登入وقفت علياء أمام المكتب، و ثقل نظرات يوسف يثبت قدميها فوق الأرض. كانت قد أمضت طريق العودة من برج الألفي وهي تصيغ كذبة محكمة، لكن برؤية العذاب الإنساني العاري المخفي خلف غضبه الصارم، خذلتها أنفاسها. سحبت نفساً متهدجاً و أجبرت شفتيها على التحرك — «يوسف... أرجوك. علينا أن نتحدث برزانة.» أفلتت من يوسف ضحكة قصيرة، جافة و مليئه بالمرارة، قطعت سكون الغرفة كالسيف الخشبي نهض بكل طوله و فخامته، لتلقي قامته الفارهة بظلال ثقيلة فوق وجهها المربك — «نتحدث؟ عن ماذا؟ عن سبب زحفكِ الخفي نحو مكاتبه مجدداً؟ لماذا ذهبتِ إلى برجه يا علياء؟ اخبريني!» لم تحتمل علياء النظر في عينيه والقاء اكاذيبها التفتت بجسدها و منحته ظهرها بالكامل، و اغمضت عينيها في الم و لوعه و حبست دموعها لم تريده ان يرى شلالات الألم والدموع المشتعلة بعشقه قبضت على ذراعيها بقوة، و حدقت في الجدران الباردة و هي تقذف طعنتها الأولى و القاتلة: — «ذهبتُ إليه... لأعرف إن كان بإمكانه أن يسامحني على ما مضى.» يوسف بعدم تصديق — «ماذا؟!» هدر صوت يوسف كالإعصار المباغت، صرخة خيانة عارية زلزلت جدران القصر با
دخل عدنان إلى المكتب الخاص بيوسف داخل قصر الظلال بخطوات بطيئة، و على غير عادته لم يطرق الباب بقوة، بل اكتفى بطرقتين خافتتين قبل أن يدخل. كان يحمل بين يديه ملفًا رقيقًا، لكنه بدا أثقل من جبل. رفع يوسف رأسه عن الأوراق أمامه. لم يحتج إلى سؤال. عرف من وجه عدنان أن الخبر الذي يحمله ليس عاديًا. أغلق الملف الذي كان يراجعه وقال بهدوء: — اذا... اقترب عدنان ووضع التقرير فوق المكتب، ثم قال بصوت منخفض: — كما أمرت، تابعنا تحركات السيده علياء طوال اليوم... دون أن تشعر . ساد الصمت. لم يمد يوسف يده نحو التقرير. ظل ينظر إلى عدنان فقط.— ماذا حدث؟ تنهد عدنان قبل أن يجيب. — لم تذهب إلى مشغل الفساتين كما أخبرتك. انعقد حاجبا يوسف.— إذن؟ خفض عدنان عينيه قليلًا. — توجهت إلى برج آل الألفي. لم يتحرك يوسف. لكن شيئًا ما انكسر داخل عينيه. أكمل عدنان بحذر: — دخلت إلى المكتب الخاص بالسيد سليم... وبقيت هناك قرابة ساعة كاملة. هذه المرة أطرق الصمت بعنف. حتى الهواء داخل المكتب بدا و كأنه توقف. ظل يوسف واقفًا مكانه، ثم استدار ببطء نحو النافذة. نظر إلى الحد
٪12 شاهدت الحساب الرقمي الأول المتلاعب به يختفي. شعرت بنبضة خفيفة تعود إلى قلب يوسف البعيد، كأن قيداً من السلاسل الخفية المحيطة بعنقه قد تراخى قليلاً.[ %٢٧ ]اختفت ملفات التحويلات المشبوهة المنسوبة زورا لشركته. في المقابل، كانت علياء تشعر بقطعة من روحها تُنتزع من صدرها، فكل ملف يختفي يعيد الحياة ليوسف، لكنه يؤكد في الوقت نفسه بقاءها في جحيم سليم.[ %٥٤ ]منتصف الطريق. الأكواد الرقمية المعقدة تحترق و تتحول إلى ومضات رمادية على الشاشة. كان يوسف يبتعد عن حافة المقصلة و السجن المؤبد بخطوات سريعة، بينما كانت هي توغل في عتمة النفق الذي لا نهاية له. شعرت ببرودة شديدة تسري في أطرافها، و جفاف حاد في حلقها.[ %٧٩ ]التحويلات الدولية المخططة لتدمير عائلة الكيلاني تبخرت تماماً من الخوادم الرئيسية المشفرة. لم يتبق سوى القليل ليكون يوسف حراً بالكامل خارج دائرة الخطر و الاتهام السيادي. كانت الدموع تتجمع في عيني علياء، لكنها رفضت أن تدعها تسقط أمام نظرات سليم المراقبة لملامحها باستمتاع.[ %١٠٠ ]استقرت النسبة، و توقفت الشاشة لثانية واحدة، قبل أن تنبثق
تراجع سليم خطوة إلى الوراء، عائداً إلى مكتبه بنرجسية عارية ، و أشار لها بيده ببرود مستفز: — «أسمعكِ.. ما هي إملاءات الضحية الأخيرة؟» أشارت بأصبعها نحو شاشة حاسوبه المشفر و قالت بحدة: — «أولاً.. أريد حرق و إبادة كل ملفات التزوير الرقمية الآن و أمام عيني. حذف الأدلة و التحويلات المشبوهة من الخوادم كافة، أريد إعدام هذا الفخ الإلكتروني تماماً ليعود نظيفاً كما كان. ثانياً.. و هو الشرط الذي لن أتراجع عنه شبراً واحداً؛ صفوت الزند و دينا يغادران شركة الكيلاني فوراً. أريد اختفاءهما الكامل و اختفاء كل أتباعهم هناك.. لا أريد لأفاعيك أن تلمس مكاتبه أو تتنفس في محيطه بعد الآن.» تأمل سليم ملامحها ، و دراستها الدقيقة لخطوط دفاع يوسف. أطلق زفيراً ساخراً ثم قال ببرود: — «موافق.. ففي النهاية، ما يهمني صفوت أو دينا إن كنتِ أنتِ الجائزة الكبرى التي أردتها دائماً؟ سينسحبان صامتين غداً مع أول خيط اليوم» سحب سليم وثيقة التنازل و عقد العودة، و وضعهما أمامها فوق الرخام الأسود، و جاورتهما ريشة قلم حبر فاخرة. قال بنبرة آمرة: — «وقّعي أولاً.. لتشاهدي بعدها نهاية ال
حين تبلغ قسوة الأيام ذروتها، تضطر القلوب النقيّة لارتداء أقنعة القسوة ، لحماية الأرواح التي تعشقها من الموت صامتاً.» عند عتبات برج آل الألفي، كانت العاصمة تبدو من الأسفل كأنها رقعة شطرنج مظلمة، تبتلع خطى العابرين بلا أثر .في تلك الليلة الممتدة من الفجر ، لم يكن البرج الزجاجي مجرد مبنى إداري شاهق، بل كان تجسيداً مادياً لسطوة سليم؛ كتلة هائلة من الخرسانة و الزجاج العاكس الذي لا يحمل أي ملمح من ملامح الرحمة .خطت علياء داخل الردهة الرئيسية، فاستقبلها الصقيع المنبعث من أجهزة التكييف المركزية ليصطدم ببرودة أطرافها الشاحبة. صعدت إلى الطابق الأخير، طابق الإدارة العليا، حيث تنعدم الضوضاء و لا يتبقى سوى طنين الآلات الخفي. كانت خطواتها متصلبة، حانقة، ترتطم بالأرض الرخامية بإيقاع عسكري صارم، و كأنها تدق طبول حربها الأخيرة ضد الرجل الذي صادر مستقبلها. لم تطرق الباب. دفعت باب المكتب الرئيسي بكبرياء و شموخ كامل، رافضة تماماً أن تمنح الحراس أو السكرتارية فرصة إعلان قدومها كضحية مستسلمة. استقبلها الاتساع الفاخر للمكتب؛ جدران داكنة، و إضاءة خافتة مسلطة
حين تبلغ قسوة الأيام ذروتها، تضطر القلوب النقيّة لارتداء أقنعة القسوة، لحماية الأرواح التي تعشقها من الموت صامتاً مضت الساعات كالمقصلة.و جاء اليوم التالي ليعلن بقسوة عن الحقيقة. لم يعد يفصلهم عن موعد الزفاف سوى يومين فقط ساد الصمت داخل شقة مالك. لم يعد أحد يكتب على لوحة المفاتيح. انطفأت الشاشات الواحدة تلو الأخرى، و لم يبق سوى ضوء خافت ينعكس فوق الوجوه المرهقة. نظر مالك إلى الشاشة الأخيرة، ثم أغلقها ببطء. ظل صامتًا عدة ثوانٍ، قبل أن يضرب المكتب بقبضته في غضب.— لا... مرر يده في شعره بعنف.— مستحيل... التفت إلى علياء و عيناه ممتلئتان بالعجز. — جرّبنا كل شيء.... كل شيء. لم يتركوا لنا منفذًا واحدًا. وقفت نور بجواره، و خلعت نظارتها و هي تمسح عينيها بسرعة. قالت نور بصوت مكسور:— حتى مفاتيح التشفير... كلها أصلية كل توقيع راجعته عشر مرات. لو وصل هذا الملف للمحكمة... سكتت. ثم همست:— حتى أنا سأصدق أن يوسف مذنب. ساد الصمت. كانت الكلمات أثقل من أن يرد عليها أحد. رفع مالك رأسه فجأة — سنخبر يوسف. نظرت إليه علياء. تابع مالك بسرعة:— يوسف ليس رجلًا عاديًا. عنده محام
كانت علياء تقف أمام المرآة للمرة الثالثة خلال عشر دقائق.لا لأنها مترددة بشأن ما سترتديه.بل لأنها ببساطة لم تخرج للتسوق منذ أشهر.منذ انتقالها إلى قصر يوسف تقريبًا، أصبحت معظم احتياجاتها تصل إليها دون أن تغادر المكان كانت كل الأشياء تناسب ذوقها وكانها من اختارتها بنفسها لكن هذا الصباح كان مختلفًا
كانت المكتبة هادئة ذلك المساء.جلس يوسف خلف مكتبه يتصفح بعض الملفات، بينما جلست علياء بالقرب من النافذة تحمل كتابًا مفتوحًا أمامها.لكنها لم تكن تقرأ.منذ اكتشافها الرسائل قبل يومين...لم يعد عقلها هادئًا.كلما حاولت التركيز في شيء، عادت تلك الرسائل إلى رأسها.الرسائل القديمة.الصندوق.و الفتاة الت
كانت علياء ما تزال جالسة على الأريكة في المكتبة.الصندوق الخشبي مفتوح أمامها.والرسائل متناثرة حولها.لم تعد تعرف منذ متى وهي تقرأ.ولا كم رسالة مرت بين يديها.كل ما كانت تعرفه أنها دخلت هذا المكان بحثًا عن كتاب...وانتهى بها الأمر داخل حياة كاملة لم تكن تعرف بوجودها.حياة يوسف.الحقيقية.لا الرجل
في الحاضر قصر يوسف الكيلانيدخلت علياء المطبخ وهي تعقد شعرها بسرعة بعشوائية، ثم وضعت الهاتف فوق الطاولة وأخرجت نفسًا طويلًا وهي تنظر إلى المكونات أمامها بتردد واضح.كانت الفكرة سيئة على الأرجح.بل كارثية غالبًا.لكن بعد الأيام الأخيرة… وبعد الصمت الغريب الذي أصبح يسيطر على يوسف أحيانًا، شعرت فجأة ب







