เข้าสู่ระบบ
ابتسمت بمرارة وهي تحدق في السقف، وقلبها يخفق بعنف داخل صدرها. لو كانت في وضع آخر لكانت بلا شك سعيدة بغيرة آدم عليها، ولكن للأسف هو لم يغر عليها. كل ما في الأمر أنه لا يريد لأحد أن يتعاطف معها أو أن يمد لها يد العون. وعلى أثر هذه الأفكار المؤلمة تذكرت يوسف، أخاه الذي قتلته بيدها. بلعت ريقها بوهن واجتاحتها الذاكرة فجأة فعادت بها إلى تلك الليلة البشعة، إليه وهو يستنجد بها بعين ملؤهما الرجاء. ولأول مرة منذ ذلك الحين سألت نفسها السؤال الذي كانت تهرب منه دائما: يا ترى لو كنت قد ساعدته، أكان سيعيش؟مكان آخر كان عمران جالسا في مكتبه يتنهد بضعف وقد عقد حاجبيه بعصبية واضحة. رفع عينيه إلى صباح التي كانت تقرأ مجلة بلا اكتراث وكأن الأمر لا يعنيها.. قال بصوت متوترعمران: "هاتفا عشق وآدم مغلقان، أخشى أن يكون قد حدث لها مكروه." ابتسمت صباح ابتسامة خبيثة ظهرت في نظراتها وأخفتها سريعا خلف صوتها الأنثوي الناعم ..صباح: لا تخف، ربما يقضيان شهر العسل الآن." انفجر عمران غاضبا وضرب المكتب بيده : "أفي شهر عسل نحن؟! صدرت مذكرة اعتقال باسم عشق، أتظنين أنها قادرة على الخروج من البلاد بطريقة قانونية؟" هزت
تحولت دماء آدم إلى جحيم يغلي .. بمجرد أن استمع إلى صوت خطوات أيمن تقترب من باب المكتب، انتصب جسده كفهد يوشك على تمزيق فريسته. تلاقت عيناه بصورة معصمي عشق الداميين، لتمتزج في عقله صورة الضحية بنظرات العطف التي رماها أيمن نحوها. انفتح الباب، ودخل أيمن بخطواته الهادئة، ولم يكد يغلقه خلفه حتى انقض عليه آدم كالصاعقة.بسرعة مرعبة، قبض آدم على ياقة قميص أيمن، ودفعه بكل قوته ليصطدم ظهره بالجدار الخشبي للمكتب بعنف أحدث دويًا هائلًااحتقن وجه آدم بالدم، وعيناه المحمرتان تشتعلان بشرر جنوني، وصرخ بفحيح مرعب وعروق عنقه بارزة ..ادم: كيف تجرؤ؟! كيف تجرؤ على تخطي حدودك والدخول إلى جناح زوجتي يا أيمن؟! من أعطاك الحق لتلمس فراشها أو تواسيها وتطعمها؟!صدمة أيمن تلاشت في ثانية، وحل محلها غضب عارم من غطرسة صديقه. رغم قبضة آدم القوية التي تكاد تخنقه، لم يتراجع، بل ثبت نظراته الحادة في عيني آدم القاتلتين وقال بصوت جهوري وهائجادم: ارفع يدك عني يا آدم! أنا لم أتخطَّ حدودي، أنا أنقذت ما تبقى من إنسانيتنا! الفتاة كانت تموت أمام أعيننا بسبب هوسك الأعمى! أنت لم تعد تنتقم لأخيك يوسف.. أنت أصبحت وحشاً سادياً يت
أغلق آدم باب مكتبه الفخم بعنف، لكن صدى شهقات عشق الباكية لم يغادر طبلة أذنيه. كان يدور حول نفسه كذئب جريح حوصر في قفص من صنع يديه. ألقى بالملف الذي سلمه إياه أيمن فوق المكتب بإهمال؛ فلم تكن لديه القدرة في هذه اللحظة على قراءة سطر واحد أو التفكير في مؤامرات "صباح" والمحامي. كل ما كان يراه في عتمة الغرفة هو وجه عشق الشاحب، ونظرات الرعب والإنكسار التام التي رمتها في وجهه قبل قليل."لقد أحببتك.. وسلمتك روحي الممزقة لأنني ظننتك رجلاً يحميني!"ترددت كلماتها كالسياط تفرتك كبرياءه.. تذكر كيف انكمشت على نفسها غريزياً عندما اقترب منها، وكيف رفعت يديها المضمّدتين لتحمي وجهها خوفاً منه. هذا الرعب لم يكن يرضي غروره بل كان يثبت له أنه تحول في عينيها إلى وحش كاسر، مسخ مريض سلبها أمانها للأبد. شعر باختناق حاد، ففك أزرار قميصه العلوية بعصبية، وخرج من المكتب بخطوات صامتة، مدفوعاً بهوسه الأعمى ليعود إلى جناحها.. ليمتع عينيه برؤيتها تحت رحمته مجدداً، أو ربما ليتأكد أنها ما زالت تتنفس.في هذه الأثناء، كان السكون القاتل يخيم على جناح عشق.. كانت مستلقية على جانبها، تنظر إلى الفراغ بعيون دامعة لم تعد تتسع لم
تلاشى كل شيء في ثانية واحدة.دوى صوت ارتطام جسدها بالرخام البارد كالصاعقة التي مزقت صمت العرين الموحش. سقطت الممسحة من يد عشق المرتجفة، تلتها خيوط دم قاتمة انسابت من تحت الأصفاد الحديدية المحيطة بمعصميها الرقيقين. استلقت هناك بلا حراك، كعصفور صغير هشم الإعصار جناحه، وجهها الشاحب ملتصق بالأرض الباردة التي قضت الساعات الطويلة في تنظيفها تحت سياط نظراته الصارمة.في أعلى الشرفة، تجمدت الدماء في عروق آدم.كوب القهوة السوداء الذي كان يمسكه بشموخ زائف سقط من بين أصابعه المقبوضة، ليتشظى على الأرض إلى ألف قطعة، متناثراً كشظايا قلبه الذي يحاول إنكاره. تيبّس جسده بالكامل، واتسعت عيناه السوداوان بجنون ورعب خفي رفض طوال الأسابيع الماضية الاعتراف به. الرؤية أمامه أصبحت ضبابية، ولم يعد يرى في ذلك الرواق الواسع سوى جسد زوجته المستلقي بلا حراك.في تلك اللحظة بالذات، شعر أيمن بزلزال يضرب قناعه الصلب. كان هو الجلاد المأمور، هو من أشرف على عذابها وساعاتها الطويلة من المشقة تنفيذاً لرغبة سيده في الانتقام ليوسف. لكن رؤية عشق، تلك الفتاة التي دخلت هذا العرين كعروس لتتحول إلى سجينة، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة
لم يمنحها آدم فرصة لاستيعاب الصدمة، بل جذبها من السلسلة الحديدية الممتدة بين معصميها بقسوة جعلت جسدها الهزيل يترنح، لتسير خلفه مرغمة في الممرات الطويلة المؤدية إلى الجزء الخلفي من القصر. كانت خطواتها المتعثرة تصدر صليلاً رتيباً يمزق الصمت السائد في الأرجاء، بينما كان هو يسير بخطى ثابتة لا تعرف التردد أو اللين، يجرها وراءه كأنها جثة بلا روح. توقف فجأة في نهاية الممر أمام باب خشبي عتيق يؤدي إلى مطبخ القصر والملاحق التابعة له، ثم التفت إليها ملقياً بنظرة باردة تفوح منها رائحة التشفي الكريهة التي تجمد الدماء في العروق. أفلت ذراعها بقوة جعلتها ترتد إلى الخلف خطوتين، ونظر إلى معصميها المقيدين وقال بنبرة منخفضة حادة كالشفرة آدم: : "منذ هذه اللحظة، تنتهي حياة عشق ابنة عمران المدللة، وتبدأ حياة الخادمة المقيدة في عرين آدم. هذا القصر الفخم الذي تسببِ في ملئه بالحزن والدموع بمقتل سفيان، سيكون مكان عملكِ وعذابكِ اليومي من الآن فصاعداً، ولن تري الشمس حتى أكتفي من إذلالكِ." انهمرت دموع عشق الساخنة على وجنتيها الشاحبتين، وحاولت رفع يديها المكبّلتين لتداري وجهها المنهك وتتوسل إليه بنبرة متحشرجة يم
استقر صدى انغلاق الباب الحديدي الثقيل في أذن عشق كأنه حكم قطعي بالإعدام لا رجعة فيه، وتلاشت خطوات آدم المبتعدة في الممر الطويل لتدعها وحيدة مع السكون القاتل. لكن كلماته القاسية والأخيرة بقيت تدور في رأسها كالعاصفة الهوجاء، تنهش ما تبقى من ثباتها وتوازنها النفسي المنهار. انكمشت على نفسها في زاوية تلك الغرفة المظلمة، تحيط جسدها بذراعيها الشاحبتين كأنها تحاول حماية نفسها من حقيقة الخطر المرعب الذي يحدق بها من كل جانب في هذا الحصن المنيع.نظرت إلى يديها المقيدتين بالحديد، وشعرت ببرودته اللعينة تخترق جلدها لتصل إلى أعمق نقطة في عظامها. لم تكن الصدمة من خيانة زوجة أبيها صباح والمحامي هي ما يشل تفكيرها في هذه اللحظة بالذات، بل كانت الحقيقة المرة والوحشية التي طالما تهرّبت من مواجهتها؛ هي بالفعل تسببت في مقتل سفيان. لم يكن الأمر مؤامرة أو تلفيقاً من أحد، بل كان حادث سير لعين وحقيقي خطف روح شقيق آدم الشاب في ليلة مظلمة، وجعل منها مجرمة وقاتلة في نظر هذا الوحش الكاسر الذي يقسم على إبادتها بكل ما أوتي من نفوذ وقوة.ارتجف جسدها بالكامل وضغطت بجبهتها على ركبتيها وهي تهمس وسط دموعها الحارقة التي بل