Share

حقل الألغام

Author: Hadeer khalil
last update publish date: 2026-06-04 18:02:14

انفتح الباب ببطء شديد، وانشق الفراغ عن امرأة تجاوزت الخمسين من عمرها، لكنها تحصنت بكبرياء طاغٍ وجمال بارد متكبر لا تهزمه السنون. كانت ترتدي معطفاً مخملياً أسود طويلاً يحيط بقامتها الممشوقة، وخلفها في عتمة الممر كان يقف أحد الحراس القدامى، يضع حقائب ملابسها الفخمة أرضاً بوجل، ثم ينسحب في صمت مطبق.

كانت تقف ببرود تام، وهدوء مرعب، وثبات لا يتزحزح.. إنها نرمين هانم ، والدة سيف. المرأة التي غادرت هذا القصر منذ سنوات طويلة إثر خلافات عاصفة هزت أركان العائلة، وعادت الآن في عتمة الليل لتطأ أرض المعركة مجدداً كأنها لم تغادر قط.

تراجعت يد محمود إلى الخلف، وتحجرت ملامحه تماماً، . اتسعت عيناه بذهول وصدمة، وخرجت نبرته ممتزجة بالغضب المكتوم والوجل

: -نرمين ! ايه اللي جابك هنا ؟! وراجعة تعملي ايه بعد كل السنين دي ؟

خلعت نرمين قفازاتها الجلدية السوداء ببطء وثقة مفرطة، ونفضت قطرات المطر الخفيفة عن كتف معطفها، ثم رمقت محمود بنظرة ساخرة مليئة بالتهكم، وقالت بصوت رخيم وقوي يقطر ثقة

: - أهلا يا محمود ، شايفة علامات السن بدأت تترسم على وشك ، معقول شايل الهم للدرجة دي !

رمقها باستهزاء وأردف بهدوء وهو يعلم انها تحاول استفزازه 

:- ما جوبتنيش على سؤالي ، ايه اللي جابك هنا ؟

خطت خطوة واسعة نحو داخل المكتب، وجالت بعينيها الحادتين في أرجاء الغرفة وكأنها تتفقد أملاكها، ثم أعادت نظرتها الجليدية إلى زوجها السابق وأردفت ببرود

: - رجعت علشان مبقتش قادرة استحمل اشوف ابني بيحارب لوحده ، رجعت علشان أكون في ضهره وسنده وعلشان أساعده ياخد حقه وسيف مش هيكرر غلطة أبوه مش هيقف يتفرج على حقه وهو بيتاخد منه.وانا متأكدة إنك عمرك ما حتقف مع ابنك ضد عمران 

صمتت قليلا ثم تابعت بمكر 

:- و أنا داخلة شوفتك قاعد معاه فمردتش أقطع الاجتماع الهادي بتاعكم علشان كدة دخلت من الباب التاني 

كان يعلم مكرها جيدًا ،أدركه على مدى سنونًا طويلة عاشها معها وكانت دومًا طامعة للسلطة تشعر بالأحقية في كل شيء حولها 

:- مش جديدة عليكي يا نرمين طول عمرك بتدخلي من الباب اللي ورا ، ما بتقدريش تواجهي 

ابتسم بانتصار عندما لمح الغيظ يظهر على ملامحمها لكنها نجحت في اخفاءه حين قالت 

:- مش خوف ، بس أنا لازم اعرف كل حاجة حواليا ما ابقاش عاملة زي اللعبة اللي كل اللي حواليها بيحركوها 

تسمر محمود في مكانه، وهو يعلم نواياها حاول استجماع ثباته وقال بنبرة حادة ومحذرة

: - القصر مش مكانك يا نرمين والعيلة مش لعبة بيتعارك عليها اتنين ، خدي شنطك وامشي لإن وجودك هنا مش هيجيب غير الخراب 

ابتسمت نرمين ابتسامة أفعى، واقتربت من المكتب وهي تقرع سطح الخشب بأظافرها قائلة بحسم

: - الخراب بدأ من يوم ما ابوك قرر يدي عمران حق مش حقه ، ويوم ما قررت انت تتنازل عن كل حاجة وتسلم رقبتنا كلنا لعمران وتخلي ابنك تابع ليه 

هز محمود رأسه بأسى عما تحاول هذه الافعى فعله فانقطعت الكلمات بينهما، وجمدت نظرات التحدي في الهواء،

هبط الصمت بينهما ثقيلًا كالرصاص.

وفي الخارج كانت الرياح تعصف بأشجار الحديقة بعنف، بينما وقفت حقائب نرمين عند الباب كإعلان حرب صامت.

أدرك محمود في تلك اللحظة أن عودة نرمين لم تكن زيارة عابرة...

بل كانت أول خطوة في معركة ستقسم عائلة عزام إلى نصفين.

*******

مع نسمات الصباح الهادئة كان قسم الطوارئ يعيش صخبه المألوف وفوضاه العارمة التي لا تهدأ

تداخِلت أصوات الأجهزة الطبية بنغماتها الرتيبة، مع الخطوات المتلاحقة للممرضين، وصيحات سيارات الإسعاف التي كانت تمزق سكون الصباح بالخارج وتتوالى على البوابة، وكأن المدينة بأكملها قد تواطأت على أن تمرض في يوم واحد.

وسط هذا المعترك، انفتح باب إحدى الغرف وخرج منه آدم. نزع قفازيه الطبيين بإرهاق بدا واضحاً على تقاطيع وجهه، ثم مرر كفه خلف عنقه، محاولاً فك التوتر العضلي المتراكم منذ بداية نوبته الطويلة. لكن، وتلقائياً كما تنجذب الإبرة إلى مغناطيسها، استقرت عيناه على المكتب المقابل في الممر.

كانت ياسمين تجلس هناك. منحنية بجسدها فوق ركام من الملفات الطبية، بينما انسدلت خصلات من شعرها الداكن على جانب وجهها، تحجب جزءاً من ملامحها المستغرقة في مراجعة نتائج التحاليل لأحد المرضى بتركيز حديدي.

ابتسم آدم دون وعي، ونبتت في قلبه لفتة دافئة؛ فلم يكن يعرف متى أو كيف أصبحت رؤيتها وسط زحام هذا المكان الموحش تمنحه هذا القدر من السلام والارتياح.

اتجه بخطوات هادئة نحو ماكينة القهوة القابعة في نهاية الممر، وعاد بعد دقائق يحمل في يديه كوبين يتصاعد منهما البخار. توقف أمام مكتبها، ووضع أحدهما برفق ولطف بجوار كفها المنشغلة بالكتابة.

رفعت ياسمين رأسها باستغراب نابع من اندماجها، ونظرت إلى الكوب، ثم رفعت عينيها إليه، وعقدت حاجبيها متسائلة بنبرة جافة لم تخلُ من الدهشة

: - إيه ده؟

جلس آدم بأريحية على حافة المكتب المقابل لها، وسند كفيه على الرخام قاصداً نبرة جادة ومصطنعة

: -محاولة إنقاذ.

رمشت بعينيها بحيرة

: -إنقاذ مين؟

أشار بطرف كوبه نحو وجهها قائلًا

: - المريضة اللي قدامي دي.

نظرت إليه بعدم فهم، فأكمل بنفس الملامح الجادة والوقار المزيف

: -بقالك أربع ساعات كاملة مركزة في الورق الأبيض ده، لدرجة إني بدأت أشك كطبيب إنك محتاجة تعليق محاليل فوراً.

كادت ضحكتها أن تفلت من بين شفتيها، لكنها تماسكَت بصعوبة بالغة احترماً لردائها الأبيض، وقالت بنبرة عملية ممتنة

: - شكرًا على التشخيص العبقري يا دكتور آدم.

رفعت الكوب وارتشفت منه رشفة صغيرة تحت نظراته التي راقبتها لثانية قبل أن يسأل بترقب طفولي

: - حلوة؟

نظرت إلى الكوب ثم إلى عينيه

: - كويسة .

وضع يده فوق موضع قلبه متظاهراً بوقوع الصدمة عليه

: - كويسة بس ؟!

ابتسمت رغماً عنها أمام حركاته الدرامية

: - أيوة.

تنهد قائلاً

: - طيب الحمد لله..

:- الحمد لله على إيه؟

:-  إني لسه ما فقدتش موهبتي.

رفعت حاجبها باستغراب من ثقته

: - وموهبة إيه دي بقى؟

رد ببساطة

: - اختيار القهوة.

هزت رأسها يميناً ويساراً بيأس مصطنع وهي تطالع ملامحه المسترخية

: - أنا مش مصدقة إنك دكتور بجد والله.

ابتسم آدم بهدوء ساحر، ونظر إلى كوبها وقال

: - وأنا اللي مش مصدق إن في كائن بشري يقدر يشرب القهوة من غير سكر..

نظرت لكوبها كأنها تدافع عن مبدئها

: - وايه المشكلة ؟

عقد حاجبيه بضيق طريف

: - دي مش قهوة يا ياسمين.. دي عقاب قانوني.

ضحكت هذه المرة فعلاً؛ ضحكة قصيرة، خافتة، انطلقت من بين شفتيها كأغنية رقيقة وسط ضوضاء الطوارئ، وكانت تلك الضحكة كافية جداً لتجعل ملامحه تشرق بابتسامة حقيقية دون أن يشعر.

في تلك اللحظة، مرّ طبيب شاب من زملائهما بجوارهما، ولمح الأجواء المبهجة، فقال بمكر وغمزة عابرة

: -  واضح إن في استراحة محترمة هنا في الجناح وإحنا مش داريين!

رد آدم فوراً وبسرعة بديهة، ودون أن تتزحزح ملامحه الجادة

: - لا يا دكتور أنت فاهم غلط، إحنا بنناقش قضية علمية معقدة وجوهرية .

توقف الطبيب بفضول: — قضية إيه؟

أجاب آدم وهو ينظر لياسمين بطرف عينه

: - هل القهوة السادة من غير سكر تعتبر مشروب آدمي، ولا جريمة جنائية يعاقب عليها القانون بالحبس؟

انفجرت ياسمين ضاحكة بصوت مسموع هذه المرة، بينما هز الطبيب الشاب رأسه مستسلماً ومضى في طريقه وهو يتمتم بقلة حيلة من ألاعيب آدم.

تنهد آدم براحة دافئة وهو يحتسي رشفة من قهوته، وهدأت ملامحه تماماً، ثم قال بنبرة خفيضة، حانية، هربت من بين ثنايا صوته

: -  أخيرًا شوفتك بتضحكي..

توقفت ياسمين عن الضحك فجأة، وتجمدت حركتها للحظة. رفعت عينيها ببطء لتقابل عينيه، فوجدته ينظر إليها ببساطة شديدة، وعمق عارٍ من أي مزاح أو مواربة.. كانت جملة خرجت منه بعفوية كاملة صدقها قلبها قبل عقلها.

شعرت بحرارة خفيفة تسري في وجنتيها، وأحست بارتباك حلو يداعب دقات قلبها، فخفضت عينيها سريعاً إلى الملفات المفتوحة أمامها، وحاولت جاهدة استعادة نبرتها الرسمية وهي تقلب الأوراق بيد مرتعشة

: - عندنا شغل كتير يا دكتور آدم.. والطابور طويل ، اليوم لسة في أوله .

ارتسمت ابتسامة صغيرة، خفيفة وذكية على شفتي آدم. لقد فهم الرسالة تماماً؛ هي لم ترفض وجوده، ولم تصد مشاعره.. فقط ما زالت تحاول الهرب من حصار ارتباكها الأنثوي كلما نظر إليها بهذه الطريقة التي تعري مشاعرها.

أما هو، فلم يكن متعجلاً أبدًا؛ كان يكتشف يوماً بعد يوم، وجلسة بعد جلسة، أن أجمل الأشياء في هذه الحياة هي تلك التي تنمو وتأتي.. بهدوء شديد.

وبينما كان ياسمين تعود لملفاتها بخجل خافت، شعر آدم للمرة الأولى منذ أيام طويلة أن الصباح أقل قسوة مما اعتاد

وفجأة.. قطع هذا السكون الفارق رنين هاتف آدم الصاخب في جيبه.

سحب آدم الهاتف من جيبه ببطء، وعيناه ما زالتا عالقتين بملامح ياسمين المرتبكة التي بدأت تلحظ تبدل ملامحه. ضغط على زر الإجابة، ووضع الهاتف على أذنه دون أن يتكلم، مستمعاً إلى أنفاس سيف المتلاحقة عبر الأثير.

وجاءه صوت سيف حاداً، مشحوناً بنبرة انتصار غريبة ممزوجة بالتوتر وهو يقول بفحيح مكتوم

: -جايبلك خبر تحفة على الصبح ،  نرمين هانم وصلت القصر امبارح بالليل ومعاها الشنط يعني هتقعد رسمي

في تلك اللحظة، شعر آدم وكأن الأرض قد مادت تحت قدميه. اختفت الابتسامة تماماً عن شفتيه، وتصلبت عضلات فكه وعيناه تشتعلان بنظرة غموض حادة وباردة، نظرة لم تعتدها ياسمين منه قط. تحول الطبيب العفوي المرح في ثانية واحدة إلى رجل آخر، رجل يحمل جينات "عزام" بكل حذرها وتوجسها.

هو يعلم جيداً أن عودة والدته "نرمين" في هذا التوقيت بالذات، وقبل أيام من وصول الجد عثمان، ليست مجرد زيارة عابرة أو حنين مفاجئ؛ أمّه لا تتحرك إلا بحسابات دقيقة، ورجوعها بامتعتها يعني أنها تدبر لأمر خطير، قنبلة موقوتة ستفجر القصر فوق رؤوس الجميع

لاحظت ياسمين هذا التحول المفاجئ؛ رأت كيف انقبضت ملامحه، وكيف أصبحت عيناه غائمتين ومظلمتين كبحر ثائر في ليلة شاتية. شعرت بالقلق يتسلل إليها فقالت بنبرة خفيضة

: - دكتور آدم؟ في حاجة حصلت؟

لم يجب آدم أخاه على الهاتف فوراً، بل أبعد الجهاز عن أذنه قليلاً، ونظر إلى ياسمين. حاول جاهدةً أن يستدعي قناعه الخفيف ليداري خلفه هذا الجحيم المفاجئ، لكن عينيه خانتاه وظلتا محتفظتين بذكائهما الحذر وغموضهما القاتل. هو يعلم أن ياسمين نقية، بعيدة كل البعد عن وحل عائلته ومؤامراتها، ولا يريد وتحديداً الآن أن يلوث عالمها الهادئ بأسرار القصر المسمومة.

أعاد الهاتف إلى أذنه وقال بصوت منخفض، هادئ بشكل مخيف، حمل أمراً حاسماً لأخيه

: - مسافة السكة يا سيف.. أنا جاي.

أغلق الخط، وأعاد الهاتف إلى جيبه بحركة آلية. نظر إلى كوب القهوة السادة المستقر بجوار يد ياسمين، ثم رفع عينيه إليها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، باهتة لكنها تحمل وداعاً مؤقتاً، وقال بنبرة هادئة غلفها الغموض

:-  واضح إن القضية العلمية بتاعة القهوة السادة هتحتاج تتأجل يا دكتورة.. ورايا مشوار مفاجئ ولازم أمشي حالاً.

نهض عن حافة المكتب، وعدل من هندام معطفه الأبيض، ثم التفت إليها قبل أن يتحرك خطوة واحدة وقال وعيناه تثبتان في عينيها بنظرة عميقة لم تفهم ياسمين أبعادها

:-  خلي بالك من نفسك.. ومن القهوة بتاعتك.

استدار آدم ومشى في الممر بخطوات واسعة، سريعة، ومثقلة بهموٍم جديدة، تاركاً خلفه ياسمين تقف في حيرة قاتلة، تنظر إلى أثره وهي تتساءل في سرها وما هو السر الذي استطاع في لمحة عين أن يطفئ نور المرح في عينيه ويستبدله بكل هذا الغموض؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • غبار المرايا    شظايا الكلمات

    قطع هذا السكون خطوات سريعة ومرحة، حيث انضم إليه ابنه آدم الذي كان يرتدي سترته مستعداً ليرحل إلى نوبته. جلس آدم على المقعد المقابل لوالده بعفوية، ماداً يده ليلتقط قطعة من الخبز المحمص وهو يقول بابتسامته ذات الدم الخفيف المعتاد: — صباح الخير يا بابا.. الروب الصوف ده مخليك شبه لوردات الإنجليز اللي بنشوفهم في التليفزيون ، ناقصك بس غليون وتبدأ تحكم العالم من هنا!تحسنت ملامح محمود وتلاشت لاماته المعتادة، فهز رأسه بإعجاب بنكتة ابنه المقرب لقلبه، وأخذ رشفة من قهوته قائلاً بنبرة دافئة: — صباح النور يا دكتور.. سيبك من الروب بتاعي دلوقتي، وقولي أخبار المستشفى وشغلك إيه؟ الظاهر إن الطوارئ واخدة كل وقتك لدرجة إننا بقينا بنشوفك في القصر بالصدفة.رد آدم وهو يبتلع لقمته ويضحك بصوت خافت: — المستشفى بقت بيتي الأول يا بابا، الطوارئ هناك مبترحمش.. دكاترة رايحين ودكاترة جايين، وحالات تخليك تصحصح غصب عنك. بس أهو، بنحاول ننقذ ما يمكن إنقاذه عشان الإنسانية.. وعشان البرستيج برضه!ضحكا معاً بصوت مسموع، وكانت الأجواء بين الأب وابنه تفيض بالدفء التلقائي، حتى قطعت تلك اللحظة خطوات حازمة، ذات إيقاع منتظم وأرس

  • غبار المرايا    أنفاس مكتومة

    في تمام الرابعة فجراً، كان السكون يلف الجناح الشرقي ككفن دافئ، والظلام لم ينسحب بعد من زوايا الغرفة. استيقظت جُمان. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل انتفاضة وعي تدرك أن زمن الرفاهية قد انتهى، وأن الساعات القادمة لا ترحم المترددين.نهضت من فراشها، وتوجهت بخطوات ثابتة نحو غرفة الملابس الملحقة بالجناح. وقفت أمام الخزانة الهائلة الممتدة بجدرانها الخشبية الداكنة، وتأملت مئات الفساتين والقطع الفاخرة المنسقة برتابة باردة. لم تعد تتأملها بعيون جُمان المبهورة، بل تطلعت إليها بتركيز حاد، كقائد يختار سلاحه لمعركة مصيرية.مدت يدها، ومررت أصابعها بين الأقمشة الحريرية والمخملية الصاخبة، مستحضرةً كل الفيديوهات والصور التي حفظتها لميرا. اختارت فستاناً مخملياً أسود مطرزاً بخيوط ذهبية عند الصدر والأكمام، قطعة تفيض بالجرأة والكبرياء. ارتدته ببطء، ومع كل زر تغلقه، كانت تشعر وكأنها تغلق باباً على ماضيها، وتتخيل نفسها ميرا بجد؛ امرأة لا تخاف أحداً، وتأخذ ما تريد بقوة حضورها.تراجعت خطوة، ونظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة الطويلة. لم يتبقَ سوى اللمسة الأخيرة. جلست أمام طاولة الزينة، وأمسكت بالفرشاة والمثبت. بدأت

  • غبار المرايا    خطوات على أرض مهتزة

    خرجت روان من مكتب عمران بخطوات هادئة، والابتسامة المريحة التي غمرت وجهها إثر حديثها معه بدأت تتلاشى تدريجياً وهي تغلق الباب الرصاصي برفق. يكفيها دائماً أن تلجأ لعمران، الرجل الذي تولى تربيتها ورعايتها منذ صغرها، لتشعر أن الدنيا أقل تعقيداً وأنها في مأمن من أجواء القصر الخانقة.استدارت لتكمل طريقها عبر الممر الطويل، لكن خطواتها تجمدت فجأة، وانقبضت أسفل معدتها برعشة توتر مألوفة.في نهاية الممر، حيث الظلال تعانق الجدار الرخامي البارد، كان سيف يقف.كان يعقد ذراعيه أمام صدره بجمود، وعيناه الحادتان والمشحونتان بنبرة غامضة ومخيفة مثبتتان عليها كالصقر. روان، بطبيعتها الرقيقة والبريئة، كانت تشعر دائماً بالخوف والتهيب من سيف؛ عصبيته غير المبررة، وغموضه الدائم، ونظراته التي تعجز عن فهمها، كلها أشياء كانت تجعلها تتلعثم في وجوده وتتحاشى الاصطدام به قدر الإمكان.حاولت روان أن تجمع شتات نفسها، ورسمت ابتسامة باهتة ومضطربة وهي تخطو ببطء، وقالت بصوت متقطع حذر:- واقف كدة ليه يا سيف؟.. خضيتني.اعتدل في وقفته ببطء شديد، وجسده الطويل يلقي بظلاله فوق الرخام، وتحدث بنبرة جافة، يغلفها برود مصطنع:-مستني عمرا

  • غبار المرايا    تحركات فوق رقعة الشطرنج

    كان عمران يقف عند عتبة الباب الداخلي للجناح، سانداً ظهره إلى الإطار الخشبي، واضعاً يديه في جيبي بنطاله. عيناه الصقريتان كانت تتابع حركاتها بدقة باردة، وملامحه الجليدية لم تكشف شيئاً مما يدور في عقله بعد ليلته الطويلة المشحونة.استجمعت جُمان شتات نفسها بسرعة، ورفضت أن تظهر بمظهر الضعيفة أمامه. أرخت كتفيها، وأمالت رأسها إلى الجانب بقليل من التحدي، وقالت بنبرة حاولت أن تكسوها ببرود ميرا:- هو عادي بندخل بدون اسئذان ، ولا دي كمان من قواعد القصر اللي لسة معرفهاش تحرك عمران خطوات وثابتة نحوها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة تحمل مزيجاً من الإعجاب الخفي والسخرية:- محدش بيستأذن وهو داخل الجناح الخاص بيه هو ... ومراته شعرت جُمان بوخزة من الضيق، لكنها تماسكَت. وضع عمران يده على الطاولة، وسحب الكرسي وجلس أمامه وعيناه تثبتان في عينيها قائلًا بنبرة هادئة :-الجد عثمان كلمني الصبح.. بعتلك سلام مخصوص، وبيسأل عن الخاتم الألماس اللي ادهولك في آخر حفلة في بيروت، قال إنه مش شايفه في صورك الأخيرةلمعت عينا جُمان بتوجس، وحاولت استرجاع كل تفاصيل الفيديوهات والملفات التي قرأتها عن حفلة بيروت، وقالت بثقة

  • غبار المرايا    أقنعة الصباح.. ونيران الليل

    وفي الجناح الغربي للقصر، حيث تفوح رائحة البخور العتيق وتمتزج بالفخامة الباردة، كان الهدوء يخيّم على المكان بصورة خادعة؛ هدوء يشبه سطح بحر ساكن يخفي تحته دوامات لا تُرى.جلست عالية هانم فوق مقعدها المخملي الفاخر، تعقد ساقًا فوق الأخرى في أناقة متعمدة، بينما كانت أصابعها تداعب فنجان القهوة أمامها ببطء. أما نرمين هانم فكانت تقف أمام النافذة العريضة، تراقب الحديقة الممتدة أسفلها بعينين جامدتين لا تفصحان عما يدور خلفهما.تنحنحت عالية، ووضعت فنجانها فوق الطاولة الزجاجية برقة مصطنعة أصدرت رنة خفيفة، وقالت بنبرة هادئة حملت ترحيباً مبطناً باللؤم: -نورتِ القصر يا نرمين.التفتت نرمين ببطء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة غامضة هادئة، ثم خطت نحو عالية بوقارها الأرستقراطي وجلست على المقعد المقابل لها وقالت بصوت رخيم ونبرة دبلوماسية متقنة: - شكرا عالية ، القصر طول عمره منور .. بيكيتابعت عالية وهي ترشف قهوتها:- بصراحة رجوعك فاجئني ، بعد السنين دي كلها قلت خلاص أكيد مفيش نية للرجوع ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتي نرمين.:- ساعات الإنسان بيحس إن الوقت ما بقاش يسمح إنه يفضل بعيد أكتر من كده.ضاقت ع

  • غبار المرايا    حقل الألغام

    انفتح الباب ببطء شديد، وانشق الفراغ عن امرأة تجاوزت الخمسين من عمرها، لكنها تحصنت بكبرياء طاغٍ وجمال بارد متكبر لا تهزمه السنون. كانت ترتدي معطفاً مخملياً أسود طويلاً يحيط بقامتها الممشوقة، وخلفها في عتمة الممر كان يقف أحد الحراس القدامى، يضع حقائب ملابسها الفخمة أرضاً بوجل، ثم ينسحب في صمت مطبق.كانت تقف ببرود تام، وهدوء مرعب، وثبات لا يتزحزح.. إنها نرمين هانم ، والدة سيف. المرأة التي غادرت هذا القصر منذ سنوات طويلة إثر خلافات عاصفة هزت أركان العائلة، وعادت الآن في عتمة الليل لتطأ أرض المعركة مجدداً كأنها لم تغادر قط.تراجعت يد محمود إلى الخلف، وتحجرت ملامحه تماماً، . اتسعت عيناه بذهول وصدمة، وخرجت نبرته ممتزجة بالغضب المكتوم والوجل: -نرمين ! ايه اللي جابك هنا ؟! وراجعة تعملي ايه بعد كل السنين دي ؟خلعت نرمين قفازاتها الجلدية السوداء ببطء وثقة مفرطة، ونفضت قطرات المطر الخفيفة عن كتف معطفها، ثم رمقت محمود بنظرة ساخرة مليئة بالتهكم، وقالت بصوت رخيم وقوي يقطر ثقة: - أهلا يا محمود ، شايفة علامات السن بدأت تترسم على وشك ، معقول شايل الهم للدرجة دي !رمقها باستهزاء وأردف بهدوء وهو يعلم ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status