ANMELDENكانت صوفيا تبذل ما في وسعها لتخبر جُمان بكل شيء يخص ميرا ويخص العائلة وقد بدأت الحمى تضرب رأسها بخفة ولكنها أصرت على ان تكمل فأغلقت الجهاز اللوحي ونظرت الى صوفيا بثبات جديد وقالت بنبرة مستفهمة
:- بس ايه اللي يخلي عمران ليه عداوات كتيرة بالشكل دة
تنهدت صوفيا وجلست فوق المقعد المقابل لجُمان وشبكت اصابعها قائلة ببطء
:-" عمران هو الشخص الوحيد اللي شايل القصر دة فوق كتافه ، بيعتبر نفسه مسؤول عن كل حد هنا ، لما والده مات في حادثة مدبرة عمران كان لسة شاب ومن وقتها وكل حاجة جواه اتغيرت مسك الادارة بقبضة من حديد لكن في نفس الوقت كان عايز ينتقم من اللي قتل ابوه وعمه واللي كانوا سبب في اختفاء امه لحد دلوقتي وهو ميعرفش عنها حاجة
أصغت جُمان بكل حواسها، وعقلها المصمم يحلل أبعاد شخصية الرجل الذي واجهته بالأمس، فتمتمت بصوت منخفض
:- وتفتكري دة يخلي الناس اللي من دمه يكرهوه بالشكل دة ؟
ابتسمت صوفيا بحسرة قائلة
: -هم شايفين انهم ليهم حق في السلطة والادارة اللي هو ماسكها ، سيف بيه وعاليا هانم وحتى نرمين هانم ام سيف بيه قبل ما تمشي شايفين انه معين نفسه واصي على العيلة ومش بيسمح لحد يتدخل في قراراته
صمتت صوفيا قليلًا ثم أردفت
:- أما بقى علاقته بميرا عمران عمره ما حبها كان شايفها مدلعة ومتهورة ودايما متمردة ودة بسبب حب عثمان بيه ليها وهو اتجوزها بناء على رغبته ، بس في الفترة الأخيرة كانت بتتحرك بغموض واختفاءها كان صدمة بالنسبة لعمران اللي بيحاول يداري على الموضوع وقال انها مسافرة ، بس لحد دلوقتي محدش مش عارف يوصل للسبب الحقيقي لإختفاءها .
لمعت عينا جُمان بغموض وذكاء وهي تقول
:- جوايا احساس ان ميرا دي مكنتش سهلة بس تهورها وعنادها هو اللي وصلها لكل دة
أومأت لها صوفيا بإبتسامة وهي تلمح الذكاء يلمع بعينيها وبداخلها ما يؤكد أنها ستنجح بعد أن استشعرت الإصرار والتحدي بحديثها
عادت الحمى تضرب رأس جُمان بقوة ولاحظت صوفيا ذلك في عينيها فقالت
:- " انا شايفة اننا نوقف انهاردة كدة وبكرة نكمل ، شكل السخونية رجعتلك تاني هتاخدي الدوا دلوقتي وتنامي هتكوني كويسة الصبح ان شاء الله "
فجأة، قطع هذا الحديث صوت خطوات حادة وسريعة تقترب من الجناح. خطوات لم تكن غريبة على أذن صوفيا؛ إنها خطوات تطأ الأرض بكبرياء وغطرسة معتادة.
تصلب جسد جُمان، والتقت عيناها بعيني صوفيا في نظرةذعر خاطفة. أشارت صوفيا إليها بيدها لتلتزم الصمت وتعود فوراً إلى الفراش، بينما تحركت هي بخطوات سريعة وواثقة نحو الباب قبل أن يٌفتح عنوة.
*****
في الممر الطويل المؤدي إلى الجناح الشرقي، كان السكون يبدو زائفاً ومحملًا بنذر عاصفة قريبة. كانت عالية هانم تطأ الأرض بخطوات حادة ومتعجرفة، مرتدية ثوباً أسود أنيقاً يتماشى مع كبريائها، وتتحرك بنظرات ثعلبية تترصد أي هفوة في القصر. كانت عودت ميرا بالأمس تثير في نفس عالية ألف سؤال وسؤال، ولم تكن امرأة تترك الشكوك تنهشها دون أن تبحث عن جواب.
بعد أن لمحت عمران يدخل جناحه الخاص قررت الذهاب الى ميرا والفضول يأكل ثناياها والمزيد من الأسئلة تنهش في رأسها عن سبب اختفاءها وظهورها ومكوثها في غرفتها ، وصلت إلى باب غرفة ميرا ، ورفعت يدها ذات الأظافر المطلية بعناية فائقة، وكادت تفتح المقبض عنوة دون عناء الطرق، لكن الباب انفتح فجأة من الداخل قبل أن تلمسه.
انشق الفراغ عن صوفيا التي وقفت تسد فتحة الباب بجسدها وثباتها الأرستقراطي المعهود. لم تهتز صوفيا، بل حافظت على هدوء ملامحها ونظرتها الرصينة التي واجهت بها غطرسة عالية لسنوات.
رفعت عالية حاجبيها بضيق، ورمقت صوفيا بنظرة متعالية من أعلى لأسفل، وقالت بنبرة حادة ممتزجة باللؤم
: - " مالك وقفة كدة ليه ، عديني علشان أشوف ميرا "
لم تتزحزح صوفيا إنشاً واحداً، بل بقيت كالسد المنيع، ورسمت على شفتيها ابتسامة دبلوماسية باردة وقالت بنبرة هادئة وقوية
: - " أهلا بيكٍ عالية هانم.. للأسف ميرا هانم نايمة ومش هتقدر تستقبل حد".
ضاقت عينا عالية بخبث، وحاولت الاستشراف بنظراتها من فوق كتف صوفيا لتمسح الغرفة بطرف عينها، وقالت بسخرية مبطنة وهي تعيد تثبيت نظراتها المسمومة
: - " نايمة؟! ومن إمتى ميرا بتنام دلوقتي ؟ ولا في حاجة بتحاولوا تخبوها علينا ؟"
ثبتت صوفيا نظراتها في عيني عالية دون أن يرف لها جفن، وقالت بلهجة حاسمة حملت تحذيراً مبطناً ذكياً
: - " مفيش أي حاجة يا هانم ، كل الحكاية ان السفر كان شاق جدًا عليها ، والجو كان برد جدا ودة سببلها وعكة صحية وحراتها عالية جدا دلوقتي والمفروض ترتاح علشان تقدر تستعيد صحتها قبل وصول عثمان بيه "
عند ذكر اسم "الجد عثمان"، تراجعت عالية خطوة للخلف بضيق تلوت معه شفتيها بغيظ مكتوم؛ فهي تعلم جيداً أن أي تصرف غير مدروس قد يؤثر على استقبال الجد أو يغضبه سيعود بالوبال عليها
نظرت عالية إلى الباب المغلق خلف صوفيا، ثم قالت بنبرة أفعى تبث سمها ببطء قبل أن تستدير
: - " ماشي يا صوفيا ، هسيبها ترتاح دلوقتي ، ولما تبقى كويسة هيكون لينا كلام تاني "
استدارت عالية وغادرت الممر بخطواتها المتعجرفة، بينما أغلقت صوفيا الباب ببطء وأسندت ظهرها عليه، تتنفس الصعداء بعد أن نجحت في صد الهجوم الأول بنجاح.
*****
وقف عمران في شرفة جناحه الخاص الواسعة، يتلقف الهواء البارد في صدره ولا يبالي بلسعاته القاسية، بينما كان دخان سيجاره الفاخر يتصاعد في الفراغ كأفكاره المتشابكة. كانت عيناه تحاكيان عتمة الليل في الخارج، والأسئلة تنهش عقله بلا رحمة حول لغز "ميرا" ومدى صمود تلك الفتاة العنيدة، "جُمان"، أمام العاصفة القادمة.
أمال برأسه قليلاً ينظر إلى الأسفل، نحو حدائق القصر المترامية التي غلفها ظلام الليل، فلمحت عيناه الصقريتان طيفاً مألوفاً يجلس في الزاوية الدافئة من الحديقة، بجوار الصوبة الزجاجية. كان عمه محمود يجلس بمفرده على مقعد خشبي عتيق، يلتف بمعطفه الصوفي، ويمسك بين يديه كوباً يتصاعد منه بخار مشروب دافئ، ويتأمل سكون الليل بهدوء يشبه هدوء الحكماء.
شعر عمران بوخزة دافئة في صدره؛ فمحمود ليس مجرد عم، بل هو الأب البديل الذي حاول دائماً لم شتات قلبه بعد فاجعة والده الراحل. أطفأ عمران سيجاره في المنفضة الرخامية، وهبط درجات السلم الداخلي بخطوات هادئة ومدروسة حتى لا يزعج أحداً، وخرج إلى الحديقة.
خرق صوت خطواته المنتظمة فوق الحصى سكون المكان، فرفع محمود رأسه ببطء، وارتسمت على وجهه طيبته المعهودة ولمحة ابتسامة دافئة ما إن رأى عمران يقترب، وأشار بيده إلى المقعد المقابل له قائلاً بصوت رخيم وهادئ
: - كنت عارف إنك صاحي ، دخان سيجارتك كان واصلي لحد هنا ، اقعد يا عمران
جلس عمران أمامه، وأسند ذراعيه على ركبتيه، ونظر إلى وجه عمه محمود الذي حفرت فيه السنون خطوط الحكمة والألم معاً، وقال بنبرة خفتت فيها حدة صوته المعتادة
: -واضح انها جينات الأرق موروثة يا عمي ، قاعد لوحدك في البرد دة ليه ؟
تنهد محمود، وارتشف رشفة صغيرة من كوبه، ثم وضعه على الطاولة الخشبية الصغيرة وشبك أصابعه قائلاً بأسى
: -اهو البرد دة احسن عندي من النار اللي قايدة جوة القصر
تابع عمران حديث عمه بإنتباه وهو يدعي عدم فهم ما يرمي اليه محمود
:- " نار ايه اللي حضرتك بتتكلم عليها مش فاهم"
ناظره محمود بلوم وقال
:- " مش علشان شيلت ايدي من كل حاجة تفتكر اني مش فاهم ايه اللي بيحصل حواليا ، لا يا ابني انا فاهم كويس وفاهم دماغ كل واحد في القصر دة ، انت والحمل اللي شايله وجدك اللي جاي بزيارة مفاجئة اخر الإسبوع وأكيد ليها سبب كبير دة غير ميرا طبعا"
تصلبت ملامح عمران قليلًا، وحافظ على نبرته الهادئة لكن عينيه لمعتا بذكاء حذر
: - مالها ميرا ، ميرا في اوضتها تعبانة من السفر وبترتاح في اوضتها
نظر محمود في عيني عمران بنظرة نافذة، نظرة عم يعرف أدق تفاصيل ابن أخيه،
:- ميرا مختفية بقالها فترة عن العيون يا عمران ودة لوحده بيثير الشكوك حواليها
:-انت عارف ميرا مدلعة وكل فترة بتحب تبعد وترجع علشان تشغل الكل بيها
:- عارف بس انا خايف عليك يا عمران انت حاطت نفسك في وش المدفع
مد عمران يده، وطبطب على كف عمه محمود بثقة وقوة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة لكنها حملت حزماً لا يلين
: -ما تقلقش يا عمي انا بحبك وبحترمك انت بركة المكان ، وصدقني انا عمري ما بدخل حرب غير لما اكون عارف هنهيها ازاي
تأمل محمود ملامح عمران الصارمة الواثقة، وتنهد براحة مشوبة بالقلق، ودعا له في سره بالسلامة، وهو يقول
:- وانا معاك يا بني ، صدقني انا في ضهرك دايما
استقام عمران بثبات وتأثر ثم انحنى يقبل رأس عمه ثم استأذنه وعاد الي القصر
*****
دلف العم محمود إلى داخل القصر بخطواته الوقورة المتهادية، عائداً من جلسته الدافئة مع عمران، وكان يشعر ببعض الراحة والأمل في أن تمر عاصفة هذا الأسبوع بسلام. اتجه مباشرة نحو مكتبه الخاص الملحق بالجناح السفلي، لعلّه يجد في سكون أوراقه وكتبه بعض السلام قبل النوم.
فتح محمود باب المكتب، وأضاء المصباح الخافت المستقر فوق مكتبه العتيق المصنوع من خشب الأبنوس. تنهد براحة، وتقدم ليخلع معطفه الصوفي الثقيل، لكن حواسه الاستشعارية تجمدت فجأة عندما التقطت أذنه صوتاً غير معتاد في هذا الوقت المتأخر.
صوت حفيف حريري ناعم، يتبعه صوت كعب حذاء مألوف وصارم، لم يكن آتياً من الممر الرئيسي، بل من الباب الخلفي للمكتب.. الباب الذي يؤدي مباشرة إلى حديقة القصر الخلفية والممر السري للجناح الغربي المعزول.
التفت محمود ببطء، وتجمدت الدماء في عروقه وهو ينظر إلى مقبض الباب الثاني وهو ينخفض بهدوء قاتل
جلس الجميع حول المائدة الطويلة التي امتدت بطول القاعة الرئيسية كأنها تفصل بين ممالك صغيرة داخل القصر الواحد.في المقدمة جلس عثمان عزام.على يمينه عمران وميرا.وعلى الجانبين توزع بقية أفراد العائلة.لم يكن أحد يتحدث.فوجود عثمان وحده كان كافياً لفرض الصمت.رفع الجد فنجان القهوة أمامه بهدوء، ثم ألقى نظرة شاملة على الوجوه الجالسة.نظرة جعلت الجميع يشعر وكأنه يُفحص من الداخل.حتى جُمان شعرت للحظة أن الرجل يقرأ أفكارها.لكنها حافظت على برودها.قال عثمان أخيراً:— زمان كنت لما أدخل القصر أسمع صوتكم من أول البوابة... دلوقتي حاسس إني داخل شركة مش بيت.ابتسم آدم بخفة.— يمكن علشان حضرتك بتخوفنا يا جدي.ضحك عثمان ضحكة قصيرة.— لو كنت بخوفكم بجد مكنتش هتتكلم كدة يا دكتور.ضحك بعض الجالسين بخفوت.بينما بقي سيف صامتاً.وبقي عمران أكثر صمتاً.التقط عثمان ذلك فوراً.ثم قال فجأة:— قولي يا آدم... لو عندك مريض رفض العلاج اللي هيعيش بيه... تعمل إيه؟رفع آدم حاجبه باستغراب.— أحاول أقنعه.— ولو أصر؟— أشرحله العواقب.— ولو اقتنع إن العواقب دي تستاهل؟صمت آدم قليلاً.ثم قال:— ساعتها القرار قراره.هز عثم
لم يكن صباح القصر الكبير يشبه أي صباح آخر.الهواء نفسه بدا مشدودًا، كأنه يتهيأ لشيء لا يجرؤ أحد على تسميته. الخدم ينسحبون بخطوات سريعة ووجوه متوترة، وأصواتهم تنخفض كلما مرّت واحدة من نساء العائلة في الممرات الطويلة، بينما ظل عمران يتحرك داخل القصر بملامح ثابتة لا تفصح عن شيء، وكأنه وحده من يملك القدرة على الوقوف وسط هذا الاضطراب دون أن يهتز.أما جُمان...فكانت تقف في الجناح الشرقي أمام المرآة، ترتدي فستان ميرا للمرة الأولى أمام الجميع. الفستان الداكن كان ينساب حول جسدها بنعومة مترفة، وشعرها الأسود مصففًا بالطريقة التي حفظتها من الفيديوهات، ونظرتها... كانت الشيء الوحيد الذي ظل يقاوم الانسلاخ الكامل عن نفسها.وقفت صوفيا خلفها، تعدل آخر تفصيلة في الأكمام، ثم قالت بصوت منخفض:— خدي نفس عميق.ابتلعت جُمان ريقها بصعوبة.— أنا باخده من ساعة ما صحيّت وما خلصش.ابتسمت صوفيا رغم التوتر، ثم وضعت يدًا خفيفة على كتفها.— عثمان بيه مش هيفوت حاجة... بس إنتِ لو اتماسكتي في أول دقيقة، هتعدي الباقي.رفعت جُمان عينيها إلى المرآة، فرأت انعكاس امرأة لا تشبهها إلا في الملامح.تلك اللعنة التي جلبها الشبه بي
في الحديقة الخلفية، كان الليل قد بسط عباءته المخملية الثقيلة على أرجاء القصر، وتواطأت الأضواء الخافتة المتناثرة بين أوراق الشجر والنافورة الرخامية على صنع هالة من الغموض.كان سيف يسير بخطوات وئيدة، متباطئة لكنها مشحونة، يداه مستقرتان في جيبي بنطاله، وعقله يغلي بمحاولات عاجزة لتفريغ الشحنة العنيفة من الغضب والغيرة التي استوطنت صدره منذ مكالمة الصباح.ثم رآها.كانت تجلس بمفردها على المقعد الرخامي الأبيض القريب من حافة جدار النافورة، يستقر فوقها ضوء مصباح حديقة خافت يمنحها مظهرًا أشبه بلوحة دافئة وسط برودة المكان. رأسها منخفض بقلق، وبين كفيها كتاب مفتوح، لكن عينيها التائهتين كانتا تحدقان في الفراغ؛ لا تقرأ، بل تطحنها الأفكار.تجمدت خطوات سيف فوراً، وتصلب جسده في مكانه. لثوانٍ امتدت كالعمر، وقف يحدق بطيفها، وأطلق في سره لعنة صامتة على قلبه وعاطفته المعاندة. أي امرأة أخرى في هذا العالم كانت لتتحول لدخان أو اسم عابر في قائمة أيامه، أما روان... فكانت اللعنة الوحيدة العذبة التي كلما حاول التخلص من قيدها، وجد نفسه يغرق في شباكها أكثر.ترددت في عقله تلميحات عالية الخبيثة، ثم قفزت أمامه ملامح رو
في جناحه الخاص، حيث تتخفف الأشياء من صرامة القصر الأرستقراطية، كان محمود يقف في الركن المخصص له أمام ماكينة القهوة الصغيرة. أمسك بالكوب الزجاجي بيده الدافئة، وراقب خيوط السائل الداكن وهي تصب ببطء وانسيابية، قبل أن ينثر فوق وجهها القليل من مسحوق القرفة.. كانت رائحتها النفاذة هي طقسه الحميمي الذي يفتتح به كل صباح.كان يستمتع ويثمن هذه الدقائق القليلة جداً من عزلته؛ الدقائق النادرة التي يتوقف فيها الزمن، ولا يطالبه فيها مخلوق داخل هذا الوكر باتخاذ قرار، أو إبداء رأي، أو تبني موقف يحسب عليه في بورصة النفوذ.انفتح الباب فجأة، دون إذن أو طرقات تمهد للحضور. دلفت نرمين بخطواتها الواثقة التي تحمل دائماً صدى سلطوياً متعالياً. ألقت نظرة فاحصة، سريعة وخاطفة على أركان الغرفة، قبل أن تقع عيناها الصارمتان عليه.رفعت حاجبها الأيمن باستغراب لم تحاول إخفاءه، وهي تراه يحضر قهوته بيديه دون استعانة بأحد، وسألته بنبرة لائمة ومتهكمة: — هو الخدم اختفوا من القصر وأنا معرفش؟التفت محمود إليها بهدوء شديد، هدوء بدا مستفزاً لاندفاعها، وأجاب بنبرة رخية: — لا.. موجودين.: — أمال واقف تعمل القهوة بنفسك ليه؟أعاد م
انبثقت على الشاشة السوداء عبارة واحدة جعلت الهواء يتجمد في الغرفة:.استقام عمران في جلسته فوراً، وتصلب ظهره باحترام تلقائي، وضغط زر الإجابة واضعاً الهاتف على أذنه. جاءه صوت عثمان عزام من الطرف الآخر؛ صوتاً عميقاً، رخامياً، ومهيباً يحمل نبرة المؤسس الذي لا ينثني: — مساء الخير يا عمران.— مساء النور يا جدي.ساد صمت قصير ومحمل بالثقل قبل أن يسأل الجد بنبرته المقتضبة: — كله جاهز؟أدرك عمران على الفور، وبفطنته المعتادة، أن جده يتحدث عن الترتيبات الأمنية والبروتوكولية لزيارته المرتقبة، فأجاب بثبات: — متقلقش يا جدي... كل حاجة جاهزة وعلى أكمل وجه.— كويس.توقف عثمان للحظة، ثم أردف بنبرة حاول جعلها عادية لكنها لم تخفِ اهتمامه الحذر: — طمني على ميرا.ارتسمت نظرة غامضة، مليئة بالخطورة والتحدي في عيني عمران وهو يفكر بالقابعة في الجناح الشرقي، وأجاب ببرود متقن: — أحسن بكتير.— الحمد لله.جاء رد الجد مقتضباً ومثقلاً بالغموض كعادته، ثم أضاف بصيغة آمرة وحاسمة لا تقبل المراجعة: — أنا هكون عندكم بكرة الصبح بدري.. وعايز كل أفراد العيلة بلا استثناء يكونوا موجودين ... محدش يتأخر يا عمران.وراء كلما
داخل إحدى غرف الملاحظة الهادئة في المستشفى، كان رجل خمسيني يجلس فوق السرير الطبي بملامحه المتعبة، بينما تنتهي إحدى الممرضات من لف حزام جهاز قياس الضغط حول ذراعه.وقف آدم أمامه، يقلب نتائج الفحوصات الطبية بتركيز قبل أن يغلق الملف، ثم رفع عينيه نحو المريض بنظرة فاحصة ممتزجة بمداعبة مألوفة: — طمني يا حاج محمود... بتدخن كام سيجارة في اليوم؟تنحنح الرجل، وحاول أن يهرب بعينيه قليلاً وهو يقول بتحفظ ومواربة: — يعني... شوية بسيطين يا دكتور.رفع آدم حاجباً واحداً بذكاء، وسأله وهو يبتسم برفق: — وشوية دي يعني كام بالظبط؟— علبة.— في الأسبوع؟— لا... في اليوم.صفق آدم الملف الطبي على راحة يده فجأة، وأطلق صيحة دهشة مصطنعة أدارت الرؤوس في الغرفة: — الله أكبر! علبة في اليوم وعايز قلبك مايشتكيش ؟!ضحك الرجل بخجل وهز رأسه محاولاً التملص: — كله بأمر ربنا يا دكتور، إحنا أسباب.هز آدم رأسه بأسف داعب، وعلق بنبرة واعظة لكنها حنونة: — ونعم بالله يا حاج محمود، بس ربنا قالك حافظ على نفسك وعمر صحتك الأول، مش تخلص علبة كاملة وتقول كله بأمر ربنا.. ده انتحار رسمي!انفجرت الممرضة الواقفة بجوارهما ضاحكة، أما
قطع هذا السكون خطوات سريعة ومرحة، حيث انضم إليه ابنه آدم الذي كان يرتدي سترته مستعداً ليرحل إلى نوبته. جلس آدم على المقعد المقابل لوالده بعفوية، ماداً يده ليلتقط قطعة من الخبز المحمص وهو يقول بابتسامته ذات الدم الخفيف المعتاد: — صباح الخير يا بابا.. الروب الصوف ده مخليك شبه لوردات الإنجليز اللي ب
في تمام الرابعة فجراً، كان السكون يلف الجناح الشرقي ككفن دافئ، والظلام لم ينسحب بعد من زوايا الغرفة. استيقظت جُمان. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل انتفاضة وعي تدرك أن زمن الرفاهية قد انتهى، وأن الساعات القادمة لا ترحم المترددين.نهضت من فراشها، وتوجهت بخطوات ثابتة نحو غرفة الملابس الملحقة بالجناح. وقف
خرجت روان من مكتب عمران بخطوات هادئة، والابتسامة المريحة التي غمرت وجهها إثر حديثها معه بدأت تتلاشى تدريجياً وهي تغلق الباب الرصاصي برفق. يكفيها دائماً أن تلجأ لعمران، الرجل الذي تولى تربيتها ورعايتها منذ صغرها، لتشعر أن الدنيا أقل تعقيداً وأنها في مأمن من أجواء القصر الخانقة.استدارت لتكمل طريقها
كان عمران يقف عند عتبة الباب الداخلي للجناح، سانداً ظهره إلى الإطار الخشبي، واضعاً يديه في جيبي بنطاله. عيناه الصقريتان كانت تتابع حركاتها بدقة باردة، وملامحه الجليدية لم تكشف شيئاً مما يدور في عقله بعد ليلته الطويلة المشحونة.استجمعت جُمان شتات نفسها بسرعة، ورفضت أن تظهر بمظهر الضعيفة أمامه. أرخت ك







