ANMELDENظلّ سؤال المديرة مضيئًا على شاشة الهاتف، فيما امتدت أصوات خافتة من غرفة المكتب عبر الممر.
«هل ستكون عودتك هذه المرة دائمة؟»
كتبت ديما: نعم.
نظرت إلى الكلمة طويلًا. ثلاثة أحرف فقط، لكنها بدت أكبر من المساحة التي اعتادت أن تمنحها لرغباتها.
لم ترسلها.
حذفتها، ثم كتبت:
«أرغب في ذلك. هل يمكنني الحضور غدًا؟»
وصلها الرد سريعًا:
«في العاشرة. سأنتظرك.»
وضعت الهاتف على الخزانة، وسحبت الغطاء إلى ركبتيها. كان المفترض أن يمنحها الموعد راحة، لكن ذهنها بدأ يعدّ العقبات بدل الساعات: ماذا ستقول لطلال؟ هل تحتاج إلى شراء ملابس مناسبة للعمل؟ أين وضعت شهاداتها؟ وهل ما زالت تتذكر كيف تقف أمام فصل كامل، بعدما أمضت عامين تنتقي كلماتها أمام رجل واحد؟
سمعت باب المكتب يُفتح.
اعتدلت قليلًا، ثم لامت نفسها على الحركة. لم يكن دخوله إلى غرفة النوم حدثًا يستحق كل هذا الاستعداد، ومع ذلك كانت تتهيأ له دائمًا؛ تخفي تعبها، وتسوّي الوسادة، وتبحث عن سؤال لا يزعجه.
دخل طلال وهو يفك أزرار كُمّه.
«لم تنامي؟»
«ليس بعد.»
وضع ساعته على الخزانة، ثم لمح الدفتر المفتوح قربها.
«ما هذا؟»
«دفتر قديم من المدرسة.»
أومأ، واتجه إلى الخزانة.
قالت قبل أن تختفي شجاعتها:
«سأزور المديرة غدًا.»
توقف ويده على باب الخزانة.
«أي مديرة؟»
«مديرة المدرسة. تحدثنا في أثناء العشاء.»
«أذكر.»
انتظرت، فتابع:
«هل رتبتِ الزيارة؟»
«نعم. في العاشرة.»
التفت إليها.
«بهذه السرعة؟»
تحركت أصابعها فوق حافة الغطاء.
«كنت أفكر في الأمر منذ مدة.»
لم يسأل منذ متى. أخرج ملابسه، وقال:
«اطلبي من السائق أن يوصلك.»
«يمكنني الذهاب بسيارة أجرة.»
«السائق موجود لهذا الغرض.»
قالها وهو يدخل الحمّام، فانتهى الحديث.
بقيت ديما تنظر إلى الدفتر. لم يمنعها، ولم يسألها عمّا تأمل أن تجده هناك. ومع ذلك، شعرت بأنها اجتازت شيئًا.
فتحت الصفحة التي رسمت فيها الطفلة البيت ذا الباب الأخضر، ثم أغلقتها برفق.
هذه المرة، كان لديها مكان تذهب إليه في الصباح.
استيقظت قبل المنبّه.
دخل ضوء باهت بين الستائر، وكانت الجهة الأخرى من السرير فارغة. سمعت ماءً يجري في الحمّام، ثم صوت طلال يتحدث عبر الهاتف.
نهضت وفتحت خزانتها.
مرّت يدها على ثياب اشترتها لمناسبات لم تحدث، وأخرى ارتدتها في زيارات قصيرة إلى والدته. في آخر الرف وجدت قميصًا قطنيًا بلون عاجي، كانت ترتديه أيام التدريس. أخرجته، وفردته على السرير.
عند الكم بقعة حبر صغيرة لم تستطع إزالتها قديمًا.
ابتسمت.
تذكرت الطفل الذي أسقط القلم على دفتر الحضور، ثم نظر إليها مذعورًا، كأنه ارتكب جريمة. يومها قالت له إن المعلمات يخطئن أيضًا، وأرته بقعة أخرى على أصابعها.
ارتدت القميص مع تنورة داكنة، وربطت شعرها إلى الخلف. حين نظرت إلى المرآة، أحست أنها تعرف المرأة التي أمامها أكثر مما عرفتها الليلة الماضية.
في غرفة الطعام، كان طلال يشرب القهوة.
رفع عينيه عندما دخلت، ثم نظر إلى الساعة.
«مبكرة اليوم.»
«لم أرد أن أتأخر.»
جلست، فدفع نحوها طبق الخبز الذي كان قريبًا منه. كانت حركة عادية، لكنها لفتت انتباهها. أخذت قطعة صغيرة وبدأت تدهنها بالجبن.
قال:
«سأتأخر مساءً. لا تنتظريني للعشاء.»
توقفت يدها لحظة.
«حسنًا.»
فتح رسالة على هاتفه، ثم أضاف:
«وغدًا لدينا حفل الشركة.»
رفعت رأسها.
«غدًا؟»
«حفل الإعلان عن المشروع الجديد. سيبدأ في السابعة.»
انتظرت أن يكمل.
وضع الهاتف جانبًا.
«أريدك أن تأتي معي.»
خفق قلبها على نحو لم تستطع إخفاءه تمامًا.
«أنا؟»
عقد حاجبيه قليلًا.
«من غيرك؟»
نظرت إلى قطعة الخبز في يدها، ثم وضعتها في الطبق.
خلال عامين، حضرت معه مناسبات عائلية وعددًا قليلًا من الدعوات. أما حفلات شركته، فكان يذهب إليها وحده غالبًا. مرة قال إنها اجتماعات عمل طويلة، ومرة إنها ستشعر بالملل، وبعد ذلك لم تعد تسأل.
«لم تخبرني من قبل.»
«تأكد الموعد بالأمس.»
«هل هناك شيء ينبغي أن أعرفه؟»
«سترسَل إليك التفاصيل. اختاري شيئًا مناسبًا، ولا تتأخري.»
نهض، وأخذ حقيبته.
كادت تسأله إن كان يريد أن يساعدها في اختيار الثوب، لكنها اكتفت بقولها:
«سأكون جاهزة.»
بعد أن أغلق الباب، بقيت جالسة أمام إفطارها.
كان هناك اختلاف بسيط بين مساء أمس وهذا الصباح. لم تعرف إن كانت تبالغ في تقديره، لكنها تمسكت به.
ربما أدرك أنها انزعجت.
ربما كانت دعوته طريقته في الاعتذار.
أكملت إفطارها، ثم صعدت لتبحث عن شهاداتها.
بدت المدرسة أصغر مما احتفظت به ذاكرتها.
توقف السائق أمام البوابة، ونزلت ديما تحمل حقيبة جلدية قديمة. كان الطلاء على السور قد جُدّد، وأضيفت مظلة فوق المدخل، لكن شجرة الساحة ما زالت تميل في الاتجاه نفسه.
رأت طفلين يتجادلان قرب حوض الزهور، وثالثًا يركض حاملًا ورقة أكبر من ذراعيه. من نافذة مفتوحة جاء صوت معلمة تطلب من التلاميذ أن يرفعوا أيديهم قبل الإجابة.
توقفت ديما عند البوابة لحظة.
كان الضجيج مألوفًا إلى حد آلمها.
«المعلمة ديما؟»
التفتت.
وقف الحارس عند باب غرفته، يحدق فيها، ثم اتسعت ابتسامته.
«لم أكن متأكدًا.»
«صباح الخير.»
«أهلًا بك. هل عدتِ إلينا؟»
نظرت إلى المبنى.
«جئت لزيارة المديرة.»
«ستفرح برؤيتك.»
فتح لها الباب، ودخلت.
في الممر، صادفت معلمة تعرفها. توقفت المرأة، ثم احتضنتها بحماسة جعلت ديما تضحك رغم ارتباكها.
«أين اختفيتِ؟»
«لم أختفِ تمامًا.»
«عامان، يا ديما! هذا اختفاء.»
تراجعت قليلًا لتتأملها.
«ما زلت كما أنت.»
لم تعرف ديما كيف تجيب. ابتسمت فقط.
قبل أن تتابعا الحديث، رنّ جرس قصير، فرفعت المعلمة يدها معتذرة.
«لدي حصة. لا تغادري قبل أن أمرّ عليك.»
أومأت ديما، وسارت نحو مكتب المديرة.
وجدت الباب مفتوحًا.
كانت المديرة، السيدة هالة، تراجع أوراقًا خلف مكتبها. رفعت رأسها، ثم خلعت نظارتها.
«أخيرًا.»
نهضت واستقبلتها، ولم تسألها لماذا تأخرت كل تلك المدة. أشارت إلى المقعد، ثم اتصلت بالمساعدة تطلب كوبين من الشاي.
جلست ديما، ووضعت الحقيبة في حضنها.
قالت هالة:
«والدك أخبرني أنك بخير.»
«الحمد لله.»
«وأنت، ماذا تقولين؟»
رفعت ديما عينيها إليها.
«بخير أيضًا.»
لم تُلحّ المديرة. عادت إلى مقعدها، وسحبت ملفًا من طرف المكتب.
«لدينا شاغر في الصفوف الأولى. المعلمة الحالية ستنتقل نهاية الأسبوع. كنت سأبدأ المقابلات اليوم.»
شدّت ديما يدها حول مقبض الحقيبة.
«لا أريد أن أؤخر إجراءاتكم.»
«لهذا سأكون واضحة. معرفتي بك لا تعفينا من الحديث عن العمل.»
أحست ديما براحة لم تتوقعها.
أخرجت شهاداتها، ووضعتها على المكتب.
تصفحت هالة الأوراق، ثم سألتها عن أيام الحضور، والمسافة من بيتها، وقدرتها على الالتزام بالتحضير والاجتماعات. أجابت ديما بهدوء، لكن صوتها صار أكثر ثباتًا مع كل سؤال.
هنا لم تكن مطالبة بأن تبدو سعيدة. كان عليها أن تكون مستعدة.
قالت هالة:
«الراتب تغير قليلًا منذ غادرتِ، لكنه ما زال متواضعًا.»
«أعرف.»
«والمسؤوليات لم تصبح أخف.»
ابتسمت ديما.
«هذا أعرفه أيضًا.»
أغلقت المديرة الملف.
«أريدك أن تشاهدي الفصل أولًا. وبعدها نتحدث.»
كان الفصل الذي دخلتاه في نهاية الممر.
وقفت المعلمة الحالية قرب السبورة، وأمامها مجموعة من الأطفال يحاولون ترتيب كلمات جملة قصيرة. رحبت بهالة وديما، ثم عادت إلى الدرس.
جلست ديما في الخلف.
في الصف الأول، كانت طفلة تحرك شفتيها وهي تقرأ. إلى جانبها، انشغل طفل بطيّ زاوية الكتاب. وفي الوسط، رفع صبي يده ثم خفضها قبل أن تراه المعلمة.
راقبته ديما.
رفعها ثانية، وتردد.
حين انتهى النشاط، طلبت المعلمة من التلاميذ أن يفتحوا دفاترهم. اقتربت هالة من ديما وقالت بصوت منخفض:
«هل تودين مساعدتهم؟»
نظرت إليها، ثم إلى الأطفال.
«يمكنني؟»
«جئتِ من أجل هذا، أليس كذلك؟»
نهضت.
مرّت بين المقاعد، وتوقفت قرب الصبي المتردد. كان ينظر إلى سؤال ترك تحته سطرًا فارغًا.
«هل تحتاج إلى مساعدة؟»
غطى الصفحة بذراعه.
«لا.»
ابتسمت وجلست على المقعد الخالي بجانبه.
«حسنًا. إذن ساعدني أنت. لم أفهم لماذا تركت هذا السؤال.»
أزاح ذراعه قليلًا.
«أعرف الإجابة.»
«لماذا لم تكتبها؟»
«أخشى أن تكون خطأ.»
نظرت إلى السبورة، ثم عادت إليه.
«نكتبها أولًا، وبعدها نرى.»
ظل مترددًا.
أضافت:
«يمكنك أن تخطئ هنا. هذا أحد أسباب وجودنا في المدرسة.»
أمسك قلمه، وكتب.
كانت الإجابة صحيحة.
رفع عينيه إليها، فأومأت.
«أرأيت؟»
ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم انتقل إلى السؤال التالي.
بقيت ديما قربه لحظة أطول مما احتاج. كانت تنظر إلى الكلمات على الورق، لكن الجملة التي قالتها له بقيت تتردد في ذهنها.
نكتبها أولًا، وبعدها نرى.
عندما عادت إلى مكتب المديرة، كان الشاي قد برد.
لم يزعجها ذلك.
جلست هالة قبالتها.
«هل تريدين العمل؟»
لم تسألها إن كانت تستطيع. لم تسألها عمّا سيقوله زوجها.
سألتها هي.
«نعم»، أجابت ديما.
«إذن يمكننا البدء يوم الاثنين. سأحتاج إلى تأكيدك النهائي غدًا حتى أوقف المقابلات.»
نظرت ديما إلى الأوراق.
«هل أستطيع أخذ نسخة من التفاصيل؟»
«بالطبع.»
طبعت المديرة ورقتين، ووضعتهما أمامها.
«اقرئيهما بهدوء. لا أريدك أن تقبلي لأنك اشتقتِ إلينا في زيارة واحدة. أريدك أن تكوني مستعدة للأيام التي ستعودين فيها متعبة، وللأطفال الذين لن يصغوا، وللعمل الذي ستأخذينه معك إلى البيت.»
«اشتقت إلى ذلك كله.»
ضحكت هالة، ثم قالت:
«هذا جواب معلمة.»
عند خروجها، التقت المعلمة التي استقبلتها في الممر. تحدثتا لدقائق عن زميلات غادرن وأخريات التحقن، وعن خزانة الكتب التي ما زال مفتاحها يضيع كل أسبوع.
ضحكت ديما أكثر مما ضحكت خلال الشهر الماضي.
حين ركبت السيارة، وضعت أوراق العمل إلى جانبها، ونظرت عبر الزجاج.
لم تشعر أن المدرسة أعادتها إلى حياتها القديمة. شعرت أنها منحتها بداية تستطيع أن تختارها.
في البيت، وجدت صندوقين كبيرين في غرفة الجلوس.
اقتربت منهما، فرأت بطاقة تحمل اسم متجر للملابس، وإلى جانبها ظرفًا صغيرًا.
فتحت الظرف.
«للسيدة ديما، بناءً على طلب مكتب السيد طلال.»
لم تكن هناك رسالة أخرى.
رفعت غطاء الصندوق الأول. في داخله ثوب بلون أخضر داكن، بقماش ناعم وأكمام طويلة. أما الثاني فاحتوى حذاء وحقيبة صغيرة.
لمست القماش بأطراف أصابعها.
كان جميلًا.
بحثت عن هاتفها، وكتبت:
«وصل الثوب. شكرًا.»
ظهرت علامة وصول الرسالة، ثم جاء الرد بعد قليل:
«جرّبيه. أخبريني إن احتاج إلى تعديل.»
جلست على طرف الأريكة.
لعلّه اختاره بنفسه.
حاولت ألّا تتعلق بالفكرة، لكنها دخلت قلبها قبل أن تتحقق منها.
صعدت وجرّبت الثوب. كان مناسبًا، إلا عند الخصر، حيث احتاج إلى تعديل بسيط. وقفت أمام المرآة، وأرخَت شعرها على كتفيها.
رأت في انعكاسها امرأة يمكن أن تسير إلى جانب طلال من دون أن تشعر بأنها جاءت من عالم آخر.
ثم وقع نظرها على حقيبتها القديمة، وعلى أوراق المدرسة البارزة منها.
عادت فرفعت شعرها.
كانت تلك المرأة أيضًا هي.
اتصلت والدة طلال بعد الظهر.
«هل وصل ما أرسلناه؟»
توقفت ديما عند كلمة «أرسلناه».
«نعم. الثوب جميل.»
«اخترته مع مسؤولة العلاقات العامة. طلال لا يجد وقتًا لهذه التفاصيل.»
نظرت ديما إلى الصندوق المفتوح.
«شكرًا لك.»
«أردت أن يكون كل شيء جاهزًا. الحفل مهم، وسيحضر أشخاص كثيرون.»
«قال لي طلال ذلك.»
«سيكون هناك تصوير أيضًا. لا تقلقي، ستكون مسؤولة التنظيم بالقرب منك.»
سكتت ديما، فأكملت والدته:
«وأريدك أن ترتاحي غدًا. لا تملئي نهارك بالزيارات.»
«كنت سأعود إلى المدرسة.»
«المدرسة؟»
«زرتها اليوم. عرضوا عليّ وظيفة.»
ساد صمت قصير.
«هل تحدثتِ مع طلال؟»
«أخبرته أنني أفكر في العودة.»
«التفكير شيء، والالتزام شيء آخر.»
جلست ديما قرب النافذة.
«أعرف.»
قالت والدته بنبرة ألين:
«لا تتعجلي. لديكما أمور أهم في هذه المرحلة.»
لم تسأل ديما عمّا تعنيه. تذكرت حديث الطفل، وموعد العيادة الذي لم تحجزه بعد.
«سأتحدث معه»، قالت.
أنهت المكالمة، ثم أخرجت أوراق المدرسة.
قرأت ساعات العمل، والراتب، وبنود الإجازات. كانت التفاصيل واضحة، قابلة للفهم. إذا حضرت عملت، وإذا غابت شرحت السبب، وإذا أخطأت أصلحت ما تستطيع.
أما حياتها في هذا البيت، فكانت تحتاج إلى تفسير جديد كل يوم.
عاد طلال قبل الثامنة بقليل.
كانت ديما في غرفة الجلوس، تراجع الأوراق. رفعت رأسها عند دخوله، ثم جمعتها من دون قصد.
لاحظ الحركة.
«ماذا تقرئين؟»
«تفاصيل الوظيفة.»
خلع معطفه ووضعه على ظهر المقعد.
«كيف كانت الزيارة؟»
ابتسمت قبل أن تجيب.
«جيدة. دخلت أحد الفصول.»
جلس، وفك زر سترته.
«هل عرضوا عليك العمل؟»
«نعم. يمكنني البدء يوم الاثنين.»
نظر إليها لحظة.
«الاثنين المقبل؟»
«لديهم معلمة ستغادر. يحتاجون إلى جواب غدًا.»
مدّ يده.
«أريني.»
ناولته الأوراق.
قرأ الصفحة الأولى، ثم الثانية. تابعت عينيه وهو ينتقل بين السطور، وانتظرت رأيه.
قال:
«ستخرجين في السابعة صباحًا.»
«اعتدت ذلك سابقًا.»
«وستعودين بعد الثالثة.»
«ليس كل يوم. بعض الأيام أنتهي أبكر.»
وضع الأوراق على الطاولة.
«هذا سيغير يومك كله.»
«أريده أن يتغير.»
رفع نظره إليها.
لم تكن قد خططت لقول الجملة بهذه الصراحة.
استدركت:
«أقصد أنني أحتاج إلى عمل. إلى شيء أفعله بانتظام.»
«لديك أشياء تفعلينها.»
نظرت حولها. إلى الغرفة المرتبة، والزهور الجديدة، والستائر التي لم تتحرك منذ الصباح.
«ليست كافية.»
مال إلى الخلف، وبدا أنه يحاول فهم أمر لم يتوقعه.
«هل أنت غير سعيدة هنا؟»
كان السؤال قريبًا جدًا مما تمنت أن يسألها، لكنه جاء فجأة، فلم تستطع أن تقدم له جوابًا سهلًا.
«أشعر بالوحدة أحيانًا.»
ساد الصمت.
أزاح طلال نظره نحو الأوراق، ثم عاد إليها.
«عملي لا يسمح لي بالبقاء في البيت طوال اليوم.»
«لم أطلب ذلك.»
«إذن ماذا تريدين؟»
أخذت نفسًا بطيئًا.
«أن يكون لي يوم أيضًا.»
لم يقاطعها، فتابعت:
«أستطيع أن أعمل، وأعود إلى البيت. لن يتعارض الأمر مع مناسباتك. والحفل غدًا، أما العمل فسيبدأ الأسبوع المقبل.»
قال:
«أنا لا أتحدث عن الحفل وحده.»
«عن ماذا إذن؟»
مرّر يده فوق ذقنه.
«الشهر المقبل مزدحم. زيارات واجتماعات وعشاء مع شركاء. سأحتاج إلى وجودك في بعضها.»
شعرت بارتباك خفيف.
«لم أكن أحضر هذه الأمور من قبل.»
«الآن أريدك أن تحضري.»
نظرت إليه، وخفّ انقباض صدرها رغمًا عنها.
لعل ما فهمته هذا الصباح لم يكن وهمًا.
قالت بهدوء:
«يمكننا ترتيب المواعيد. المدرسة لها ساعات محددة.»
«أفضل أن تنتظري قليلًا قبل الالتزام.»
«قد لا يبقى المكان شاغرًا.»
«ستوجد فرصة أخرى.»
نظرت إلى أوراقها على الطاولة. كان سهلًا عليه أن يتحدث عن فرصة أخرى. لم يقف معها في الفصل، ولم يرَ الطفل وهو يرفع رأسه بعد أن كتب الإجابة.
«هذه الفرصة مناسبة لي»، قالت.
بدا في وجهه شيء من الضيق، لكنه أخفاه سريعًا.
«لا أطلب منك التخلي عن التدريس إلى الأبد. أقول إن هذا ليس الوقت المناسب.»
لم تجبه.
نهض، وأخذ حقيبته، ثم توقف كأنه تذكر شيئًا.
«هل كان الثوب مناسبًا؟»
«يحتاج إلى تعديل بسيط.»
«اتصلي بالمتجر. سيهتمون بالأمر صباحًا.»
أومأت، ثم قالت قبل أن يغادر:
«طلال.»
التفت.
«لماذا تريدني معك غدًا؟»
نظر إليها باستغراب.
«أنت زوجتي.»
شعرت بدفء سريع يصعد إلى وجهها. انتظرت، كأنها تخشى أن تفوّت كلمة أخرى.
أضاف:
«وجودك إلى جانبي مهم.»
خفّت قبضتها على طرف الأريكة.
كان هذا ما أرادت سماعه منذ وقت طويل. جملة بسيطة، بلا مناسبة كبيرة، تعترف بأن وجودها يعني له شيئًا.
كادت تبتسم.
لكن طلال أكمل وهو يعدّل الحقيبة في يده:
«أمام الناس.»
بعد أن دخل مكتبه، بقيت ديما في مكانها.
لم يكن قد رفع صوته، ولم يقل كلمة جارحة يستطيع أن يتراجع عنها. شرح لها ما يريده بوضوح، وتركها تواجه الفرق بين ما سمعت أولًا وما قاله كاملًا.
أمام الناس.
نظرت إلى الدرج المؤدي إلى غرفة النوم. هناك، كان الثوب الأخضر معلقًا، والحذاء الجديد ينتظر داخل صندوقه.
على الطاولة، بقيت أوراق المدرسة.
مدّت يدها إليها، وسوّت الصفحتين.
ثم فتحت محادثتها مع المديرة.
كتبت:
«أشكرك على الفرصة. أؤكد رغبتي في قبول الوظيفة والبدء يوم الاثنين.»
قرأت الرسالة مرة واحدة.
هذه المرة، أرسلتها.
وبعد أن ظهرت علامة الوصول، رفعت عينيها نحو باب المكتب المغلق.
غدًا، ستقف إلى جانب طلال أمام الناس.
لكنها لم تعد تريد أن تختفي حين يعودان إلى البيت.
لم يتكلم طلال بعد عبارتها.بقيت ديما مستلقية، وعيناها مفتوحتين في الظلام، تنتظر أن تسمع اعتراضًا أو تفسيرًا آخر.لم يأتِ شيء.سمعت حركته قرب الخزانة، ثم صوت الماء من الحمّام. حين عاد، أطفأ الضوء الأخير واستلقى في الجهة الأخرى من السرير.لم تسأله أين كان.ولم تُعد كلامها.كانت قد قالت ما تحتاج إليه: عنايتها به لم تكن قسطًا من دين أبيها.في الصباح، استيقظت على المنبّه.نهضت، وأخرجت القميص الذي جهزته له مساءً، ثم نزلت لإعداد الإفطار.كان التعب أخف قليلًا، لكنه لم يختفِ. نامت ساعات متصلة، وهذا وحده جعل حركاتها أكثر ثباتًا.حين جلس طلال، وضعت القهوة أمامه.قال:«هل نمتِ؟»رفعت عينيها إليه.«أفضل من الليلة السابقة.»أومأ.تناول بعض الطعام، ثم وضع الفنجان على طبقه الصغير.بقي صامتًا حتى انتهت من ترتيب علبة طعامها.قال:«ما قلته عن والدك…»توقفت يدها.التفتت إليه.كان ينظر إلى المائدة، لا إلى وجهها.«لم أقصد أن يكون سبب اهتمامك بي.»ظلت ساكنة.لم يكن اعتذارًا، لكنه كان أول مرة يعود فيها إلى ما قاله من دون أن يطلب منها نسيانه.قالت:«لكنه جعلني أشعر أنك تراه هكذا.»رفع نظره.«كنت غاضبًا.»أومأ
بقي طلال واقفًا في المدخل.كانت ديما عند أسفل الدرج، ويدها على الدرابزين، تنتظر جوابًا عن السؤال الذي خرج منها قبل أن تصعد.«حين كانت جود تجلس في مكتبك، هل كنت منشغلًا كما تكون معي؟»لم يجب فورًا.ألقى مفاتيحه على الطاولة، ثم التفت إليها بوجه مغلق.«ما معنى هذه المقارنة؟»خفضت يدها.«معناها أنني أريد أن أفهم.»«قلت لك إنني ساعدتها.»«ولماذا تغضب كلما سألتك عن ذلك؟»خلع سترته بحركة حادة، ووضعها فوق المقعد.«لأنك لا تتوقفين عن السؤال.»نزلت الدرجة التي كانت تقف عليها، وعادت إليه.لم ترد أن يظن أنها تلقي سؤالًا ثم تهرب، ولا أن يتركها مرة أخرى عند باب مكتبه من دون جواب.قالت:«عرفت الليلة أنها زارتك أكثر من مرة. لم أعرف منك، بل منها.»«وماذا في ذلك؟»نظرت إليه.كان السؤال صادقًا في قسوته؛ بدا أنه لا يرى ما يحتاج إلى تفسير.قالت:«هي امرأة كانت بينك وبينها علاقة. عادت منذ أيام، وصارت تزورك وتتصل بك، وأنت ترفض حتى أن تخبرني بما يحدث.»«لا يحدث شيء.»«إذن لماذا يصعب عليك الحديث عنه؟»شدّ فكه.«لأنني لا أحب أن أُحاسَب على كل دقيقة من يومي.»أبقت صوتها منخفضًا.«أنا لا أحاسبك على يومك. أريد أن
اتصلت والدة طلال بديما قبل نهاية الدوام بقليل.كانت ديما ترتب أوراق الأطفال، فوضعت القلم وأجابت.«مساء الخير.»«مساء النور. هل ستتأخرين اليوم؟»نظرت إلى الساعة.«سأخرج بعد نصف ساعة تقريبًا.»«جيد. أريدكما على العشاء غدًا.»أومأت ديما، ثم تذكرت أن المرأة لا تراها.«سأخبر طلال.»«أخبرته بالفعل. قال إنه يستطيع الحضور.»انتظرت ديما بقية الحديث.قالت والدته:«سنكون عددًا قليلًا. خالتُه وزوجها، وجود. لم أرها منذ عودتها إلا لدقائق.»توقفت يد ديما فوق الأوراق.كان اسم جود في نهاية القائمة، عاديًا كأسماء بقية الضيوف.«جود؟»«نعم. هي تعرف الأسرة منذ الجامعة، وكان من غير اللائق أن تعود ولا ندعوها.»خفضت ديما عينيها.لم تقل إن الزيارة غير لائقة.لكنها تذكرت طلب المرأة منها ألا تسأل طلال عن جود، ثم سألت نفسها كيف أصبح الحذر من اسمها ضروريًا، بينما دعوتها إلى العشاء أمر بسيط.قالت والدته:«ديما؟»«أنا معك.»«أردت إخبارك حتى لا تُفاجئي.»«شكرًا.»انتهت المكالمة بعدما اتفقتا على الموعد.بقيت ديما تحمل الهاتف لحظة، ثم وضعته في الحقيبة.كانت أمامها دفاتر تحتاج إلى أن تُعاد للأطفال، وطفلة تنتظرها عند ال
وصل طلال إليهما، ونظر إلى حقيبة ديما.«جاهزة؟»أومأت.كانت جملة جود ما تزال في رأسها، واضحة ومؤلمة، فلم تعرف كيف ترفع عينيها إلى زوجها من دون أن تسأله عنها.ابتسمت جود.«كانت أمسية جميلة.»التفت إليها طلال، فتغيرت ملامحه قليلًا.«الحمد لله أنك استطعت الحضور.»«لم أكن لأفوتها.»رفعت يدها، ثم قالت بنبرة عتاب خفيفة:«لكن لا تختفِ هذه المرة بعد اللقاء. لا أريد أن أعود لأبحث عن أخبار الجميع وحدي.»«لن يصعب عليك الوصول إليهم.»ضحكت.«أقصد أنك ستساعدني.»لم يعترض.وقفت ديما إلى جانبه، أصابعها مشدودة على حزام حقيبتها. انتظرت أن يودع جود ويتحرك، لكنه سألها عن المكان الذي تقيم فيه، وإن كانت قد رتبت سيارة تعيدها.قالت جود:«كل شيء مرتب. لا تقلق عليّ.»ثم التفتت إلى ديما.«سعدت بمعرفتك.»أجابت ديما بأدب:«وأنا أيضًا.»تحركت نحو الباب، ولم تلتفت خلفها.لحق بها طلال بعد لحظات، وسارا إلى السيارة بصمت.أغلق طلال باب السيارة، ووضع هاتفه قربه.لم يشغّل المحرك فورًا.نظر إلى ديما، التي كانت تحاول تثبيت حزام الأمان بأصابع مرتبكة.قال:«ما حدث الليلة لن يتكرر.»توقفت يدها.رفعت عينيها إليه.«ماذا تقصد؟»«
لم تغيّر ديما الثوب الذي اختارته. أخرجته من الخزانة عند المساء، وفردته فوق السرير، ثم وقفت أمام المرآة تجمع شعرها وتعيد إسداله. بدا رفعه أكثر هدوءًا. وبدا تركه على كتفيها أجمل. كرهت أنها تقارن بين الاختيارين كما لو أن أحدهما قد يحسم شيئًا لا علاقة له بثوب أو تسريحة. رفعت شعرها في النهاية، وتركت خصلة خفيفة قرب أذنها. على المقعد إلى جانب السرير، كانت بدلة طلال جاهزة. تأكدت من القميص، ووضعت ساعته حيث يراها، ثم أغلقت علبة القرطين. دخل وهو يتحدث عبر الهاتف. أومأ إليها، وأكمل الاستماع. «سنصل قبل الثامنة.» لم تعرف لمن يقول ذلك. انتهت المكالمة، فوضع الهاتف على الخزانة وبدأ يستعد. سألته: «هل تناولت شيئًا منذ الظهر؟» «نعم.» أحضرت له الماء، ثم وقفت قرب المقعد تنتظر إن احتاج إلى شيء. التفت إليها بعد أن ارتدى سترته. نظر إلى ثوبها، ثم إلى وجهها. «جاهزة؟» «نعم.» كانت تريد أن تسأله إن كان يعرف أن جود وصلت إلى القاعة، لكنها لم تفعل. حملت حقيبتها. حين خرجا، كان هدوؤه مختلفًا عن هدوئه المعتاد. لم يتفقد ساعة يده كل بضع دقائق، ولم يراجع رسائل العمل في الطريق. انتبهت ديما إلى ذلك، ث
بقيت ديما تنظر إلى باب المكتب. لم تسمع جواب المرأة، ولا بقية الحديث. بعد الجملة التي وصلتها، انخفض صوت طلال، ثم عاد البيت إلى سكونه. «متى ستعودين؟» كان السؤال كافيًا ليجعل اسم جود مختلفًا عمّا كان عليه قبل ساعة. لم تعد امرأة في صورة قديمة. صارت شخصًا ينتظر طلال جوابًا منه الآن. نهضت ديما، ودخلت المطبخ. أطفأت النار، وغطّت الطعام كي لا يجف. كانت قد حفظت له وجبته، ويمكنها تسخينها حين يخرج. وقفت أمام المائدة لحظة. كان يومها جيدًا. أطفال قرؤوا، وأب حضر، ومديرة منحتها ثقتها. لم ترغب في أن يختفي كل ذلك لأن ظرفًا وصل إلى البيت. جلست، وتناولت طعامها. بعد دقائق، سمعت باب المكتب. ظهر طلال في الممر، والماء الذي تركته له في يده. نظر إليها، ثم إلى المقعد المقابل. قال: «هل انتهيتِ؟» «بدأت منذ قليل. أسخّن لك طعامك؟» أومأ. نهضت، وأحضرت الطبق. جلس، ووضع هاتفه إلى جانبه ووجهه إلى أسفل. لم تكن تلك حركة غريبة؛ يفعلها أحيانًا حين لا يريد أن يتشتت. لكنها انتبهت إليها الآن كما انتبهت إلى كل شيء منذ أن قرأ الاسم على الظرف. وضعت الطعام أمامه. «هل ما زلت تشعر بالتعب؟» «لا.» جلست. تناول







