مشاركة

الفصل 69

مؤلف: فتيحة
last update تاريخ النشر: 2026-08-07 07:44:18

بعد ساعة...

كان يقف أمام قبر هبة.

وضع باقة من الزهور البيضاء فوق الرخام.

ثم جلس على المقعد الحجري القريب.

لم ينطق بكلمة.

اكتفى بالنظر إلى اسمها المنقوش.

ابتسم ابتسامة حزينة.

وقال بصوت خافت:

ــ مرّت ثلاث سنوات...

وما زلت لا أعرف كيف أكمل حياتي من دونك.

هبّت نسمة باردة.

حركت أطراف الزهور.

فأغمض عينيه للحظة.

ثم نهض.

وألقى نظرة أخيرة على القبر.

وغادر.

---

لكنه...

لم يتجه إلى منزله.

بل انعطف بسيارته نحو طريق آخر.

طريق لم يسلكه منذ سنوات.

حتى توقفت السيارة أمام بوابة السجن.

ترجل ببطء.

وتقدم نحو مكتب الاستقبال.

رفع الموظف رأسه.

وقال:

ــ تفضل.

أخرج رائد بطاقته الشخصية.

ثم قال بهدوء:

ــ أريد الاستفسار عن سجينة سابقة.

نظر إليه الموظف.

ــ الاسم؟

ساد الصمت لثوانٍ.

قبل أن ينطق رائد:

ــ أروى الحازمي.

بدأ الموظف يبحث في الحاسوب.

مرت دقيقة.

ثم دقيقتان.

وأخيرًا...

رفع رأسه.

وقال:

ــ أروى الحازمي...

تم الإفراج عنها.

انعقد حاجبا رائد.

ــ متى؟

ــ منذ أكثر من شهر.

بقي رائد صامتًا.

كأنه لم يستوعب ما سمعه.

قال الموظف مرة أخرى:

ــ هل هناك مشكلة؟

هز رائد رأسه ببطء.

ــ لا...

ثم سأل بعد لحظة:

ــ هل تعرفون أين ذهبت بعد الإفراج؟

اعتذر الموظف بلطف.

ــ للأسف لا.

بعد خروج السجين...

لا يعود من مسؤوليتنا معرفة مكان إقامته أو عمله.

أومأ رائد برأسه.

وشكر الرجل.

ثم خرج من السجن.

---

وقف بجانب سيارته.

وهو يحدق في الفراغ.

طوال السنوات الماضية...

كان يعتقد أنها ما زالت تقضي عقوبتها خلف تلك الجدران.

أما الآن...

فهي حرة.

تمشي في الشوارع.

وتعيش حياتها.

أغمض عينيه للحظة.

ثم فتح باب السيارة.

ورحل.

لكنه لم يكن يعلم...

أن الحقيقة التي ستصدمه...

لم تكن خروج أروى من السجن.

بل مكان وجودها الآن.

في صباح اليوم التالي...

عاد رائد إلى الشركة كعادته.

كان هادئًا من الخارج.

لكن عقله لم يغادر السجن منذ الأمس.

كلما تذكر عبارة الموظف...

"أُفرج عنها منذ أكثر من شهر."

شعر بانقباض في صدره.

دخل مكتبه.

ووضع حقيبته على الطاولة.

ثم بدأ يراجع الملفات التي تراكمت بسبب خروجه المبكر في اليوم السابق.

كان يوقعها واحدًا تلو الآخر...

دون أن يركز كثيرًا.

---

بعد دقائق...

طرق الباب.

ــ تفضل.

دخلت سكرتيرته تحمل مجموعة جديدة من الملفات.

وضعتها أمامه.

وقالت:

ــ هذه التقارير الخاصة بالأقسام.

يجب مراجعتها قبل نهاية اليوم.

أومأ برأسه.

ــ حسنًا.

ثم بدأت تغادر.

لكنه فتح أول ملف أمامه.

وأخذ يقلب صفحاته.

حتى وصل إلى الصفحة الأخيرة.

توقف قلمه في الهواء.

وثبتت عيناه على الاسم المكتوب أسفل التقرير.

إعداد: أروى الحازمي.

شعر وكأن الزمن توقف.

أعاد قراءة الاسم مرة أخرى.

ثم مرة ثالثة.

لا...

لم يكن يتوهم.

الاسم واضح.

أروى...

الحازمي.

رفع رأسه بسرعة.

وقال:

ــ لحظة.

توقفت السكرتيرة عند الباب.

واستدارت إليه.

ــ نعم أستاذ رائد؟

رفع التقرير أمامها.

وأشار إلى الاسم.

ــ هذه الموظفة...

أروى الحازمي.

من أي قسم؟

نظرت إلى التقرير.

ثم أجابت مباشرة:

ــ قسم الشؤون الإدارية.

تولى الأستاذ خالد تدريبها في البداية.

لكنها الآن تعمل بشكل مستقل.

ظل ينظر إليها دون أن يتكلم.

فسألته باستغراب:

ــ هل هناك مشكلة؟

قال بهدوء حاول أن يخفي ما بداخله:

ــ منذ متى تعمل هنا؟

ابتسمت السكرتيرة وهي تحاول التذكر.

ــ إذا لم تخنّي الذاكرة...

منذ أكثر من شهر بقليل.

شعر رائد بأن الكلمات اختفت.

منذ أكثر من شهر...

أي منذ الفترة نفسها التي خرجت فيها من السجن.

خفض نظره ببطء نحو التقرير.

ثم عاد إلى الاسم.

أروى الحازمي.

هي نفسها...

كانت هنا.

داخل شركته.

تحت إدارته.

وتحدث معها بنفسه قبل أيام...

ولم يخطر بباله للحظة أنها المرأة التي ارتبط اسمها بقضية هبة.

قالت السكرتيرة بعد أن لاحظت شروده:

ــ أستاذ رائد؟

رفع رأسه.

ــ نعم؟

ــ هل أستدعي الأستاذ خالد؟

ظل صامتًا لثوانٍ.

ثم هز رأسه.

ــ لا...

ليس الآن.

غادرت السكرتيرة المكتب.

وأغلقت الباب بهدوء.

---

بقي رائد وحده.

نظر إلى التقرير طويلًا.

ثم تذكر وجه أروى.

كانت تقف أمام مكتبه بكل هدوء.

تتحدث باحترام.

وتشرح تفاصيل التقرير بثقة.

لم يرَ في عينيها امرأة متكبرة.

ولا مجرمة كما رسمها في خياله طوال السنوات الماضية.

لكن...

ذلك لم يغير الحقيقة التي كان يؤمن بها.

في نظره...

كانت هي المرأة التي حُكم عليها بقتل هبة.

أغلق الملف ببطء.

واستند إلى كرسيه.

ثم همس بصوت بالكاد يُسمع:

ــ كيف يمكن أن تكوني هنا...؟

وكيف لم أعرفك إلا الآن...؟

خارج المكتب...

كانت أروى منهمكة في عملها كعادتها.

لا تعلم...

أن الرجل الذي كانت تراه مجرد مدير صارم...

عرف أخيرًا من تكون.

وأن الأيام القادمة...

لن تبقى هادئة كما كانت.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 76

    أشياء لا يعرفها الآخرون لم تكن الأيام التالية سهلة على أروى. رغم أنها استطاعت الحصول على المال الذي تحتاجه لعلاج نوال، إلا أن الاتفاق الذي وقعته مع رائد ظل حاضرًا في ذهنها. خمسة أوامر. لم تكن تعرف ما هي. ولا متى سيطلب منها تنفيذها. كل ما تعرفه أنها وافقت لأنها لم تكن تملك خيارًا آخر. ومع ذلك... كلما تذكرت أن نوال حصلت على ما تحتاجه، شعرت بشيء من الراحة. كان ذلك أهم شيء بالنسبة إليها. --- في صباح اليوم التالي، ذهبت أروى إلى المستشفى. أنهت الإجراءات المطلوبة، وسددت المبلغ الذي كان عليها دفعه. وقفت أمام موظفة الحسابات، تراجع الإيصال بين يديها. ــ هل هذا كل شيء؟ ــ نعم، هذا المبلغ يغطي الدفعة المطلوبة حاليًا. أغمضت أروى عينيها للحظة. شعرت براحة كبيرة. أخيرًا... لم تعد تفكر في كيفية تدبير المال. على الأقل في الوقت الحالي. أخذت الإيصال. وشكرت الموظفة. ثم توجهت إلى غرفة نوال. كانت نوال مستلقية على سريرها. ابتسمت عندما رأتها. ــ أروى! اقتربت منها وجلست بجانبها. ــ كيف تشعرين اليوم؟ ــ أفضل. ثم نظرت إليها بحنان. ــ وأنتِ؟ ابتسمت أروى. ــ أنا بخير. لم تخبرها ع

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 75

    أما رائد... فبقي في مكتبه. كان يعلم أن الخطأ لا يستحق خمسة أشهر. كان يعلم أن خسارة الشركة محدودة. وكان يعلم أيضًا... أن أروى لم تتعمد ما حدث. لكن هذا لم يكن ما يريده. هو لم يكن يعاقبها على التقرير. كان يعاقبها على شيء آخر. على هبة. على السنوات الثلاث التي عاشها وهو يحمل ألم فقدها. وعلى السنتين اللتين خرجت أروى قبلهما من السجن. نظر إلى الملف أمامه. ثم قال ببرود: ــ سنتان لم تقضيهما هناك... وأنا سأجعلك تدفعين ثمنهما هنا. لكنه عندما تذكر وجهها وهي تقول: "أرجوك..." ساد الصمت في المكتب. لثوانٍ قليلة... شعر بوخزة من الذنب. لكنه تجاهلها. وأعاد فتح ملفه. لم يكن مستعدًا للتراجع. أما أروى... فلم تكن تعرف أن الخطأ الذي ارتكبته بسبب إرهاقها وضغط العمل لم يكن سوى بداية لأشهر ستصبح فيها حياتها أكثر صعوبةمرّت الأسابيع التالية ببطء.كانت أروى قد اعتادت على نصف راتبها.أو حاولت أن تعتاد عليه على الأقل.أصبحت تحسب كل درهم قبل أن تنفقه.تتخلى عن أشياء كانت تعتبرها بسيطة.وتبحث دائمًا عن الأرخص.لكنها لم تندم على شيء.فطالما استطاعت الاستمرار في عملها...وطالما بقيت قادرة على م

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 74

    مرّت عدة أيام منذ ذلك الصباح...لكن أروى لم تستطع أن تنسى ما حدث في الممر.كلما رأت رائد من بعيد...كانت تتوتر دون إرادة منها.لم تكن تعرف سبب غضبه.ولم تكن تعرف لماذا اقترب منها بتلك الطريقة.لكن جسدها كان يتذكر.تتذكر يده وهي تمسك بذراعها.وتتذكر ظهرها عندما اصطدم بالحائط.وتتذكر نظراته الغاضبة.لذلك...كانت تتجنب النظر إليه قدر الإمكان.---في ذلك اليوم، كان العمل أكثر ضغطًا من المعتاد.تراكمت الملفات فوق مكتب أروى.ملف بعد آخر.وتقرير بعد آخر.كلما انتهت من مجموعة، وصلت أخرى.كانت ليان تساعدها قدر استطاعتها، لكن حجم العمل كان أكبر من المعتاد.ــ أروى، هل انتهيتِ من التقرير؟رفعت رأسها بسرعة.ــ تقريبًا.ــ الأستاذ خالد يحتاجه قبل الظهر.ــ سأحاول إنهاءه الآن.عادت إلى الحاسوب.كانت عيناها تؤلمانها من كثرة التركيز.شربت القليل من الماء.ثم واصلت العمل.لم تنتبه إلى خطأ صغير في إحدى الأرقام.رقم واحد فقط...لكنه غيّر نتيجة الحساب النهائي.راجعته مرة.ثم أرسلته.وما إن ضغطت على زر الإرسال...حتى انتقلت إلى الملف التالي.كانت تظن أن كل شيء انتهى.لكنها لم تكن تعلم...أن ذلك الخطأ الصغ

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 73

    أريد فقط تقريرًا كاملًا. ــ حاضر. أخذ المدير الملف وغادر. لم تمر ساعات كثيرة... حتى بدأ الأمر. كانت أروى منهمكة في عملها عندما جاءها الأستاذ خالد. وضع أمامها مجموعة من الملفات. قال: ــ أروى، أحتاج منك إنهاء هذه قبل نهاية الدوام. نظرت إلى الكمية. ثم رفعت رأسها. ــ كلها اليوم؟ ــ للأسف. هناك ضغط في القسم. أومأت. ــ حسنًا. ابتسم خالد. ــ أعتمد عليك. بدأت العمل. لم تسأل لماذا ازدادت المهام فجأة. فهي اعتادت أن تثبت نفسها. لكنها لم تكن تعلم... أن بعض تلك المهام لم تأتِ مصادفة. --- مرّت الأيام. وفي كل يوم... كانت أروى تحصل على عمل أكثر. ملفات إضافية. مراجعات. تقارير عاجلة. مهام كان يمكن توزيعها على أكثر من موظف. ومع ذلك... لم تشتكِ. كانت تعود إلى غرفتها في المساء متعبة. تخلع حذاءها. وتجلس على طرف السرير. ثم تنظر إلى يديها. أحيانًا كانت تشعر أنها لم تعد تملك طاقة حتى لتغيير ملابسها. لكنها كانت تتذكر نوال. فتنهض. تحضر شيئًا بسيطًا لتأكله. ثم تراجع حساباتها. تقتطع مصاريف الإيجار. مصاريف الطعام. المواصلات.

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 72

    ثم أضافت بسرعة: ــ ربما أحتاج فقط إلى بعض القهوة. ابتسمت ليان. ــ هذه أول مرة أراكِ تدافعين عن القهوة. ضحكت أروى بخفة. لكن ضحكتها لم تكن طبيعية. كانت مجرد محاولة لإخفاء الارتباك. ــ سأعود إلى مكتبي. أومأت ليان. ــ حسنًا، لكن إذا شعرتِ بأي تعب أخبريني. ــ سأفعل. استدارت أروى... ومشت. لكن خطواتها كانت أبطأ من المعتاد. --- جلست أمام مكتبها. فتحت الحاسوب. ظهرت الملفات أمامها. حدقت في الشاشة. ثم وضعت أصابعها على لوحة المفاتيح. كتبت سطرًا. ثم توقفت. حاولت أن تركز. لكن عقلها عاد إليها من جديد. يد رائد وهي تقبض على ذراعها. دفعه لها. صوته. نظراته. والسؤال الذي لم تفهمه حتى الآن: "لماذا أنتِ هنا؟" رفعت يدها إلى كتفها مرة أخرى. همست: ــ ماذا كان يقصد؟ هل أخطأت في شيء؟ هل هناك مشكلة في عملي؟ لكنها لم تجد أي تفسير. كانت تتعامل معه مثل أي مدير. احترمته. أنجزت ما طُلب منها. لم تتجاوز حدودها. فلماذا يعاملها وكأنها ارتكبت في حقه جريمة؟ أخفضت عينيها. ثم حاولت طرد الأفكار من رأسها. فتحت أحد الملفات. وأجبرت نفسها عل

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 71

    ارتجف صوت أروى. ــ أستاذ رائد... أنا... لا أفهم... بقي ينظر إليها. كأن كلماتها لم تصل إليه. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة. وقبضتاه ما زالتا تضغطان على كتفيها. كل ما كان يراه أمامه... لم يكن أروى. بل وجه هبة. ضحكتها. وابتسامتها. وذلك اليوم... اليوم الذي انتهى فيه كل شيء. اشتدت قبضته دون أن يشعر. فشهقت أروى من الألم. وحاولت أن تتراجع... لكن الحائط كان خلفها. لم يكن أمامها أي مهرب. كانت المرة الأولى منذ خروجها من السجن... التي تشعر فيها بذلك العجز. نظرت إلى عينيه. لم ترَ فيهما الكراهية فقط... بل شيئًا آخر. وجعًا... كأن هذا الرجل يحمل جرحًا قديمًا لا يتوقف عن النزيف. لكنها... لم تعرف سببه. ولا لماذا كانت هي أمامه. --- في تلك اللحظة... وقعت عين رائد على وجهها. لم يرَ تحديًا. ولا شماتة. ولا ابتسامة مستفزة. رأى امرأة شاحبة. مرتبكة. ترفع رأسها بصعوبة بسبب فارق الطول بينهما. وعيناها... كانتا مليئتين بالخوف. خوف حقيقي. ساد صمت ثقيل. ثم... نظر إلى يديه. كانت أصابعه ما تزال تقبض على كتفيها بقوة. اتسعت عيناه قليلًا. وكأنه استيقظ فجأة من كابوس. تركها فورً

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status