Se connecterسارة
جلسنا من جديد لنشاهد العرض الثاني، الذي كان مشابها ومكررًا ككل الأفلام الرومانسية التجارية التي تتحدث عن التوأم ووقوعهما في حب نفس الشخص واختياره المعقد لواحدة منهن في النهاية، لكنه كان يحتوي هذه المرة على لمسة بوليسية وجريمة غامضة، والتي أظنها باتت موجودة أيضًا في كل تلك النوعية من الأفلام لجذب الجمهور. وعلى الرغم من ذلك التكرار، كان الفيلم ممتع ومسلي، وهذه أحدى الأشياء والفنون الكلاسيكية التي ترحبين بتكرارها لأنها تمنحكِ شعورًا ممتعًا وبسيطًا بشكل ما انتهى العرض الثاني وقادني من يدي نحو الخارج، الطقس كان منعشًا ولطيفًا في الخارج وملئ بأصوات المدينة الصاخبة والحركة النيونية. وصلنا للسيارة وانطلق بها سام في الشوارع المضاءة إلي مطعم شهير للوجبات السريعة يناسب ذوقي البسيط. جلسنا متقابلين على طاولة خشبية جانبية بعدما طلب سام إلينا الطعام والبطاطس المقلية، همهمتُ بتساؤل مفاجئ لأكسر الصمت: "أتساءل حقًا.. ماذا حدث للحمام الذي قمت بإصلاحه سابقًا في شقتنا؟" أكفهر وجهه وتغيرت ملامحه تمامًا حينما انتهيت من سؤالي، وحدجني بنظرة مستاءة ومضحكة في آن واحد: "أرجوكِ، أتركي التفكير في الحمام ومشاكل السباكة الآن ونحن نأكل، ستعودين إليه قريباً لا تتعجلي." قهقهتُ بصوت مرتفع واسترخيتُ في مقعدي براحة لم أعهدها، وتبادلنا أطراف الحديث العفوي والممتع معه أثناء تناول الطعام طوال ساعة كاملة مرت كالدقائق. بعد الانتهاء، كنا في السيارة مجددًا في طريق العودة نحو منزلي، وأختار سام شريطًا كلاسيكيًا لأحدي أغنيات "دين مارتن" الدافئة لتصدح في الخلفية، بينما نتبادل حديث خافت، دافئ ومتناغم بين حين وآخر حتى وصلنا لِحيّنا الهادئ. وعندما ترجلتُ من السيارة كان يقف أمامي مباشرة، وقفنا عند بوابة منزلي القديمة بصمت لدقيقة كاملة يلفنا السكون، حتى أعلنتها بصدق: "لقد استمتعتُ كثيرًا الليلة، شكرًا لك." اصطنع تنفسه للصعداء بمسرحية ومرح: "وأخيرًا اعترفتِ؛ أنا أيضًا استمتعتُ بكل ثانية معكِ." هززتُ رأسي ونظرتُ تلقائيًا نحو نافذة الطابق العلوي حيث كانت غرفتنا، فلاحظتُ أن الشقة مظلمة بالكامل، فأظن وأرجح أن "أيما" تقضي العطلة الأسبوعية مع صديقها الجديد أو ذلك الشخص الجديد الغامض الذي تعرفت عليه في حفلة التتويج الأخيرة. نظرتُ إليه من جديد محاولة إخفاء ارتباكي: "أيما ليست هنا اليوم على ما يبدو، على الأرجح سوف تقضي العطلة كالعادة في الخارج رفقة أصدقائها." اقترب مني قليلًا بنظرة تلاعب ومشاكسة: "إذن.. ألا تريدين دعوتي قليلًا للصعود لمنزلكِ بما أنكِ بمفردكِ؟" توترتُ بشدة وخفق قلبي، لكني تملكتُ نفسي بذكاء وأجبت: "إذا كنتَ تريد أنت الصعود، تفضل." "سأصعد فقط إذا كنتِ أنتِ راغبة في وجودي بقربكِ." هززتُ رأسي بالنفي اللعوب واستدرتُ لأفتح القفل تحت أنظاره المتشككة والضاحكة حتى قهقهتُ بصوت مسموع بينما أعبر البوابة الداخلية: "تعال خلفي أيها المتحذلق والمماطل." سار ورائي ضاحكًا بخطوات خفيفة، أخرجتُ مفتاحي الفضي من حقيبتي الصغيرة وفتحتُ الباب الرئيسي، واصدمتُ فورًا بمشهد "إيفا" و"تاي" وهما يتبادلان القبلات الساخنة كالعادة عند زاوية الدرج الخشبي. سعلتُ بصوت مرتفع مقصود لأنبههما لوجودنا، فابتعدا عن بعضهما بارتباك وتعديل لملابسهما، رفعت "إيفا" كفها بالتحية محاولة تدارك الموقف: "مرحبًا سارة." نظرت لسام القادم خلفي ، للحظة وعرفت ملامحه ثم أردفت بامتنان: "كل شيء في الشقة يعمل بشكل ممتاز الآن، شكرًا لك على مساعدتك السابقة." تمتم سام بكلمات اعتيادية ومهذبة ردًا عليها، وصعد الدرج خلفي متوجهًا للطابق العلوي. حين وصلنا لصالتنا الصغيرة، سمعتُه يضحك بخفوت وهو يتجه مباشرة ليجلس بملء حريته على الأريكة المريحة في الزاوية الداخلية الدافئة. تابعته بنظراتي متسائلة بغيظ طفولي: "أعجبك المنظر بالأسفل إذن؟" "دائمًا ما يجذبني ويستهويني منظر العاطفة الحارقة والغريبة في هذه الحياة." هززتُ رأسي بابتسامة سخيفة كاتمة ضيقي وغمرتي الداخلية، فضحك بملء فيه بينما يخلع سترته الثقيلة ويلقيها جانبًا، وذراعاه بدت مقسمة العضلات ومفتولة وهو يفردها براحة على طول مسند الأريكة. جلستُ بجانبه صامتة واسترخيتُ قليلًا مستمتعة بهدوء المكان الساحر، وهمستُ بنبرة صادقة بعد فترة صمت: "شكرًا لك حقًا يا سام.. لم أحظى بليلة ممتعة، هادئة ومتكاملة كهذه من قبل طوال حياتي." فتح عينه المغلقة ببطء ورفع رأسه المرتخية على حافة الأريكة مبتسمًا لِي بعميق ملامحه: "يسعدني ويشرفني أن نفعلها ونخرج معًا كل يوم لو أردتِ." "بالتأكيد سنفعلها.. ولكن حين أصبح غنية لا أحتاج للعمل المرهق وأستطيع مادية مجاراة أماكنك الغالية والفخمة هذه من مالي الخاص." رفع كفه في الهواء كإشارة استسلام ورجاء: "لقد اتفقنا ألا نتحدث في هذه الفوارق والماديات الليلة، لن نتحدث عن هذا الأمر أبدًا." "إذن.. هل سوف نتحدث بديلًا عن ذلك عن تكلفة ما فعلته وأصلحته هنا في شقتنا؟." قلتها تاليًا بنبرة تحدٍ ومزاح، فأجابني بشيء من البراءة المصطنعة والطفولية وهو يرفع حاجبيه: "لم أتحدث مع الشركة أو العمال بعد بشأن الفاتورة، لذا للأسف سأخيب ظنكِ للمرة الثانية ولن تجدي سببًا للشجار." ضحكتُ من قلبي وسقطتُ في عمق الأريكة أكثر متخلية عن حذري، فأنزل ذراعيه عن حافة الأريكة واقترب مني بشدة لنصبح متجاورين تفصل بيننا إنشات قليلة: "أخبريني إذن، ما هو مسلسلكِ المفضل على الإطلاق؟." ".كل فترة زمنية من حياتي تحمل في طياتها مسلسلًا مفضلًا يواكب مزاجي." همهم موافقًا على فلسفتي ثم أعاد صياغة السؤال مرة ثانية بتركيز: "ما هو المسلسل المفضل لديكِ تحديدًا في فئة عالم مصاصي الدماء الرومانسي والخيالي الذي تعشقينهم وتكثرين من القراءة عنهم؟" ضحكتُ بخجل بينما أجيبه بعينين تلمعان بالذكريات: "أعتقد أن مسلسل "مذكرات مصاص دماء" هو أفضل مسلس أو الأطول في تلك الفئة.." لم يبد عليه من ملامحه الممتعضة أنه يحبه أو يفضل هذه النوعية، وتأكد الأمر تمامًا مع تعليقه الساخر التالي: "آه.. تلك العلاقة الثلاثية المعقدة والمستفزة بين البطلة والشقيقين." همهمتُ بتفكير وعمق بينما ذراعه الطويلة تلتف ببطء لِتحوط حافة الأريكة من خلفي دون أن تلمس كتفي مباشرة، توترتُ للحظة وارتجف نبضي لكنني تشاغلت عن ارتباكي بالإجابة والشرح: "أجل، إنها قصة معقدة؛ ففي نهاية الموسم الأول قبلت شقيق ستيفان حبيبها الأصلي، وفي المواسم التالية أحبته بشدة وضحت بالعديد من الأشياء لأجله، وهو بدوره كان يحب حبيبة شقيه التي هي نفسها البطلة، وضحي بنفسه في النهاية ليأتي له بعلاج لعضة الذئب المميتة." "مجرد قصص خيالية ساذجة مصنوعة لِتداعب عقول الفتيات المراهقات." حركتُ رأسي أفكر في كلامه وذراعه الدافئة تسير ببطء لتلف حولي وتحتضن ظهري. كنت أجلس مع رجل يعجبني حقًا، يسمع حديثي السخيف عن المسلسلات وهو يعانقني! هل هذا حقيقي أم مشهد خيالي أشتهى حدوثه؟ نظرت له وفكرت إنه حقيقي.. حقيقي للغاية.سارة تمالكت مشاعري وحاولت شغل عقلي بالإجابة والتحليل الفلسفي: "أجل، يمكننا القول إنها نوعًا ما قصص مخصصة للفتيات، لكنها لم تكن مفهومة أو منطقية بالنسبة لي في البداية، لم أكن أفهم كيف يمكن للشخص أن يقع في الحب الحقيقي أكثر من مرة في نفس الوقت، ولكنني الآن أستطيع رؤية وفهم ما رأته البطلة في الشرير." أمال رأسه الوسيم نحوي ينخرط معي بكل جوارحه في حديثي الذي يراه تافهًا لكنه يحبه لأنني من أقوله: "وهو؟ ماذا رأت فيه؟" تنهدتُ بعمق مسترجعة أفكاري وتحليلاتي الخاصة التي لم أشاركها سابقًا مع أي شخص في حياتي لأنني ببساطة لا أملك أي شخص مقرب يستمع لي، شعرتُ بسعادة غامرة ودفيء لأنني أخيرًا سوف أقولها لشخص يهتم: "الرجل الجيد والمثالي يمكنه أن يضحي بنفسه ويسكب دمه لأجل حبيبته وكي ينقذ العالم من الدمار، لكن الرجل السيء والشرير يمكنه ببساطة أن يضحي بالعالم بأكمله ويحرقه دون تردد لأجل حبيبته فقط؛ وهذا النوع النادر من الأنانية المفرطة والمطلقة يجذب الفتيات بشدة نحو الخطر والعلاقات السيئة المعقدة." همهم يفكر في كلامي بعمق وذراعه لا تضغطني أو تقيد حركتي لكنها تحيط جَسدي بلطف شديد كأنه يحميني، وسألني
سارة جلسنا من جديد لنشاهد العرض الثاني، الذي كان مشابها ومكررًا ككل الأفلام الرومانسية التجارية التي تتحدث عن التوأم ووقوعهما في حب نفس الشخص واختياره المعقد لواحدة منهن في النهاية، لكنه كان يحتوي هذه المرة على لمسة بوليسية وجريمة غامضة، والتي أظنها باتت موجودة أيضًا في كل تلك النوعية من الأفلام لجذب الجمهور. وعلى الرغم من ذلك التكرار، كان الفيلم ممتع ومسلي، وهذه أحدى الأشياء والفنون الكلاسيكية التي ترحبين بتكرارها لأنها تمنحكِ شعورًا ممتعًا وبسيطًا بشكل ماانتهى العرض الثاني وقادني من يدي نحو الخارج، الطقس كان منعشًا ولطيفًا في الخارج وملئ بأصوات المدينة الصاخبة والحركة النيونية. وصلنا للسيارة وانطلق بها سام في الشوارع المضاءة إلي مطعم شهير للوجبات السريعة يناسب ذوقي البسيط. جلسنا متقابلين على طاولة خشبية جانبية بعدما طلب سام إلينا الطعام والبطاطس المقلية، همهمتُ بتساؤل مفاجئ لأكسر الصمت:"أتساءل حقًا.. ماذا حدث للحمام الذي قمت بإصلاحه سابقًا في شقتنا؟"أكفهر وجهه وتغيرت ملامحه تمامًا حينما انتهيت من سؤالي، وحدجني بنظرة مستاءة ومضحكة في آن واحد:"أرجوكِ، أتركي التفكير في الحمام ومش
سارة "جارتي، تقطن أسفلي بطابقين في نفس البناية، وكل ما في الأمر أنه حدث سوء تفاهم ما بيننا مؤخرًا." نظرتُ بعيدًا نحو الفراغ بينما أهرس أسناني ببعضها من شدة الغيرة والضيق، فسوء التفاهم الذي يشير له بإشارة يد عابرة لا يوحي على شيء بريء أبدًا، فقلت بنبرة حادة: "لا تخبرني، الأمر لا يعنيني." "توقفي عن تصرفات الأطفال هذه الآن أرجوكِ، فأنا لم أقصد أبدًا أنكِ متطفلة أو شيئًا من هذا القبيل، أنا أريد أن أخبركِ بكل شيء، لكن كل ما في الأمر أنني خشيتُ أن أعطيكِ فكرة سيئة عني في بداية علاقتنا وتظنين أنني لاعب عابث." حاز حديثه الصريح وتراجعه على انتباهي وفضولي بالكامل، فالتفتُّ إليه وسألته بنبرة أهدأ: "ماذا فعلتَ معها إذن؟" هز رأسه بابتسامة متوترة ومرتبكة، نظر بعيدًا وهربت عيناه مني لِلحظات كأنه يرتب كلماته، وضع يده الحرة في جيب سرواله واقترب خطوة أكثر مني كما لو أنه سوف يخبرني بسر خطير ومكتوم: "كارولين كانت تقطن بالبناية لفترة طويلة قبل أن أقطن بها أنا." قاطعتُه بتهكم واضح متبعة دربه في الهمهمة والسخرية: "أجل؛ فهمت.. لماذا لا تمنحني نبذة صغيرة ومفصلة عن سيرتها الذاتية وحياتها الشخصية أيض
سارة انتهى سام من مكالمته تزامنًا مع خفوت الإضاءة التدريجي في القاعة الكبيرة، وبدء عرض الإعلانات التجارية والمقاطع التشويقية التي تسبق الفيلم عادة. ابتلعتُ سؤالي الفضولي الذي كاد يفلت من بين شفتيّ، واسترخيتُ أكثر في مقعدي المخملي الوثير محاولة التظاهر بالهدوء. الجو الدافئ في الداخل جعلني أنزع السترة السكرية الصوفية الثقيلة لِأتحرر من دفئها الخانق، وانعكست الإضاءة الخافتة الملونة المنبعثة من الشاشة الكبيرة على بلوزتي الفيروزية الحريرية وخصلات شعري البني المنسدلة، فأنرتني كقارورة عسل صافية تلمع في الظلام، فجعلني هذا المشهد أنكمش في مقعدي أكثر برهبة وارتباك.شعرتُ فجأة أنني محط أنظار الجميع بلا سبب واضح، الممرات كانت تعج بالحركة والبعض يلتف لينظر لي بنظرات فضولية غامضة ثم يعاود النظر للشاشة الضخمة المستطيلة، لكن سام لم يكن يكترث بكل ما يدور حوله؛ بل كان ينظر نحوي باستمرار بابتسامة عذبة وصادقة تصل لِأعماق عينيه الدافئتين. وشعرتُ برهبة حقيقية تجتاح جوارحي، حتى أنني فكرتُ للحظة مجنونة أن أركض بعيدًا وأهرب من هذا الموعد العاطفي الذي بدأ يأخذ منحى شخصيًا لا أفضله ولم أعتد عليه قط في حياتي ال
الظلام كان يلف الممر الخلفيَّ الموصل بين مبنى الفتيان ومبنى البنات المنفصل تمامًا في الزاوية الغربية من المدرسة الداخلية. كانت النوافذ الزجاجية العالية تعكس ضوء القمر الشاحب، مانحةً المكان طابعًا قوطيًّا باردًا يتناسب مع الفراغ العاطفيِّ الذي يسكن صدري. كنتُ أستند بجسدي العضليِّ النحيل على الجدار الإسمنتيِّ البارد، خصلات شعري الأسود المتمرد تلامس جبهتي، وعيناي البنيتان تراقبان خيال "كلير" وهي تتسلل بخفةٍ ورعبٍ من بوابات مبنى الفتيات لتصل إليّ. كلير كانت فتاةً من طبقة أرستقراطيةً، جميلةً من عائلةٍ رفيعةٍ في لندن، لكنني لم أكن أشعر تجاهها بأيِّ شيءٍ؛ لم يكن هناك حبٌّ، ولا إعجابٌ، ولا حتى شرارة اهتمامٍ حقيقيةٍ. بالنسبة لي، كانت هذه اللقاءات السرية مجرد وسيلةٍ بيولوجيةٍ بحتةٍ لتفريغ شحنات الغضب المكتوم والضغط النفسيِّ الخانق الذي يفرضه عليّ هذا السجن الاختياريُّ بضواحي لندن، بعيدًا عن أيِّ روابط قد تجعلني ضعيف. وصلت كلير أمامي، وأنفاسها المتلاحقة الدافئة كانت تصطدم بصدرية سترتي المدرسية، ونظرت إليّ بعينيها اللامعتين اللتين تحاولان قراءة لا مبالاتي وبرودى المعتادتين. دون أيِّ مقد
هز توماس رأسه بتفهمٍ، وسألني بفضولٍ وهو يفرك يديه طلباً للدفء: "وكيف تمكنتَ من الصمود طوال هذه السنوات إذن؟ كيف تحولتَ من ذلك الطفل العنيف والمشاغب الذي حطم نصف أثاث المهجع، إلى هذا الشخص الصارم الهادئ الذي يخشى الجميع مواجهة قبضته؟" التفتُّ إليه ببطءٍ، ونظرتُ في عينيه مباشرةً قائلًا بنبرةٍ قاطعةٍ تحمل ظلام خفيًّا: إدوارد لارج "لقد تأقلمتُ يا توماس؛ لأنني أدركتُ أن العنف العشوائيَّ والشغب الطفوليَّ لن يوصلا أفعالي إلى نتيجةٍ حقيقية، لقد جعلني جايسون سجينًا هنا كي يصمتني ويبعدني عن مخططاته في صورة نظيفة، فقررتُ أن أتحول إلى وحشٍ منظمٍ، استخدمتُ غضبي كوقودٍ لبناء هذا الجسد العضليِّ النحيل، وحولتُ مشاجراتي إلى دروسٍ في السيطرة، لقد تظاهرتُ بالقبول والتكيف طوال السنوات الماضية فقط لأصل إلى السن التي تمنحني الحق في التمرد القانونيِّ." "أنت تقصد سن الثامنة عشرة؟" سأل توماس بصوتٍ خفيضٍ يملأه الذهول من نظراتي المظلمة. "بالتأكيد." أجبتُهُ وأنا أرمي عقب السيجارة أرضًا وأسحقه بحذائي بعنفٍ مدروسٍ: "أنا على مشارف الثامنة عشرة الآن مثلا تمامًا، وأيام الحبس الاختياريِّ في هذه الضواحي أوشكت على
تيا كوران إنه بارد للغاية تلاقت عيناه السوداوان الحادتان بعينيّ الزرقاوين لثوانٍ معدودة، شعرتُ حينها بحالة غريبة تجتاحني؛ جمود نظراته لم يكن يعني أنه لا يراني، بل كان يعكس عقلانية ميتة تجردني من كوني أنثى وتحولني إلى مجرد معادلة حسابية فاشلة بحاجة للتصحيح. سحب يده ببرود تام قبل أن تلمسها يدي، و
تيا كوران صباح حفل تتويج ملكة جمال انجلترا رائحة الحرير الطبيعي وأقمشة الدانتيل الفاخرة الممزوجة بعطر اللافندر والياسمين النادر كانت تملأ أركان متجري في قلب منطقة "مايفير" الراقية في أشهر أحياء لندن، لكن هذا العبق الفاخر لم يكن كافي لتهدئة الفوضى العارمة التي تجتاح رأسي الصغير. الهدوء الذي يلف
اتسعت عينيها وحاولت سعر نفسها، نهضت عن الفراش كأنها ملدوغة: "لكنك قلت أنكِ سوف تموله." صححت لها ببطء وابتسامة باردة: "إذا كان مربح، إذا.. وهو ليس كذلك." حملت فستانها فوق عُريها الذي بات مخجل طالما لن تحصل منه على شيء: "لكنك فعلت هذا معي!" "الجنس." نطقتها ببطء مستغربًا خجلها من الكلمة
ساعة متأخرة من الليلة البرد اللندني في الخارج يلسع الوجوه ويجمد الدماء في العروق، لكن داخل سيارتي "الرينج روفر" السوداء، كان الدفء يمتزج برائحة جلد المقاعد الفاخر وعطر "كلارا" النفاذ والمصطنع. كلارا، مصممة الديكور المبتدئة التي التقيت بها قبل ساعة في ركن مظلم بنادي البوكر، كانت تجلس بجانبي وه







