FAZER LOGINكان المكتب واسعًا.
لكن ترتيبه البسيط لفت انتباهها أكثر من فخامته. خزانة كتب. ومكتب خشبي أنيق. ونوافذ كبيرة تطل على المدينة. أما رائد... فكان يقف أمام النافذة يراجع بعض الأوراق. استدار عندما سمع الباب يُغلق. ثم اتجه نحو مكتبه. رفع بصره إليها. للحظة... شعرت أروى أنها تعرف هذه العينين. العينان اللتان رأتهما من بعيد في المقبرة. لكن هذه المرة... لم يكن فيهما ذلك الحزن. بل هدوء رجل اعتاد تحمل المسؤولية. اقتربت بخطوات ثابتة. وضعت الملف على مكتبه. وقالت باحترام: ــ صباح الخير أستاذ رائد. هذا التقرير طلب الأستاذ خالد أن أسلمه إليك. نظر إلى الملف. ثم إليها. وقال بهدوء: ــ شكرًا. جلس على كرسيه. فتح الملف. وبدأ يقلب صفحاته. لم ترد أروى أن تغادر قبل أن يأذن لها. فبقيت واقفة في مكانها. توقف عند إحدى الصفحات. ثم رفع رأسه. ــ هذا التقرير... أعده الأستاذ خالد؟ أجابت بهدوء: ــ أعددته أنا، وراجعه الأستاذ خالد قبل إرساله. نظر إليها ثانية. هذه المرة أطال النظر لثوانٍ قليلة. ثم قال: ــ أنتِ أروى... أليس كذلك؟ تفاجأت قليلًا. ــ نعم. ــ سمعت عنك. قال الأستاذ خالد إنك تتعلمين بسرعة. شعرت بالخجل. وقالت: ــ أحاول فقط أن أؤدي عملي كما يجب. أعاد نظره إلى التقرير. ثم قال بعد أن قرأ بعض السطور: ــ واضح. التقرير منظم. والبيانات دقيقة. عمل جيد. لم تكن الجملة طويلة. ولا قيلت بابتسامة. لكنها كانت صادقة. وشعرت أروى أن قلبها امتلأ بشيء من الفخر. ــ شكرًا لك. أغلق رائد الملف. ثم دفعه قليلًا إلى جانب مكتبه. وقال: ــ يمكنك العودة إلى عملك. وأبلغي الأستاذ خالد أنني سأراجع التقرير خلال اليوم. ــ حاضر. انحنت برأسها باحترام. ثم استدارت وغادرت المكتب. --- أغلقت الباب خلفها برفق. وأطلقت زفرة لم تشعر بها إلا بعد خروجها. ابتسمت لنفسها. لم يكن مخيفًا كما وصفه الجميع. كان جادًا... نعم. لكنه هادئ. وعادل. تمامًا كما قالت ليان. --- ما إن عادت إلى القسم... حتى تركت ليان ما بيدها. وركضت نحوها. ــ حسنًا! أخبريني! كيف كان الأمر؟ ضحكت أروى. ــ كنتِ تبالغين. وضعت ليان يدها على صدرها. ــ ماذا؟ ــ لم يلتهمني... ولم يطردني... ولم ينظر إليّ تلك النظرة المرعبة التي كنتِ تصفينها. انفجرت ليان ضاحكة. ــ يبدو أنه كان في مزاج جيد اليوم. ابتسمت أروى وهي تجلس إلى مكتبها. ــ بل يبدو أنكم أنتم من تخافونه أكثر مما ينبغي. ضحكت ليان وهي تعود إلى مكانها. أما أروى... ففتحت أول ملف أمامها. وعادت إلى عملها. أعادت ترتيب الأوراق. ثم ابتسمت لنفسها وهي تتذكر أول مهمة كلفها بها الأستاذ خالد. كان يومًا عاديًا... لكنها لم تكن تعلم أن هذا اليوم سيكون بداية تغيرات لم تتخيلها ــ لم يكن رائد يحتاج إلى التقويم... ــ ليعرف أن ذلك اليوم قد اقترب. ــ ففي كل عام... ــ لوقبل حلول ذكرى وفاة هبة بأيام قليلة... كانت حياته تتغير. يصبح أكثر صمتًا. وأقل نومًا. ويغرق في العمل حتى ساعات متأخرة من الليل. ــ وكأنه يحاول أن يهرب... من يوم يعلم أنه لن يستطيع الهروب منه. وقف أمام النافذة الزجاجية في مكتبه. كانت المدينة تعج بالحياة. السيارات تملأ الطرقات. والناس يركضون خلف أعمالهم. أما هو... فكان يشعر أن الزمن توقف منذ ثلاث سنوات. تنهد بصمت. ثم أغلق الملف الذي بين يديه. نظر إلى ساعته. وأخذ مفاتيح سيارته. وغادر الشركة.ــ أتمنى فقط أن تصلني في أقرب وقت. نظر إليها. ــ لماذا؟ ــ لأن حقيبتي تحتوي على أشياء مهمة. ثم قالت: ــ بطاقتي البنكية، وأوراقي الشخصية، وبعض الأغراض التي أحتاج إليها يوميًا. أومأ رائد إيماءة بسيطة. ــ سأهتم بالأمر. ــ شكرًا لك. صمتت أروى. كان من المفترض أن تغادر لكن شيئًا بداخلها لم يسمح لها بذلك. ظلت واقفة للحظات، ثم استدارت نحو الباب. وضعت يدها على المقبض. توقفت. ترددت طويلًا. ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تجمع شجاعتها. التفتت إليه. ــ سيد رائد؟ رفع رأسه. ــ ماذا؟ ترددت أروى. ــ أريد أن أسألك سؤالًا. ظل ينظر إليها دون أن يجيب. قالت بهدوء ــ هل فعلت شيئًا خاطئًا في تلك الليلة؟ توقفت يد رائد فوق الورقة. رفع عينيه إليها ببطء. ــ ماذا تقصدين؟ ــ منذ أن عدنا من الفندق وأنت تتصرف معي بطريقة مختلفة. صمتت لحظة. ثم تابعت: ــ وفي تلك الليلة... تركتني دون أن تخبرني أنك ستغادر. خفضت عينيها للحظة. ــ إذا كنت قد أخطأت في شيء، فأنا أريد فقط أن أعرف. لم يجب. ساد الصمت بينهما. وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي إجابة. رفع را
استيقظت أروى في وقت متأخر من النهار. لم يكن صوت المنبه هو ما أخرجها من نومها هذه المرة، بل ألم حاد تسلل إلى قدميها مع أول محاولة للحركة. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في سقف الغرفة دون أن تتذكر أين هي. ثم حاولت تحريك ساقيها. تأوهت بخفة. ــ آه... جلست على حافة الأريكة، ومدت يديها نحو قدميها. كانتا متورمتين بشكل واضح، وعلى مؤخرة كعبيها ظهرت جروح حمراء خلّفها الحذاء الذي اضطرت إلى المشي به لساعات طويلة. حدقت فيهما بدهشة. ثم تمتمت: ــ يا إلهي... مررت أصابعها حول أحد الجروح بحذر، فتراجعت يدها سريعًا من شدة الألم. وبدأت ذكريات الليلة الماضية تعود إليها تدريجيًا. الحفل... رائد... انتظارها الطويل. اتصالاتها التي لم يجب عنها. ثم خروجها من الفندق وعودتها سيرًا على الأقدام حتى اقترب الفجر. تنفست ببطء. لم تكن تملك حتى الطاقة الكافية لتغضب. كل ما كانت تشعر به هو الإرهاق. نهضت بصعوبة واتجهت إلى الحمام. أخذت حمامًا طويلًا، ثم اعتنت بجروح قدميها قدر استطاعتها، وارتدت ملابس مريحة. تناولت شيئًا خفيفًا، لكنها لم تستطع البقاء مستيقظة طويلًا. عادت إل
وقفت أروى في الممر للحظات. كانت تحاول استيعاب ما حدث. ثم أخرجت هاتفها مرة أخرى. اتصلت برائد. لا جواب. تنفست ببطء. ــ حسنًا... قالتها لنفسها. ــ سأعود وحدي. لكن عندما تذكرت حقيبتها... توقفت. حقيبتها الكبيرة وأغراضها الشخصية ما زالت في غرفة تبديل الملابس. اتجهت إليها بسرعة. لكنها وجدت الباب مغلقًا. توقفت أمامه، ثم التفتت إلى إحدى الموظفات القريبات. ــ عذرًا، أريد أخذ أشيائي من الداخل. ابتسمت الموظفة باعتذار. ــ بالطبع، لكن الغرفة مغلقة حاليًا. ــ هل يمكنكِ فتحها؟ هزت رأسها. ــ للأسف، لا أستطيع. ــ لماذا؟ ــ هذه الغرفة تحت مسؤولية السيد رائد، ولا يمكنني فتحها دون إذنه. نظرت أروى إليها بعدم تصديق. ــ لكنه غادر. ــ أعلم. ثم أضافت بلطف: ــ لكن التعليمات واضحة. تنهدت أروى. ــ حسنًا... شكرًا. ابتعدت. وقفت للحظات في الممر، تنظر إلى هاتفها. اتصلت برائد مرة أخرى. رن الهاتف... ثم انقطع. هذه المرة لم تحاول الاتصال. شعرت بشيء من الغضب. ــ لماذا يجب أن أتحمل كل هذا؟ وضعت الهاتف في حقيبتها الصغيرة. ثم نظرت إلى الساعة. كان الليل قد تقدم كثيرًا. لم يعد بإمكانها
لم تكن أروى تعرف كم مرّ من الوقت منذ ابتعد رائد عنها. في البداية، لم تهتم كثيرًا. كانت تجلس بهدوء إلى إحدى الطاولات الجانبية، تراقب الحاضرين من حولها، وتحاول أن تبدو منشغلة بأي شيء حتى لا تشعر بأنها غريبة عن المكان. كانت الموسيقى تنساب في أرجاء القاعة بهدوء، بينما تتعالى بين الحين والآخر ضحكات خافتة وأحاديث عن صفقات ومشاريع واستثمارات. أما أروى... فلم تكن تفهم معظم ما يدور حولها. رفعت عينيها نحو الجهة التي ذهب إليها رائد. كان يقف هناك ويتحدث مع رجل لم تعرفه. تنفست ببطء، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد. "سأنتظره فقط." كان ذلك كل ما تفكر فيه. فهي لم تأتِ إلى هنا بإرادتها أصلًا. ولم تكن تعرف أحدًا سوى رائد. لذلك لم يكن أمامها سوى أن تنتظر عودته. --- في الجهة الأخرى من القاعة، كان رائد يقف أمام الرجل الذي أشارت إليه سماء. قال الرجل بابتسامة: ــ يبدو أنك مهتم بمشروع النقل والخدمات اللوجستية. أجابه رائد: ــ سمعت عن المشروع، لكنني أريد أن أعرف تفاصيله منك مباشرة. ابتسم الرجل. ــ هذا يسعدني. ما زلت أعمل على بعض التفاصيل، لكن لدي خطة للتوسع خلال الفترة الق
بعد أن غادر رائد غرفة القياس، بقيت أروى لبعض الوقت تتنقل بين الفساتين المعلقة أمامها.هذه المرة لم تكن تبحث عن فستان يثير إعجاب أحد...كانت تبحث فقط عن شيء تشعر فيه بالراحة.توقفت أمام مجموعة من الفساتين، ثم سحبت أحدها.كان بلون أزرق سماوي هادئ، طويلًا وأنيقًا، بتصميم محتشم لا يكشف كتفيها، وفي الوقت نفسه ينسدل على جسدها بطريقة أنيقة تبرز قوامها المتناسق دون مبالغة.نظرت إليه للحظات.ــ هذا أفضل.دخلت غرفة القياس من جديد.وبعد دقائق، وقفت أمام المرآة.تأملت نفسها بصمت.كان الفستان مختلفًا تمامًا عن الفستانين السابقين.لم تشعر بالحرج.ولم تضطر إلى التفكير في كيفية إخفاء ذراعها.ابتسمت ابتسامة صغيرة.ــ نعم... هذا مناسب.التقطت حقيبتها الصغيرة، ثم خرجت من الغرفة.كان رائد ينتظر في الخارج.رفع رأسه عندما سمع الباب.وقعت عيناه عليها...وتوقفتا للحظة.لم تكن دهشته كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي لمن يراقبه جيدًا.كانت أروى مختلفة عن الصورة التي اعتاد رؤيتها بها في الشركة.بدا الفستان مناسبًا لها بصورة جعلته يصمت لثوانٍ.لكن رائد سرعان ما استعاد ملامحه المعتادة.ــ انتهيتِ؟أومأت أروى.ــ ن
أسندت رأسها إلى الخلف.كانت تنوي أن تغفو لبضع دقائق فقط...لكن التعب كان أقوى منها.أغمضت عينيها.وبعد لحظات، غطَّ النوم ملامحها.مرّت ساعة...ثم ساعة أخرى.حتى استيقظت فجأة على رنين هاتفها.انتفضت أروى من مكانها، وفتحت عينيها بفزع.التفتت حولها للحظات قبل أن تدرك أنها نامت على الأريكة.مدت يدها بسرعة نحو الهاتف.كان الرقم غريبًا.غير مسجل في جهات اتصالها.ترددت للحظة، ثم أجابت:ــ ألو؟ساد صمت قصير.ثم جاءها صوت مألوف:ــ جهزي نفسكِ.تجمدت أروى في مكانها.عرفت الصوت فورًا.ــ أستاذ رائد؟ــ لديكِ نصف ساعة.رفعت حاجبيها باستغراب.ــ نصف ساعة لماذا؟جاءها صوته بلهجة حاسمة:ــ سنلتقي أمام فندق ستانلي.ــ فندق ستانلي؟ــ نعم.ثم أضاف:ــ ارتدي ملابس جميلة. الحفلة راقية.ازداد ارتباك أروى.ــ حفلة؟ أي حفلة؟صمت لحظة، ثم قال:ــ ستعرفين عندما تصلين.ــ لكن...قاطعها:ــ أسرعي، فهذا هو الشرط الثاني.ثم أُغلق الخط.بقيت أروى ممسكة بالهاتف، تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن يعود رائد ويتصل من جديد ليشرح لها ما يحدث.ــ ما الذي يخطط له هذا الرجل؟لم تجد جوابًا.وضعت الهاتف جانبًا، ثم نهضت بسرعة.







