LOGINاستيقظت سارة ببطء على ضوء الشمس المتسلل عبر الستائر البيضاء الثقيلة.لثوانٍ قصيرة، ابتسمت بعفوية ناعسة و هي تتذكر خاتم الزواج في إصبعها.زوجة سليم الألفي.الاسم وحده كان كافيًا يومًا ليجعل قلبها يرتجف انتصارًا.لكن الابتسامة اختفت تدريجيًا و هي تلتفت نحو الجهة الأخرى من الجناح.السرير المجاور كان مرتبًا كما هو.باردًا.فارغًا.عقدت حاجبيها ببطء قبل أن تعتدل جالسة وتنظر حولها.ثم انتبهت إلى الأريكة القريبة.كانت خالية أيضًا.شعرت بانقباض مفاجئ داخل صدرها.نهضت بسرعة، و اتجهت نحو الطاولة الصغيرة.لا رسالة.لا كلمة.لا شيء.غادر.غادر الفندق بالكامل دون أن يوقظها…و دون حتى أن يترك جملة واحدة خلفه.شعرت بالإهانة تصفعها من جديد بعنف أكبر من الليلة الماضية.كيف يستطيع رجل أن يكون بهذه البرودة؟كيف يستطيع أن يترك زوجته صباح يومها الأول وحدها وكأن شيئًا لم يحدث؟قبضت على طرف الطاولة بقوة حتى ابيضت أصابعها.لكن أكثر ما قتلها…هو أنها كانت تعرف جيدًا أين ذهب.---في الجانب الآخر من المدينة…كان الصباح ما يزال هادئًا عندما فتح سليم باب شقة علياء بمفتاحه الخاص.دخل ببطء شديد.و كأن جسده كله يتحر
جلست سارة في بهو الفندق الفخم تتأمل انعكاس الأضواء فوق الأرضية الرخامية اللامعة بشرود صامت، بينما كانت لارا تتحدث بحماس عن إحدى الحفلات القادمة دون أن تحصل منها إلا على إجابات مقتضبة.لاحظت لارا ذلك أخيرًا.فضيقت عينيها وهي تراقب صديقتها للحظات قبل أن تبتسم بخفة وتسأل:— غريب…— كل مرة نأتي فيها إلى هذا الفندق تصبحين متوترة اليس هذا الفندق الذي اقيم به زفافك قبل ٣ سنواترفعت سارة عينيها ببطء.ثم عادت تنظر حولها من جديد.الثريات الذهبية.الموسيقى الهادئة.رائحة العطور الفاخرة.كل شيء هنا أعاد إليها تلك الليلة كأنها حدثت أمس فقط.أكملت داليا بنبرة أخف:— هل ما زلتِ تكرهين هذا المكان؟ابتسمت سارة ابتسامة صغيرة باردة.ثم قالت بهدوء:— بعض الأماكن لا تحتفظ بالذكريات…— بل تحتفظ بالإهانات.وتوقفت أنفاسها للحظة وهي تعود بذاكرتها إلى ثلاث سنوات مضت…إلى الليلة التي دخلت فيها هذا الفندق لأول مرة بصفتها زوجة سليم الألفي.---قبل ثلاث سنوات…كان جناح الفندق غارقًا في صمت ثقيل بعد انتهاء حفل الزفاف.وقفت سارة أمام المرآة العملاقة تتأمل انعكاسها بفستانها الأبيض الفخم.كانت مثالية.جميلة.أنيقة.
— اللوحة المقلوبةكانت علياء تقلب الأوراق فوق مكتب المكتبة بضيق خفيف وهي تبحث عن الملف الأزرق الذي طلبه يوسف منها صباحًا.بحثت بين الأكوام المرتبة بعناية، ثم فتحت أحد الأدراج الصغيرة دون فائدة.تنهدت بخفوت وهي تتمتم لنفسها:— مستحيل أن يختفي ملف داخل هذا القصر إلا إذا كان يوسف نفسه خبأه عمدًا ليستمتع بتعذيب الناس.لكنها توقفت فجأة.تذكرت شيئًا.يوسف كان يحمل الملف معه عندما أنهى آخر مكالمة صباحية قبل ساعة.رفعت رأسها نحو الممر المؤدي إلى جناحه الخاص بتردد قصير.نادراً ما دخلت ذلك الجزء من القصر.ليس لأنه منعها صراحة…بل لأن المكان كله بدا دائمًا وكأنه منطقة تخصه وحده.منطقة لا يدخلها أحد دون إذنه.لكنها في النهاية تحركت.— سأخذ الملف وأعود فقط.همست بها وكأنها تقنع نفسها.كان الممر هادئًا بصورة غريبة.الإضاءة خافتة ودافئة، والجدران تحمل لوحات زيتية قديمة ذات طابع كلاسيكي داكن.خطت ببطء وهي تنظر حولها دون وعي.حتى توقفت فجأة.عقدت حاجبيها بعدم فهم.في منتصف الممر تقريبًا…كانت هناك لوحة ضخمة معلقة بالمقلوب.اقتربت منها ببطء.كانت لوحة جميلة بصورة لافتة:منزل قديم قرب البحر، و امرأة تجل
سليم في الحاضر كان سليم الألفي يقرأ الملف أمامه للمرة الثالثة دون أن يركز في كلمة واحدة.الأرقام تتحرك أمام عينيه بلا معنى، بينما بقي عقله عالقًا في مكان آخر منذ أيام.شيء ما لم يكن طبيعيًا.هو يعرف ذلك الشعور جيدًا.ذلك الإحساس الثقيل الذي يسبق الكوارث دائمًا.أغلق الملف أخيرًا بضيق، ثم أسند رأسه للخلف فوق المقعد الجلدي وأغمض عينيه للحظة قصيرة.لكن الباب انفتح فجأة.رفع عينيه فورًا.دخل كريم بسرعة غير معتادة، وملامحه متوترة بطريقة جعلت سليم يعتدل في جلسته مباشرة.— ماذا حدث؟أغلق كريم الباب خلفه بنفسه قبل أن يقترب من المكتب.ثم قال بصوت منخفض وجاد:— وجدناه.ساد الصمت لثانيتين.ولم يحتج سليم أن يسأل “من”.فهم فورًا.اختفت كل ملامح التعب من وجهه دفعة واحدة.وأصبحت عيناه أكثر ظلمة.وقف ببطء شديد.— أين هو؟---بعد عشرين دقيقة…كان سليم يدخل إلى إحدى الغرف المعزولة أسفل أحد مبانيه القديمة.الغرفة لم تكن ضخمة.ولا مرعبة بشكل واضح.لكن الصمت داخلها كان خانقًا.جلس الرجل على الكرسي المعدني المقابل و هو يرتجف بصورة واضحة.وجهه يحمل آثار ضرب قديم، ويداه مقيدتان أمامه.وما إن دخل سليم…حتى ت
— الياسميناستيقظت علياء مبكرًا على غير عادتها.لم يكن هناك سبب واضح، لكن النوم غادرها سريعًا تاركًا داخلها ذلك الثقل الغامض الذي بدأ يرافقها منذ دخولها هذا القصر.جلست فوق السرير للحظات طويلة تحدق أمامها بشرود، قبل أن تنهض أخيرًا و تتجه نحو المكتبة كعادتها الصباحية.لكن المكتبة كانت فارغة.توقفت عند الباب قليلًا.الطاولة خالية من الملفات.و لا أثر للقهوة السوداء التي يسبقها بها دائمًا.حتى الصمت بدا مختلفًا.عقدت حاجبيها بخفة، ثم استدارت لتجد عدنان يمر في الممر القريب حاملاً جهازه اللوحي.— أين يوسف؟رفع عدنان عينيه إليها فورًا.ثم أجاب ببساطة:— في الحديقة الخلفية.توقفت لثانية.— الحديقة؟أومأ بهدوء و كأنه لم يقل شيئًا غريبًا.لكن علياء ظلت تنظر إليه بعدم تصديق.يوسف الكيلاني؟في الحديقة؟تابعت طريقها بصمت، بينما ابتسامة خافتة مرت على وجه عدنان قبل أن يكمل سيره.خرجت علياء إلى الحديقة الخلفية بخطوات هادئة.ولم تحتج سوى ثوانٍ حتى تتوقف مكانها تمامًا.كان هناك.لكن ليس بالطريقة التي اعتادت رؤيته بها.لا بدلة سوداء.لا هاتف في يده.و لا ذلك التوتر البارد الذي يحيط به دائمًا.كان يقف ق
قبل ثلاث سنوات يوم الزفاف استيقظت علياء بعد ليلة لم تنم فيها سوى دقائق متقطعة.ظلت مستلقية فوق الفراش تحدق بالسقف طويلًا، و كأن عقلها يرفض الاعتراف بما سيحدث اليوم.اليوم سيتزوج سليم.الفكرة وحدها كانت كافية لتجعل شيئًا باردًا يلتف حول صدرها كلما حاولت التقاط أنفاسها.رن هاتفها للمرة الرابعة.نظرت إلى الشاشة دون اهتمام.“سارة البلتاجي”.أغلقت الهاتف مجددًا دون رد.نهضت ببطء واتجهت نحو المرآة.بدت شاحبة بصورة أزعجتها.عيناها متعبتان، وكأن الأيام الماضية سحبت منها شيئًا لم تستطع استعادته.وقفت صامتة للحظات قبل أن تفتح الخزانة بعصبية خافتة.كان فستان وصيفة الشرف معلقًا أمامها.أبيض ناعم يميل للفضي، اختارته سارة بنفسها.وكأنها أرادت إذلالها حتى في التفاصيل.أغمضت علياء عينيها للحظة.ثم انتزعت الفستان من مكانه بعنف خفيف وألقته فوق السرير.— لن أذهب.همست بها لنفسها.لكن حتى هي لم تبدُ مقتنعة.في الجهة الأخرى من المدينة…كان جناح سليم يعج بالفوضى الصامتة.موظفون.حراس.مساعدون.واتصالات لا تنتهي.بينما جلس هو أمام مكتبه يرتدي قميصه الأبيض دون أن يلمس ربطة العنق بعد.دخل كريم وهو يحمل هاتفه







