Home / الرومانسية / وردة في عرين السلطان / نهايةُ الثعلبِ المطرود

Share

نهايةُ الثعلبِ المطرود

last update publish date: 2026-05-26 17:00:00

امتزج عواء الرياح الليلية بـ صدى الانفجارات التي هزت أركان السرايا الكبيرة، وتحولت الباحة الخارجية بأسوارها العتيقة وأشجار النخيل المشتعلة إلى لوحة دموية صارخة تعكس جحيم الصعيد. سحب الدخان الكثيف المائل للزرقة تحركت كأشباح غاضبة في الفضاء، تقيد الضوء الخافت للقمر، وتترك الساحة لومضات الرصاص البرتقالية المتطايرة بـ عشوائية غاشمة حصدت الأرواح بدم بارد.

في أعلى الشرفة الرئيسية، كانت "ليلى" تقف كـ رمز للجبروت الذي ولد من رحم العشق والتملك. عباءة قاسم الكشميرية الفاخرة كانت تطير خلف كتفيها كـ جناحين لنسر جريح، وشال السلطان الأسود الثقيل يلتف حول رأسها ليحميها من شظايا الزجاج المتطاير، بينما كانت كفاها القويتان القابضتان على سلاح قاسم الآلي لا ترتجفان إنشاً واحداً. كانت تطلق النار وعيناها الواسعتان تشتعلان بـ بريق النصر والصمود الصعيدي الأصيل الذي أذهل كبار عائلة الراوي من حولها. لم تعد البديلة المستسلمة، بل أصبحت النمرة التي تذود عن عرين زوجها المصاب.

وفجأة، تحطمت الأبواب الخشبية الداخلية للبهو السفلي بـ قوة صاعقة زلزلت الأرض تحت الأقدام!

خرج من جوف العتمة والظلام، ومن وراء سحب الدخان الخانق، "قاسم الراوي".. سلطان الجبل.

كان منظر ضخامته وبنيته العضلية الفارهة كافياً لإيقاف الدماء في العروق وإرعاب الملثمين بالخارج. كان جلبابه الأسود ممزقاً بالكامل عند الصدر والذراع، والضمادات البيضاء التي نزعها بدم بارد كانت تتدلى حول جسده الملطخ بالدماء الحارة والرماد، وعيناه الصقريتان تحولتا إلى جمرتين من الغضب والوعيد تقطران بـ رغبة عارمة في الفتك والتدمير. التملك الشرس والغيرة المجنونة على وردته ليلى فجرت في عروقه قوة كاسرة أذابت أثر السّم في ثوانٍ.

لم ينظر للأسفل، بل اندفع بـ خطوات رعدية ثقيلة نحو الأعلى، نحو الشرفة حيث تقف ليلى. عندما رأته ليلى يخرج من جوف الموت كالمارد، سقط السلاح من يدها من فرط المفاجأة والذهول، وانطلقت نحو أحضانه بـ لوعة وعشق جارف هز أركان المكان.

ارتمت بكامل جسدها فوق صدره العريض المليء بالجروح والنزيف، ودفنت وجهها في عنقه وهي تبكي بحرقة وقهر، واختلطت دموعها الصافية بـ دمائه الساخنة، وصرخت بنبرة تفيض بالرومانسية الحارقة:

ـ "قاسم!!! فقت يا روحي؟! فقت ورجعت لـ دارك وسلطانتك واصل؟! كنت خابرة إنك مش ع تسيبني للتعالب!!"

بـ حركة طاغية ومجنونة أمام الحراس والجميع، سحبها قاسم لـ حضنه بـ قوة هائلة كادت تطحن عظام صدرها، ورفعها عن الأرض وهو يدفن وجهه في عنقها ويستنشق ريح عطرها المخملي الذي يمنحه الحياة. قبض على وجنتيها بكفيه الضخمين الملطخين بالبارود، وهمس بصوته الرخيم العميق الذي تردد صداه كـ الرعد في السرايا:

ـ "أنا حي وعشقك رجعني من جوف القبر يا ليلى واصل!! قولت لكِ الجبل مابينحنيش، وعليت فوق راسي لما شفتكِ واقفت بـ سلاحي وعبايتي ع تدافعي عن العرين! النهار ده إنتي بقيتي مِلكي بعهد الدم والعشق الأبدي، واللي ع يفكر بس يمر قدام خيالك، ع يكون حسابه معايا في جوف الأرض للحال!!"

أنزل شفتيه ليطبع قبلة حارة، طويلة، عميقة وعنيفة على شفتيها، قبلة عَمّدت تملكه الجنوني والشرس لها وسط النيران المتأججة، وحولت جراحه وأوجاعه إلى وقود لـ بركان الغضب القادم.

التقط قاسم سلاحه الآلي البديل الثقيل، ونظر نحو الأسفل عبر سور الشرفة. في منتصف الباحة، كان "مروان الراوي" يقف خلف سيارته المحصنة، ووجهه الماكر قد شحب بالكامل وتحولت علامات انتصاره الزائف إلى رعب قاتل عندما رأى قاسم واقفاً بكامل طوله وجبروته بجانب ليلى.

ـ "كيف كدة؟!" صرخ مروان بصوت أجش متهدج لرجاله الملثمين. "السم مأقتلهوش واصل؟! اضربوا نار عليه!! اقتلوه للحال قبل ما ينزل الساحة بدمه!!"

انهمر الرصاص نحو الشرفة بـ غزارة، لكن قاسم دفع ليلى بـ رفق حاسم خلف العمود الخشبي الضخم للسرير داخل الغرفة لحمايتها، وزأر بـ صوت شق عنان السماء:

ـ "يا مروان!! يا خاين دمك وعيلتك واصل!! الجبل الليلة ع يكون قبرك بيدي!!"

اندفع قاسم نحو الأسفل كالإعصار الغاضب الموتور، وخلفه العشرات من حراسه الثقات وكبار عائلة الراوي الذين اشتعلت في صدورهم النخوة الصعيدية بعد عودة سلطانهم. انقض قاسم على الساحة كالفهد الكاسر؛ وبـ لمح البصر، حصدت رصاصات بندقيتة ثلاثة من أشرس المطاريد الملثمين، وتلوثت الأرض الرخامية بدمائهم العفنة وسط النيران المشتعلة.

حاول حمدان الملثمون التراجع والفرار نحو البوابة الشرقية إثر الهجوم الغاشم لـ قاسم، لكن حراس السرايا كانوا قد قفلوا عليهم المخارج بـ أمر من ليلى سابقاً. وجد مروان الراوي نفسه محاصراً وسط باحة النار والدم، وسلاحه قد نفدت ذخيرة مقبضه.

تقدم قاسم نحو مروان بـ خطوات بطيئة، ثقيلة، وصوت حذائه كان يبدو لـ مروان كـ خطوات عزرائيل. ألقى قاسم بسلاحه جانباً، وسحب نصل خنجره الصعيدي الحاد، وعيناه الصقريتان تلمعان بـ رغبة عارمة في الفتك والتدمير.

ـ "قاسم.. يا ولد عمي بلاش الدم واصل!" تمتم مروان بـ ذعر ورعب وهو يتراجع للخلف حتى ارتطم بـ جدار السيارة المحترقة. "الأرض والنسخة التانية من العقود فداك.. بلاش تقتل لحمك ودمك!"

ـ "إنت مابقيتش لحمي ولا دمي من يوم ما بعت أمي للذبح، ودسيت السم لـ مرتي وسلطانتي بـ يد أختها فرحة يا خاين!!" زعق قاسم بـ صوت زلزل كيان الجبل بالخارج.

وبحركة سريعة كالبرق، التحم قاسم مع مروان؛ قبض على عنقه بـ يده الحديدية القوية وقرب وجهه الحاد من وجهه المذعور، وبكل ما أوتي من غل وتملك وجنون، غرس نصل الخنجر بـ عمق في صدر مروان بـ ضربة واحدة صاعقة حطمت ضلوعه، ليطلق مروان صرخة ألم مكتومة وسقط جثة هامدة تتلوى وسط تراب الباحة المشتعلة، لتنتهي صفحة خيانته الرسمية بالدم والنار.

هدأ ضرب النار فجأة في أركان السرايا الكبيرة بعد القضاء التام على بقايا المطاريد ورجال مروان. ساد المكان سكون رهيب وموحش، لم يقطعه سوى أصوات خفات ألسنة اللهب التي بدأت تنطفئ بفضل رجال النجع، وأنفاس قاسم المتلاحقة والثقيلة وهو يقف في منتصف الباحة بجسد ينزف وعينين أرهقهما التعب والغضب.

نزلت ليلى من الأعلى بـ خطى ثابثة ومهيبة، والعباءة الكشميرية تحيط بـ ثوبها الأبيض الملطخ بـ دماء المعركة. تقدمت نحوه وسط الحراس والوجهاء الذين وقفوا يطأطئون رؤوسهم احتراماً وتأثيراً بـ هيبة السلطان وسلطانته.

ارتمت ليلى في أحضانه مجدداً، وضمته بـ قوة هائلة وجنون عاطفي طاغٍ هز أركان المكان. دفنت وجهها في صدره العاري، واختلطت دموعها الصافية بـ رماد الجحيم، وقالت بنبرة تفيض بـ الرومانسية الشرسة:

ـ "الخونة ماتوا الليلة يا قاسم.. والعرين رجع لـ أمانه بفضل قلبك وعشقك اللي تحدى الموت. أنا مابقاش ليا عمر ولا دار بره حدود ضلوعك يا سلطاني."

أنزل قاسم رأسه وطبع قبلة حارة، طويلة وعميقة على شفتيها، قبلة ثبّتت عهد أمانهما وعَمّدت تملكه الجنوني لها أمام النجع كله، وهمس بـ صوته الرخيم الدافئ:

ـ "إنتي بقيتي سلطانة الجبل والقلب والعمر كله يا ليلى واصل.. والنهار ده النجع كله ع يعرف إن اللي يفكر بس يمر قدام خيالك، ع يكون حسابه معايا في القبر واصل! العهد انكتب بالدم والنار، ومفيش قوة فوق الأرض ع تقدر تبعد وردتي عن عرين السلطان."

ولكن، بينما كان العاشقان يغرقان في انتصارهما الرومانسي الطاغٍ وسط الباحة المهدومة، تحرك أحد الحراس المقربين من وراء جثة مروان الراوي، وكان يحمل حقيبته الجلدية الفاخرة التي انفتحت إثر الانفجار لتسقط منها أوراقٌ ودفاتر سرية جديدة لم تكن تخص العقود المسجلة الرسمية واصل!

تقدم الحارس بـ رعب ووجل، وسقط تحت قدمي قاسم وهو يصرخ بـ صوت مرتعش جمد الدماء في العروق:

ـ "يا سلطان الجبل!! يا ست ليلى الحقوا!! لقيت الدفتر السري ده جوة حقيبة مروان بيه.. الدفتر ده عيقلي إن مروان ماكنش عيدير تجارة السلاح لوحده في مصر.. مروان كان شغال لحساب 'منظمة خفية كبرى' في القاهرة، والمنظمة دي عتقول إن ليلى وفرحة ليهم 'أخت ثالثة توأم' انخطفت من يوم ولادتهم وعايشة في قصر الباشا في مصر، وهي الواجهة الحقيقية لـ أموال عيلتكم كلها، والمنظمة دي ناوية تهجم على النجع بـ جيش من المطاريد بكرة لو مروان مات!!"

تصلبت ملامح قاسم فوراً، واشتعلت النار في عينيه الصقريتين بـ جنون وتحدٍ غاضب أعنف من ذي قبل، بينما سقطت ليلى بذهول مطلق في أحضانه وهي تمسك برأسها من هول الصدمة الصاعقة.. الأخت الثالثة التوأم؟! والمنظمة الخفية؟!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وردة في عرين السلطان   الصندوق الأسود

    التفت قاسم نحو سليم، وجاء صوته عميقاً جهورياً، يحمل بحة الوعيد الصعيدي والصلابة التي لا تلين، وقال وعيناه مصوبتان نحو الشق الضوئي:ـ "يا سليم.. يا ولد عمي. البوابة دي ما عاد لهاش عازة في دنيانا واصل. دي ثغرة في جدار الجبل، ولو فضلت مفتوحة كديه، الكلاب اللي بـ ينهشوا في ضهرنا.. المنظمة، وجماعة جوليا والمحامي، ع يلاقوا طريق يوصلوا بيه لـ أسرار الأجداد. السحر والوهم اللي جوه ع يخليهم يتحكموا في رقاب الخلائق، وقاسم الراوي مش ع يسمح إن أرض الصعيد تكون ممر لـ غدرهم. البوابة دي لازم تتهد، وتتدفن تحت صخر الصوان لـ حد قيام الساعة."خطا سليم خطوة نحو الأمام، ممسكاً بسلاحه الآلي، وعلامات التقدير والدهاء العسكري ترتسم على وجهه الحاد، ورد بصوت منخفض قوي:ـ "معاك حق يا سلطان. إحنا ع نخوض حرب مع خونة الداخل، مع جابر والمحامي اللي بـ يبيعوا الأرض بـ المتر، والمنظمة واقفه على الأعتاب مستنية إشارة. لو حد فيهم عرف بطريق البوابة دي، مش ع يقدر عليهم واصل لا جيش ولا حكومة. بس كيف ع تهد حجر مسحور بـ القوة دي يا خوي؟ السلاح اللي معايا ده أقصاه يطير رقاب، لكنه ما ع يهدش بوابات أبعاد."ا

  • وردة في عرين السلطان   اللقاء العظيم

    كان الممر الصخري المؤدي إلى خارج الجبل يزداد اتساعاً كلما تقدموا، والرياح الباردة القادمة من أفق النجع بدأت تداعب الوجوه، حاملةً معها رائحة تراب الصعيد الرطب ونبت الحلفاء. مشى قاسم في المقدمة، واضعاً يده الضخمة في يد ليلى، مشبكاً أصابعه بأصابعها بقوةٍ كادت توجع عظامها، لكنها كانت الوجع المحبب الذي يطرد كوابيس الفراق. وخلفهما كان سليم يسير بخطى عسكرية متزنة، عيناه تجولان في الظلام يميناً ويساراً، وسلاحه الآلي في وضع الاستعداد، فرغم عودة السلطان، إلا أن غريزة المخابرات فيه كانت تذكره بأن "خونة الداخل" وجماعة جابر والمحامي لا يزالون يتربصون بالسرايا.في وسط هذا المسير الصامت، بدأت ليلى تلاحظ أموراً غريبة وغير مألوفة تسري في جسد زوجها. لم تكن الملاحظة بالعين المجردة فحسب، بل بحسها التخاطري الجديد الذي بات يقرأ الذبذبات الخفية في الهواء. عندما كانت تنظر إلى جانبه الأيمن، رأت عينيه الصقريتين لم تعودا كالسابق؛ كانتا تلمعان بين الحين والآخر بضوءٍ ذهبيٍ خافت، نبضاتٌ من النور السري تشع من بؤبؤ العين كلما ركز نظره على زاوية معتمة في الكهف، وكأن البُعد الآخر قد ترك وسمه الأبدي في بصيرته.

  • وردة في عرين السلطان   سحر من حجر الجبل

    انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال

  • وردة في عرين السلطان   اختبار الروح

    كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم

  • وردة في عرين السلطان   سلطانة العرين الأصلية

    كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، حين انسلت "الحاجة نبيلة" من الظلال لتستقر في وسط الديوان، حيث كان المحامي وجابر لا يزالان يتبادلان الهمسات الخبيثة فوق أوراقهما. لم تكن نبيلة مجرد امرأةٍ مسنة، بل كانت هيبةً تمشي على الأرض، بملامحها التي نحتت فيها السنون قوة لا تقهر، وعباءتها السوداء التي تفيض برائحة العتق والهيبة. وبمجرد ظهورها، تجمد المحامي في مكانه، وحاول جابر أن يخفي الأوراق تحت المقعد، لكن نظرة نبيلة كانت أسرع وأنفذ.اتسعت عينا المحامي بذهول، ثم حاول استجماع أطراف شجاعته المصطنعة، وقال بنبرةٍ شابها الاضطراب: "يا حاجة نبيلة.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ احنا كنا بنخلص شوية أوراق تخص ملكية السرايا..".لم تلتفت له نبيلة، بل سارت ببطءٍ مهيب نحو طاولة القهوة، ووضعت يدها على "الخريطة" التي كانت ملقاةً على الطاولة. قالت نبيلة بصوتٍ هادئ كهدوءِ ما قبل العاصفة: "أوراق إيه يا ابن الأصول؟ إحنا خابرين زين اللي بيحصل، وخابرين إن اللي يمد إيده على أمانة الراوي، إيده بتنقطع. أنا سمعتكم.. سمعت كل كلمة، وعارفة إنكم بتدوروا على ليلى عشان تخلصوا منها وتبيعوا اللي وراكم واللي قدامكم."

  • وردة في عرين السلطان   الخونة في الداخل

    لم تكن القاعة مجرد حيزٍ مكاني، بل كانت تجسيداً لسطوةٍ أزلية، حيث استقر "الصولجان" في يد قاسم، ثقيلاً ببريقِ السلطة المطلقة التي تمنح صاحبها مفاتيح الكون. كان الصولجان مصنوعاً من معدنٍ لا تعرفه الطبيعة، ينبض بذبذباتٍ تجعل الجبال تهتز وتتوقف عقارب الزمان. وفي تلك اللحظة، كان الحكماء يحيطون به، عيونهم تترقبه، ينتظرون منه أن ينحني، أن يعلن خضوعه لهذا النفوذ الكوني الذي سيهبه ملكاً لا يزول، ولا يطاله غدرُ الغادرين ولا كيدُ الكائدين في نجع الراوي.نظر قاسم إلى الصولجان، كان يشعر بنبضِ القوة يسري في عروقه، يغويه بأن ينسى ليلى، وينسى النجع، وينسى دماء أجداده التي تطلب منه المواجهة، ليصبح كياناً متسامياً فوق البشر. لكن في تلك اللحظة، وبينما كان الحكماء يتهامسون بكلماتِ القبول، صعدت إلى أنفِ قاسم رائحةُ "التراب" بعد المطر، رائحةُ الأرض الصعيدية الحرة، وتذكر كيف كان يغرسُ قدميه في طينِ النجع، وكيف كان يذودُ عن كل حبة رملٍ بدمائهِ لا بسحرِ الغرباء.ـ "سلطة إيه اللي بتكلموني عنها؟" زأر قاسم بصوتٍ جعلَ الصوان الأسود يتصدع تحت أقدامه. "عاوزيني أشتري ملكي في الدنيا بـ طعمي لـ عهدي مع ليلى؟

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status