ログインمن وجهة نظر الراوي
مرت الأيام بهدوء. ثم الأسابيع. ثم الأشهر. وكما يحدث دائمًا... استمرت الحياة. عادت نورفاي إلى ازدهارها تدريجيًا. اختفت آثار الحرب شيئًا فشيئًا. أعيد بناء الأبنية المدمرة. وعادت الأسواق تمتلئ بالناس. وامتلأت الشوارع بالضحكات مجددًا. وكأن المملكة كانت تحاول تضميد جراحها بنفسها. أما داخل القصر... فبدأ الجميع يتعلمون كيف يعيشون مع الفراغ الذي تركته لافندر. لم ينسها أحد. ولم يتوقفوا عن حبها. لأنها سوف تبقى دائما داخل قلوب الجميع. لكنهم تعلموا أن يكملوا طريقهم. لينيا عادت تدريجيًا إلى واجباتها الملكية. ورغم أن ابتسامتها لم تعد كما كانت سابقًا... إلا أنها بدأت تبتسم من جديد. وايضا بفضل دعم ولادتها المستمرة وأبيها. زاك عاد لتدريب المحاربين الشباب. أما لوكا... فأصبح أكثر هدوءًا ونضجًا من قبل. وكأن فقدان أخته جعله يكبر سنوات في ليلة واحدة. حتى هرلين وهيفان عادا إلى حياتهما المعتادة. لكن ذكرى لافندر بقيت حاضرة بينهم دائمًا. في حديث عابر. أو ذكرى قديمة. أو موقف يجعلهم يضحكون قبل أن يصمتوا للحظة. --- لكن شخصًا واحدًا احتاج وقتًا أطول. إيفان. في البداية... كان يزور قبرها كل يوم. دون استثناء. في الصباح أحيانًا. وفي الليل أحيانًا أخرى. كان يجلس هناك بصمت. يتحدث معها أحيانًا. ويخبرها عن يومه. وكأنها ما زالت تستمع إليه. وكان دائمًا يجلب معها زهورًا بنفسجية جديدة. النوع الذي كانت تحبه. مرت الشهور. وأصبحت الزيارات أقل. ليس لأنه نسيها. بل لأنه بدأ يفهم شيئًا. أن التمسك بالألم لن يعيدها. وأنها لو كانت هنا... لركلته على رأسه وأجبرته على العودة لحياته. ولهذا... بدأ يبتسم حتى لو قليلا. بدأ يتحدث أكثر. وبدأ يعيش مجددًا. لكن جزءًا صغيرًا من قلبه... بقي عند ذلك القبر. وسيظل هناك دائمًا. --- بعد سنة تقريبًا... اتخذ هيفان قرارًا مهمًا. كان الجميع يعلم أن إيفان واحد من أقوى المحاربين في المملكة. لكن قوته وحدها لم تكن السبب. بل خبرته. وحكمته. وقدرته على قيادة الآخرين. ولهذا... أعلن هيفان تعيينه قائدًا لجيش نورفاي. ومدربًا رئيسيًا للحراس الملكيين. إضافة إلى منصبه كألفا. في البداية رفض إيفان. لكن هيفان أصر. وقال له جملة لم ينسها أبدًا: "إذا كنت تريد حماية الناس فعلًا... فأنت الشخص المناسب." وفي النهاية... وافق. وأيضا عين لوكا الببيتا الخاص به. رغم أن إيفان كانت متئكد أن ذلك سيكون خطى فادح. لكن في معضم التحالفات اثبت لوكا أنه يستطيع تحمل مسئوليه كا ببيتا. --- ومنذ ذلك اليوم تغيرت حياته بالكامل. أصبح مسؤولًا عن آلاف الجنود. يقود التدريبات. ويشرف على الخطط العسكرية. ويسافر بين حدود الممالك المختلفة. وأحيانًا يقود المعارك بنفسه. وخلال السنوات التالية... بدأ اسمه ينتشر بين الممالك. ليس فقط كألفا. بل كقائد عسكري استثنائي. الرجل الذي لم يخسر أي معركة قادها. والذي استطاع حماية نورفاي من عشرات الأزمات. وأصبح الكثير من المحاربين الشباب يحلمون بأن يتدربوا تحت قيادته. لكن رغم كل ذلك... كان هناك شيء لم يتغير. في كل مكان يسافر إليه. وفي كل مدينة يزورها. وفي كل معركة يخوضها. كان يحمل معه شيئًا صغيرًا داخل جيبه. وردة بنفسجية مجففة. الوردة الأخيرة التي وضعها على قبر لافندر. ولم يكن أحد يعرف ذلك. إلا هو. --- وهكذا مرت السنوات. وتغير الناس. وتغيرت المملكة. وتغير العالم. لكن القدر... لم يكن قد انتهى بعد. لأن شيئًا ما كان يتحرك في الخفاء. شيئًا لم يتوقعه أحد. شيئًا سيغير حياة الجميع مرة أخرى. وخاصة... إيفان.الراوي. ظلام... كان كل شيء مظلمًا. أصوات بعيدة. وجوه لا تستطيع رؤيتها. وهمسات تتردد حولها. "أعيدوها..." "لقد حان الوقت..." "لا تدعيها تنام أكثر..." ثم فجأة... رأت فتاة تقف وسط حقل من الزهور البنفسجية. شعر أسود طويل. وعيون حمراء لامعة. كانت تبتسم لها بحزن. وتهمس بشيء. لكنها لم تستطع سماعه. بدأت الفتاة تبتعد. خطوة... ثم أخرى... حتى اختفت وسط الضباب. "انتظري!" ركضت خلفها. لكن الأرض تشققت تحت قدميها. وفجأة... سقطت. شهقت بقوة. وانفتحت عيناها. أنفاسها متقطعة. وجسدها مغطى بالعرق. وقلبها يكاد يخرج من صدرها. كانت تحاول التقاط أنفاسها عندما شعرت بذراعين تلتفان حولها بسرعة. تجمدت للحظة. ثم رفعت رأسها. إيفان. كان جالسًا بجانب سريرها. وعيناه مليئتان بالقلق. "أنجلي." صوته كان هادئًا بشكل غريب. "اهدئي..." لكنها لم تستطع. لا تعرف لماذا. كل ما شعرت به هو الخوف. والوحدة. والحزن. لذلك تشبثت بقميصه فجأة. وعانقته بقوة. كما لو أنها تخشى أن يختفي. تفاجأ إيفان للحظة. لكنه شد ذراعيه حولها أكثر. وتركها تبكي. فقط تبكي. دون أن يقول شيئًا. مرت دقائق طويلة. حتى
من وجهة نظر إيفان كانت القاعة ما تزال في حالة فوضى. الحراس يركضون في كل اتجاه. والخدم يحاولون تهدئة الضيوف. أما أنا... فلم أستطع البقاء ساكنًا ولو للحظة. كل ثانية تمر كانت تجعل غضبي يزداد. وخوفي على أنجلي يزداد معه. التفت نحو أمي. ثم نحو لينيا. وجدت لورين. وقلت بصوت حازم: "ابقوا معها." "ولا تتركوها وحدها." أومأت أمي فورًا. بينما وضعت لينيا يدها على كتفي. وقالت بهدوء: "سنعتني بها." لكنني بالكاد سمعتها. لأن ذهني كان في مكان آخر. عند الشخص الذي تجرأ على محاولة قتلي. وعند الشخص الذي جعل أنجلي تنزف بدلًا مني. التفت نحو لوكا. "تعال معي." لم يسأل لماذا. فقط تبعني فورًا. بعد دقائق... كنا خارج أسوار المملكة. أخذت نفسًا عميقًا. ثم أغمضت عيني. وأطلقت حواسي. فورًا التقطت أنفي رائحة ذلك الذئب. ضعيفة... لكنها موجودة. همس إيف داخل رأسي: "دعني أتولى الأمر." هذه المرة... لم أعارض. وفي لحظة واحدة... استولى إيف على السيطرة. تحطم العظم. وتمدد الجسد. حتى تحولنا إلى ليكان ضخم أبيض كالثلج. أكبر من معظم الذئاب الملكية. وأكثر شراسة. ثم انطلقنا. ركضنا بين الأشجار ب
من وجهة نظر إيفان كنت ما أزال أنا ولوكا نتحدث عن الرسائل والتهديدات. وكان التوتر يزداد داخلي مع كل دقيقة. لأن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا. وكأن عاصفة تقترب. وفجأة... "ألفا انتبه!" تجمد جسدي بالكامل. كان ذلك صوت أنجلي. رفعت رأسي بسرعة. وفي اللحظة التالية... رأيتها تركض نحوي. ثم... رأيت الخنجر. رأيته يخترق كتفها قرب قلبها. وتلطخ الدم الأحمر على فستانها الليلكي. توقفت أنفاسي. وكأن العالم كله توقف. لا أصوات. لا موسيقى. لا شيء. فقط... أنجلي. والدم. وفجأة... عادت ذكرى أخرى. ذكرى لم تفارقني منذ خمس سنوات. لافندر. وهي تقف أمامي. والسهم الفضي يخترق جسدها بدلًا مني. نفس الشعور. نفس الرعب. نفس العجز. وكأن القدر يسخر مني مرة اخرى. "لا..." همست بصوت مبحوح. "لا..." ثم انفجرت. "المعالج!" اهتزت القاعة كلها من صوتي. "أحضروا المعالج حالًا!" قبل أن أسمع رد أحد... كنت قد أمسكتها بين ذراعي. كانت خفيفة بشكل مخيف. وخائفة. ومتألمة. لكنها رغم ذلك... كانت تنظر إلي. وليس إلى جرحها. وكأنها تريد التأكد أنني بخير. وهذا
من وجهة نظر أنجلي منذ أن استيقظت... وأنا أشعر بأن شيئًا ليس طبيعيًا. كلما نظرت إلى الطوق الموضوع فوق الطاولة... عاد التوتر ليقبض على صدري. صورتي الحقيقية. الفتاة ذات الشعر الأسود. العيون الحمراء. الأنياب. والذكريات الغامضة التي بدأت تظهر. كل ذلك جعل رأسي يؤلمني. "ما الذي يحدث لي...؟" همست لنفسي وأنا أحدق في المرآة. لكن لم يكن لدي وقت للتفكير. لأن احتفال النهر المقدس قد بدأ. وصلت إلى المعبد مع بقية الناس. وكان المكان مملوءًا بالشموع البيضاء والزهور الفضية. أما تمثال الإلهة سيلين... فكان يلمع تحت ضوء الشمس. أغلقت عيني. وضممت يدي إلى صدري. وصليت بصمت. "إلهة القمر..." "إن كنتِ تسمعينني..." "أرجوكِ ساعديني." "أريد أن أعرف من أنا." "ولماذا أشعر أن حياتي كلها كذبة." شعرت بنسمة باردة تمر فوق وجهي. لكن لم يصلني أي جواب. بعد انتهاء الصلاة... بدأ طقس النهر. بدأ الجميع بالنزول إلى المياه الفضية. الرجال أولًا. ثم النساء. لكن كلما اقترب دوري... ازداد خوفي. لأن صورة البحيرة ليلة أمس لم تفارق عقلي. الفتاة ذات الشعر الأسود. والانعكاس الذي لم يكن انعكاسي. وفجأة...
من وجهة نظر إيفان بقيت أنظر إلى الطابق العلوي لعدة ثوانٍ. أما أمي... فكانت شاردة هي الأخرى. لكن بعد لحظات تنهدت. ثم قالت بهدوء: "ربما كانت أنجلي تصنع بعض خلطات الأعشاب." عقدت حاجبي. "خلطات أعشاب؟" هزت كتفيها. "رائحتها قوية أحيانًا." لكن شيئًا في صوتها أخبرني أنها لا تصدق ما تقوله. وأظن أنها لاحظت ذلك أيضًا. لذلك ابتسمت فجأة. وربتت على رأسي. "كفى تفكيرًا." "أمي..." "اذهب ونم." ثم أضافت بحزم: "غدًا يوم طويل." تنهدت باستسلام. "حسنًا." لكن حتى وأنا أعود إلى غرفتي... بقيت أفكر. في الرائحة. وفي أنجلي. وفي نظرات أمي الغريبة.*** في صباح اليوم التالي... استيقظت مبكرًا. ارتديت ملابسي. وثبت سيفي على خصري. وكنت على وشك الخروج. لكن فجأة... تحطم زجاج النافذة. استدرت بسرعة. ووصلت يدي إلى سيفي. لكن الشيء الذي دخل لم يكن سهمًا. بل حجرًا صغيرًا ملفوفًا بورقة. تجمدت. ثم التقطتها بسرعة. وفككت الورقة. وفي اللحظة التالية... اشتدت نظراتي. لأن الكلمات كانت مكتوبة باللون الأحمر. "وقتك يقترب من النهاية." "اليوم..." "سأنهي كل شيء." قبضت على الورقة بقوة. حتى تجعدت
من وجهة نظر إيفان كان الليل قد حل تمامًا فوق مملكة سيلينورا. أما أنا... فكنت أسير في ممرات القصر بهدوء. وأفكر. في الرسالة التي وصلتني. وفي الشخص الذي يحاول قتلي. وفي أنجلي. تنهد إيف داخل رأسي. "أنت تفكر بها مجددًا." تجاهلته. "أنت مهووس." "اصمت." ضحك الذئب بسخرية. لكن فجأة... توقفت خطواتي. وتجمدت في مكاني. لأن رائحة معينة وصلت إلى أنفي. رائحة جعلت قلبي يتوقف للحظة. الياسمين. والياسمين البري تحديدًا. تلك الرائحة التي كنت أحفظها عن ظهر قلب. رائحة لافندر. اتسعت عيناي. حتى إيف صمت فجأة. بدأت أتتبع الرائحة ببطء. خطوة. ثم أخرى. حتى وصلت أمام أحد الأبواب. وتجمدت. غرفة أنجلي. كانت الرائحة تخرج من هناك. بقوة. أقوى من أي وقت مضى. حتى شعرت أن ذكرياتي كلها عادت دفعة واحدة. لافندر وهي تضحك. لافندر وهي تركض في الثلج. لافندر وهي تناديني بغضب. ولافندر... وهي تموت بين ذراعي. أغمضت عيني بق ثم طرقت الباب. مرة. مرتين. لكن بدلًا من سماع صوتها... سمعت ضجة من الداخل. صوت أشياء تسقط. وكأن أحدًا كان يركض داخل الغرفة.
هرلين فتحتُ عيني ببطء بينما ضوء الصباح البارد يتسلل عبر ستائر غرفتي. ولثوانٍ قصيرة… بقيت أحدق بالسقف دون حركة. ثم تذكرت. اتسعت عيناي فورًا، وارتفعت حرارة وجهي بجنون. هيفان كان هنا الليلة الماضية. في غرفتي. وفوق سريري. دفنتُ وجهي داخل الوسادة مباشرة وأنا أكاد أموت خجلًا. — “يا إله
هيفان استيقظتُ على ألمٍ مزعج يضرب رأسي بعنف. أغمضتُ عيني مجددًا بانزعاج، محاولًا تذكر ما حدث الليلة الماضية. الحفل… الشراب… ثم— تجمدت فورًا عندما انتبهت أن هذه ليست غرفتي. فتحتُ عيني بسرعة، لتقع نظراتي على الستائر الفضية والجدران البيضاء المألوفة. غرفة هرلين. شددت فكي مباشرة بينم
الراوي وفي وقت متأخر من الليل... كانت هرلين داخل غرفتها أخيراً ،تحاول ترتيب سريرها بعد انتهاء الحفل الطويل. تنهدت بتعب وهي تخلع اقراطها الفضية ببطء. لكنها توقفت فجأة عند شعرت بحضور خلفها. تجمد جسدها بالكامل. وقبل أن تستدير _. أحاطت ذراع قويه خصرها فجأة. شهقت بخفة عندما سحبت للخلف
الراوي مر اسبوع كامل منذ حادثة الغابة أسبوع حاولت فيه هرلين إقناع نفسها أن قلبها لا يتسارع كلما رأت هيفان.. وفشلت تماماً. أما هيفان،فكان يحاول إقناع نفسه أن مراقبتها في كل مكان في القصر أمر طبيعي. لكنه فشل هو أيضا. ومع اقتراب عيد ميلاد الملك الفريد ،تحول قصر نورفاي إلي فوضه ضخمة من ال







