LOGINولجت جيداء قاعة المعرض إلى جوار ياسين، و شعرت للحظة أنها دخلت عالماً مختلفاً تماماً عن عالمها.الأضواء الذهبية الناعمة انعكست على اللوحات العملاقة المعلقة على الجدران، و أصوات الموسيقى الهادئة امتزجت بأحاديث الضيوف وضحكاتهم الخافتة ورغم كل ذلك...لم تكن ترى شيئاً بوضوحكانت تبحث بعينيها عن وجه واحد فقط.الوجه الذي انتظرته سنوات طويلة.شعرت بأصابعها تشتد حول ذراع ياسين دون وعي.فهمس دون أن ينظر إليها:— تنفسي.ابتلعت ريقها.— أحاول.وفي اللحظة التالية...توقف ياسين فجأة.رفعت جيداء رأسها ثم رأتها.كانت الفنانة عالية تقف برأس مرفوع و وقار يفيض بالثقة؛ ملامحها تحمل مزيجاً ساحراً من القوة و الحنو النبيل، و ثوبها الأسود المخملي يمنحها هيبة تليق بفنانة عالمية. التفتت عالية بعفويتها اللطيفة نحو جهة المدخل، و ما إن وقعت عيناها على ياسين حتى انفرجت أسارير وجهها بابتسامة واسعة و مرحة بددت برودة الأجواء الرسمية المحيطة بها.تخلت عالية عن الحشود و تقدمت نحوه بخطوات واثقة و رشيقة، و قالت بنبرة عاتبة ومَرِحة تفيض بالأمومة:— أيها الهارب! أخيراً تنازلت وأتيت لرؤيتي؟ هل يجب أن أقيم معرضاً دو
أشرق صباح اليوم التالي حاملاً معه برودة شتائية جافة تغلغلت في العظام. لم تكن جيداء بحاجة لطرقات ياسين لتستيقظ؛ فقد كانت تقف خلف باب شقتها بكامل تماسكها المصطنع منذ السابعة صباحاً. عندما انفتح الباب، وجدته يقف أمامها ببذلته السوداء الرسمية الفاخرة، و عيناه الحادتان تحملان وزناً ثقيلاً من الجدية. لم يبتسم، و لم يطلق أي تعليق ساخر، بل اكتفى بالنظر إلى عينيها و قال بصوت منخفض ورخيم:— لا تنسي ما اتفقنا عليه يا جيداء. كوني مهندسة تعمل معي فقط. أي زلة قد تنهي كل شيء قبل أن يبدأ.هزت رأسها ببطء، و حنجرتها جافة من فرط التوتر:— أنا جاهزة. لن تخرج مني كلمة واحدة.بعد ثواني طويلة من الصمت همست:— هل هي سعيدة؟فتح ياسين عينيه ونظر إليها.— من؟جيداء — أمي.صمت قليلاً.— لا أعرف.— أنت تعرفها منذ سنوات.— أعرف الوجه الذي يراه الناس.أشاحت جيداء بوجهها نحوه.فأكمل:— لكن ما تشعر به لا اعرف حقا .سكت قليلاً ثم قال:— هناك حزن قديم في عينيها دائماً.توقفت أنفاس جيداء.— حزن بسببي؟هز رأسه ببطء.— لا أملك حق الإجابة عن هذا السؤال.خفضت رأسها و أخذت تعبث بأصابعها بتوتر.راقبها ياسين للحظات.ثم ق
مع هبوط الليل الشتوي الكثيف، تراجعت عواصف النهار لتفسح المجال لصمت مطبق لفّ أرجاء البناية. لم تكن جيداء قادرة على الجلوس خلف جدران شقتها الموصدة؛ بل بقيت واقفة لساعات طوال عند مدخل ممرها، تراقب الباب المقابل بقلب مثقل بلقبها الجديد "شهد"، تتقاذفها الأفكار حول طفولتها التي هبطت عليها فجأة. في تمام الحادية عشرة ليلاً، دوى صوت تروس المصعد في سكون الطابق و هي تعلن وصوله. انفتحت الأبواب ببطء، و خطا ياسين نحو الممر بخطوات مجهدة و ثقيلة، حاملاً حقيبته الجلدية. لم يفاجأ برؤيتها تقف في انتظاره وسط العتمة؛ بل تباطأت خطواته تماماً، و تلاشت ملامحه الصارمة لتترك مساحة لتأمل صامت و عميق بينهما. تقدمت جيداء خطوة للأمام، و ثبتت نظراتها الحادة في عينيه الغائرتين، و قالت بنبرة بسيطة حملت عتباً قاطعاً: — أخبرني عن أبي وأمي يا ياسين.. أم أن وجودهما أيضاً سر لا يجب أن أعلمه؟ تصلب جسد ياسين في مكانه لثوانٍ، و ألقى حقيبته جانباً، ثم مرر يده داخل شعره باضطراب حاد. عندما رفع عينيه إليها وسط ضوء الممر الخافت، بدا صوته الرخيم محملاً بغصة مريرة، و قال بهدوء: — والدكِ توفي
ساد صمت مطبق في أرجاء الصالة، صمت ثقيل بدا معه أن الزمن قد توقف عن الحركة. كان ياسين يقف متصلباً، و عيناه تحملان جدية غابت معها كل دروعه الساخرة، بينما كانت جيداء ترقبه بأنفاس معلقة، و عقلها يستعد للكلمة التي ستغير حياتها.أخذ ياسين نفساً عميقاً، و عاد صوته الرخيم ليخترق السكون بنبرة هادئة ومستقرة:— الطفلة التي رأيتِ صورتها في الحافظة الجلدية يا جيداء.. ليست غريبة عنكِ.لم تقاطعه، بل ظلت نظراتها معلقة بفتحة شفتيه، تابع ياسين ببساطة حاسمة:— الطفلة في الصورة.. هي أنتِ. اسمكِ الحقيقي الذي ولدتِ به هو "شهد الراوي".هبطت الكلمات على مسامعها لتعيد ترتيب كل شكوكها الماضية. لم تنكر، ولم تتهمه بالكذب؛ فملامح الطفلة التي تذكرتها و رسمتها بوعيها الباطن كانت دليلاً حياً لا يقبل الشك. تراجعت خطوة إلى الخلف، و أسندت كفها على حافة الطاولة، و قالت بنبرة خافتة يملؤها الذهول:— شهد الراوي.. إذن هذا هو اسمي الحقيقي. و من أين لك أنت بهذه الصورة؟نظر في عمق عينيها مباشرة، و قال بصوت يفيض بحزن دافٍ وعميق:— والدي، سعد الفاروق، كان الشريك القديم لوالدكِ في شركتهما السابقة قبل سنوات طويل
لم تتبدد عاصفة الغضب التي اجتاحت الردهة السفلية في ليلة الأمس؛ بل بقيت غيومها متلبدة في سماء شقة جيداء طوال ساعات الصباح الأولى. كانت تجلس خلف مكتبها الصغير في الصالة، تدعي التركيز في مراجعة الأوراق، لكن عقلها كان يتربص بالباب، بانتظار ارتداد الزلزال الذي خلّفه لقاؤهما العاصف.في تمام التاسعة صباحاً، دوى صوت طرقتين منتظمتين على الباب الخارجي.لم تكن طرقتين متكاسلتين كالعادة، بل كانتا تحملان ثقلاً و جدية غيرا مألوفين. نهضت جيداء، و جمعت شتات كبريائها المتمرد، ثم توجهت نحو الباب و فتحته ببطء.كان ياسين يقف في الممر، و قد تخلص من ملامح السفر المرهقة، لكن عينيه الحادتين كانتا تحملان نظرة صارمة و عميقة، نظرة خالية تماماً من قناع السخرية المعتاد. لم ينتظر إذنها بالدخول، بل خطا خطوة إلى الداخل و أغلق الباب خلفه بهدوء يحمل وزناً هائلاً.نظرت إليه جيداء بحزم، و قالت بنبرة بسيطة و باردة:— إذا جئت لتعيد كلمات الأمس يا ياسين، ف وفر أنفاسك. ليس لدي وقت للألغاز.نظر إليها مباشرة، و لم يتحرك في جسده الصلب عِرق واحد، و قال بصوته الرخيم المليء بالثقة والجدية:— لم آتِ لأعيد كلمات
تلاشت كلمات ياسين في الهواء البارد، لكن هذه المرة لم تستسلم جيداء لذلك الدفء الذي اعتاد أن يهزم غضبها.تذكرت.تذكرت تلك الليلة بكل تفاصيلها القاسية.تذكرت كيف جذبها إليه و كأنها أهم شيء في هذا العالم.و كيف قبلها.ثم كيف ابتعد عنها في اللحظة التالية و كأنها نار أحرقته.و كيف اختفى.اسبوعين كاملين .اسبوعين من الأسئلة و الخذلان و الانتظار.انتزعت يدها من بين أصابعه بعنف حتى ارتدت ذراعه إلى الخلف، و تراجعت خطوة وعيناها تشتعلان بغضب حقيقي.— لا تلمسني يا ياسين.ارتجف فكه.— جيداء...— لا. لا تنادني بذلك الهدوء و كأن شيئًا لم يحدث.هبطت حقيبته من يده إلى الأرض دون أن يشعر.نظر إليها مذهولًا.لم يرها غاضبة هكذا من قبل.أما هي فكانت أخيرًا تقول كل ما كتمته.— تريدني أن أصدق ماذا بالضبط؟ أنك قبلتني ثم اختفيت لأنك مشغول؟ لأن لديك صفقة مهمة؟ لأن الرجل العظيم ياسين المرادي لم يجد دقيقة واحدة ليكتب رسالة؟ضغط أسنانه بقوة.— الأمر أعقد من ذلك.ضحكت بمرارة.— طبعًا أعقد من ذلك. دائمًا هناك أسرار و غموض و أبواب مغلقة. المشكلة أنني الوحيدة التي تقف خارج تلك الأبواب المغلقه كالغبية.تقدم







