Home / التشويق / الإثارة / غبار المرايا / شروخ في جدار الجليد

Share

شروخ في جدار الجليد

Author: Hadeer khalil
last update publish date: 2026-06-03 17:17:51

كانت صوفيا تبذل ما في وسعها لتخبر جُمان بكل شيء يخص ميرا ويخص العائلة وقد بدأت الحمى تضرب رأسها بخفة ولكنها أصرت على ان تكمل فأغلقت الجهاز اللوحي ونظرت الى صوفيا بثبات جديد وقالت بنبرة مستفهمة 

:- بس ايه اللي يخلي عمران ليه عداوات كتيرة بالشكل دة 

تنهدت صوفيا وجلست فوق المقعد المقابل لجُمان وشبكت اصابعها قائلة ببطء 

:-" عمران هو الشخص الوحيد اللي شايل القصر دة فوق كتافه ، بيعتبر نفسه مسؤول عن كل حد هنا ، لما والده مات في حادثة مدبرة عمران كان لسة شاب ومن وقتها وكل حاجة جواه اتغيرت مسك الادارة بقبضة من حديد لكن في نفس الوقت كان عايز ينتقم من اللي قتل ابوه وعمه واللي كانوا سبب في اختفاء امه لحد دلوقتي وهو ميعرفش عنها حاجة 

أصغت جُمان بكل حواسها، وعقلها المصمم يحلل أبعاد شخصية الرجل الذي واجهته بالأمس، فتمتمت بصوت منخفض

:- وتفتكري دة يخلي الناس اللي من دمه يكرهوه بالشكل دة ؟

ابتسمت صوفيا بحسرة قائلة 

: -هم شايفين انهم ليهم حق في السلطة والادارة اللي هو ماسكها ، سيف بيه وعاليا هانم وحتى نرمين هانم ام سيف بيه قبل ما تمشي شايفين انه معين نفسه واصي على العيلة ومش بيسمح لحد يتدخل في قراراته  

صمتت صوفيا قليلًا ثم أردفت 

:- أما بقى علاقته بميرا عمران عمره ما حبها كان شايفها مدلعة ومتهورة ودايما متمردة ودة بسبب حب عثمان بيه ليها وهو اتجوزها بناء على رغبته ، بس في الفترة الأخيرة كانت بتتحرك بغموض واختفاءها كان صدمة بالنسبة لعمران اللي بيحاول يداري على الموضوع وقال انها مسافرة ، بس لحد دلوقتي محدش مش عارف يوصل للسبب الحقيقي لإختفاءها .

لمعت عينا جُمان بغموض وذكاء وهي تقول 

:- جوايا احساس ان ميرا دي مكنتش سهلة بس تهورها وعنادها هو اللي وصلها لكل دة 

أومأت لها صوفيا بإبتسامة وهي تلمح الذكاء يلمع بعينيها وبداخلها ما يؤكد أنها ستنجح بعد أن استشعرت الإصرار والتحدي بحديثها 

عادت الحمى تضرب رأس جُمان بقوة ولاحظت صوفيا ذلك في عينيها فقالت 

:- " انا شايفة اننا نوقف انهاردة كدة وبكرة نكمل ، شكل السخونية رجعتلك تاني هتاخدي الدوا دلوقتي وتنامي هتكوني كويسة الصبح ان شاء الله "

فجأة، قطع هذا الحديث صوت خطوات حادة وسريعة تقترب من الجناح. خطوات لم تكن غريبة على أذن صوفيا؛ إنها خطوات تطأ الأرض بكبرياء وغطرسة معتادة.

تصلب جسد جُمان، والتقت عيناها بعيني صوفيا في نظرةذعر خاطفة. أشارت صوفيا إليها بيدها لتلتزم الصمت وتعود فوراً إلى الفراش، بينما تحركت هي بخطوات سريعة وواثقة نحو الباب قبل أن يٌفتح  عنوة.

*****

في الممر الطويل المؤدي إلى الجناح الشرقي، كان السكون يبدو زائفاً ومحملًا بنذر عاصفة قريبة. كانت عالية هانم تطأ الأرض بخطوات حادة ومتعجرفة، مرتدية ثوباً أسود أنيقاً يتماشى مع كبريائها، وتتحرك بنظرات ثعلبية تترصد أي هفوة في القصر. كانت عودت ميرا بالأمس تثير في نفس عالية ألف سؤال وسؤال، ولم تكن امرأة تترك الشكوك تنهشها دون أن تبحث عن جواب.

بعد أن لمحت عمران يدخل جناحه الخاص قررت الذهاب الى ميرا والفضول يأكل ثناياها والمزيد من الأسئلة تنهش في رأسها عن سبب اختفاءها وظهورها ومكوثها في غرفتها ، وصلت إلى باب غرفة  ميرا ، ورفعت يدها ذات الأظافر المطلية بعناية فائقة، وكادت تفتح المقبض عنوة دون عناء الطرق، لكن الباب انفتح فجأة من الداخل قبل أن تلمسه.

انشق الفراغ عن صوفيا التي وقفت تسد فتحة الباب بجسدها وثباتها الأرستقراطي المعهود. لم تهتز صوفيا، بل حافظت على هدوء ملامحها ونظرتها الرصينة التي واجهت بها غطرسة عالية لسنوات.

رفعت عالية حاجبيها بضيق، ورمقت صوفيا بنظرة متعالية من أعلى لأسفل، وقالت بنبرة حادة ممتزجة باللؤم

: - " مالك وقفة كدة ليه ، عديني علشان أشوف ميرا "

لم تتزحزح صوفيا إنشاً واحداً، بل بقيت كالسد المنيع، ورسمت على شفتيها ابتسامة دبلوماسية باردة وقالت بنبرة هادئة وقوية

: - " أهلا بيكٍ عالية هانم.. للأسف ميرا هانم نايمة ومش هتقدر تستقبل حد".

ضاقت عينا عالية بخبث، وحاولت الاستشراف بنظراتها من فوق كتف صوفيا لتمسح الغرفة بطرف عينها، وقالت بسخرية مبطنة وهي تعيد تثبيت نظراتها المسمومة

: - " نايمة؟! ومن إمتى ميرا بتنام دلوقتي ؟ ولا في حاجة بتحاولوا تخبوها علينا ؟"

ثبتت صوفيا نظراتها في عيني عالية دون أن يرف لها جفن، وقالت بلهجة حاسمة حملت تحذيراً مبطناً ذكياً

: - " مفيش أي حاجة يا هانم ، كل الحكاية ان السفر كان شاق جدًا عليها ، والجو كان برد جدا ودة سببلها وعكة صحية وحراتها عالية جدا دلوقتي والمفروض ترتاح علشان تقدر تستعيد صحتها قبل وصول عثمان بيه "

عند ذكر اسم "الجد عثمان"، تراجعت عالية خطوة للخلف بضيق تلوت معه شفتيها بغيظ مكتوم؛ فهي تعلم جيداً أن أي تصرف غير مدروس قد يؤثر على استقبال الجد أو يغضبه سيعود بالوبال عليها

نظرت عالية إلى الباب المغلق خلف صوفيا، ثم قالت بنبرة أفعى تبث سمها ببطء قبل أن تستدير

: - " ماشي يا صوفيا ، هسيبها ترتاح دلوقتي ، ولما تبقى كويسة هيكون لينا كلام تاني "

استدارت عالية وغادرت الممر بخطواتها المتعجرفة، بينما أغلقت صوفيا الباب ببطء وأسندت ظهرها عليه، تتنفس الصعداء بعد أن نجحت في صد الهجوم الأول بنجاح.

*****

وقف عمران في شرفة جناحه الخاص الواسعة، يتلقف الهواء البارد في صدره ولا يبالي بلسعاته القاسية، بينما كان دخان سيجاره الفاخر يتصاعد في الفراغ كأفكاره المتشابكة. كانت عيناه تحاكيان عتمة الليل في الخارج، والأسئلة تنهش عقله بلا رحمة حول لغز "ميرا" ومدى صمود تلك الفتاة العنيدة، "جُمان"، أمام العاصفة القادمة.

أمال برأسه قليلاً ينظر إلى الأسفل، نحو حدائق القصر المترامية التي غلفها ظلام الليل، فلمحت عيناه الصقريتان طيفاً مألوفاً يجلس في الزاوية الدافئة من الحديقة، بجوار الصوبة الزجاجية. كان عمه محمود يجلس بمفرده على مقعد خشبي عتيق، يلتف بمعطفه الصوفي، ويمسك بين يديه كوباً يتصاعد منه بخار مشروب دافئ، ويتأمل سكون الليل بهدوء يشبه هدوء الحكماء.

شعر عمران بوخزة دافئة في صدره؛ فمحمود ليس مجرد عم، بل هو الأب البديل الذي حاول دائماً لم شتات قلبه بعد فاجعة والده الراحل. أطفأ عمران سيجاره في المنفضة الرخامية، وهبط درجات السلم الداخلي بخطوات هادئة ومدروسة حتى لا يزعج أحداً، وخرج إلى الحديقة.

خرق صوت خطواته المنتظمة فوق الحصى سكون المكان، فرفع محمود رأسه ببطء، وارتسمت على وجهه طيبته المعهودة ولمحة ابتسامة دافئة ما إن رأى عمران يقترب، وأشار بيده إلى المقعد المقابل له قائلاً بصوت رخيم وهادئ

: - كنت عارف إنك صاحي ، دخان سيجارتك كان واصلي لحد هنا ، اقعد يا عمران 

جلس عمران أمامه، وأسند ذراعيه على ركبتيه، ونظر إلى وجه عمه محمود الذي حفرت فيه السنون خطوط الحكمة والألم معاً، وقال بنبرة خفتت فيها حدة صوته المعتادة

: -واضح انها جينات الأرق موروثة يا عمي ، قاعد لوحدك في البرد دة ليه ؟

تنهد محمود، وارتشف رشفة صغيرة من كوبه، ثم وضعه على الطاولة الخشبية الصغيرة وشبك أصابعه قائلاً بأسى

: -اهو البرد دة احسن عندي من النار اللي قايدة جوة القصر 

تابع عمران حديث عمه بإنتباه وهو يدعي عدم فهم ما يرمي اليه محمود

:- " نار ايه اللي حضرتك بتتكلم عليها مش فاهم"

ناظره محمود بلوم وقال

:- " مش علشان شيلت ايدي من كل حاجة تفتكر اني مش فاهم ايه اللي بيحصل حواليا ، لا يا ابني انا فاهم كويس وفاهم دماغ كل واحد في القصر دة ، انت والحمل اللي شايله وجدك اللي جاي بزيارة مفاجئة اخر الإسبوع وأكيد ليها سبب كبير دة غير ميرا طبعا"

تصلبت ملامح عمران قليلًا، وحافظ على نبرته الهادئة لكن عينيه لمعتا بذكاء حذر

: - مالها ميرا ، ميرا في اوضتها تعبانة من السفر وبترتاح في اوضتها 

نظر محمود في عيني عمران بنظرة نافذة، نظرة عم يعرف أدق تفاصيل ابن أخيه،

:- ميرا مختفية بقالها فترة عن العيون يا عمران ودة لوحده بيثير الشكوك حواليها 

:-انت عارف ميرا مدلعة وكل فترة بتحب تبعد وترجع علشان تشغل الكل بيها 

:- عارف بس انا خايف عليك يا عمران انت حاطت نفسك في وش المدفع 

مد عمران يده، وطبطب على كف عمه محمود بثقة وقوة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة لكنها حملت حزماً لا يلين

: -ما تقلقش يا عمي انا بحبك وبحترمك انت بركة المكان ، وصدقني انا عمري ما بدخل حرب غير لما اكون عارف هنهيها ازاي 

تأمل محمود ملامح عمران الصارمة الواثقة، وتنهد براحة مشوبة بالقلق، ودعا له في سره بالسلامة، وهو يقول 

:- وانا معاك يا بني ، صدقني انا في ضهرك دايما 

استقام عمران بثبات وتأثر ثم انحنى يقبل رأس عمه ثم استأذنه وعاد الي القصر 

*****

دلف العم محمود إلى داخل القصر بخطواته الوقورة المتهادية، عائداً من جلسته الدافئة مع عمران، وكان يشعر ببعض الراحة والأمل في أن تمر عاصفة هذا الأسبوع بسلام. اتجه مباشرة نحو مكتبه الخاص الملحق بالجناح السفلي، لعلّه يجد في سكون أوراقه وكتبه بعض السلام قبل النوم.

فتح محمود باب المكتب، وأضاء المصباح الخافت المستقر فوق مكتبه العتيق المصنوع من خشب الأبنوس. تنهد براحة، وتقدم ليخلع معطفه الصوفي الثقيل، لكن حواسه الاستشعارية تجمدت فجأة عندما التقطت أذنه صوتاً غير معتاد في هذا الوقت المتأخر.

صوت حفيف حريري ناعم، يتبعه صوت كعب حذاء مألوف وصارم، لم يكن آتياً من الممر الرئيسي، بل من الباب الخلفي للمكتب.. الباب الذي يؤدي مباشرة إلى حديقة القصر الخلفية والممر السري للجناح الغربي المعزول.

التفت محمود ببطء، وتجمدت الدماء في عروقه وهو ينظر إلى مقبض الباب الثاني وهو ينخفض بهدوء قاتل

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • غبار المرايا    شظايا الكلمات

    قطع هذا السكون خطوات سريعة ومرحة، حيث انضم إليه ابنه آدم الذي كان يرتدي سترته مستعداً ليرحل إلى نوبته. جلس آدم على المقعد المقابل لوالده بعفوية، ماداً يده ليلتقط قطعة من الخبز المحمص وهو يقول بابتسامته ذات الدم الخفيف المعتاد: — صباح الخير يا بابا.. الروب الصوف ده مخليك شبه لوردات الإنجليز اللي بنشوفهم في التليفزيون ، ناقصك بس غليون وتبدأ تحكم العالم من هنا!تحسنت ملامح محمود وتلاشت لاماته المعتادة، فهز رأسه بإعجاب بنكتة ابنه المقرب لقلبه، وأخذ رشفة من قهوته قائلاً بنبرة دافئة: — صباح النور يا دكتور.. سيبك من الروب بتاعي دلوقتي، وقولي أخبار المستشفى وشغلك إيه؟ الظاهر إن الطوارئ واخدة كل وقتك لدرجة إننا بقينا بنشوفك في القصر بالصدفة.رد آدم وهو يبتلع لقمته ويضحك بصوت خافت: — المستشفى بقت بيتي الأول يا بابا، الطوارئ هناك مبترحمش.. دكاترة رايحين ودكاترة جايين، وحالات تخليك تصحصح غصب عنك. بس أهو، بنحاول ننقذ ما يمكن إنقاذه عشان الإنسانية.. وعشان البرستيج برضه!ضحكا معاً بصوت مسموع، وكانت الأجواء بين الأب وابنه تفيض بالدفء التلقائي، حتى قطعت تلك اللحظة خطوات حازمة، ذات إيقاع منتظم وأرس

  • غبار المرايا    أنفاس مكتومة

    في تمام الرابعة فجراً، كان السكون يلف الجناح الشرقي ككفن دافئ، والظلام لم ينسحب بعد من زوايا الغرفة. استيقظت جُمان. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل انتفاضة وعي تدرك أن زمن الرفاهية قد انتهى، وأن الساعات القادمة لا ترحم المترددين.نهضت من فراشها، وتوجهت بخطوات ثابتة نحو غرفة الملابس الملحقة بالجناح. وقفت أمام الخزانة الهائلة الممتدة بجدرانها الخشبية الداكنة، وتأملت مئات الفساتين والقطع الفاخرة المنسقة برتابة باردة. لم تعد تتأملها بعيون جُمان المبهورة، بل تطلعت إليها بتركيز حاد، كقائد يختار سلاحه لمعركة مصيرية.مدت يدها، ومررت أصابعها بين الأقمشة الحريرية والمخملية الصاخبة، مستحضرةً كل الفيديوهات والصور التي حفظتها لميرا. اختارت فستاناً مخملياً أسود مطرزاً بخيوط ذهبية عند الصدر والأكمام، قطعة تفيض بالجرأة والكبرياء. ارتدته ببطء، ومع كل زر تغلقه، كانت تشعر وكأنها تغلق باباً على ماضيها، وتتخيل نفسها ميرا بجد؛ امرأة لا تخاف أحداً، وتأخذ ما تريد بقوة حضورها.تراجعت خطوة، ونظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة الطويلة. لم يتبقَ سوى اللمسة الأخيرة. جلست أمام طاولة الزينة، وأمسكت بالفرشاة والمثبت. بدأت

  • غبار المرايا    خطوات على أرض مهتزة

    خرجت روان من مكتب عمران بخطوات هادئة، والابتسامة المريحة التي غمرت وجهها إثر حديثها معه بدأت تتلاشى تدريجياً وهي تغلق الباب الرصاصي برفق. يكفيها دائماً أن تلجأ لعمران، الرجل الذي تولى تربيتها ورعايتها منذ صغرها، لتشعر أن الدنيا أقل تعقيداً وأنها في مأمن من أجواء القصر الخانقة.استدارت لتكمل طريقها عبر الممر الطويل، لكن خطواتها تجمدت فجأة، وانقبضت أسفل معدتها برعشة توتر مألوفة.في نهاية الممر، حيث الظلال تعانق الجدار الرخامي البارد، كان سيف يقف.كان يعقد ذراعيه أمام صدره بجمود، وعيناه الحادتان والمشحونتان بنبرة غامضة ومخيفة مثبتتان عليها كالصقر. روان، بطبيعتها الرقيقة والبريئة، كانت تشعر دائماً بالخوف والتهيب من سيف؛ عصبيته غير المبررة، وغموضه الدائم، ونظراته التي تعجز عن فهمها، كلها أشياء كانت تجعلها تتلعثم في وجوده وتتحاشى الاصطدام به قدر الإمكان.حاولت روان أن تجمع شتات نفسها، ورسمت ابتسامة باهتة ومضطربة وهي تخطو ببطء، وقالت بصوت متقطع حذر:- واقف كدة ليه يا سيف؟.. خضيتني.اعتدل في وقفته ببطء شديد، وجسده الطويل يلقي بظلاله فوق الرخام، وتحدث بنبرة جافة، يغلفها برود مصطنع:-مستني عمرا

  • غبار المرايا    تحركات فوق رقعة الشطرنج

    كان عمران يقف عند عتبة الباب الداخلي للجناح، سانداً ظهره إلى الإطار الخشبي، واضعاً يديه في جيبي بنطاله. عيناه الصقريتان كانت تتابع حركاتها بدقة باردة، وملامحه الجليدية لم تكشف شيئاً مما يدور في عقله بعد ليلته الطويلة المشحونة.استجمعت جُمان شتات نفسها بسرعة، ورفضت أن تظهر بمظهر الضعيفة أمامه. أرخت كتفيها، وأمالت رأسها إلى الجانب بقليل من التحدي، وقالت بنبرة حاولت أن تكسوها ببرود ميرا:- هو عادي بندخل بدون اسئذان ، ولا دي كمان من قواعد القصر اللي لسة معرفهاش تحرك عمران خطوات وثابتة نحوها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة تحمل مزيجاً من الإعجاب الخفي والسخرية:- محدش بيستأذن وهو داخل الجناح الخاص بيه هو ... ومراته شعرت جُمان بوخزة من الضيق، لكنها تماسكَت. وضع عمران يده على الطاولة، وسحب الكرسي وجلس أمامه وعيناه تثبتان في عينيها قائلًا بنبرة هادئة :-الجد عثمان كلمني الصبح.. بعتلك سلام مخصوص، وبيسأل عن الخاتم الألماس اللي ادهولك في آخر حفلة في بيروت، قال إنه مش شايفه في صورك الأخيرةلمعت عينا جُمان بتوجس، وحاولت استرجاع كل تفاصيل الفيديوهات والملفات التي قرأتها عن حفلة بيروت، وقالت بثقة

  • غبار المرايا    أقنعة الصباح.. ونيران الليل

    وفي الجناح الغربي للقصر، حيث تفوح رائحة البخور العتيق وتمتزج بالفخامة الباردة، كان الهدوء يخيّم على المكان بصورة خادعة؛ هدوء يشبه سطح بحر ساكن يخفي تحته دوامات لا تُرى.جلست عالية هانم فوق مقعدها المخملي الفاخر، تعقد ساقًا فوق الأخرى في أناقة متعمدة، بينما كانت أصابعها تداعب فنجان القهوة أمامها ببطء. أما نرمين هانم فكانت تقف أمام النافذة العريضة، تراقب الحديقة الممتدة أسفلها بعينين جامدتين لا تفصحان عما يدور خلفهما.تنحنحت عالية، ووضعت فنجانها فوق الطاولة الزجاجية برقة مصطنعة أصدرت رنة خفيفة، وقالت بنبرة هادئة حملت ترحيباً مبطناً باللؤم: -نورتِ القصر يا نرمين.التفتت نرمين ببطء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة غامضة هادئة، ثم خطت نحو عالية بوقارها الأرستقراطي وجلست على المقعد المقابل لها وقالت بصوت رخيم ونبرة دبلوماسية متقنة: - شكرا عالية ، القصر طول عمره منور .. بيكيتابعت عالية وهي ترشف قهوتها:- بصراحة رجوعك فاجئني ، بعد السنين دي كلها قلت خلاص أكيد مفيش نية للرجوع ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتي نرمين.:- ساعات الإنسان بيحس إن الوقت ما بقاش يسمح إنه يفضل بعيد أكتر من كده.ضاقت ع

  • غبار المرايا    حقل الألغام

    انفتح الباب ببطء شديد، وانشق الفراغ عن امرأة تجاوزت الخمسين من عمرها، لكنها تحصنت بكبرياء طاغٍ وجمال بارد متكبر لا تهزمه السنون. كانت ترتدي معطفاً مخملياً أسود طويلاً يحيط بقامتها الممشوقة، وخلفها في عتمة الممر كان يقف أحد الحراس القدامى، يضع حقائب ملابسها الفخمة أرضاً بوجل، ثم ينسحب في صمت مطبق.كانت تقف ببرود تام، وهدوء مرعب، وثبات لا يتزحزح.. إنها نرمين هانم ، والدة سيف. المرأة التي غادرت هذا القصر منذ سنوات طويلة إثر خلافات عاصفة هزت أركان العائلة، وعادت الآن في عتمة الليل لتطأ أرض المعركة مجدداً كأنها لم تغادر قط.تراجعت يد محمود إلى الخلف، وتحجرت ملامحه تماماً، . اتسعت عيناه بذهول وصدمة، وخرجت نبرته ممتزجة بالغضب المكتوم والوجل: -نرمين ! ايه اللي جابك هنا ؟! وراجعة تعملي ايه بعد كل السنين دي ؟خلعت نرمين قفازاتها الجلدية السوداء ببطء وثقة مفرطة، ونفضت قطرات المطر الخفيفة عن كتف معطفها، ثم رمقت محمود بنظرة ساخرة مليئة بالتهكم، وقالت بصوت رخيم وقوي يقطر ثقة: - أهلا يا محمود ، شايفة علامات السن بدأت تترسم على وشك ، معقول شايل الهم للدرجة دي !رمقها باستهزاء وأردف بهدوء وهو يعلم ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status