เข้าสู่ระบบلم يكن هناك استعراض للقوة، ولا دائرة ضخمة من الضوء، ولا موجة سحرية يمكن أن تخيف كارينا؛ فمحو الذاكرة كان يحتاج إلى دقة شديدة أكثر مما يحتاج إلى قوة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بذكريات متشابكة داخل عقل طفلة لم تدرك بعد حقيقة العالم الذي وُلدت فيه.
بدأت المانا تتجمع حول يد إيما بصورة هادئة، ثم امتدت خيوط دقيقة من الطاقة نحو رأس كارينا، تبحث عن الذكريات المرتبطة بالحادثة دون أن تقترب من بقية حياتها. وبعد لحظات، تشكلت دائرة سحرية ببطء فوق رأس كارينا، كانت خطوطها رقيقة ومتداخلة، تدور في الهواء بصمت، بينما أخذت الرموز القديمة داخلها تتوهج بخفوت مع كل طبقة من الذاكرة تصل إليها إيما. كانت إيما تعرف جيدًا ما يجب أن تتركه. ذكريات طفولتها بقيت في مكانها، وكذلك كل ما يتعلق بحياتها العادية؛ فقد كان هدفها محو ذكريات العالم الغريب والخطير الذي دخل إلى وعي كارينا بصورة لم يكن ينبغي أن تحدث في الأصل. وجه والدها، ضحكاته، الأوقات التي قضتها معه، وكل اللحظات التي شعرت فيها بالأمان لم تقترب منها إيما على الإطلاق. كما أبقت ذكريات أمسياتها مع لوسيان كما هي، ولم تمس منزلها، أو أصدقاءها، أو الأشياء التي اعتادت حبها، أو الأيام العادية التي صنعت جزءًا كبيرًا من طفولتها. كل شيء يخص حياتها الطبيعية بقي محفوظًا. أما تلك الحادثة وحدها، فقد بدأت إيما تفصلها بهدوء عن بقية ذكريات ابنتها، وكأنها تسحب خيطًا واحدًا من نسيج بالغ التعقيد دون أن تسمح له بتمزيق الخيوط المحيطة به. العالم الغريب. المكان الذي لم تعرف كارينا اسمه، ولا كيف وصلت إليه، ولا لماذا شعرت بأنها كانت موجودة فيه بالفعل. الغابة التي لم تشبه أي غابة عرفتها في حياتها، بأشجارها الهائلة وهيئتها الغريبة التي بقيت عالقة في أعماق ذاكرتها. الصحراء الممتدة بلا نهاية، والرمال التي شعرت بها تحت قدميها وكأنها كانت تقف فوقها فعلًا. الجبال المشتعلة والبراكين التي كانت الحمم المنصهرة تنساب من حولها، والمشهد الذي لم يكن يشبه أي شيء يمكن أن تراه طفلة في عالمها الطبيعي. ثم جاءت الزهرة. توقفت إيما للحظة عندما وصلت إليها، فقد كانت تلك الذكرى مختلفة عن كل ما سبقها. لم تكن مجرد صورة من عالم غريب، ولم تكن تفصيلًا عابرًا في حلم مشوش، بل كانت شيئًا ارتبط بصورة مباشرة بالاختلاف الذي يفصل كارينا عن أي طفل آخر من عائلة سحرية، وبمسار استثنائي لم يكن من المفترض أن تعرف عنه شيئًا في هذا العمر. لهذا كانت إيما أكثر حذرًا معها. لم تحاول اقتلاع الذكرى بعنف، بل أحاطتها بالمانا أولًا، وفصلتها تدريجيًا عن بقية الصور، ثم بدأت تمحو تفاصيلها واحدة تلو الأخرى. بعدها جاءت الأصوات. عدة أصوات كانت تنادي كارينا من أماكن مختلفة، ولم تستطع هي نفسها أن تحدد إن كانت أصوات رجال أم نساء، فقد اختلطت النبرات داخل ذاكرتها بصورة جعلت التمييز بينها شبه مستحيل. لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا. كانت تلك الأصوات خطيرة. لم تكن مجرد أصوات عابرة أو نداءات غامضة، بل كانت تحمل في نبراتها شيئًا جعل وجودها وحده يثير الخوف. وأخيرًا، بقي ذلك الصوت. الصوت العميق الذي جعل كارينا تشعر بأنها لم تكن أمام شخص يريد التحدث إليها، بل أمام شيء آخر تمامًا، شيء جعلها تشعر بأنها فريسة، وأن ذلك الشيء يريد ابتلاعها. بدأت الصور تتشوش تدريجيًا. شعرت كارينا بثقل داخل رأسها، فتنفست ببطء وهي تغمض عينيها، ثم قالت بنبرة متعبة: «رأسي ثقيل قليلًا... وكأنني أشعر بشيء يتحرك داخله، لكنني لا أستطيع تحديد ما هو.» أجابتها إيما بصوت هادئ، بينما حافظت على ثبات التعويذة ودقة تحكمها بالمانا: «هذا طبيعي يا عزيزتي، لا تخافي ولا تحاولي مقاومة الشعور، فقط استرخي ودعي جسدك يرتاح، وسينتهي الأمر بعد لحظات قليلة.» بدأت صورة الغابة تتلاشى. اختفت تفاصيل الأشجار أولًا، ثم الأرض، ثم السماء الغريبة التي لم تعرف كارينا كيف تصف لونها، حتى لم يبقَ منها سوى إحساس باهت سرعان ما اختفى بدوره. بعدها بدأت الصحراء تتلاشى، واختفت الرمال من بين أصابع الذاكرة، ثم تبعتها الجبال المشتعلة والبراكين التي كانت الحمم المنصهرة تتحرك داخلها، حتى لم يعد في عقل كارينا سوى ضباب لا يحمل شكلًا واضحًا. ثم بدأت الألوان المتداخلة التي ملأت رؤيتها في ذلك العالم الغريب تفقد وضوحها واحدة تلو الأخرى. لكن عندما وصلت إيما إلى صورة الزهرة، توقفت للحظة. كانت الذكرى أعمق بكثير من بقية الصور، وكأن شيئًا داخل عقل كارينا تشبث بها ورفض أن يسمح لها بالاختفاء بسهولة. ضاقت عينا إيما قليلًا، ثم زادت تركيزها دون أن ترفع قوة التعويذة بصورة مفاجئة. أحاطت المانا بالذكرى، وفصلتها عن بقية الذاكرة، ثم دفعتها برفق شديد حتى بدأت صورة الزهرة تتشوش تدريجيًا، وتفقد ألوانها وتفاصيلها، بينما أخذ شكلها يتفتت داخل دائرة السحر إلى أجزاء من الضوء الباهت. للحظة، بدت إيما وكأنها شعرت بمقاومة خفيفة. لكنها لم تتراجع. استمرت في العمل ببطء، حتى تلاشت الصورة تمامًا. بعدها بدأت الأصوات تختفي. صوتًا بعد آخر. لم تعد كارينا قادرة على سماع النداءات داخل عقلها، ولم يعد بإمكانها التمييز بين النبرات التي كانت قبل لحظات تملأ ذلك العالم الغريب. ثم بقي الصوت الأخير. ذلك الصوت العميق والمخيف. ثبتت إيما تعويذتها للحظات أطول، ثم محته أيضًا. سكن عقل كارينا فجأة. وببطء، بدأت الدائرة السحرية فوق رأسها تخفت، وانسحبت خيوط المانا من حولها، قبل أن تتلاشى الرموز القديمة في الهواء وكأنها لم تكن موجودة أصلًا. سحبت إيما يدها ببطء، ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تنظر إلى ابنتها. فتحت كارينا عينيها. بقيت صامتة لعدة ثوانٍ، ثم عقدت حاجبيها ونظرت إلى أمها باستغراب، وكأنها شعرت بوجود فراغ صغير داخل عقلها دون أن تعرف سببه. «هذا غريب...» اقتربت إيما منها قليلًا، وحاولت أن تجعل ملامحها طبيعية تمامًا. «ما الغريب يا عزيزتي؟ هل تشعرين بشيء يؤلمك؟» وضعت كارينا يدها فوق رأسها، وأخذت نفسًا بطيئًا وهي تحاول الوصول إلى شيء كان موجودًا في عقلها قبل لحظات، لكنها لم تجد سوى إحساس غامض بالفراغ. «أشعر وكأنني كنت أفكر في شيء مهم، لكنني لا أعرف ما هو، وكلما حاولت الإمساك به يختفي قبل أن أتمكن من تذكره.» ابتسمت إيما ومسحت على شعرها بحنان، ثم قالت بنبرة مطمئنة: «ربما كان مجرد حلم يا عزيزتي، والأحلام أحيانًا تترك شعورًا غريبًا في الرأس حتى بعد أن نستيقظ، خصوصًا عندما نكون متعبين بهذا الشكل.» ظلت كارينا تنظر إلى السقف لبعض الوقت، وكأنها تريد أن تعثر على ذلك الشيء المفقود في مكان ما خلف أفكارها. «ربما... لا أعرف.» وفي الجانب الآخر من الغرفة، أغمض رافين عينيه للحظة، ثم أخذ نفسًا عميقًا محاولًا تجاهل الألم والإرهاق اللذين كانا ينتشران في جسده منذ استخدام السحر المحرّم. لاحظت إيما ذلك، لكنها لم تستطع الاقتراب منه قبل أن يُسمع طرق خفيف على الباب. رفع لوسيان صوته من الخارج: «أبي؟ أمي؟ هل يمكنني الدخول؟» التفتت إيما نحو الباب، ثم أجابته: «ادخل.» فتح لوسيان الباب، وكان آثان وريان يقفان خلفه. بدت آثار التعب واضحة على وجهيهما أيضًا، فقد أمضيا وقتًا طويلًا في متابعة آثار المرأة التي بدأا البحث عنها بعد انفصال في مركز تجاري. لكن كل ما عثرا عليه حتى الآن لم يكن كافيًا لمنحهما نتيجة حقيقية. دخل آثان أولًا، ثم تبعه ريان، وتوقفت نظراتهما للحظة عند كارينا المستلقية على السرير. كان واضحًا من ملامحهما أن رؤيتها مستيقظة خففت شيئًا من القلق الذي حمله الاثنان طوال فترة البحث، لكن ذلك لم يمنعهما من ملاحظة حالة رافين، فقد كان من الصعب عدم رؤية الإرهاق الذي غطى ملامحه. اقترب آثان خطوة، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا من المعتاد: «هل أصبحت كارينا بخير الآن؟ كنا نريد الاطمئنان عليها أولًا قبل أن نخبرك بما وصلنا إليه.» أجابته إيما بهدوء: «لقد استعادت وعيها، لكنها ما زالت ضعيفة وتحتاج إلى الراحة، لذلك لا تثيروا أمامها أي حديث قد يدفعها إلى محاولة استعادة ما حدث.» أومأ آثان باحترام، ثم انتقل بصره إلى سيد رافين، قبل أن يضيف: «أما بخصوص البحث، فقد تابعنا الأثر إلى أبعد نقطة استطعنا الوصول إليها، لكننا لم نتمكن من العثور عليها.» رفع سيد رافين عينيه إليه، ثم استخدم تعويذة تخاطرية جماعية، امتدت بهدوء إلى آثان وريان وإيما ولوسيان، بينما استثنى كارينا من دائرة التخاطر عمدًا حتى لا تسمع شيئًا من حديثهم.نظرت إليها، وشعرت بأن الكلمات التي كنت أريد قولها أصبحت أثقل مما توقعت. لم يكن الأمر متعلقًا بالعصا وحدها، بل بالمغادرة التي اقتربت حتى لم يعد هناك شيء يؤجلها. حاولت الابتسام، لكنني وجدت نفسي أقترب منها وأعانقها بدلًا من الإجابة.احتضنتني أمي بقوة هادئة، ثم أبقت يدها على ظهري للحظات. لم تطلب مني أن أعدها بعودتي سريعًا، ولم تحاول إخفاء حقيقة أن الفراق صعب، بل اكتفت بأن تضمّني كما لو أنها تريد أن تمنحني بعض الطمأنينة أحملها معي.أغمضت عينيّ، واستنشقت رائحتها المألوفة، وشعرت بأنني عدت للحظات إلى الأيام التي كنت ألجأ فيها إلى حضنها كلما أخافني شيء. لم أكن أعرف كيف سأواجه الأيام المقبلة، ولا إن كنت سأتمكن من إخفاء ارتباكي أمام أشخاص لا أعرفهم، لكن ذراعيها حولي جعلتني أشعر بأنني ما زلت أملك مكانًا أستطيع العودة إليه مهما تغيرت الأشياء."اعتني بنفسك، كارينا.""سأفعل يا أمي."حاولت أن أجعل صوتي ثابتًا، لكنني لم أستطع منع الحزن من الظهور فيه. ابتعدت عنها قليلًا، فرفعت أمي يدها ولمست خدي بحنان، ثم ابتسمت لي ابتسامة صغيرة بدت وكأنها تخفي خ
بقيت الشاشة أمامي لحظات أخرى، ثم خففت تركيزي عنها بعدما انتهيت من قراءة البيانات. لم تختفِ أهمية السجل لمجرد أنني قرأته؛ فقد أصبحت أعرف أن العصا ليست مجرد قطعة خشب مرصعة بالجواهر، بل أداة ذات وظيفة محددة وخصائص تحتاج إلى فهم قبل استخدامها. "هل فهمتِ ما تحتاجين إليه؟" سألت أمي، وهي تراقب وجهي. أومأت. "عرفت وظيفتها وبعض خصائصها، لكنني سأحتاج إلى وقت لأفهم كيفية استخدامها جيدًا." "وهذا أفضل من أن تتسرعي." مررت أمي يدها على كتفي، ثم رتبت طرف ملابسي الذي تحرك أثناء حمل الحقيبة. "لا أريدك أن تشعري بأن عليكِ معرفة كل شيء منذ اللحظة الأولى." خفضت عينيّ نحو العصا مرة أخرى، وأدرتها بين أصابعي لأتأمل الجواهر الصغيرة المثبتة حول رأسها المستدير. كان من الغريب أن أحمل أداة سحرية تخصني دون أن يكون لها اسم، خصوصًا أنني اعتدت منح أسماء حتى للأشياء التي لا تحتاج إليها. "أمي، هل يمكنني أن أختار لها اسمًا؟" سألت، وأنا أرفع العصا قليلًا أمامي. ابتسمت أمي. "بالطبع. إنها عصاكِ الآن، ومن حقكِ أن تختاري
توقف في منتصف الطريق، ثم غيّر اتجاهه بعناد، فعلق الغرض عند طرف السجادة، وحاول سحبه مرة أخرى دون أن ينجح. راقبته للحظات، ثم قلت: "أعتقد أنه يحتاج إلى مساعدة." نظر لوسيان إلى الدب، ثم إليّ. "أظن أنكما تتشابهان أكثر مما تتصورين." "ماذا تقصد؟" "كل منكما يصر على إنهاء المهمة بطريقته، حتى عندما يكون هناك حل أسهل." ضيقت عينيّ نحوه. "يمكنني أن أتركك ترتب بقية الحقيبة وحدك." رفع حاجبيه مبتسمًا. "وهل هذا تهديد أم وعد؟" "يمكن أن يكون الاثنين." رفع يديه مستسلمًا، لكنه لم يخفِ ابتسامته، ثم انحنى والتقط الغرض الذي عجز الدب الصغير عن حمله ووضعه في مكانه. تابعت دينغ دينغ ترتيب الأغراض الأخرى، بينما ساعدني لوسيان في إغلاق الحقيبة، وأعدت فحص محتوياتها مرة أخيرة حتى أتأكد من أنني لم أنسَ شيئًا. "انتهيت،" أعلنت وأنا أبتعد عن السرير.
"أبي، هل يعني هذا أن العالم الذي نعيش فيه ليس سوى جزء صغير من عالم أكبر؟" ظل أبي ينظر إليّ للحظات، ثم وضع فنجانه على الطاولة بهدوء، وكأنه يريد أن يمنح سؤالي وقتًا كافيًا قبل أن يجيب. كانت أمي تجلس إلى جواري، بينما بقي لوسيان في المقعد المقابل، يستمع بصمت لم أعتده منه. قال أبي أخيرًا: "ما تعرفينه عن العالم لا يمثل إلا الجزء الذي عشتِ فيه حتى الآن. هناك أمور لا يمكن فهمها من خلال ما ترينه حولك فحسب، لأن تاريخ هذا العالم أقدم بكثير من الحكايات التي يتناقلها الناس." عقدت حاجبيّ وأنا أحاول استيعاب كلامه، ثم ملت قليلًا إلى الأمام. "وهل تقصد أن هناك عوالم أخرى فعلًا؟ عوالم مختلفة عن عالمنا، وليست مجرد أماكن بعيدة لم نزرها؟" أومأ أبي ببطء. "نعم، لكن معرفة وجودها لا تعني أن الوصول إليها أمر بسيط، ولا أن كل ما يُقال عنها صحيح. هناك تاريخ وراء عائلتنا، وأحداث جعلت معرفتنا بهذه الأمور مختلفة عن معرفة الآخرين." نظرت إلى أمي، فوجدتها تتابع الحديث بهدوء، ثم انتقلت عيناي إلى لوسيان الذي بدا أكثر اهتمامًا مما أظهره في البداية. لم يقاطع أبي، ولم يحاول إلقاء تعليق ساخر كما يفعل عادةً، وهذا وحده
ساد الصمت للحظة، وبقيت ابتسامة أمي معلقة على شفتيها وهي تنتظر ردنا. التفتُّ إلى لوسيان، فوجدته ينظر إليّ في اللحظة نفسها، وقد ارتفعت إحدى حاجبيه قليلًا في إشارة فهمتها على الفور. كان يعرف ما أفكر فيه، تمامًا كما كنت أعرف أنه يحاول تجنب المصير نفسه الذي ينتظرني إن قررت أمي استعادة إحدى قصص طفولتنا أمام الضيوف. تبادلنا نظرة سريعة، ولم أستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهي، بينما بدا أخي وكأنه يستعد للدفاع عن نفسه قبل أن توجه إليه أمي أي اتهام جديد. "لا حاجة لذلك، أمي،" قلنا معًا. ضحكت أمي، وأعادت كأسها إلى الطاولة، بينما انفجر الضيوف القريبون منا بالضحك. شعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجهي، لكنني لم أعد أشعر بالإحراج الذي كان ينتابني في بداية الأمسية. على العكس، وجدت نفسي أضحك معهم، وألقي نظرة جانبية على لوسيان الذي هز رأسه مستسلمًا، قبل أن يرفع كأسه إلى شفتيه وكأن الأمر لا يعنيه على الإطلاق. كان بارعًا في إخفاء انزعاجه خلف ملامح هادئة، لكنني لم أستطع تجاهل النظرة التي منحني إياها، وكأنها تحذرني من أن دوري في إحراجه سيأتي لاحقًا. كان ذلك ك
كانت طريقته في الرد كافية لتجعلني أضحك، فيما اكتفى أبي بإلقاء نظرة تحذيرية على الرجل الذي بدا أنه استمتع باستفزازه أكثر مما استمتع بالحديث معي. وحين ابتعد الضيف، انحنيت نحو أبي وهمست: "أريد أن أعرف ماذا فعلت." "لا تريدين." "هذا يعني أنك فعلت شيئًا يستحق أن أعرفه." "هذا يعني أنني كنت في السادسة عشرة يومًا ما، وأنني لا أريد أن أسمع تعليقًا من ابنتي طوال الأسبوع القادم." ضحكت، ثم تشبثت بذراعه لحظة قبل أن أتركه يستقبل ضيفًا آخر. كان الاحتفال يستعيد حيويته شيئًا فشيئًا بعد هدوء المراسم، وعادت الموسيقى الخافتة تتردد بين الأعمدة، فيما انشغل بعض الحاضرين بالحديث قرب النوافذ، وانتقل آخرون إلى الطاولات التي رُتبت عليها أطباق صغيرة من الحلوى والفواكه. كانت القاعة واسعة بما يكفي لتسمح للمجموعات بالتشكل والتفرق دون أن يتداخل حديث إحداها مع الأخرى كثيرًا، وقد ساعد الضوء الذهبي المنبعث من الثريات على منح المكان دفئًا جعلني أنسى، لبعض الوقت، رهبة الوقوف داخل دائرة الزئبق قبل دقائق. وحين بدأت أشعر بأنني قضيت نصف حياتي في تبادل التحيات، ظهر لوسيان أمامي حاملًا كأسًا من العصير، ثم مدّه إليّ. "اشر







