Home / مافيا / حين أصبحت ضعفي / الفصل الثالث

Share

الفصل الثالث

last update publish date: 2026-05-22 19:35:40

(الأشخاص المنهكون لا يخافون… لأنهم استنزفوا كل ما لديهم أصلًا)

ظل الصمت معلقًا داخل الغرفة لثوانٍ بعد كلماتها، ذلك النوع من الصمت الذي يجعل الهواء نفسه يبدو أثقل، بينما بقيت حور واقفة تحمل ملفها وتنظر إلى الرجل أمامها دون أن تُخفض عينيها، ليس شجاعة منها تمامًا، بل لأن الإنهاك الطويل يسرق أحيانًا قدرة الإنسان على الخوف.

أما مالك…

فكان ينظر إليها كما لو أنها شيء غير مألوف.

شيء لم يتوقعه.

امرأة تدخل مكانًا كهذا، ترى الحراس، ترى الصمت الغريب، ترى رجاله، ثم تتحدث معه بتلك الطريقة؟

إما أنها متهورة….أو لا تعرف أين جاءت.

وربما الاثنان معًا.

أبعد نظره عنها أخيرًا وقال ببرود:

"خلصنا التعارف؟"

تنهدت حور داخليًا.

مستفز.

أخذت خطوة للأمام ثم أشارت إلى المقعد القريب.

"محتاج أفحص حركة الذراع الأول."

لم يتحرك.

رفعت رأسها نحوه ثانية.

"حضرتك سامعني؟"

جاء الرد فورًا:

"سامع."

"طيب؟"

نظر إليها وكأن السؤال سخيف.

"ومين قال إني هتعاون؟"

أغمضت عينيها ثانية قصيرة.

واحد.

اثنان.

ثلاثة.

كأنها تعد داخل عقلها حتى لا تنفجر.

ثم قالت بهدوء متعب:

"بص… أنا اشتغلت مع مرضى كتير عنيدين قبل كده."

مال أحد حاجبيه قليلًا.

فأكملت:

"بس أول مرة أشوف حد دافع مبلغ بالشكل ده عشان العلاج، وبعدها مصر يبوظ العلاج بنفسه."

شيء خاطف مر في عيني فارس عند الباب.

أما مالك…

فظل ساكنًا.

ثم خرج صوته منخفضًا:

"مين قالك المبلغ؟"

تجمدت ثانية.... خطأ..... لم تنتبه.

أجابت بسرعة:

"المهم إن—"

قاطعها:

"أنا سألت سؤال."

شيء في نبرته جعل المكان أبرد.

لكن حور كانت مرهقة أكثر من أن تتراجع.

رفعت ذقنها قليلًا وقالت:

"وأنا جاوبت… المهم العلاج."

لثانية طويلة…

حدق بها، ثم حدث شيء لم تتوقعه.

ضحك.

ضحكة قصيرة جدًا.

باردة.

كأنها خرجت رغمًا عنه.

حتى فارس التفت نحوه بسرعة وكأنه لم يسمعه جيدًا.

لأن مالك مورينو…

لم يعد يضحك منذ شهور.

اختفت الضحكة سريعًا.

وقال:

"ابدئي."

اقتربت حور ببطء.

ولأول مرة لاحظت آثار الإصابة بوضوح.

حتى مع الملابس الواسعة والضمادات…

كانت هناك علامات لا تخطئها عين طبيبة.

إصابة قوية.

أكثر مما توقعت.

رفعت يدها بحذر.....توقفت قبل لمسه بثانية.

ثم قالت بعملية:

"هحرك الكتف شوية… لو فيه ألم قول."

نظر لها ببرود.

"مش هقول."

رمشت.

ثم همست لنفسها دون وعي:

"طبعًا."

لكن يبدو أنه سمع.

لأن نظرته تحركت نحوها.

بدأت الفحص ببطء.

وحين ضغطت قرب موضع الإصابة…

تشنج فك مالك فورًا..... شدة بسيطة جدًا.... لكنها رأت.

رأت الألم.... ورأت أيضًا كيف أخفاه بسرعة.

همست تلقائيًا:

"الألم شديد."

رد بجمود:

"اتعودت."

لم تعرف لماذا أزعجتها الجملة، ربما لأنها بدت حقيقية أكثر من اللازم.

أنهت الفحص بعد دقائق وأغلقت الملف.

"العلاج هيطول."

لم يرد.

فأكملت:

"ولو رفضت تتعاون هياخد وقت أطول."

صمت.

ثم:

"هارجع طبيعي؟"

كان أول سؤال حقيقي يسأله.

رفع عينيه إليها مباشرة.

ولسبب ما…

شعرت أن السؤال لا يخص الذراع فقط.

أجابت بعد لحظة:

"لو التزمت… آه."

ظل ينظر إليها ثوانٍ طويلة....ثم أدار وجهه بعيدًا.

وكأن الإجابة أزعجته.

بعد انتهاء الجلسة…

خرجت حور مع فارس في الممر الطويل.

المكان ما زال يثير توترها.

سألت أخيرًا:

"هو دايمًا كده؟"

أكمل السير دون أن ينظر لها.

"كده إزاي؟"

ضيقت عينيها.

"بارد… وعنيد."

صمت ثانية.

ثم قال:

"دلوقتي؟ أهدى من الطبيعي."

توقفت خطواتها للحظة.

التفتت نحوه.

"إنت بتهزر؟"

لأول مرة…

ظهر شيء قريب من السخرية في وجه فارس.

اختفى بسرعة.

وقال:

"لا."

شعرت بعدم الارتياح فجأة.

قبل خروجها من المكان…

استوقفها صوت فارس.

استدارت.

وقف على بعد خطوات وقال بهدوء:

"العربية هتوصلك."

رمشت.

"لا، عادي—"

قاطعها:

"دي تعليمات."

تصلبت قليلًا..... كرهت الكلمة.

تعليمات....

قالت بحدة خفيفة:

"أنا بعرف أروح لوحدي."

نظر إليها ثانية.

ثم أجاب:

"النهاردة لأ."

شيء في طريقته جعلها لا تناقش أكثر.

....................

داخل السيارة السوداء الفاخرة التي أقلتها إلى منزلها، بقيت حور تنظر عبر النافذة طوال الطريق دون أن تنتبه فعلًا لما يمر أمامها، كانت أضواء المدينة تتداخل بسرعة خلف الزجاج، بينما عقلها ما زال عالقًا هناك… داخل ذلك المكان الغريب، مع رجل غريب، ونظرة لم تستطع فهمها.

لم تستوعب حتى الآن كيف مرت الساعتان السابقتان.

ولا لماذا شعرت طوال وجودها وكأن الجميع يراقبها.

ولا لماذا كان ذلك الرجل، مالك، يتحدث وكأن الألم شيء طبيعي.

أغمضت عينيها للحظة.

ثم ظهر صوته داخل رأسها:

"اتعودت."

فتحت عينيها فورًا.

وكأن الجملة أثارت ضيقها.

لأن الإنسان لا يعتاد الألم…

هو فقط يتوقف عن الشكوى.

وهناك فرق.

توقف السائق أمام بنايتها القديمة.

نزلت بسرعة تقريبًا.

لكن قبل أن تغلق الباب جاءها صوت الرجل من المقعد الأمامي:

"العربية هتيجي كل يوم نفس المعاد."

تجمدت يدها فوق المقبض.

التفتت نحوه.

"كل يوم؟"

أجاب ببساطة:

"مدام وافقتي على الحالة… يبقى كل يوم."

ضيقت عينيها قليلًا.

"أنا لسه ما وافقتش رسمي."

نظر إليها عبر المرآة للحظة.

ثم قال بهدوء غريب:

"هتوافقي."

أغلقن الباب بعدها، وتركت السيارة خلفها.

لكن الجملة ظلت عالقة داخل رأسها وهي تصعد درجات السلم المتعبة المؤدية لشقتها.

هتوافقي.

كأنه لم يترك احتمالًا آخر.

في الصباح التالي…

كان التعب ظاهرًا بوضوح أسفل عينيها حين دخلت المستشفى كعادتها، تحمل كوب قهوة باردة بالكاد شربت منه، وتراجع جدول المواعيد بسرعة أثناء سيرها.

"دكتورة حور."

التفتت فورًا.

إحدى الممرضات اقتربت منها.

"الدكتور خالد بيدور عليكي."

شعرت بالقلق مباشرة وذهبت بسرعة.

ثم توقفت أمام مكتبه، ..طرقت الباب.

"ادخلِ."

دخلت.

ورأت التعب ذاته في وجه الرجل.

شيئًا فشيئًا بدأت تكره هذه النظرات.

لأنها دائمًا تحمل أخبارًا سيئة.

رفع الطبيب الملف أمامه.

ثم قال بهدوء:

"فيه إجراء جديد لازم يتعمل لآدم قريب."

تصلبت.

مرة أخرى......دائمًا مرة أخرى.

همست:

"التكلفة؟"

لم يجب فورًا.

وهذا وحده كان كافيًا.

ثم ذكر الرقم.

شعرت حرفيًا أن الأرض سحبت الهواء من رئتيها.

أكبر.......مرة أخرى أكبر.

كيف؟

كيف يفترض بإنسان واحد تحمل كل هذا؟

خرج صوتها بصعوبة:

"قدامي وقت قد إيه؟"

نظر إليها الطبيب طويلًا.

ثم قال:

"مش كتير يا حور."

بعد ساعة…

كانت تجلس وحدها داخل غرفة آدم.

لا تتحدث.

لا تبكي.

فقط تنظر إليه.

طويلًا.

ثم همست:

"أنا آسفة."

صمت.

ارتجفت أنفاسها قليلًا.

"يمكن أول مرة في حياتي… مش عارفة أعمل إيه."

انخفض رأسها ببطء.

ثم خرجت الكلمات وكأنها هزيمة:

"أنا بخاف."

"بخاف أخسرك."

.............

في مكان آخر…

كان الصباح أكثر قسوة.

داخل غرفة التدريب الخاصة بالمقر، وقف مالك يحاول تحريك ذراعه المصابة بينما الألم يمتد من كتفه حتى أطراف أصابعه، وقطرات العرق تجمعت عند عنقه رغم برودة المكان.

تشنج فكّه بقوة.

مرة أخرى....... فشل..... لعنة.

دوى صوت ارتطام قوي حين سقط الجهاز المعدني أرضًا.

دخل فارس فورًا.

توقف عند الباب.

راقبه لحظة.

ثم قال:

"الدكتور قال متضغطش عليها."

لم يستدر مالك.

رد ببرود:

"الدكاترة بيقولوا كلام كتير."

اقترب فارس قليلًا.

صوته بقي هادئًا:

"والعناد مش هيرجع إيدك."

ساد الصمت.

ثم التفت مالك نحوه فجأة.

عيناه كانتا حادتين بشكل مزعج.

"وصلتوا لحاجة؟"

فهم فورًا المقصود.

الخيانة.....و سيلينا..... لوكا.

هز فارس رأسه ببطء.

"لسه."

مرت ثوانٍ.

ثم قال:

"بس فيه حركة جديدة."

استدار مالك بالكامل هذه المرة.

فارس أكمل:

"ناس لوكا بدأت تتحرك حوالين عربياتنا."

اختفى أي أثر للألم من ملامح مالك فجأة.

شيء آخر حل مكانه.

البرود.

ذلك البرود الذي يسبق الكوارث.

خرج صوته منخفضًا:

"سيبهم."

رفع فارس حاجبه متعجباً..

"أسيبهم؟"

أجاب مالك:

"الطُعم بيتساب لحد ما يجمع كل اللي حواليه."

ثم ابتسم..... ابتسامة باردة مرعبة.

وأضاف:

"وبعدين يتحرق."

........

في المساء…

كانت حور تقف أمام مرآتها الصغيرة في الشقة، تنظر لنفسها بصمت.

ثم لهاتفها..... ثم لصورة آدم..... ثم للهاتف مجددًا، وأخيرًا…

أغلقت عينيها واتصلت.

استغرق الرد ثانيتين فقط.

الصوت نفسه....الرجل نفسه.

هادئ أكثر مما يجب.

"مساء الخير دكتورة حور."

ابتلعت ريقها.

ثم قالت:

"... أنا موافقة."

صمت قصير.

ثم:

"العربية هتكون عندك الساعة سبعة."

كأنه كان يعرف.

أغلقت المكالمة ببطء.... وظلت تحدق بالهاتف.

شعور ثقيل استقر داخل صدرها.

كأنها وافقت على شيء أكبر من مجرد وظيفة.

أكبر بكثير.

الساعة السابعة تمامًا... وصلت السيارة.

المرة الثانية بدا الطريق أقل غرابة.

لكن التوتر نفسه بقي، وحين دخلت المقر…

شعرت بالنظرات ذاتها.

المراقبة ذاتها.

حتى وصلت لغرفة مالك.

طرقت الباب.... ثم دخلت.

وجدته واقفًا قرب النافذة وظهره لها.

يرتدي الأسود كالعادة.

وصوته خرج دون أن يلتفت:

"اتأخرتي دقيقة."

توقفت.... رمشت.

ثم نظرت لساعة يدها فورًا.

السابعة وواحدة.

رفعت رأسها ببطء....وقالت بصدمة خفيفة:

"إنت بتحسب بالدقيقة؟"

استدار نحوها أخيرًا.

عيناه البنيتان ثبتتا عليها.

ثم أجاب:

"في شغلي… الدقيقة بتفرق."

ضيقت عينيها.

وتمتمت:

"إحنا في جلسة علاج مش حرب."

سقط الصمت فجأة.

ثانية.

اثنتان.

ثلاث.

ثم لاحظت شيئًا....شيئًا صغيرًا جدًا.

تغيرًا سريعًا في نظرة فارس الواقف بالخلف.

أما مالك…

فظل يحدق بها لحظة أطول.

ثم قال بهدوء غريب:

"مين قالك إن في فرق؟"

ولأول مرة منذ دخولها هذا العالم…

شعرت حور بقشعريرة حقيقية.

لأنها أدركت شيئًا متأخرًا.

هذا المكان يخفي أكثر مما يظهر.

وهذا الرجل…

ليس مجرد مريض.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أصبحت ضعفي    الفصل السابع والأربعون — حين أصبحتِ ضعفي 🖤

    لثانية واحدة فقط توقف كل شيء.توقف صوت الاشتباكات البعيدة.وتوقف الهواء داخل الرئتين.وتوقفت حور عن التفكير.بينما كانت تحدق في البقعة الحمراء التي بدأت تنتشر فوق قميص مالك ببطء مرعب.أما مالك نفسه فلم يستوعب في البداية ما حدث، إذ بقي واقفًا مكانه بينما كانت حور بين ذراعيه، ثم شعر بحرارة حادة تخترق كتفه الأيسر، وبعدها فقط أدرك أن الرصاصة أصابته.شهقت حور بعنف."مالك!"أما فارس فقد استدار كالصاعقة."كريم!"في اللحظة التالية ارتفعت الأسلحة في كل اتجاه، وتحول المكان إلى برميل بارود جاهز للانفجار، بينما بقي كريم واقفًا يحمل المسدس في يده وعيناه معلقتان بمالك دون أن تظهر فوق وجهه أي مشاعر واضحة.لكن المفاجأة لم تكن في الرصاصة.بل في الجملة التي قالها بعدها مباشرة."لو كنت عايز أقتله... كانت الرصاصة دخلت قلبه."ساد الصمت.حتى مالك نفسه رفع عينيه نحوه.أما فارس فصاح بغضب:"إنت اتجننت؟!"رد كريم بهدوء غريب:"لا."ثم أشار خلفهم."بصوا وراكم."التفت الجميع دون وعي.وفي اللحظة نفسها دوى صوت رصاصة أخرى.لكن هذه المرة سقط رجل مسلح كان يختبئ خلف أحد الأعمدة ويوجه بندقيته مباشرة نحو ظهر مالك.ارتطم

  • حين أصبحت ضعفي    الفصل السادس والأربعون — حين أصبحتِ ضعفي 🖤

    شعرت حور وكأن الزمن توقف تمامًا عند تلك اللحظة، بينما كانت تحدق في الصورة الموضوعة أمامها فوق الطاولة الخشبية القديمة، ولم تعد تسمع صوت أنفاسها أو صوت الرياح التي تضرب النوافذ المهترئة للمبنى، بل انحصرت كل أفكارها داخل تلك الصورة وحدها، الصورة التي ظهر فيها مالك أصغر سنًا، يقف بجوار الرجل الذي قضى والدها سنوات طويلة يحاول الإيقاع به، الرجل الذي كان اسمه يتكرر في كل ملف وكل رسالة وكل خيط يقود إلى الكارثة التي دمرت حياتهم.رفعت عينيها ببطء نحو كريم، وكان شيء بارد يتسلل إلى صدرها."إيه ده؟"تنهد كريم طويلًا وكأنه يحمل فوق كتفيه سنوات من الأسرار التي لم يعد قادرًا على إخفائها."الحقيقة."هزت رأسها بعنف."لأ... مش كفاية... عايزة أفهم."أما سامر فبقي واقفًا في الخلف بصمت، وكأنه يعرف أن ما سيقال الآن سيغير كل شيء.اقترب كريم أكثر ثم قال:"الصورة دي متصورة من حوالي خمستاشر سنة."ظلت تنظر إليه.فأكمل:"قبل ما مالك يبقى مالك مورينو اللي الناس تعرفه دلوقتي."اتسعت عيناها قليلًا."يعني إيه؟""يعني وقتها كان لسه شاب صغير... دخل العالم ده غصب عنه."ساد الصمت.لكن شيئًا داخل حور لم يهدأ.بل ازداد اض

  • حين أصبحت ضعفي    الفصل الخامس والأربعون — حين أصبحتِ ضعفي 🖤

    للمرة الأولى منذ سنوات طويلة شعر مالك مورينو بالخوف الحقيقي، ذلك النوع من الخوف الذي لا يرتبط بالموت أو الخسارة المالية أو الحروب التي خاضها طوال حياته، بل يرتبط بشخص واحد فقط، شخص أصبح وجوده جزءًا من توازنه دون أن ينتبه إلى ذلك إلا حين اختفى فجأة من أمام عينيه.ظل ينظر إلى الصورة المرسلة على هاتفه لثوانٍ طويلة بينما كانت الفوضى مستمرة حوله، أصوات الرصاص لا تزال تتردد بين المباني المهجورة، ورجاله يتحركون لمطاردة المهاجمين، لكن كل ذلك تحول إلى ضوضاء بعيدة لا قيمة لها أمام الصورة التي تحتل الشاشة.حور.مقيدة.وعلى وجهها آثار مقاومة واضحة.رفع رأسه ببطء بينما كانت ملامحه تزداد قسوة لحظة بعد أخرى.اقترب فارس منه بسرعة."في إيه؟"أراه الهاتف.فشحب وجه فارس فورًا."يا نهار أسود..."ثم رفع عينيه إليه."مين اللي بعت الرسالة؟""رقم مجهول.""أكيد هشام."لم يجب مالك.لكنه كان يفكر بالأمر نفسه.في مكان آخر...كانت حور تستعيد وعيها ببطء شديد بينما شعور ثقيل بالدوار يضغط على رأسها، وحين حاولت تحريك يديها اكتشفت فورًا أنهما مقيدتان خلف ظهرها، أما المكان من حولها فكان مظلمًا إلا من مصباح أصفر خافت يت

  • حين أصبحت ضعفي    الفصل الرابع والأربعون — حين أصبحتِ ضعفي 🖤

    في تلك اللحظة تحديدًا لم يسمع أحد صوت الرياح التي كانت تضرب جدران المخزن القديم، ولم يعد أي منهم يشعر ببرودة الليل أو رائحة الغبار المنتشرة في المكان، لأن جميع الحواس انحصرت في الشاشة الصغيرة التي ظهر عليها وجه عماد السيوفي، الوجه الذي ظن أبناؤه أنهم فقدوه منذ سنوات طويلة، والوجه نفسه الذي تحول فجأة من ذكرى بعيدة إلى حقيقة حية تتحدث أمامهم.شعرت حور بأن الهواء اختفى من حولها دفعة واحدة، بينما تشنجت أصابعها فوق حافة الطاولة حتى ابيضت مفاصلها، أما آدم فقد بقي واقفًا مكانه كتمثال حجري لا يرمش حتى، وكأن عقله يرفض استيعاب ما تراه عيناه، بينما كان مالك يراقب الاثنين أكثر مما يراقب الشاشة نفسها، لأن الصدمة التي ضربتهما كانت أكبر من أي شيء آخر.أما الرجل الظاهر في التسجيل فقد نظر مباشرة إلى الكاميرا، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة بدت مألوفة بصورة مؤلمة.وقال:"لو بتشوفوا الفيديو ده... يبقى أنا فشلت."ارتجف قلب حور بعنف.ذلك الصوت.ذلك الأسلوب.حتى طريقة تحريك يده أثناء الكلام.كل شيء كان والدها.بلا شك.ساد الصمت داخل الغرفة بينما أكمل عماد حديثه."حور... آدم... لو وصلتلوا المرحلة دي يبقى الأمور خرج

  • حين أصبحت ضعفي    الفصل الثالث والأربعون — حين أصبحتِ ضعفي 🖤

    ساد الصمت داخل الغرفة بصورة ثقيلة حتى بدا وكأن الهواء نفسه قد توقف عن الحركة، بينما بقيت حور تحدق في الفتاة الجالسة أمامها بعينين متسعتين لا تصدقان ما سمعته للتو، فقد كانت هناك أشياء كثيرة يمكن أن تتوقعها بعد كل ما حدث خلال الأيام الأخيرة، لكنها لم تتخيل أبدًا أن تظهر فتاة مجهولة في منتصف الليل وتدّعي ببساطة أنها ابنة والدها.أما آدم فكان أول من انفجر."إيه؟!"نهض من مكانه دفعة واحدة."إنتِ بتقولي إيه؟"رفعت الفتاة عينيها إليه رغم الإرهاق الواضح فوق ملامحها.ثم قالت بهدوء:"الحقيقة."ضحك آدم بحدة."حقيقة إيه؟! إنتِ جاية منين أصلًا؟"تدخل مالك قبل أن يتطور الأمر."آدم."لكنه لم يكن أقل توترًا منه.بل كان يراقب الفتاة منذ دخلت المنزل دون أن يثق بها للحظة واحدة.أما حور فكانت لا تزال صامتة.ليس لأنها صدقت.ولا لأنها كذبتها.بل لأنها لم تعد تعرف ما الذي يمكن اعتباره مستحيلًا بعد الآن.قالت أخيرًا بصوت خافت:"إثبتي."التفت الجميع إليها.أما هي فأكملت وهي تنظر مباشرة إلى الفتاة:"لو كلامك حقيقي... إثبتي."ساد الصمت.ثم أخرجت الفتاة سلسلة أخرى من تحت ملابسها.سلسلة مطابقة تمامًا لتلك التي وج

  • حين أصبحت ضعفي    الفصل الثاني والأربعون — حين أصبحتِ ضعفي 🖤

    للحظات طويلة لم تستوعب حور ما سمعته، إذ بقيت واقفة في مكانها تحدق في الرجل المسن كما لو أنه تحدث بلغة لا تفهمها، بينما كانت أصابعها تقبض على الظرف الأصفر القديم بقوة حتى كادت تمزقه دون أن تشعر، أما من حولها فقد انعكست الصدمة على وجوههم جميعًا بدرجات متفاوتة، حتى مالك نفسه الذي اعتاد استقبال الأخبار الكارثية ببرود نادر بدا أكثر توترًا مما أراد إظهاره.كان أول من تكلم هو آدم."حضرتك... إيه اللي حضرتك قلته دلوقتي؟"رفع الرجل عينيه نحوه.ثم قال بهدوء:"قلت إن أبوكم ما ماتش في الحادث."اقترب آدم خطوة كاملة."إنت متأكد من اللي بتقوله؟""متأكد.""يعني إيه متأكد؟"ارتفع صوته رغمًا عنه."إحنا دفناه بإيدينا."ساد الصمت.ثم تنهد الرجل ببطء.وقال:"اللي اتدفن ما كانش عماد السيوفي."شعرت حور بأن الأرض تهتز تحت قدميها.أما آدم فقد انفجر غاضبًا."إنت مجنون؟"وتدخل فارس بسرعة قبل أن يتطور الموقف أكثر."استنى يا آدم... خليه يكمل."كان الرجل يبدو مرهقًا بصورة واضحة، وكأن السنوات الأخيرة سرقت من عمره أكثر مما ينبغي، لكنه رغم ذلك جلس أخيرًا فوق أحد المقاعد وأشار إلى الظرف."قبل أي حاجة... افتحي ده."جلست

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status