ログインمن وجهة نظر زاك
دخلت الى غرفت النوم وأنا أحمل لينيا. وضعتها على السرير برفق وانا أنضر إلي وجهها فاقد الوعي. ثم استدار نحو باب غرفتنا. أغلقت باب الغرفة خلفي بهدوء. تقدمت نحو السرير مرة أخرى... كانت لينيا نائمة، لكن حتى وهي فاقدة للوعي كانت الدموع لا تزال على وجنتيها. جلست بجانبها. مددت يدي أمسح خصلات شعرها الفضي برفق. لطالما كانت هي الأقوى بيننا... لكن اليوم... بدت هشة إلى درجة كسرت شيئًا داخلي. ابتسمت ابتسامة باهتة. ثم همست: "أتعلمين يا لينيا..." "لو استيقظتِ الآن... ستوبخينني لأنني فقدت أعصابي." تنهدت ببطء. وأمسكت يدها بين يدي. "لكن..." "كيف تريدين مني أن أهدأ؟" ارتجف صوتي. "خمس سنوات..." "خمس سنوات وأنا أصدق أن ابنتنا ماتت." أغمضت عيني للحظة. تذكرت ضحكة لافندر... وهي تركض في حدائق المملكة. وهي تختبئ خلف لينيا كلما غضبت منها. وهي تناديني... "أبي!" ضغطت على يد لينيا بقوة. "أقسم لك..." "مهما كان الثمن..." "حتى لو اضطررت لإحراق العالم كله..." "سأعيد ابنتنا." طبعت قبلة خفيفة على جبينها. ثم وقفت. واستدرت نحو الباب. لكن... ما إن خرجت... حتى عاد كل الغضب الذي كنت أحاول دفنه. كانت سيلينا خارجة من غرفة علاج إيفان. ورأسها منخفض. تمشي بخطوات ثقيلة. في اللحظة التي وقعت عيناي عليها... لم أعد أرى شيئًا. لم أعد أسمع شيئًا. كل ما رأيته.. هو السنوات الخمس التي سرقتها مني. وفي لحظة... كنت أمامها. رفعت يدي. وأمسكت عنقها. ثم رفعتها عن الأرض بسهولة. شهقت سيلينا. تشبثت بيدي تحاول التنفس. نظرت إليها بعينين ملتهبتين. "خمس..." قلت بصوت منخفض لكنه مرعب. "...سنوات." شددت قبضتي أكثر. "وأنا أعتقد أن ابنتي ماتت." "خمس سنوات وأنا أحمل ذنب أني لم احميها." "وأنتِ تعرفين..." "تعرفين " "أن ابنتي..." "حية!" بدأ وجهها يحمر. وكانت تحاول أن تقول شيئًا. لكنها لم تستطع. "قلتي إنكِ اعتبرتها ابنتك؟" ضحكت بسخرية موجوعة. "وأنا؟" "من أعطاكِ الحق لتسرقي ابنتي مني؟!" ارتجفت أصابعي من شدة الغضب. "سأجعلك تدفعين الثمن..." "غاليًا." وفجأة... "زاك!" سمعت صرخة مألوفة. وفي اللحظة التالية... دفعتني هرلين بكل قوتها. اضطررت لأن أترك سيلينا. فسقطت على الأرض وهي تسعل بقوة، تلتقط أنفاسها بصعوبة. وقفت هرلين أمامها مباشرة. وكأنها تحميها. نظرت إلي بصدمة. كانت عيناها حمراوين ومتورمتين من كثرة البكاء على إيفان. قالت بصوت مرتجف: "ماذا كنت تفعل؟!" "كنت ستقتلها!" قبضت على يدي بقوة. "زاك..." "أنا أفهم غضبك." "وأقسم أنني لو كنت مكانك لشعرت بالألم نفسه." "لكن..." نظرت إلى سيلينا التي كانت لا تزال تسعل. "قتلها الآن..." "لن يعيد لافندر." أنزلت رأسي قليلًا. لكن الغضب لم يهدأ. قلت من بين أسناني. "هي سرقت خمس سنوات من حياتي." ردت هرلين بهدوء مؤلم: "وأعطت لافندر خمس سنوات من الحياة." ساد الصمت. حتى أنا... لم أجد جوابًا. في تلك اللحظة... خرجت إيفونا راكضة من غرفة العلاج. كان شعرها مبعثرًا. وثوبها ملطخًا ببقع من الأدوية. توقفت وهي تلهث. ثم ابتسمت لأول مرة منذ ساعات. "هرلين!" التفت الجميع إليها. قالت بسرعة: "الألفا..." "حالته بدأت تتحسن." "السم توقف عن الانتشار." "والجرح بدأ يلتئم." اتسعت عينا هرلين. ثم وضعت يديها على وجهها. وانهارت بالبكاء... لكن هذه المرة... كانت دموع ارتياح. خرج هيفان من الغرفة بعد لحظات. ابتسم ابتسامة صغيرة. وقال: "الخطر الأكبر انتهى." تنفس الجميع في آن واحد. حتى ألفرد جلس على أقرب مقعد وهو يزفر بقوة. أما أيان... فأغمض عينيه وهو يحمد الآلها بصوت خافت. ولأول مرة منذ ساعات... شعرت أن ذلك الثقل الذي كان يخنق صدور الجميع... خف قليلًا. لكن قلبي... لم يهدأ. لأن لافندر... ما زالت بعيدة. وبينما كنت غارقًا في أفكاري... شعرت بيد توضع على كتفي. التفت. كان لوكا. نظر إلي بعينين مليئتين بالقلق. ثم قال بهدوء: "أبي..." "أمي..." ابتلع ريقه. "...هل هي بخير؟" نظرت إليه للحظات. رأيت القلق الحقيقي في عينيه. تنهدت. ثم وضعت يدي على كتفه. "جسدها بخير." قلت بصوت منخفض. "لكن قلبها..." نظرت نحو الغرفة التي تنام فيها لينيا. "...انكسر اليوم مرتين." صمت لوكا. ثم قال بحزن: "سنرجع لافندر." رفعت رأسي إليه. كانت عيناه تشبهان عينيّ عندما كنت في عمره. مليئتين بالإصرار. ربتُّ على كتفه مرة أخرى. وقلت بثبات: "لا." نظر إلي باستغراب. فأكملت وأنا أشد قبضتي: "لن نرجعها فقط..." "بل سنعيدها إلى بيتها." "وسنجعل كل من لمسها..." "يتمنى لو أنه لم يولد أبدًا."من وجهة نظر إيفان لم أعد أحتمل الجلوس مع أحد. منذ أن عرفت الحقيقة... منذ أن عرفت أن لافندر كانت أمامي طوال هذا الوقت... وأنا أشعر وكأن شيئًا ينهش قلبي ببطء. صعدت إلى أعلى برج في القصر. كان المكان هادئًا. لا يسمع فيه سوى صفير الرياح. جلست على حافة الشرفة الحجرية، وبيدي كأس ممتلئ. ارتشفت منه بصمت. ثم مرة أخرى. وأخرى... حتى لم أعد أشعر بطعم الشراب. داخل رأسي... كان كل شيء مختلطًا. صوتها... ابتسامتها... ضحكتها عندما ركبت على ظهر إيف لأول مرة. نظراتها الخجولة. وهي ترتب الورود. وهي تضحك مع إيفونا. ثم... تلك اللحظة. حين وقفت أمامي لتتلقى الخنجر بدلًا عني. أغمضت عيني بقوة. "إيفان..." سمعت صوت إيف داخل رأسي. "توقف عن جلد نفسك." لم أجبه. "هي ما زالت حية." "وسنعيدها." ضحكت بسخرية. "أعيدها؟" "وأين هي؟" "هل تعرف مكانها؟" صمت إيف. فتابعت وأنا أحدق في السائل داخل الكأس. "أنا ألفا..." "ومع ذلك..." "...لا أستطيع حماية أهم شخص في حياتي." "هذا ليس ذنبك." "بل هو ذنبي." رفعت رأسي نحو السماء. كان القمر مكتملًا. يضيء الل
من وجهة نظر لينيا كانت قاعة العرش غارقة في صمت ثقيل. لم يعد أحد يجلس باسترخاء. الخرائط كانت مفروشة فوق الطاولة الطويلة، والرسائل تتكدس أمام الملك، بينما وقف القادة يناقشون احتمالات الهجوم القادم. كان الجميع يدرك... أن الأمر لم يعد يتعلق بخطف لافندر فقط. وقف زاك في مقدمة القاعة، ووجهه لم يفارق الجدية منذ عاد من لقائه بإيثان. تبادل نظرة مع الملك ألفرد، ثم قال بصوت هادئ لكنه حازم: "علينا أن نغير أولوياتنا." ساد الصمت. رفع الجميع أنظارهم إليه. أكمل: "حتى الأمس... كنا نظن أن مشكلتنا الوحيدة هي العثور على لافندر." توقف لحظة. ثم قال: "لكن هذا تغير." وضع يده على الطاولة. "الختم الإلهي... الذي صنعته الإلهة سيلين مع والدي كرستون قبل قرون..." "...قد انكسر." تغيرت ملامح الجميع. حتى ألفرد عقد حاجبيه. أما هيفان فقال بصدمة: "هل أنت متأكد؟" أغمض زاك عينيه للحظة. "رأيته بعيني." "ولم يكن مكسورًا فقط..." "...بل كان فارغًا." ارتجفت أصابعي دون أن أشعر. همست: "يعني..." رفع زاك نظره إلينا. "يعني أن آيروكا خرج." ساد صمت ثقيل. حتى الهواء بدا وكأنه توقف. قال أيان بصوت منخفض:
من وجهة نظر لافندر تجمدتُ في مكاني. صوت الجرس الذي دوّى في أنحاء القرية لم يكن عاديًا. كان يحمل شيئًا... جعل حتى الهواء يبدو ثقيلاً. رفعت رأسي نحو إيثان. كان ينظر من النافذة، وعيناه تضيقان بتركيز. أول مرة... أراه بهذه الجدية. همست بخوف: "إيثان... ماذا يحدث؟" لم يجب مباشرة. ظل يراقب الخارج لثوانٍ طويلة. ثم قال بصوت منخفض: "هذا الجرس لا يُقرَع إلا إذا اقترب خطر من القرية." ارتجف قلبي. "هل... وجدونا؟" قلت وشرارة أمل داخل. لكن فجأة .. أدار وجهه نحوي بسرعة. "لا." قالها بحزم. "لو كانوا هم..." "...لما كان هناك وقت لدق الجرس." شعرت بقليل من الارتياح. لكن التوتر بقي يخنقني. فجأة... ارتفع صوت طرقات متتالية على الباب. دق... دق... دق... تقدم إيثان وفتح الباب بحذر. وقف في الخارج رجل مسن، لحيته بيضاء وظهره منحنٍ قليلًا. كان يلهث. "إيثان..." "اجتمع أهل القرية في الساحة." "قالوا إن شيئًا غريبًا حدث عند الحدود." تردد الرجل قليلا وهو ينظر إلى إيثان وكأنه يريد قول شئ. "هل هناك شيء آخر." تردد قليلاً قبل أن يقول. "اعتقد أنه عاد." تجم
من وجهة نظر الملك نيروت كان الليل قد ابتلع مملكة الظل الأسود. السماء ملبدة بغيوم سوداء كثيفة، والرياح تعصف بأبراج القصر الحجري. وقف الحراس في مواقعهم كعادتهم... حتى... تجمد أحدهم فجأة. "مـ... ما هذا؟" رفع الجميع رؤوسهم. في منتصف ساحة القصر... بدأ الظلام يتجمع. لم يكن ضبابًا... ولا دخانًا. بل... ظلٌّ حي. دوامة سوداء ضخمة أخذت تكبر شيئًا فشيئًا، حتى غطّت أرض الساحة بالكامل. هبطت منها هالة جعلت الهواء نفسه يبدو أثقل. ارتجفت أيدي الحراس. وتراجع بعضهم خطوة دون وعي. "لا... لا يمكن..." همس أحد القادة وقد شحب وجهه. "هذه الهالة..." "...لم أشعر بها منذ مئات السنين." وفجأة... خرجت قدم من قلب الظلام. ثم الثانية. وببطء... ظهر رجل طويل القامة. شعره الأسود الطويل يلامس ظهره. عباءة سوداء تتحرك رغم أن الرياح توقفت تمامًا. وعينان... حمراوان بلون الدم. لكن أكثر ما أرعبهم... ذلك الظل الهائل خلفه. كأنه مخلوق عملاق يقف ملتصقًا بروحه. نظر إليهم بهدوء. ابتسم ابتسامة صغيرة. في اللحظة التالية... ركع أحد الحراس دون أن يشعر. ثم الثاني. ثم الثالث. حتى من حاول المقاومة... و
من وجهة نظر لافندر لم أستطع النوم. رغم دفء المنزل... ورغم هدوء القرية... كان هناك شيء في داخلي لا يهدأ. وقفت أمام النافذة، أتأمل الأضواء الصغيرة المنبعثة من البيوت الخشبية. ضحكات أطفال. رائحة خبز طازج. ونساء يتحدثن أمام منازلهن. كل شيء... بسيط. ودافئ. وكأن هذه القرية معزولة عن كل الحروب التي عرفتها. طرقات خفيفة على الباب قطعت شرودي. "ادخل." فتح الباب بهدوء. كان إيثان يحمل صينية عليها كوب شاي وبعض الخبز الساخن. اقترب ووضعها على الطاولة. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "ظننت أنك لم تنامي." جلست على طرف السرير. "لم أستطع." ساد الصمت بيننا للحظات. ثم نظرت من جديد نحو القرية. وسألته بهدوء: "ما اسم هذه القرية؟" اقترب ووقف بجانب النافذة. "ليست لها شهرة كبيرة." "تقع قرب حدود مملكة الظل الأسود." تأملت البيوت مرة أخرى. "غريبة..." نظر إليّ. "ماذا؟" ابتسمت بخفة. "الجميع هنا يعامل بعضه بلطف." "لا أحد يبدو خائفًا." تنهد إيثان. "لأن أغلب من يعيش هنا..." "...هم أشخاص فقدوا بيوتهم." التفت إليه. "هاربون من الحروب." "أيتام." "أرامل." "أشخاص لم يعد لديهم مكان آخر." خفض
من وجهة نظر لافندر لم أكن أعرف كم مرّ من الوقت. جلست بصمت قرب نافذة الكوخ، أحدق في الغابة الممتدة أمامي. كل شيء هادئ... هادئ إلى درجة مخيفة. لكن قلبي... لم يعرف الهدوء منذ أن استعدت ذاكرتي. إيفان... أمي... أبي... هرلين... الجميع... هل ما زالوا يبحثون عني؟ أم أنهم فقدوا الأمل؟ شعرت بغصة تخنقني، وأخفضت رأسي. وفجأة... انفتح باب الكوخ بقوة. "لافندر!" رفعت رأسي بسرعة. دخل ، وكان يتنفس بسرعة وكأنه ركض مسافة طويلة. لكن أكثر ما أخافني... هو أنه لم يكن يبتسم. لأول مرة منذ عرفته... كان القلق واضحًا في عينيه. وقبل أن أنطق بحرف... وصل إليّ بخطوتين فقط، وضمني بقوة إلى صدره. تجمدت مكاني. "أ... أنت؟" كنت أشعر بسرعة نبضات قلبه. وهو يردد بصوت منخفض: "الحمد لله..." "...وصلت في الوقت المناسب." رمشت بعدم فهم. ثم دفعت صدره بخفة حتى ابتعد خطوة "ماذا حدث؟" رفع رأسه نحو النافذة، وكأنه يتأكد من شيء. ثم قال بسرعة: "علينا المغادرة." اتسعت عيناي. "الآن؟" أومأ. "فورًا." بدأ يجمع بعض الأغراض الموجودة في الكوخ. لم أفهم شيئًا. فسألته بتردد: "هل... هل وجدني أهلي؟" توقف لل
لافندر استيقظتُ ذلك الصباح بحماس غريب. ربما لأن الجو كان جميلًا… أو لأن الغابة هنا مختلفة عن غابات القصر. فتحت عيني ببطء، ثم جلست بسرعة فوق السرير وأنا أبتسم وحدي. ضوء الشمس كان يتسلل من نافذة الكوخ الخشبي، وصوت العصافير بالخارج جعل المكان يبدو هادئًا بشكل مريح. نهضت فورًا وبدأت أجهز نفسي بسر
الكاتب… مرت الأيام… وتغيرت أشياء كثيرة بين إيفان ولافندر. ليس كثيرًا… لكن بما يكفي حتى يلاحظه الجميع. لم يعودا يتشاجران طوال الوقت. ولم تعد لافندر تستفزه كل خمس دقائق… حسنًا، أحيانًا فقط حتى ذئب إيفان الداخلي “إيف”… بدأ يهدأ بوجودها. خصوصًا عندما تتوقف عن التصرف بطفولية. كانت ت
الكاتب… بعد انتهاء العشاء… بقي الجميع مجتمعين لبعض الوقت داخل القاعة الكبرى. ضحكات خفيفة… أحاديث هادئة… وصوت لافندر وهي تزعج الجميع كعادتها لكن بعد مدة… انسحب إيفان ولوكا إلى إحدى الشرفات الجانبية. كان الليل هادئًا… والقمر يضيء غابات نورفاي البعيدة. جلس لوكا على حافة السور الحجري وهو يش
الراوي داخل أقبية قصر نورفاي، كان الهدوء يلف المكان… لكن ليس بالكامل. كانت لافندر منغمسة في الكتاب القديم، تقلب صفحاته بسرعة وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة. بينما كان إيفان يقف خلفها، ذراعيه متقاطعتان، ينظر إليها بملل واضح. حتى ذئبه الداخلي “إيف” ظهر في وعيه وهو يتنهد: — “مصاصو الدماء هؤلاء… سيج







