لكن شيئًا في داخله كان يخبره أن الأمر أكبر من ذلك. أكبر بكثير. نظر إلى الورقة المطوية التي وجدها في الزقاق. فتحها مرة أخرى. "إذا أردت معرفة الحقيقة... اذهب إلى المنزل رقم 17 قبل فوات الأوان." قرأ الجملة مرات عديدة. وفي كل مرة كان يشعر أن الكلمات تزداد ثقلًا. من كتبها؟ ومن كان الرجل الذي يحمل السلسلة؟ ولماذا ظهر اسم نور على الرسائل؟ أسئلة كثيرة لم يجد لها إجابة. لكنه كان متأكدًا من شيء واحد فقط. المنزل رقم 17 أصبح الخطوة التالية. لم ينم كريم تلك الليلة. عاد إلى الفندق مع اقتراب الفجر. أغلق باب الغرفة خلفه. ثم ألقى الملفات والأوراق فوق الطاولة. جلس أمامها ساعات طويلة. بدأ يراجع كل ما جمعه منذ وصوله إلى المدينة. اليوميات. الصور. رسائل نور. ملف يوسف. الأسماء التي تكررت أكثر من مرة. والأطفال الذين اختفت آثارهم فجأة. كل خيط كان يقوده إلى خيط آخر. لكن أكثر ما كان يزعجه هو شعوره بأن هناك جزءًا ناقصًا من الصورة. جزء لو وجده ستتضح الحقيقة كلها. عند السابعة صباحًا تقريبًا تناول فنجان قهوة باردة كان قد نسيه فوق الطاولة. ثم عاد إلى إحدى الصور القديمة التي التقطها داخل المكتبة السرية. كبر الصورة أكثر. ثم أكثر. وفجأة انتبه إلى شيء لم يلاحظه سابقًا. في الخلفية البعيدة للصورة ظهر مبنى صغير. تحت إحدى نوافذه لوحة معدنية. رغم ضبابية الصورة استطاع قراءة الرقم المكتوب عليها. اعتدل في جلسته فورًا. شعر بقشعريرة تسري في جسده. إذن المنزل رقم 17 لم يكن مجرد عنوان عشوائي. بل كان مرتبطًا بمركز المنارة منذ سنوات. وهذا يعني أن نور كانت تعرفه. وربما يوسف أيضًا. أغلق الحاسوب. وأخذ قرارًا نهائيًا. سيذهب اليوم. مهما كانت المخاطر. بعد ساعتين كان يقود سيارته خارج حدود المدينة. السماء مغطاة بسحب رمادية خفيفة. والهواء القادم من البحر يحمل برودة غير معتادة. كلما ابتعد عن العمران أصبحت الطرق أكثر هدوءًا. المنازل قليلة. والمحال شبه معدومة. حتى شبكة الهاتف بدأت تضعف تدريجيًا. نظر إلى الخريطة. بقيت عشر دقائق فقط. شعر بشيء من التوتر. لم يكن يعرف ما الذي سيجده هناك. ربما مجرد منزل مهجور. وربما الحقيقة التي ظل يبحث عنها منذ البداية. وأخيرًا ظهر المنزل. كان يقف وحيدًا على مساحة واسعة من الأرض. تحيط به الأشجار اليابسة من كل جانب. والسور الخارجي يكاد ينهار. أما المنزل نفسه فبدا كأنه خرج من زمن آخر. بناء قديم من طابقين. جدرانه باهتة. ونوافذه مظلمة. وسقف بعض أجزائه متصدع. أوقف السيارة على بعد عدة أمتار. ثم ظل يراقب المكان بصمت. لا حركة. لا أصوات. لا أي دليل على وجود أحد. ومع ذلك لم يشعر للحظة أنه مهجور. كان هناك إحساس غريب بالحياة. كأن شيئًا ما ما زال موجودًا بين تلك الجدران. اقترب من البوابة الحديدية. دفعها بحذر. فصدر صرير حاد مزق الصمت. توقف لثوانٍ. ينتظر أي رد فعل. لكن شيئًا لم يحدث. أكمل طريقه داخل الحديقة. كانت الأعشاب طويلة بشكل غير طبيعي. وبعض الأشجار تحجب أجزاء كبيرة من المنزل. لاحظ آثار أقدام قديمة في التراب. لم تكن واضحة. لكنها أكدت له أن المكان لم يكن مهجورًا بالكامل. وصل إلى الباب الرئيسي. وجده مغلقًا. حاول فتحه عدة مرات دون جدوى. لذلك دار حول المنزل. وبعد دقائق وجد نافذة خلفية مكسورة. تردد للحظة. ثم تسلق ودخل. هبط داخل غرفة واسعة مغطاة بالغبار. رائحة الرطوبة كانت قوية. والهواء ثقيلًا بشكل مزعج. أضاء مصباح الهاتف. وبدأ يستكشف المكان. كانت الصالة الرئيسية مليئة بالأثاث القديم. أرائك ممزقة. طاولة مكسورة. وساعة حائط متوقفة عند ساعة معينة. اقترب منها. كانت تشير إلى التاسعة وثلاث عشرة دقيقة. شعر بأن الأمر غريب. لكن ربما كانت مجرد مصادفة. تابع تقدمه. وكلما دخل غرفة وجد آثارًا تدل على أن أشخاصًا عاشوا هنا يومًا ما. أطباق قديمة. صور عائلية. كتب متناثرة. لكن ما أثار انتباهه حقًا كان أن معظم الصور أزيلت وجوه أصحابها بعناية. وكأن شخصًا أراد محو هوياتهم. وصل إلى غرفة صغيرة في نهاية الممر. وهناك توقف فجأة. الجدار المقابل كان مغطى بالصور. عشرات الصور. بل مئات الصور. كلها لأطفال. بعضهم يبتسم. وبعضهم ينظر مباشرة إلى الكاميرا. وبعض الصور كُتب عليها تواريخ وأرقام. اقترب أكثر. بدأ يتفحص الوجوه. ثم شعر بقلبه ينقبض. لقد رأى هذه الصور من قبل. في الملفات التي وجدها بالمكتبة. الأطفال أنفسهم. الأسماء نفسها. تراجع خطوة إلى الخلف. شعر بأن الأمر أصبح أكثر خطورة. هذا المنزل ليس مجرد مكان جانبي في القصة. بل جزء أساسي منها. ثم انتبه إلى صورة مختلفة في المنتصف. كانت أكبر من باقي الصور. تقدم نحوها ببطء. وحين رأى الوجه شعر بأنفاسه تتوقف. نور. كانت صورة لنور. أكبر من جميع الصور الأخرى. وكأنها محور كل شيء. حدق فيها طويلًا. ثم لاحظ وجود عبارة صغيرة أسفل الإطار. مكتوبة بقلم أسود باهت. "لقد حاولت." ثلاث كلمات فقط. لكنها أثارت داخله عشرات الأسئلة. بينما كان يفكر سمع صوتًا خافتًا. التفت بسرعة. في البداية ظن أنه يتخيل. لكن الصوت تكرر. خطوات. خفيفة جدًا. قادمة من الطابق العلوي. تجمد في مكانه. رفع رأسه نحو السقف. عاد الصمت. ثم سمع الخطوات مرة أخرى. شخص ما يتحرك هناك. شعر بالتوتر. لكنه لم يتراجع. بدأ يصعد الدرج ببطء. كل درجة كانت تصدر صوتًا مزعجًا. وكان يخشى أن يسمعه من في الأعلى. وصل إلى الطابق الثاني. نظر حوله. ممر طويل يمتد أمامه. وأربعة أبواب مغلقة. اقترب من الباب الأول. فتحه. غرفة نوم قديمة. فارغة. الباب الثاني. غرفة أطفال مهجورة. ما زالت بعض الألعاب متناثرة على الأرض. أما الباب الثالث فكان مغلقًا. لاحظ أن القفل يبدو أحدث من بقية الأشياء في المنزل. شعر بالفضول. حاول فتحه. لكنه لم يتحرك. دفعه بقوة. مرة. مرتين. وفي الثالثة انكسر القفل. وانفتح الباب بعنف. دخل الغرفة. وشعر فورًا أنها مختلفة. الغبار أقل. والهواء أنظف. وكأن شخصًا ما استخدمها مؤخرًا. في الزاوية مكتب خشبي. وفوقه دفاتر كثيرة. وجهاز تسجيل قديم. وبجواره عدة أشرطة كاسيت. اقترب بسرعة. أمسك أول دفتر. فتح الصفحة الأولى. ليتجمد مكانه. في الأعلى كان مكتوبًا اسم واحد. يوسف. جلس فورًا وبدأ يقرأ. كانت مذكرات شخصية. كتبها يوسف بنفسه. كل صفحة كانت تكشف جانبًا جديدًا. تحدث عن مركز المنارة. وعن أشخاص لم يذكر أسماءهم. وعن أطفال اختفوا في ظروف غامضة. ثم وجد سطرًا أثار انتباهه. "كنت أظن أنني أساعدهم... حتى اكتشفت الحقيقة." شعر كريم بقشعريرة. وأكمل القراءة بسرعة. في صفحة أخرى كتب يوسف: "نور كانت أول من صدقني." ثم: "إذا وصلوا إلى هذه المذكرات فسيعرفون كل شيء." كانت الجمل قصيرة. لكنها مليئة بالخوف. وفي إحدى الصفحات الأخيرة وجد عبارة غريبة: "الحقيقة ليست في الملفات... الحقيقة تحت المبنى." رفع كريم رأسه. تحت أي مبنى؟ لم يكتب يوسف شيئًا إضافيًا. لكن الجملة بدت مهمة جدًا. ترك الدفتر. ونظر إلى جهاز التسجيل. كان قلبه يخبره أن الإجابة التالية موجودة هناك. أدخل أحد الأشرطة. وضغط زر التشغيل. صدر تشويش طويل. ثم ظهر صوت. صوت أنثوي. واضح رغم الضوضاء. شعر كريم بأن الدم تجمد في عروقه. لقد كان صوت نور. "إذا كنت تستمع إلى هذا التسجيل... فهذا يعني أنني لم أعد أملك وقتًا." حبس أنفاسه. وأكمل الاستماع. "هناك أشخاص أقوى مما توقعت." توقف الشريط لحظة. ثم عاد الصوت. "يوسف بريء." أغلق كريم عينيه. ها هي الحقيقة تتكرر للمرة الثانية. "لقد حاول مساعدتي." ثم سمع نور تتابع بصوت متوتر: "إذا اختفيت فلا تصدق الرواية الرسمية." صمت قصير. ثم أضافت: "كل شيء بدأ من المنزل رقم 17." شعر بقلبه يقفز داخل صدره. أكمل الاستماع. "وتحت المنزل توجد..." وفجأة انقطع التسجيل. صدر صوت ارتطام قوي. ثم صراخ بعيد. ثم انتهى الشريط تمامًا. ظل كريم ينظر إلى الجهاز غير مصدق. كانت على وشك كشف السر. لكن التسجيل توقف عند أهم لحظة. وفجأة سمع صوتًا من الأسفل. باب يُغلق بقوة. انتفض واقفًا. ثم تبع ذلك صوت خطوات. ليست خطوة واحدة. بل عدة خطوات. أكثر من شخص دخل المنزل. اقترب من الباب بحذر. ونظر من خلال الفتحة الصغيرة. فرأى رجالًا يتحركون في الطابق الأرضي. أربعة على الأقل. كانوا يتحدثون بصوت منخفض. ثم بدأوا يصعدون الدرج. تسارعت نبضات قلبه. وحين اقترب أحدهم أكثر استطاع سماع جملة جعلته يتجمد في مكانه: "اعثروا عليه قبل أن يصل إلى المدخل السفلي." المدخل السفلي. إذن هناك شيء بالفعل تحت المنزل. والأشخاص الذين يطاردونه يعرفون ذلك. أما السؤال الذي أصابه بالرعب الحقيقي فكان: كيف عرفوا أنه هنا؟ بينما كانت الخطوات تقترب أكثر فأكثر من الغرفة... لاحظ كريم شيئًا لم ينتبه إليه من قبل. خلف خزانة الكتب في الجدار المقابل ظهر فراغ صغير. وكأن هناك بابًا سريًا مخفيًا. وفي الخارج كان الرجال يقتربون. أما في الداخل... فكان أمامه ثوانٍ قليلة فقط ليقرر: هل يهرب... أم يفتح الباب الذي ربما يقوده إلى السر الأكبر منذ بداية الحكاية؟ نهاية الفصل الرابع عشر.الفصل الخامس والثلاثون: قلب الاحتمالاتالضوء ابتلعهم بالكامل.لكن لم يكن اختفاءً عادياً.كان إحساسًا أشبه بأن الواقع نفسه تم طيه مثل ورقة.كريم لم يعد يشعر بجسده.ولا بصوته.ولا حتى بفكرة ثابتة عن نفسه.ثم فجأة…بدأ كل شيء يعود تدريجيًا.صوت أولًا.ثم إحساس خفيف بالأرض.ثم رؤية مشوشة.فتح عينيه.كان في مكان مختلف تمامًا.ليس أبيض.ولا مظلم.بل شيء بين الاثنين.فضاء رمادي لا نهاية له.لكن ليس فارغًا.كان مليئًا بخيوط ضوئية تتحرك مثل أعصاب ضخمة في الهواء.كأن المكان نفسه “يفكر”.نهض ببطء.ـ أنا فين؟لا رد.لكن هذه المرة لم يكن وحده.ظهر عادل على بعد خطوات، ينهض بصعوبة.ثم نور.ثم النسخة الأخرى من كريم.لكنهم لم يكونوا قريبين من بعض كما كانوا.كان كل واحد في “نقطة” مختلفة قليلًا داخل نفس الفضاء.كأن المسافات بينهم لا تخضع لقانون واحد.قالت نور بصوت متوتر:ـ ده قلب الاحتمالات…لكن صوتها كان يتقطع.كأن المكان يعيد تشكيل الكلمات نفسها.ردت النسخة الأخرى:ـ لأ…ـ ده مش مكان واحد حتى.ـ ده حالة وجود.اقترب كريم خطوة.لكن المسافة لم تتغير.ظل في مكانه تقريبًا.تجمد.ـ إيه اللي بيحصل؟فجأة…ظهر
الفصل الرابع والثلاثون: تفرّع الواقعالصمت لم يدم طويلًا.الممر الذي ظهر أمامهم بدأ يتغير لحظة بلحظة.لم يعد ممرًا واحدًا.بل انقسم أمام أعينهم إلى مئات المسارات.كل مسار يمتد في اتجاه مختلف.بعضها مضاء.بعضها مظلم.وبعضها يختفي قبل أن يكتمل وجوده.كريم وقف في المنتصف.يحاول أن يفهم ما يراه.لكن عقله كان يرفض الفكرة.ـ ده مش طبيعي…قالها بصوت منخفض.لكن النسخة الأخرى من نفسه لم تكن متفاجئة.بل كان يراقب بهدوء.كأنه يعرف هذا المكان.نور اقتربت خطوة وقالت:ـ إحنا داخلين على مرحلة أخطر من كل اللي فات.عادل نظر حوله بقلق:ـ يعني إيه كل الاتجاهات دي؟ردت نور بصوت منخفض:ـ دي مش طرق…ـ دي احتمالات.تجمد كريم.ـ احتمالات إيه؟لكن قبل أن يجيب أحد…بدأت المسارات تتحرك.نعم… تتحرك.الجدران لم تكن ثابتة.بل كانت تتنفس.كل مسار يظهر عليه مشاهد قصيرة.لحظات من المستقبل… أو الماضي… أو شيء غير مفهوم.في أحد المسارات رأى كريم نفسه واقفًا وحده.في مسار آخر رأى نور تختفي.وفي مسار ثالث رأى النسخة الأخرى منه وهو يبتسم بينما كل شيء يحترق خلفه.تراجع خطوة.ـ ده إيه اللي بيحصل؟النسخة الأخرى قالت بهدوء:ـ
الفصل الثالث والثلاثون: الاختيار المزدوجالوقت لم يعد مفهومًا ثابتًا.كان يتكسر حولهم مثل زجاج غير مرئي.كريم يقف أمام البابين.يمين… وشمال.كل باب يلمع بشكل مختلف.كأن كل واحد منهم يقوده إلى نسخة مختلفة من الحقيقة.النسخة الأخرى من كريم كانت واقفة بجانبه مباشرة.تراقب البابين بصمت.نور خلفهم، وجهها متوتر، وعينيها تتحركان بسرعة كأنها تحاول حساب شيء غير مرئي.الصوت عاد من الفراغ:ـ 15 ثانية…تراجع عادل خطوة وهو يقول:ـ لازم نقرر بسرعة!لكن كريم لم يتحرك.كان ينظر إلى البابين وكأنهما ليسا مجرد اتجاهين…بل مستقبلين كاملين.قال بصوت منخفض:ـ لو اخترنا غلط؟لم يجب أحد.لكن النسخة الأخرى قالت بهدوء:ـ مفيش “غلط” هنا.ـ في بس نتيجة مختلفة.نور صرخت:ـ ده مش صحيح!ـ الاختيار هنا بيحدد شكل الواقع نفسه!تجمد الجميع.الصوت أكمل:ـ 10…ـ 9…كريم شعر بشيء غريب.كأن البابين ينظران إليه هو.ليس هو من يختار…بل هما من ينتظرانه.فجأة…ظهر مشهد داخل رأسه.غرفة بيضاء.أطفال.وأجهزة موصولة بأدمغتهم.وصوت يقول:ـ “اختبروا استجابة الحالة 17 للانقسام.”فتح عينيه بسرعة.ـ إيه اللي بيحصل؟لكن النسخة الأخرى من
الفصل الثالث والثلاثون: الاختيار المزدوجالوقت لم يعد مفهومًا ثابتًا.كان يتكسر حولهم مثل زجاج غير مرئي.كريم يقف أمام البابين.يمين… وشمال.كل باب يلمع بشكل مختلف.كأن كل واحد منهم يقوده إلى نسخة مختلفة من الحقيقة.النسخة الأخرى من كريم كانت واقفة بجانبه مباشرة.تراقب البابين بصمت.نور خلفهم، وجهها متوتر، وعينيها تتحركان بسرعة كأنها تحاول حساب شيء غير مرئي.الصوت عاد من الفراغ:ـ 15 ثانية…تراجع عادل خطوة وهو يقول:ـ لازم نقرر بسرعة!لكن كريم لم يتحرك.كان ينظر إلى البابين وكأنهما ليسا مجرد اتجاهين…بل مستقبلين كاملين.قال بصوت منخفض:ـ لو اخترنا غلط؟لم يجب أحد.لكن النسخة الأخرى قالت بهدوء:ـ مفيش “غلط” هنا.ـ في بس نتيجة مختلفة.نور صرخت:ـ ده مش صحيح!ـ الاختيار هنا بيحدد شكل الواقع نفسه!تجمد الجميع.الصوت أكمل:ـ 10…ـ 9…كريم شعر بشيء غريب.كأن البابين ينظران إليه هو.ليس هو من يختار…بل هما من ينتظرانه.فجأة…ظهر مشهد داخل رأسه.غرفة بيضاء.أطفال.وأجهزة موصولة بأدمغتهم.وصوت يقول:ـ “اختبروا استجابة الحالة 17 للانقسام.”فتح عينيه بسرعة.ـ إيه اللي بيحصل؟لكن النسخة الأخرى من
الفصل الثاني والثلاثون: بين طبقتين من الوجودالظلام لم يكن ظلامًا حقيقيًا.كان أقرب إلى فراغ بلا تعريف.كريم شعر وكأن جسده يطفو، لا يسقط ولا يستقر، وكأن الجاذبية نفسها فقدت قرارها.الصوت الوحيد الذي كان يسمعه هو أنفاسه… وأنفاس شخص آخر قريب جدًا منه.فتح عينيه ببطء.لم يكن هناك أرض واضحة.ولا سقف.ولا جدران.فقط امتداد غير مفهوم من الظلال الرمادية التي تتحرك ببطء، كأنها تتنفس.ثم بدأ الإدراك يعود تدريجيًا.كان هناك شخص بجانبه.التفت بسرعة.كانت النسخة الأخرى من كريم.تقف على بعد خطوات قليلة.تنظر حولها بتركيز شديد، وكأنها تعرف هذا المكان أكثر مما ينبغي.قال كريم بصوت منخفض:ـ إحنا فين دلوقتي؟لم يجب الآخر فورًا.بل أدار رأسه ببطء، يتأمل الفراغ حوله.ثم قال بهدوء:ـ ده مش مكان واحد.ـ ده تقاطع طبقات.تجمد كريم.ـ تقاطع إيه؟اقتربت النسخة خطوة.ـ كل اللي شفناه قبل كده كان طبقة.ـ المنشأة… المرحلة الثالثة… المنطقة البيضاء…ـ كل ده مجرد مستويات فوق بعض.سكت لحظة ثم أضاف:ـ إحنا دلوقتي بين المستويات.شعر كريم بصداع خفيف.كأن عقله يحاول رفض الفكرة.ـ يعني إحنا مش في مكان ثابت؟ابتسمت النسخة
الفصل الحادي والثلاثون: المكان الذي لا يكتملالصمت كان مطبقًا.كريم فتح عينيه ببطء.لم يعد هناك صوت إنذار.لا شاشات.لا جدران.ولا حتى إحساس بالمكان الذي كان فيه منذ لحظات.كل شيء أبيض.لكن ليس بياضًا طبيعيًا.كان بياضًا بلا عمق.كأن الفراغ نفسه له لون.تحرك خطوة إلى الأمام.لم يشعر بأي أرض تحت قدميه في البداية.ثم بدأ الإحساس يعود تدريجيًا.أرض صلبة.لكنها غير مرئية تقريبًا.قال بصوت منخفض:ـ أنا فين؟لا رد.رفع يده أمامه.اختفت حدود يده أحيانًا داخل الضوء.كأن جسده نفسه غير مستقر.ثم…ظهر صوت.لكن ليس من مكان محدد.بل من كل الاتجاهات.صوت هادئ جدًا.ـ أنت في المنطقة بين الطبقات.تجمد كريم.ـ مين بيتكلم؟الصوت لم يجب مباشرة.ثم أضاف:ـ هنا لا يوجد “مكان ثابت”.ـ هنا فقط بقايا الوعي قبل إعادة التشكيل.بدأت الأرض — أو ما يشبه الأرض — تتغير تحت قدميه.دوائر ضوئية تظهر وتختفي.كأن المكان يحاول بناء نفسه باستمرار ولا ينجح.وفجأة…ظهرت صورة أمامه.نور.لكنها لم تكن كاملة.كانت عبارة عن ظل فقط.تتحرك في اتجاه غير واضح.قال كريم بسرعة:ـ نور!لكن الصورة اختفت فورًا.ثم ظهر صوت آخر.هذه المرة







