Masukوفي الجناح الغربي للقصر، حيث تفوح رائحة البخور العتيق وتمتزج بالفخامة الباردة، كان الهدوء يخيّم على المكان بصورة خادعة؛ هدوء يشبه سطح بحر ساكن يخفي تحته دوامات لا تُرى.
جلست عالية هانم فوق مقعدها المخملي الفاخر، تعقد ساقًا فوق الأخرى في أناقة متعمدة، بينما كانت أصابعها تداعب فنجان القهوة أمامها ببطء. أما نرمين هانم فكانت تقف أمام النافذة العريضة، تراقب الحديقة الممتدة أسفلها بعينين جامدتين لا تفصحان عما يدور خلفهما.
تنحنحت عالية، ووضعت فنجانها فوق الطاولة الزجاجية برقة مصطنعة أصدرت رنة خفيفة، وقالت بنبرة هادئة حملت ترحيباً مبطناً باللؤم
: -نورتِ القصر يا نرمين.
التفتت نرمين ببطء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة غامضة هادئة، ثم خطت نحو عالية بوقارها الأرستقراطي وجلست على المقعد المقابل لها وقالت بصوت رخيم ونبرة دبلوماسية متقنة
: - شكرا عالية ، القصر طول عمره منور .. بيكي
تابعت عالية وهي ترشف قهوتها
:- بصراحة رجوعك فاجئني ، بعد السنين دي كلها قلت خلاص أكيد مفيش نية للرجوع
ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتي نرمين.
:- ساعات الإنسان بيحس إن الوقت ما بقاش يسمح إنه يفضل بعيد أكتر من كده.
ضاقت عينا عالية بخبث، وأمالت رأسها تفهم تلك التلميحات المبطنة، فقالت وهي تعيد ترتيب وشاحها الحريري
: -ولا يمكن حسيتِ إن في حاجات بتتغير هنا؟
تلاقت نظرات المرأتين للحظة قصيرة.لحظة فهمت فيها كل واحدة ما تقصده الأخرى دون حاجة لكلمات إضافية
جلست نرمين أخيرًا على المقعد المقابل وقالت بهدوء محسوب
:- التغيير سنة الحياة.
ابتسمت عالية.
:- خصوصًا لما يبقى في ناس ماسكة كل الخيوط بإيديها ومش سايبة فرصة لحد يقرب منها
جاء الرد هادئًا، لكنه حمل نبرة أشبه بالشفرة
:- ومفيش خيط بيفضل في ايد حد طول العمر
ساد الصمت للحظات ثم قالت عالية وكأنها تلقي ملاحظة عابرة
:- الغريبة إن ميرا رجعت فجأة... وإنتِ رجعتي فجأة... والجد عثمان جاي بعد كام يوم.
ارتفعت إحدى حاجبي نرمين قليلًا.
:- واو ، اسبوع مليان أحداث فعلا
صمتت ثم تابعت بثبات
:- في ناس بترجع لما تحس إن في حد بيدور ورا الحقيقة
سألتها عالية
:- تقصدي إيه ؟
ابتسمت نرمين
:- ولا حاجة .. مجرد احساس
وقبل ان تتحدث عالية انفتح الباب دخل آدم بخطوات هادئة، وما إن وقعت عيناه على المرأتين حتى شعر بأن شيئًا ما في المشهد لم يعجبه.
تجمدت عيناه للحظة عند العتبة وهو يرى والدته تجلس مع عالية. انقبض قلبه؛ فهذا التحالف الصامت خلف الأبواب لا يبشر بالخير أبداً .
لم يظهر آدم أي صدمة أو انفعال، بل رسم على شفتيه ابتسامته المعتادة، وتقدم بخطوات واثقة، قائلاً بنبرة مرحة حاول بها تلطيف الأجواء المسمومة
: - يا محاسن الصدف ، أجمل ستات العالم متجمعين هنا على الصبح كدة وأنا مااعرفش !
ثم اقترب من أمه قائلا
:-حمد لله على السلامة يا امي ، مصدقتش لما سيف قالي انك وصلتي قولت لازم اشوفك واتأكد بنفسي
تلقفته نرمين التي تحولت ملامحها الجليدية الى حنان أمومي دافيء قائلة
:- آدم حبيبي وحشتني جداً
طال العناق بينهم، وقبل آدم رأسها باحترام كامل يليق ببرّه لها، لكن عينيه خلف ظهرها كانت تدور بذكاء مفرط وحذر شديد. كان يتابع تفاصيل حركاتها، نظراتها لعالية، نبرتها الماكرة .
أدرك آدم في تلك اللحظة الصامتة، ودون أن ينطق بكلمة عتاب واحدة، أن والدته لم تأتِ هنا لمجرد حضن دافئ؛ هناك شبكة تُغزل بدقة خفية، وسيف منساق وراءها بعمى تام، وهو كطبيب يعرف كيف يقرأ الأعراض قبل المرض.. وقرر في سره أن يلزم الصمت، ويراقب كل خطوة تخطوها أمه وعالية، حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في هذه اللعبة.
فبعض المعارك لا تُفهم من أول طلقة.. بل من مراقبة من يجهز السلاح
*****
كانت شمس الظهيرة تتسلل بخيوطها الذهبية عبر النوافذ العالية للجناح الشرقي، فتنعكس فوق الأرضية الرخامية اللامعة وتمنح المكان دفئًا هادئًا افتقدته جُمان منذ أيام. أغلقت جُمان الجهاز اللوحي بعد أن شعرت بعقلها يئن من فرط التركيز
لم تكن تشاهد مقاطع ميرا فحسب... بل كانت تدرسها، تراقب ضحكتها العابثة،طريقة رفعها لحاجبها عندما تسخر من أحدهم... حركة أصابعها وهي تعبث بخصلات شعرها أثناء الحديث.نبرة صوتها المتقلبة بين الدلال والاستفزاز.
حتى طريقة جلوسها واستنادها إلى المقعد كانت تحفظها كما يحفظ الطالب إجاباته قبل الامتحان الأخير.
ولم تتوقف عند ميرا،بل انتقلت إلى بقية أفراد العائلة.
عثمان عزام...الجد الذي لا يفوته تفصيل واحد.
عالية هانم...امرأة تبتسم بشفتيها أكثر مما تبتسم بعينيها.
محمود...الرجل الوحيد الذي بدا صادقًا وسط هذا الكم من الأقنعة.
سيف...الذي يتحدث بعقله أحيانًا وبطموحه أغلب الوقت.
آدم...الأهدأ بينهم والأصعب في القراءة.
أما عمران...فتوقفت عند اسمه للحظات ذلك الشخص الوحيد القادر على إشعارها بالإضطراب وبعد ما علمت الكثير من التفاصيل عن حياته من صوفيا ازداد شعور غريب بالحزن من أجله فما مر به لم يكن سهلا ، بداخلها شيء يقنعها أن قصتهما يشوبها بعض التشابه لا تعلم كيف ولكنه شعور يزداد بداخلها يومًا تلو الاخر .أسرعت بإغلاق الملف وكأنها ضُبطت متلبسة بفكرة لا ينبغي لها التفكير بها.
تنهدت ببطء ونهضت من مكانها. كانت الحمى قد تراجعت قليلًا، لكنها ما زالت تشعر بآثارها تترك ثقلًا خفيفًا في جسدها.ووقفت أمام المرآة الطويلة. سحبت نفساً عميقاً، ونظرت إلى انعكاس صورتها بتحدٍّ جديد ولد من رحم الخوف. رفعت ذقنها قليلًا تمامًا كما كانت تفعل ميرا.
ثم حاولت الابتسام هزت رأسها بعد ثوانٍ.
لا...
ما زالت ابتسامتها صادقة أكثر مما ينبغي.أما ميرا فكانت تبتسم وكأن العالم كله مجرد لعبة بين يديها أعادت المحاولة مرة أخرى...ثم ثالثة... حتى بدأت ملامحها تقترب قليلًا من تلك الفتاة الغائبة.
تنهدت قليلا تشعر ان الأمر ليس هينًا ابدًا ثم نظرت الي الطاولة القريبة التي وضعت عليها صوفيا الطعام ،
تقدمت نحوها وجلست ثم أمسكت بالشوكة والسكين وأخذت تسترجع فيديو لميرا وهي تتناول طعامها في أحد المطاعم الباريسية؛ كانت تمسك السكينة بيدها اليمنى والشوكة باليسرى بزاوية حادة، وتقطع بحركات مرنة وسريعة دون أن تصدر اي صوت
حاولت جُمان تقليد الحركة.. "تك!".. اصطدمت السكينة بالطبق بقوة أحدثت رنيناً مزعجاً في الغرفة. عقدت حاجبيها بضيق، وأعادت المحاولة ببطء أكثر، فقالت تهمس لنفسها بضيق
:- ممتاز يا جُمان ، هتطلعي برا من اول جولة وهيكشفوكي بسهولة
أعادت المحاولة... ثم ثالثة... ثم رابعة.
حتى بدأت تشعر أن قطعة الفاكهة الصغيرة تسخر منها شخصيًا.
أخذت نفسًا عميق وهي تهمس لنفسها بنبرة ميرا المتهكمة
:- الموضوع مش محتاج غشم يا جُمان.. اهدي واتعاملي ببرود
:- المحاولة دي أفضل، بس لسه بعيدة عن ميرا .
جفل جسد جُمان تماماً، والتفتت بسرعة نحو مصدر الصوت المألوف الذي خرق سكون الغرفة دون سابق إنذار
جلس الجميع حول المائدة الطويلة التي امتدت بطول القاعة الرئيسية كأنها تفصل بين ممالك صغيرة داخل القصر الواحد.في المقدمة جلس عثمان عزام.على يمينه عمران وميرا.وعلى الجانبين توزع بقية أفراد العائلة.لم يكن أحد يتحدث.فوجود عثمان وحده كان كافياً لفرض الصمت.رفع الجد فنجان القهوة أمامه بهدوء، ثم ألقى نظرة شاملة على الوجوه الجالسة.نظرة جعلت الجميع يشعر وكأنه يُفحص من الداخل.حتى جُمان شعرت للحظة أن الرجل يقرأ أفكارها.لكنها حافظت على برودها.قال عثمان أخيراً:— زمان كنت لما أدخل القصر أسمع صوتكم من أول البوابة... دلوقتي حاسس إني داخل شركة مش بيت.ابتسم آدم بخفة.— يمكن علشان حضرتك بتخوفنا يا جدي.ضحك عثمان ضحكة قصيرة.— لو كنت بخوفكم بجد مكنتش هتتكلم كدة يا دكتور.ضحك بعض الجالسين بخفوت.بينما بقي سيف صامتاً.وبقي عمران أكثر صمتاً.التقط عثمان ذلك فوراً.ثم قال فجأة:— قولي يا آدم... لو عندك مريض رفض العلاج اللي هيعيش بيه... تعمل إيه؟رفع آدم حاجبه باستغراب.— أحاول أقنعه.— ولو أصر؟— أشرحله العواقب.— ولو اقتنع إن العواقب دي تستاهل؟صمت آدم قليلاً.ثم قال:— ساعتها القرار قراره.هز عثم
لم يكن صباح القصر الكبير يشبه أي صباح آخر.الهواء نفسه بدا مشدودًا، كأنه يتهيأ لشيء لا يجرؤ أحد على تسميته. الخدم ينسحبون بخطوات سريعة ووجوه متوترة، وأصواتهم تنخفض كلما مرّت واحدة من نساء العائلة في الممرات الطويلة، بينما ظل عمران يتحرك داخل القصر بملامح ثابتة لا تفصح عن شيء، وكأنه وحده من يملك القدرة على الوقوف وسط هذا الاضطراب دون أن يهتز.أما جُمان...فكانت تقف في الجناح الشرقي أمام المرآة، ترتدي فستان ميرا للمرة الأولى أمام الجميع. الفستان الداكن كان ينساب حول جسدها بنعومة مترفة، وشعرها الأسود مصففًا بالطريقة التي حفظتها من الفيديوهات، ونظرتها... كانت الشيء الوحيد الذي ظل يقاوم الانسلاخ الكامل عن نفسها.وقفت صوفيا خلفها، تعدل آخر تفصيلة في الأكمام، ثم قالت بصوت منخفض:— خدي نفس عميق.ابتلعت جُمان ريقها بصعوبة.— أنا باخده من ساعة ما صحيّت وما خلصش.ابتسمت صوفيا رغم التوتر، ثم وضعت يدًا خفيفة على كتفها.— عثمان بيه مش هيفوت حاجة... بس إنتِ لو اتماسكتي في أول دقيقة، هتعدي الباقي.رفعت جُمان عينيها إلى المرآة، فرأت انعكاس امرأة لا تشبهها إلا في الملامح.تلك اللعنة التي جلبها الشبه بي
في الحديقة الخلفية، كان الليل قد بسط عباءته المخملية الثقيلة على أرجاء القصر، وتواطأت الأضواء الخافتة المتناثرة بين أوراق الشجر والنافورة الرخامية على صنع هالة من الغموض.كان سيف يسير بخطوات وئيدة، متباطئة لكنها مشحونة، يداه مستقرتان في جيبي بنطاله، وعقله يغلي بمحاولات عاجزة لتفريغ الشحنة العنيفة من الغضب والغيرة التي استوطنت صدره منذ مكالمة الصباح.ثم رآها.كانت تجلس بمفردها على المقعد الرخامي الأبيض القريب من حافة جدار النافورة، يستقر فوقها ضوء مصباح حديقة خافت يمنحها مظهرًا أشبه بلوحة دافئة وسط برودة المكان. رأسها منخفض بقلق، وبين كفيها كتاب مفتوح، لكن عينيها التائهتين كانتا تحدقان في الفراغ؛ لا تقرأ، بل تطحنها الأفكار.تجمدت خطوات سيف فوراً، وتصلب جسده في مكانه. لثوانٍ امتدت كالعمر، وقف يحدق بطيفها، وأطلق في سره لعنة صامتة على قلبه وعاطفته المعاندة. أي امرأة أخرى في هذا العالم كانت لتتحول لدخان أو اسم عابر في قائمة أيامه، أما روان... فكانت اللعنة الوحيدة العذبة التي كلما حاول التخلص من قيدها، وجد نفسه يغرق في شباكها أكثر.ترددت في عقله تلميحات عالية الخبيثة، ثم قفزت أمامه ملامح رو
في جناحه الخاص، حيث تتخفف الأشياء من صرامة القصر الأرستقراطية، كان محمود يقف في الركن المخصص له أمام ماكينة القهوة الصغيرة. أمسك بالكوب الزجاجي بيده الدافئة، وراقب خيوط السائل الداكن وهي تصب ببطء وانسيابية، قبل أن ينثر فوق وجهها القليل من مسحوق القرفة.. كانت رائحتها النفاذة هي طقسه الحميمي الذي يفتتح به كل صباح.كان يستمتع ويثمن هذه الدقائق القليلة جداً من عزلته؛ الدقائق النادرة التي يتوقف فيها الزمن، ولا يطالبه فيها مخلوق داخل هذا الوكر باتخاذ قرار، أو إبداء رأي، أو تبني موقف يحسب عليه في بورصة النفوذ.انفتح الباب فجأة، دون إذن أو طرقات تمهد للحضور. دلفت نرمين بخطواتها الواثقة التي تحمل دائماً صدى سلطوياً متعالياً. ألقت نظرة فاحصة، سريعة وخاطفة على أركان الغرفة، قبل أن تقع عيناها الصارمتان عليه.رفعت حاجبها الأيمن باستغراب لم تحاول إخفاءه، وهي تراه يحضر قهوته بيديه دون استعانة بأحد، وسألته بنبرة لائمة ومتهكمة: — هو الخدم اختفوا من القصر وأنا معرفش؟التفت محمود إليها بهدوء شديد، هدوء بدا مستفزاً لاندفاعها، وأجاب بنبرة رخية: — لا.. موجودين.: — أمال واقف تعمل القهوة بنفسك ليه؟أعاد م
انبثقت على الشاشة السوداء عبارة واحدة جعلت الهواء يتجمد في الغرفة:.استقام عمران في جلسته فوراً، وتصلب ظهره باحترام تلقائي، وضغط زر الإجابة واضعاً الهاتف على أذنه. جاءه صوت عثمان عزام من الطرف الآخر؛ صوتاً عميقاً، رخامياً، ومهيباً يحمل نبرة المؤسس الذي لا ينثني: — مساء الخير يا عمران.— مساء النور يا جدي.ساد صمت قصير ومحمل بالثقل قبل أن يسأل الجد بنبرته المقتضبة: — كله جاهز؟أدرك عمران على الفور، وبفطنته المعتادة، أن جده يتحدث عن الترتيبات الأمنية والبروتوكولية لزيارته المرتقبة، فأجاب بثبات: — متقلقش يا جدي... كل حاجة جاهزة وعلى أكمل وجه.— كويس.توقف عثمان للحظة، ثم أردف بنبرة حاول جعلها عادية لكنها لم تخفِ اهتمامه الحذر: — طمني على ميرا.ارتسمت نظرة غامضة، مليئة بالخطورة والتحدي في عيني عمران وهو يفكر بالقابعة في الجناح الشرقي، وأجاب ببرود متقن: — أحسن بكتير.— الحمد لله.جاء رد الجد مقتضباً ومثقلاً بالغموض كعادته، ثم أضاف بصيغة آمرة وحاسمة لا تقبل المراجعة: — أنا هكون عندكم بكرة الصبح بدري.. وعايز كل أفراد العيلة بلا استثناء يكونوا موجودين ... محدش يتأخر يا عمران.وراء كلما
داخل إحدى غرف الملاحظة الهادئة في المستشفى، كان رجل خمسيني يجلس فوق السرير الطبي بملامحه المتعبة، بينما تنتهي إحدى الممرضات من لف حزام جهاز قياس الضغط حول ذراعه.وقف آدم أمامه، يقلب نتائج الفحوصات الطبية بتركيز قبل أن يغلق الملف، ثم رفع عينيه نحو المريض بنظرة فاحصة ممتزجة بمداعبة مألوفة: — طمني يا حاج محمود... بتدخن كام سيجارة في اليوم؟تنحنح الرجل، وحاول أن يهرب بعينيه قليلاً وهو يقول بتحفظ ومواربة: — يعني... شوية بسيطين يا دكتور.رفع آدم حاجباً واحداً بذكاء، وسأله وهو يبتسم برفق: — وشوية دي يعني كام بالظبط؟— علبة.— في الأسبوع؟— لا... في اليوم.صفق آدم الملف الطبي على راحة يده فجأة، وأطلق صيحة دهشة مصطنعة أدارت الرؤوس في الغرفة: — الله أكبر! علبة في اليوم وعايز قلبك مايشتكيش ؟!ضحك الرجل بخجل وهز رأسه محاولاً التملص: — كله بأمر ربنا يا دكتور، إحنا أسباب.هز آدم رأسه بأسف داعب، وعلق بنبرة واعظة لكنها حنونة: — ونعم بالله يا حاج محمود، بس ربنا قالك حافظ على نفسك وعمر صحتك الأول، مش تخلص علبة كاملة وتقول كله بأمر ربنا.. ده انتحار رسمي!انفجرت الممرضة الواقفة بجوارهما ضاحكة، أما
في جناحها الخاص، وقفت عالية هانم خلف النافذة العريضة المطلة على حدائق القصر. كانت الرياح تحرك الأشجار ببطء، بينما ظل الهاتف في يدها دافئًا من أثر المكالمة الأخيرة.مكالمة سيف.لم تتحرك لثوانٍ طويلة. فقط راحت تحدق في الخارج، كأنها ترى شيئًا أبعد من الأشجار والنافورة والضباب الخفيف.ثم عادت الكلمات ت
خرجت جُمان إلى الممر الطويل بخطوات واثقة حاولت جاهدة ضبط إيقاعها، بينما كانت كلمات عمران الأخيرة لا تزال تدور داخل رأسها وتزن في أذنها قبضت على أصابعها قليلًا لتدفع الرعشة الكامنة فيها. كانت تكره الاعتراف بذلك، لكنه كان محقاً في كل كلمة. الأسماء سهلة، والقصص المكتوبة في الأوراق سهلة يمكن حفظها، أم
كان عداد السرعة يتجاوز الـ 140 كم/ساعة، والإطارات تصرخ بعنف مع كل منعطف حاد يسلكه على الطريق الصحراوي المهجور. لم يكن سيف يرى الطريق أمامه؛ بل كان يرى وجه "روان" وهي تنكمش في مقعدها، وعيناها الهاربتان اللتان أكدتا له كل المخاوف التي زحفت إلى صدره.أطبق بكلتا يديه على مقود السيارة بقوة جعلت مفاصل أص
السفرة الأساسية الفخمة داخل القصر الكبير، حيث كانت الأواني الفضية والبلور الصافي يعكسان كبرياء المكان، جلست نرمين هانم على الطاولة ببرودها المعتاد بعد مغادرة سيف. كانت تتابع بعيون صقرية ما يحدث داخل القصر؛ لم يكن هادئاً كالعادة بل يضج بالحركة والنشاط، وهناك تقف صوفيا تتابع حركة الخدم في غياب ميرا







