Share

أنفاس مكتومة

Author: Hadeer khalil
last update publish date: 2026-06-08 00:58:53

في تمام الرابعة فجراً، كان السكون يلف الجناح الشرقي ككفن دافئ، والظلام لم ينسحب بعد من زوايا الغرفة. استيقظت جُمان. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل انتفاضة وعي تدرك أن زمن الرفاهية قد انتهى، وأن الساعات القادمة لا ترحم المترددين.

نهضت من فراشها، وتوجهت بخطوات ثابتة نحو غرفة الملابس الملحقة بالجناح. وقفت أمام الخزانة الهائلة الممتدة بجدرانها الخشبية الداكنة، وتأملت مئات الفساتين والقطع الفاخرة المنسقة برتابة باردة. لم تعد تتأملها بعيون جُمان المبهورة، بل تطلعت إليها بتركيز حاد، كقائد يختار سلاحه لمعركة مصيرية.

مدت يدها، ومررت أصابعها بين الأقمشة الحريرية والمخملية الصاخبة، مستحضرةً كل الفيديوهات والصور التي حفظتها لميرا. اختارت فستاناً مخملياً أسود مطرزاً بخيوط ذهبية عند الصدر والأكمام، قطعة تفيض بالجرأة والكبرياء. ارتدته ببطء، ومع كل زر تغلقه، كانت تشعر وكأنها تغلق باباً على ماضيها، وتتخيل نفسها ميرا بجد؛ امرأة لا تخاف أحداً، وتأخذ ما تريد بقوة حضورها.

تراجعت خطوة، ونظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة الطويلة. لم يتبقَ سوى اللمسة الأخيرة. جلست أمام طاولة الزينة، وأمسكت بالفرشاة والمثبت. بدأت تصفف خصلات شعرها الداكنة بتركيز شديد ودقة متناهية، عازمة على محاكاة طريقة ميرا الشهيرة؛ رفعت خصلات شعرها الأمامية بتموجات منسابة وجريئة، تركت بقية شعرها ينسدل خلف ظهرها بكبرياء حاد يبرز قساوة تقاطيع وجهها ومكياجها المتقن.

أخذت نفساً عميقاً، وأغلقت عينيها لثوانٍ، وعندما فتحتهما... كانت النظرة قد تغيرت تماماً.

انكمش النقاء الذي يسكن عينيها ليحل محله برود متبلد، وارتخى فكها بقليل من الغرور والتعالي المعتاد من "ميرا"، وأمالت رأسها بزاوية حادة يغلفها التمرد. نهضت وبدأت تسير في الغرفة بخطوات واسعة، واثقة، ومتبخترة، تنم عن شخصية اعتادت أن تأمر لتُطاع، ولا تبالي بأحد.

في تلك اللحظة، انفتح الباب بهدوء ودلفت صوفيا وهي تحمل بعض الملابس الجافة، لكنها تجمدت مكانها عند عتبة الغرفة.

التفتت إليها جُمان ببطء شديد، ورمقتها بنظرة فاحصة يملؤها الكبرياء من أعلى لأسفل، ثم قالت بنبرة حادة، مستهترة، وصوت فيه بحّة الدلال الساخر التي تميزت بها ميرا

: — "اتأخرتي ليه يا صوفيا؟ بقالي ساعة مستنية، والظاهر إن المواعيد في القصر ده مبقتش مظبوطة بغيابي."

اتسعت عينا صوفيا بذهول حقيقي، وأسقطت الملابس من يدها دون أن تشعر. تراجعت خطوة للخلف وهي تحدق في الفستان الفاخر، وتصفيفة الشعر المتطابقة، وجبروت الفتاة الواقفة أمامها. لثوانٍ، خُيل للعجوز أن "ميرا" الحقيقية قد بعثت من جديد وتقف أمامها بشحمها ولحمها وغرورها الطاغي. انبهرت صوفيا لدرجة جعلت أنفاسها تتسارع، وهزت رأسها بغير تصديق وهي تهمس بصوت مرتعش

: — "مش ممكن... سبحان الله! يا بنتي أنتِ مش بتقلديها... أنتِ بقيتي هي! النظرة، اللبس، تسريحة الشعر، النبرة... لو عمران نفسه دخل دلوقتي مستحيل يشك للحظة!"

أطلقت جُمان ضحكة قصيرة، باردة، وساخرة تماماً كضحكات ميرا، وقالت وهي تتحرك نحو النافذة دون أن تنظر لها

: — "عمران بيه محتاج يفهم إن اللعبة دي أنا اللي بديرها بشروطي.. شيلي الحاجة دي يا صوفيا، وجهزيلي القهوة."

أومأت صوفيا برأسها بامتثال تام، مدفوعة بذهولها وانبهارها بهذا التحول الإعجازي، وجمعت الملابس بسرعة ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها برفق.

ما إن استقر قفل الباب في مكانه، وصار الصمت سيد الغرفة مجدداً... حتى انهار كل شيء.

ارتخت أكتاف جُمان دفعة واحدة، وتلاشت نظرة الكبرياء والغرور من عينيها لتتحول إلى انكسار حاد. نظرت إلى الفستان الفاخر وشعرها المصفف في المرآة بغربة شديدة، وكأنها ترى مسخاً لا تشبهه. تراجعت بخطوات مرتعشة حتى أسندت ظهرها إلى الحائط، وهبطت ببطء حتى جلست على الأرض الباردة، واضعة رأسها بين ركبتيها حرصاً على ألا تفسد تصفيفة شعرها التي صنعتها بعناء.

عادت روح ميرا الزائفة إلى الخزانة، ولم يتبقَ في عتمة الفجر سوى جُمان... جُمان الحقيقية المشتاقة والمحطمة.

انفجرت في بكاء صامت، عبراتها تسيل بغزارة وهي تتذكر والدها. تذكرت وجهه المتعب، وتجاعيد يديه، وصوته الدافئ وهو ينادي اسمها في بيتهما الصغير. انقبض صدرها برعب حقيقي وهي تتخيل حاله الآن بعد اختفائها

ضمت جسدها بيدين ترتجفان، وهمست بنبرة مخنوقة يملؤها الوجع من بين دموعها

: — "سامحني يا بابا...انا مش عارفة ايه ذنبي اني اتحط في لعبة زي دي بس أنا متأكدة ان في سبب قوي وإن ربنا أكيد مرتبلي حاجة كويسة بس أنا مش عارفة ايه هي ، علشان كدة انا هستحمل لحد ما اخلص اللعبة ونرجع بس اللي متأكدة منه اننا مش هنرجع ابدا زي الاول

مسحت جمان دموعها بقوة فلا مجال للضعف في قصر يتلحف بالافاعي

كانت تظن أن أصعب ما في هذه اللعبة هو أن تصبح ميرا...

لكنها لم تكن تعلم أن الأصعب بكثير هو أن تظل جُمان، بينما العالم كله يطالبها أن تنسى نفسها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • غبار المرايا    شظايا الكلمات

    قطع هذا السكون خطوات سريعة ومرحة، حيث انضم إليه ابنه آدم الذي كان يرتدي سترته مستعداً ليرحل إلى نوبته. جلس آدم على المقعد المقابل لوالده بعفوية، ماداً يده ليلتقط قطعة من الخبز المحمص وهو يقول بابتسامته ذات الدم الخفيف المعتاد: — صباح الخير يا بابا.. الروب الصوف ده مخليك شبه لوردات الإنجليز اللي بنشوفهم في التليفزيون ، ناقصك بس غليون وتبدأ تحكم العالم من هنا!تحسنت ملامح محمود وتلاشت لاماته المعتادة، فهز رأسه بإعجاب بنكتة ابنه المقرب لقلبه، وأخذ رشفة من قهوته قائلاً بنبرة دافئة: — صباح النور يا دكتور.. سيبك من الروب بتاعي دلوقتي، وقولي أخبار المستشفى وشغلك إيه؟ الظاهر إن الطوارئ واخدة كل وقتك لدرجة إننا بقينا بنشوفك في القصر بالصدفة.رد آدم وهو يبتلع لقمته ويضحك بصوت خافت: — المستشفى بقت بيتي الأول يا بابا، الطوارئ هناك مبترحمش.. دكاترة رايحين ودكاترة جايين، وحالات تخليك تصحصح غصب عنك. بس أهو، بنحاول ننقذ ما يمكن إنقاذه عشان الإنسانية.. وعشان البرستيج برضه!ضحكا معاً بصوت مسموع، وكانت الأجواء بين الأب وابنه تفيض بالدفء التلقائي، حتى قطعت تلك اللحظة خطوات حازمة، ذات إيقاع منتظم وأرس

  • غبار المرايا    أنفاس مكتومة

    في تمام الرابعة فجراً، كان السكون يلف الجناح الشرقي ككفن دافئ، والظلام لم ينسحب بعد من زوايا الغرفة. استيقظت جُمان. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل انتفاضة وعي تدرك أن زمن الرفاهية قد انتهى، وأن الساعات القادمة لا ترحم المترددين.نهضت من فراشها، وتوجهت بخطوات ثابتة نحو غرفة الملابس الملحقة بالجناح. وقفت أمام الخزانة الهائلة الممتدة بجدرانها الخشبية الداكنة، وتأملت مئات الفساتين والقطع الفاخرة المنسقة برتابة باردة. لم تعد تتأملها بعيون جُمان المبهورة، بل تطلعت إليها بتركيز حاد، كقائد يختار سلاحه لمعركة مصيرية.مدت يدها، ومررت أصابعها بين الأقمشة الحريرية والمخملية الصاخبة، مستحضرةً كل الفيديوهات والصور التي حفظتها لميرا. اختارت فستاناً مخملياً أسود مطرزاً بخيوط ذهبية عند الصدر والأكمام، قطعة تفيض بالجرأة والكبرياء. ارتدته ببطء، ومع كل زر تغلقه، كانت تشعر وكأنها تغلق باباً على ماضيها، وتتخيل نفسها ميرا بجد؛ امرأة لا تخاف أحداً، وتأخذ ما تريد بقوة حضورها.تراجعت خطوة، ونظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة الطويلة. لم يتبقَ سوى اللمسة الأخيرة. جلست أمام طاولة الزينة، وأمسكت بالفرشاة والمثبت. بدأت

  • غبار المرايا    خطوات على أرض مهتزة

    خرجت روان من مكتب عمران بخطوات هادئة، والابتسامة المريحة التي غمرت وجهها إثر حديثها معه بدأت تتلاشى تدريجياً وهي تغلق الباب الرصاصي برفق. يكفيها دائماً أن تلجأ لعمران، الرجل الذي تولى تربيتها ورعايتها منذ صغرها، لتشعر أن الدنيا أقل تعقيداً وأنها في مأمن من أجواء القصر الخانقة.استدارت لتكمل طريقها عبر الممر الطويل، لكن خطواتها تجمدت فجأة، وانقبضت أسفل معدتها برعشة توتر مألوفة.في نهاية الممر، حيث الظلال تعانق الجدار الرخامي البارد، كان سيف يقف.كان يعقد ذراعيه أمام صدره بجمود، وعيناه الحادتان والمشحونتان بنبرة غامضة ومخيفة مثبتتان عليها كالصقر. روان، بطبيعتها الرقيقة والبريئة، كانت تشعر دائماً بالخوف والتهيب من سيف؛ عصبيته غير المبررة، وغموضه الدائم، ونظراته التي تعجز عن فهمها، كلها أشياء كانت تجعلها تتلعثم في وجوده وتتحاشى الاصطدام به قدر الإمكان.حاولت روان أن تجمع شتات نفسها، ورسمت ابتسامة باهتة ومضطربة وهي تخطو ببطء، وقالت بصوت متقطع حذر:- واقف كدة ليه يا سيف؟.. خضيتني.اعتدل في وقفته ببطء شديد، وجسده الطويل يلقي بظلاله فوق الرخام، وتحدث بنبرة جافة، يغلفها برود مصطنع:-مستني عمرا

  • غبار المرايا    تحركات فوق رقعة الشطرنج

    كان عمران يقف عند عتبة الباب الداخلي للجناح، سانداً ظهره إلى الإطار الخشبي، واضعاً يديه في جيبي بنطاله. عيناه الصقريتان كانت تتابع حركاتها بدقة باردة، وملامحه الجليدية لم تكشف شيئاً مما يدور في عقله بعد ليلته الطويلة المشحونة.استجمعت جُمان شتات نفسها بسرعة، ورفضت أن تظهر بمظهر الضعيفة أمامه. أرخت كتفيها، وأمالت رأسها إلى الجانب بقليل من التحدي، وقالت بنبرة حاولت أن تكسوها ببرود ميرا:- هو عادي بندخل بدون اسئذان ، ولا دي كمان من قواعد القصر اللي لسة معرفهاش تحرك عمران خطوات وثابتة نحوها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة تحمل مزيجاً من الإعجاب الخفي والسخرية:- محدش بيستأذن وهو داخل الجناح الخاص بيه هو ... ومراته شعرت جُمان بوخزة من الضيق، لكنها تماسكَت. وضع عمران يده على الطاولة، وسحب الكرسي وجلس أمامه وعيناه تثبتان في عينيها قائلًا بنبرة هادئة :-الجد عثمان كلمني الصبح.. بعتلك سلام مخصوص، وبيسأل عن الخاتم الألماس اللي ادهولك في آخر حفلة في بيروت، قال إنه مش شايفه في صورك الأخيرةلمعت عينا جُمان بتوجس، وحاولت استرجاع كل تفاصيل الفيديوهات والملفات التي قرأتها عن حفلة بيروت، وقالت بثقة

  • غبار المرايا    أقنعة الصباح.. ونيران الليل

    وفي الجناح الغربي للقصر، حيث تفوح رائحة البخور العتيق وتمتزج بالفخامة الباردة، كان الهدوء يخيّم على المكان بصورة خادعة؛ هدوء يشبه سطح بحر ساكن يخفي تحته دوامات لا تُرى.جلست عالية هانم فوق مقعدها المخملي الفاخر، تعقد ساقًا فوق الأخرى في أناقة متعمدة، بينما كانت أصابعها تداعب فنجان القهوة أمامها ببطء. أما نرمين هانم فكانت تقف أمام النافذة العريضة، تراقب الحديقة الممتدة أسفلها بعينين جامدتين لا تفصحان عما يدور خلفهما.تنحنحت عالية، ووضعت فنجانها فوق الطاولة الزجاجية برقة مصطنعة أصدرت رنة خفيفة، وقالت بنبرة هادئة حملت ترحيباً مبطناً باللؤم: -نورتِ القصر يا نرمين.التفتت نرمين ببطء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة غامضة هادئة، ثم خطت نحو عالية بوقارها الأرستقراطي وجلست على المقعد المقابل لها وقالت بصوت رخيم ونبرة دبلوماسية متقنة: - شكرا عالية ، القصر طول عمره منور .. بيكيتابعت عالية وهي ترشف قهوتها:- بصراحة رجوعك فاجئني ، بعد السنين دي كلها قلت خلاص أكيد مفيش نية للرجوع ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتي نرمين.:- ساعات الإنسان بيحس إن الوقت ما بقاش يسمح إنه يفضل بعيد أكتر من كده.ضاقت ع

  • غبار المرايا    حقل الألغام

    انفتح الباب ببطء شديد، وانشق الفراغ عن امرأة تجاوزت الخمسين من عمرها، لكنها تحصنت بكبرياء طاغٍ وجمال بارد متكبر لا تهزمه السنون. كانت ترتدي معطفاً مخملياً أسود طويلاً يحيط بقامتها الممشوقة، وخلفها في عتمة الممر كان يقف أحد الحراس القدامى، يضع حقائب ملابسها الفخمة أرضاً بوجل، ثم ينسحب في صمت مطبق.كانت تقف ببرود تام، وهدوء مرعب، وثبات لا يتزحزح.. إنها نرمين هانم ، والدة سيف. المرأة التي غادرت هذا القصر منذ سنوات طويلة إثر خلافات عاصفة هزت أركان العائلة، وعادت الآن في عتمة الليل لتطأ أرض المعركة مجدداً كأنها لم تغادر قط.تراجعت يد محمود إلى الخلف، وتحجرت ملامحه تماماً، . اتسعت عيناه بذهول وصدمة، وخرجت نبرته ممتزجة بالغضب المكتوم والوجل: -نرمين ! ايه اللي جابك هنا ؟! وراجعة تعملي ايه بعد كل السنين دي ؟خلعت نرمين قفازاتها الجلدية السوداء ببطء وثقة مفرطة، ونفضت قطرات المطر الخفيفة عن كتف معطفها، ثم رمقت محمود بنظرة ساخرة مليئة بالتهكم، وقالت بصوت رخيم وقوي يقطر ثقة: - أهلا يا محمود ، شايفة علامات السن بدأت تترسم على وشك ، معقول شايل الهم للدرجة دي !رمقها باستهزاء وأردف بهدوء وهو يعلم ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status