ANMELDEN
وضعت ديما الطبق الثاني على المائدة، ثم رفعته.
وقفت تحمل الخزف الأبيض بين يديها لحظة، تتأمل المقعد المقابل لمقعدها، قبل أن تعيده إلى مكانه. لم تكن تعرف ما الذي جعلها تتردد؛ لقد أرسلت إلى طلال منذ العصر تسأله إن كان سيعود للعشاء، ولم يصلها منه رد. ومع ذلك، بدا إعداد المائدة لشخص واحد اعترافًا لم تستعد له بعد.
حرّكت الطبق قليلًا إلى اليمين، حتى استقام مع حافة المفرش. وضعت إلى جانبه الشوكة والسكين، ثم مسحت بإبهامها أثر قطرة ماء على كأسه.
كانت الساعة تشير إلى الثامنة وسبع دقائق.
قالت لنفسها إن السابعة لم تكن موعدًا وعدها به. هي التي اختارت تلك الساعة، وهي التي بنت حولها مساءً كاملًا، من دون أن تطلب منه أكثر من العودة إلى البيت.
من المطبخ وصلتها رائحة الأرز واللحم الذي تركته على نار هادئة. أعدّت الطبق الذي رأت طلال يأكل منه مرتين في بيت أمه، وسألت الطاهية هناك عن مقاديره بحذر، كأنها تستفسر عن سر لا يخصها. لم تقل لها إنها حفظت يومًا معينًا لتعدّه، ولا إنها جرّبته الأسبوع الماضي ثم تظاهرت بأن التجربة مجرد رغبة في تغيير الطعام.
على طرف المائدة، خلف مزهرية صغيرة، استقر صندوق كرتوني من متجر للحلوى. أخفت ديما الاسم المطبوع عليه بمنديل، ولم تفتحه بعد. كانت تخشى أن تجف الكعكة، لكنها كانت تخشى أكثر أن تراها وحيدة في وسط الطاولة.
سنتان.
لم يكن الرقم كبيرًا حين كتبته البائعة بالكريمة، لكنه بدا لديما طويلًا حين فكرت في الأيام التي حملته إلى هذا المساء.
رنّ هاتفها، فالتقطته بسرعة أحرجتها مع أنها وحدها.
ظهر اسم أبيها.
أجابت، وعادت تمشي نحو المطبخ.
«مساء الخير يا أبي.»
«مساء النور. هل أزعجتك؟»
«أبدًا. كنت أعدّ العشاء.»
«لطلال؟»
رفعت غطاء القدر. تصاعد البخار نحو وجهها، فأغمضت عينيها قليلًا.
«لنا.»
سكت أبوها لحظة، ثم سألها عن صحتها. أجابته بما تقوله دائمًا: إنها بخير، وإن البيت هادئ، وإنها لا تحتاج شيئًا. على الطرف الآخر سمعته يسعل، ثم يتحرك في الغرفة الصغيرة التي كانت تعرف أصوات أثاثها. تخيلت يده على مسند كرسيه، والنظارة التي يتركها فوق الكتاب المقلوب إلى جانبه.
«مررت اليوم قرب المدرسة»، قال. «سألت عنك المديرة. تقول إن المعلمات ما زلن يذكرن فصل القراءة الذي كنت تنظّمينه.»
ابتسمت ديما قبل أن تشعر بألم الابتسامة.
«هل قالت ذلك فعلًا؟»
«وقالت إن مكانك لم يُنسَ.»
أغلقت غطاء القدر برفق. كانت قد تركت التدريس بعد الزواج، على أساس أن تتفرغ قليلًا لترتيب حياتها الجديدة. لم يطلب منها طلال الاستقالة صراحة؛ قال فقط إن العمل في مدرسة بعيدة سيجعل يومها مرهقًا، وإنها ليست مضطرة إلى الاستيقاظ باكرًا من أجل راتب محدود. يومها سمعت في كلامه اهتمامًا. الآن لم تكن تعرف كيف تعيد تفسيره من دون أن تظلم تلك النسخة القديمة من نفسها.
«سلّم عليها إن رأيتها»، قالت.
«يمكنك أن تتصلي بها بنفسك.»
نظرت إلى المائدة من باب المطبخ.
«سأفعل.»
قال أبوها بعد تردد: «وطلال، هل هو بخير؟»
«مشغول. لديهم مشروع جديد.»
«أبلغيه سلامي. ما فعلته عائلته معنا لا أنساه.»
شدّت أصابعها حول الهاتف.
كان الدين القديم حاضرًا حتى في المكالمات التي تبدأ بالسؤال عن صحتها. مبلغ اقترضه أبوها حين تعثرت تجارته، ثم تضاعفت متاعبه حتى عجز عن سداده. وعندما اقترحت عائلة طلال المصاهرة وتسوية الدين، بدا العرض للجميع باب نجاة. ديما نفسها لم تره يومها صفقة مكتملة؛ رأت رجلًا هادئًا وافق على لقائها، وأصغى حين تحدثت، وقال إنه لا يحب المبالغة في مراسم الزواج.
لم يَعِدها بالحب. كانت تتذكر ذلك جيدًا.
لكنها لم تعرف أن غياب الوعد يمكن أن يمتد إلى هذا الحد.
«سأبلغه»، قالت.
أنهى أبوها المكالمة بعد أن طلب منها أن ترتاح. بقيت تنظر إلى الشاشة حتى انطفأت، ثم فتحت محادثتها مع طلال.
رسالتها ما زالت آخر ما بينهما.
«هل ستعود للعشاء اليوم؟ أود أن نتناوله معًا.»
قرأت الجملة، وفكرت في إضافة: اليوم ذكرى زواجنا.
كتبت الكلمات، ثم محتها.
لم تكن تريد أن يأتي لأنها ذكّرته بما كانت تتمنى أن يتذكره وحده.
عند التاسعة إلا ربعًا، نزعت ديما القرطين الصغيرين اللذين ارتدتهما، ثم أعادتهما.
كان ثوبها الأزرق بسيطًا، اختارته لأنه لم يحتج إلى مناسبة كبيرة كي يبدو ملائمًا. رفعت شعرها، وتركت خصلة قرب أذنها، ثم قضت دقائق أمام المرآة تحاول ألّا تبدو كمن ينتظر حكمًا.
على الخزانة استقرت صورة زفافهما في إطار فضي. كانت هي تنظر إلى العدسة، أما طلال فكان ينظر إلى شيء خارج حدود الصورة. اعتادت أن تقول لنفسها إن المصوّر التقط اللحظة قبل أن يستعد.
مرّت بإصبعها على الغبار الخفيف عند حافة الإطار.
لم يكن البيت قاسيًا في مظهره. الغرف واسعة، والستائر ثقيلة، وفي الحمّام عطور لم تكن تعرف أسماءها قبل الزواج. كان لطلال حساب لدى متجر يرسل إليها ما تطلبه، وبطاقة تستطيع أن تستخدمها بلا سؤال. لكنها، بعد سنتين، ما زالت تتردد قبل نقل كرسي من مكانه.
فتحت درجها وأخرجت دفترًا قديمًا من أيام المدرسة. بين صفحاته ورقة رسمت فيها طفلة بيتًا بباب أخضر، وكتبت تحته بخط متعرج: بيت المعلمة ديما.
في الرسم، كان هناك أشخاص كثيرون. لم تحسن الطفلة رسم الأيدي، فجعلتها خطوطًا طويلة تصل بعضهم ببعض.
جلست ديما على حافة السرير.
كانت تشتاق إلى أشياء صغيرة يصعب شرحها: أن يسألها أحد كيف قضت نهارها ثم ينتظر الجواب، أن تروي موقفًا مضحكًا فلا تضطر إلى اختصاره لأن الهاتف رنّ، أن تشتري كتابًا وتجد شخصًا يقول لها إنه رآه في حقيبتها.
سمعت حركة عند البوابة، فأعادت الدفتر إلى الدرج ونهضت.
لم تركض. نزلت الدرج بسرعة محسوبة، ثم توقفت قبل آخر درجتين لتسوّي ثوبها.
فتح طلال الباب وهو يتحدث في هاتفه.
دخل حاملًا حقيبة أوراق، وربطة عنقه مرتخية قليلًا. كان حاجباه معقودين، وصوته منخفضًا على نحو كانت قد تعلمت أنه يعني غضبًا يبقيه تحت السيطرة.
«أريد النسخة النهائية صباحًا. ولا ترسلوا ملف التسعير خارج الفريق قبل أن أراجعه.»
رآها، فأومأ إيماءة قصيرة، ثم أكمل الإصغاء.
انتظرت ديما قرب المدخل. مدّت يدها لتأخذ معطفه عندما أنهى المكالمة، فسلّمه لها وهو ينظر إلى شاشة الهاتف.
«مساء الخير»، قالت.
«مساء النور.»
«هل كان يومك متعبًا؟»
«كالمعتاد.»
علّقت المعطف. لاحظت أنه لم يخلع ساعة يده، وأن أصابعه ضغطت على جسر أنفه لحظة. كان يفعل ذلك حين يبدأ الصداع.
«سأعدّ لك الشاي بعد العشاء.»
رفع نظره إليها أخيرًا.
«تناولت شيئًا في المكتب.»
نظرت إلى الحقيبة في يده، ثم إلى المائدة خلفه.
«أعددت اللحم بالأرز. يمكنك أن تأكل قليلًا.»
بدا أنه سيعتذر. سبقته بقولها:
«لن يستغرق الأمر طويلًا.»
التفت إلى المائدة. وقع نظره على الطبقين، وعلى الزهور التي اشترتها في طريق عودتها من المتجر. لم يسأل عن الثوب أو الصندوق المغطى.
«حسنًا. بضع دقائق.»
أحست بالارتياح، ثم انزعجت من مقدار ما استطاعت تلك الكلمات القليلة أن تمنحها.
حملت حقيبته إلى المقعد الجانبي، وعادت إلى المطبخ. عندما رفعت القدر، أدركت أن الأرز احتاج إلى وقت أقل على النار. فصلت الطبقة العليا بعناية، واختارت قطع اللحم التي لم تجف، ثم حملت الطبق الكبير إلى المائدة.
كان طلال يقرأ رسالة.
جلست قبالته، وبدأت تصب له الماء.
«كيف سار المشروع؟»
«أي مشروع؟»
«الذي ذكرتَه الأسبوع الماضي. المجمع السكني.»
وضع الهاتف إلى جانب طبقه.
«لم يُحسم بعد.»
«ظننت أن الاجتماع كان اليوم.»
«كان اليوم. وهناك اجتماعات أخرى.»
أومأت. لم تعرف إن كان يريد إنهاء الحديث أو أنه متعب فحسب. أخذت ملعقة من الأرز إلى طبقها، وسمعت احتكاك المعدن بالخزف أوضح مما ينبغي.
قال بعد لقمتين: «هل اتصلت أمي؟»
«هذا الصباح. قالت إنها تريد أن نذهب إليها يوم الجمعة.»
«ذكّريني يوم الخميس.»
«حسنًا.»
انتظرت أن يسأل عمّا فعلته خلال النهار. رفع كأسه، وشرب، ثم نظر إلى الساعة.
وجدت نفسها تقول:
«اتصل أبي اليوم. يسلّم عليك.»
«كيف صحته؟»
«أفضل. وسألته مديرة المدرسة عني.»
لم يعلّق، فأضافت:
«ما زال لديهم نشاط القراءة. الذي كنت أشرف عليه.»
«جيد.»
حرّكت الملعقة بين أصابعها.
«أفكر في زيارتهم.»
«اذهبي.»
قالها ببساطة. لم يكن اعتراضه ما تخشاه؛ كان أن يمرّ كل ما يخصها بالبساطة نفسها، كأن حياتها غرفة أخرى في البيت لا يحتاج إلى دخولها.
«وربما أعود إلى العمل»، قالت.
توقف عن الأكل.
للمرة الأولى منذ جلس، نظر إليها من دون شيء بينهما يشغله.
«هل ينقصك المال؟»
«لا.»
«إذن لماذا؟»
حاولت أن تجد جوابًا لا يبدو شكوى.
«أحب التدريس.»
«يمكنك تنظيم دروس خيرية إن أردت. لا داعي للالتزام بعمل كامل.»
«كنت أحب الالتزام أيضًا.»
تأملها لحظة، ثم مال قليلًا إلى ظهر المقعد.
«لماذا لم تقولي هذا من قبل؟»
كادت تجيبه بأنها قالت أشياء كثيرة بصيغ أصغر، فلم يسمعها. لكنها تذكرت نفسها حين وافقت على ترك المدرسة، وكيف رتّبت كتبها في الصناديق من غير احتجاج. ربما جعل صمتها الأمر يبدو أسهل مما كان عليه.
«كنت أظن أنني سأعتاد البقاء في البيت.»
«ولم تعتادي؟»
نظرت إلى الزهور.
«ليس تمامًا.»
صمت طلال. جاءه اتصال، فنظر إلى الاسم ورفضه، ثم قال:
«نتحدث في الأمر لاحقًا.»
لم تسأله متى. وضعت قطعة لحم في طبقه، فأوقف يدها بإشارة صغيرة.
«يكفي. شكرًا.»
سحبت يدها. كان طبقها شبه ممتلئ، لكنه نهض، فنهضت معه من غير أن تفكر.
«هناك حلوى»، قالت.
«لا أريد.»
ترددت، ثم مدت يدها إلى الصندوق. سحبت المنديل ورفعت الغطاء.
كانت الكعكة أصغر مما تخيلتها عندما طلبتها. دائرة بيضاء، وحدّ رفيع من اللون الأزرق، وكلمتان فوقها: عامان معًا.
توقف طلال.
لم تنظر ديما إلى وجهه مباشرة. رتّبت الغطاء تحت الصندوق، وقالت بصوت حاولت أن تجعله عاديًا:
«اليوم ذكرى زواجنا.»
طال سكوته بما يكفي لتسمع طنين الثلاجة من المطبخ.
«لم أتذكر»، قال أخيرًا.
«أعرف.»
خرجت الكلمة أسرع مما أرادت. رفعت نظرها إليه، وأضافت:
«أقصد أنك مشغول.»
أخرج هاتفه، ثم أعاده إلى جيبه.
«كان يمكنك تذكيري.»
«أرسلت إليك بشأن العشاء.»
«رسائل كثيرة تصلني خلال اليوم، يا ديما.»
قال اسمها بنبرة تفسير، لكنها شعرت بأنها صارت واحدة من الرسائل الكثيرة.
أمسكت السكين الصغيرة.
«قطعة واحدة؟»
نظر إلى الكعكة، ثم إلى وجهها. أومأ وجلس ثانية.
قطعت له جزءًا رفيعًا، وجلست وهي تحمل طبقها. لم تجد ما تقوله الآن بعد أن عرف. كانت قد تخيلت حوارًا بسيطًا، وربما ضحكة عن ارتباكهما يوم الزفاف، أو سؤالًا عما تذكره من أول لقاء. بدا استدعاء أي ذكرى في تلك اللحظة شبيهًا بإحضار ضيف لم يرغب فيه أحد.
ذاق طلال الكعكة.
«هل تحتاجين إلى شيء؟»
رفعت رأسها.
«ماذا؟»
«بمناسبة اليوم. يمكن أن نختار لك هدية غدًا.»
نظرت إلى يده حول الشوكة. كانت تعرف أن العرض، في فهمه، محاولة لتدارك التقصير. لذلك آلمها أنها لم تستطع الفرح به.
«كنت أريد أن نتناول العشاء معًا فقط.»
«وقد تناولناه.»
لم يقلها بسخرية. وهذا ما جعل جوابها أصعب.
«نعم»، قالت.
عاد الاتصال نفسه. هذه المرة أجاب طلال، ونهض وهو يستمع. حمل حقيبته من المقعد، ثم أشار نحو غرفة المكتب.
«سأكون هناك.»
أومأت ديما، وبقيت جالسة بعد أن أغلق الباب.
على الكعكة، فصل القطع بين الكلمتين. بقي «عامان» في جهة، و«معًا» في الجهة الأخرى.
غسلت ديما الأطباق ببطء، وتركت الكعكة في صندوقها داخل الثلاجة. لم تبكِ. كانت تنتظر البكاء كما انتظرت شيئًا آخر طوال المساء، لكنه لم يأتِ، وبقي في حلقها ثقل يجعل ابتلاع الماء صعبًا.
أعدّت الشاي الذي يفضله: خفيفًا، بلا سكر، مع ورقتين من النعناع. حملته إلى المكتب وطرقت الباب.
«ادخلي.»
كان طلال جالسًا وراء مكتبه، وأمامه ملفات مفتوحة. وضع الهاتف مقلوبًا عندما دخلت. أنزلت الفنجان إلى الجهة اليمنى، بعيدًا عن الأوراق، ثم وضعت طبقًا صغيرًا تحته حتى لا يترك أثرًا على الخشب.
«الصداع؟» سألت.
نظر إليها باستفهام.
«رأيتك تضغط على جبهتك عند وصولك.»
«خفّ الآن.»
«جيد.»
لم تتحرك فورًا. كان درج المكتب الجانبي مفتوحًا، وفيه علبة قلم وظرف أزرق مألوف.
هدية ذكرى زواجهما الأولى.
كانت قد كتبت له رسالة قصيرة، وأرفقت بها قلمًا اشترته من مدخراتها. لم تكتب كلامًا كبيرًا؛ تمنت له عامًا أقل تعبًا، وقالت إنها سعيدة بأنهما يتعلمان العيش معًا. أعطته الهدية صباح ذلك اليوم، فقال إنه سيقرأ الرسالة لاحقًا.
الآن رأت علبة القلم، وإلى جانبها الظرف الذي ما زال مغلقًا كما تركته.
تبع طلال نظرتها، ثم أغلق الدرج.
«هل هناك شيء آخر؟»
رفعت عينيها إليه.
كان يمكنها أن تسأل عن الرسالة. أن تقول إنها بقيت عامًا كاملًا على مسافة ذراع منه. لكنه كان سينظر إلى الدرج، ثم إليها، وربما يعتذر، وربما يفتحها أمامها. لم تعرف أي الاحتمالات سيكون أشد إيلامًا.
«لا»، قالت.
وصلت إلى الباب، فسمعته يناديها:
«ديما.»
التفتت بسرعة.
«هل حددتِ موعدًا في العيادة؟»
لم تحتج إلى سؤاله أي عيادة يقصد. قبل أسبوعين، قالت أمه على الغداء إن البيت يحتاج إلى طفل. ابتسمت ديما يومها، وحاولت تغيير الحديث، لكن طلال سألها في طريق العودة إن كانت تفضّل البدء بالفحوص قريبًا.
«ليس بعد.»
«لماذا؟»
«كنت أريد أن نتحدث أولًا.»
أزاح ملفًا، وانتظر.
«بشأن ماذا؟»
شبكت أصابعها أمامها.
«بشأن الطفل. بشأننا.»
«ماذا تقصدين؟»
بحثت عن عبارة دقيقة، فلم تجد إلا السؤال الذي كانت تؤجله منذ أسابيع.
«هل تريد أن يصبح لدينا طفل الآن؟»
بدا مستغربًا.
«بالطبع أريد طفلًا.»
«أعرف. لكنني أسأل إن كنت تريد أن نكون والدين.»
عقد حاجبيه.
«لا أفهم الفرق.»
انخفض صوتها.
«سيحتاج إلى وجودك.»
«وأنا موجود.»
نظرت إلى الملفات، وإلى الهاتف المقلوب، وإلى الفنجان الذي لم يلمسه بعد. شعرت بالخجل من السؤال التالي حتى قبل أن تقوله.
«هل ستكون سعيدًا لو كان يشبهني؟»
طال نظره إليها. للحظة ظنت أنه فهم، وأنه رأى ما وراء الحديث عن طفل لم يوجد بعد.
قال: «هذه أمور لا يمكن اختيارها.»
أحست أصابعها تبرد.
«لم أقصد الاختيار.»
تنهد طلال، وأغلق الملف الذي أمامه.
«أنا متعب الليلة. حددي الموعد، وسأرافقك إن سمح وقتي. أريد ولدًا يحمل اسمي، ويتعلم العمل من بعدي. هذا ليس طلبًا غريبًا.»
رأت أمامها غرفة طفل لم يفتح أحد بابها، ومقعدًا إضافيًا على المائدة، ويدين صغيرتين تبحثان عمن يمسكهما. ثم رأت نفسها تشرح لذلك الطفل، بعد سنوات، أن أباه مشغول، كما شرحت لأبيها هذا المساء.
«تصبح على خير»، قالت.
خرجت وأغلقت الباب بهدوء.
في غرفة النوم، نزعت القرطين ووضعتهما في علبتهما. ثم أخرجت دفتر المدرسة من الدرج، وفتحت الصفحة التي احتفظت فيها برقم المديرة.
كتبت رسالة، وراجعتها مرتين قبل أن ترسلها:
«مساء الخير. أتمنى أن تكوني بخير. هل يمكنني زيارتك هذا الأسبوع للحديث عن إمكانية العودة إلى التدريس؟»
وضعت الهاتف إلى جانبها، وانتظرت.
للمرة الأولى ذلك المساء، لم تكن تنتظر طلال.
بعد دقائق، أضاءت الشاشة بردّ المديرة:
«أهلًا بعودتك يا ديما. لدينا مكان شاغر، لكن عليّ أن أعرف: هل ستكون عودتك هذه المرة دائمة؟»
قرأت السؤال، ثم نظرت إلى باب الغرفة.
كانت تريد أن تكتب نعم.
لكنها اكتشفت أنها لا تعرف منذ متى أصبحت تحتاج إلى الإذن كي تختار حياتها.
لم يتكلم طلال بعد عبارتها.بقيت ديما مستلقية، وعيناها مفتوحتين في الظلام، تنتظر أن تسمع اعتراضًا أو تفسيرًا آخر.لم يأتِ شيء.سمعت حركته قرب الخزانة، ثم صوت الماء من الحمّام. حين عاد، أطفأ الضوء الأخير واستلقى في الجهة الأخرى من السرير.لم تسأله أين كان.ولم تُعد كلامها.كانت قد قالت ما تحتاج إليه: عنايتها به لم تكن قسطًا من دين أبيها.في الصباح، استيقظت على المنبّه.نهضت، وأخرجت القميص الذي جهزته له مساءً، ثم نزلت لإعداد الإفطار.كان التعب أخف قليلًا، لكنه لم يختفِ. نامت ساعات متصلة، وهذا وحده جعل حركاتها أكثر ثباتًا.حين جلس طلال، وضعت القهوة أمامه.قال:«هل نمتِ؟»رفعت عينيها إليه.«أفضل من الليلة السابقة.»أومأ.تناول بعض الطعام، ثم وضع الفنجان على طبقه الصغير.بقي صامتًا حتى انتهت من ترتيب علبة طعامها.قال:«ما قلته عن والدك…»توقفت يدها.التفتت إليه.كان ينظر إلى المائدة، لا إلى وجهها.«لم أقصد أن يكون سبب اهتمامك بي.»ظلت ساكنة.لم يكن اعتذارًا، لكنه كان أول مرة يعود فيها إلى ما قاله من دون أن يطلب منها نسيانه.قالت:«لكنه جعلني أشعر أنك تراه هكذا.»رفع نظره.«كنت غاضبًا.»أومأ
بقي طلال واقفًا في المدخل.كانت ديما عند أسفل الدرج، ويدها على الدرابزين، تنتظر جوابًا عن السؤال الذي خرج منها قبل أن تصعد.«حين كانت جود تجلس في مكتبك، هل كنت منشغلًا كما تكون معي؟»لم يجب فورًا.ألقى مفاتيحه على الطاولة، ثم التفت إليها بوجه مغلق.«ما معنى هذه المقارنة؟»خفضت يدها.«معناها أنني أريد أن أفهم.»«قلت لك إنني ساعدتها.»«ولماذا تغضب كلما سألتك عن ذلك؟»خلع سترته بحركة حادة، ووضعها فوق المقعد.«لأنك لا تتوقفين عن السؤال.»نزلت الدرجة التي كانت تقف عليها، وعادت إليه.لم ترد أن يظن أنها تلقي سؤالًا ثم تهرب، ولا أن يتركها مرة أخرى عند باب مكتبه من دون جواب.قالت:«عرفت الليلة أنها زارتك أكثر من مرة. لم أعرف منك، بل منها.»«وماذا في ذلك؟»نظرت إليه.كان السؤال صادقًا في قسوته؛ بدا أنه لا يرى ما يحتاج إلى تفسير.قالت:«هي امرأة كانت بينك وبينها علاقة. عادت منذ أيام، وصارت تزورك وتتصل بك، وأنت ترفض حتى أن تخبرني بما يحدث.»«لا يحدث شيء.»«إذن لماذا يصعب عليك الحديث عنه؟»شدّ فكه.«لأنني لا أحب أن أُحاسَب على كل دقيقة من يومي.»أبقت صوتها منخفضًا.«أنا لا أحاسبك على يومك. أريد أن
اتصلت والدة طلال بديما قبل نهاية الدوام بقليل.كانت ديما ترتب أوراق الأطفال، فوضعت القلم وأجابت.«مساء الخير.»«مساء النور. هل ستتأخرين اليوم؟»نظرت إلى الساعة.«سأخرج بعد نصف ساعة تقريبًا.»«جيد. أريدكما على العشاء غدًا.»أومأت ديما، ثم تذكرت أن المرأة لا تراها.«سأخبر طلال.»«أخبرته بالفعل. قال إنه يستطيع الحضور.»انتظرت ديما بقية الحديث.قالت والدته:«سنكون عددًا قليلًا. خالتُه وزوجها، وجود. لم أرها منذ عودتها إلا لدقائق.»توقفت يد ديما فوق الأوراق.كان اسم جود في نهاية القائمة، عاديًا كأسماء بقية الضيوف.«جود؟»«نعم. هي تعرف الأسرة منذ الجامعة، وكان من غير اللائق أن تعود ولا ندعوها.»خفضت ديما عينيها.لم تقل إن الزيارة غير لائقة.لكنها تذكرت طلب المرأة منها ألا تسأل طلال عن جود، ثم سألت نفسها كيف أصبح الحذر من اسمها ضروريًا، بينما دعوتها إلى العشاء أمر بسيط.قالت والدته:«ديما؟»«أنا معك.»«أردت إخبارك حتى لا تُفاجئي.»«شكرًا.»انتهت المكالمة بعدما اتفقتا على الموعد.بقيت ديما تحمل الهاتف لحظة، ثم وضعته في الحقيبة.كانت أمامها دفاتر تحتاج إلى أن تُعاد للأطفال، وطفلة تنتظرها عند ال
وصل طلال إليهما، ونظر إلى حقيبة ديما.«جاهزة؟»أومأت.كانت جملة جود ما تزال في رأسها، واضحة ومؤلمة، فلم تعرف كيف ترفع عينيها إلى زوجها من دون أن تسأله عنها.ابتسمت جود.«كانت أمسية جميلة.»التفت إليها طلال، فتغيرت ملامحه قليلًا.«الحمد لله أنك استطعت الحضور.»«لم أكن لأفوتها.»رفعت يدها، ثم قالت بنبرة عتاب خفيفة:«لكن لا تختفِ هذه المرة بعد اللقاء. لا أريد أن أعود لأبحث عن أخبار الجميع وحدي.»«لن يصعب عليك الوصول إليهم.»ضحكت.«أقصد أنك ستساعدني.»لم يعترض.وقفت ديما إلى جانبه، أصابعها مشدودة على حزام حقيبتها. انتظرت أن يودع جود ويتحرك، لكنه سألها عن المكان الذي تقيم فيه، وإن كانت قد رتبت سيارة تعيدها.قالت جود:«كل شيء مرتب. لا تقلق عليّ.»ثم التفتت إلى ديما.«سعدت بمعرفتك.»أجابت ديما بأدب:«وأنا أيضًا.»تحركت نحو الباب، ولم تلتفت خلفها.لحق بها طلال بعد لحظات، وسارا إلى السيارة بصمت.أغلق طلال باب السيارة، ووضع هاتفه قربه.لم يشغّل المحرك فورًا.نظر إلى ديما، التي كانت تحاول تثبيت حزام الأمان بأصابع مرتبكة.قال:«ما حدث الليلة لن يتكرر.»توقفت يدها.رفعت عينيها إليه.«ماذا تقصد؟»«
لم تغيّر ديما الثوب الذي اختارته. أخرجته من الخزانة عند المساء، وفردته فوق السرير، ثم وقفت أمام المرآة تجمع شعرها وتعيد إسداله. بدا رفعه أكثر هدوءًا. وبدا تركه على كتفيها أجمل. كرهت أنها تقارن بين الاختيارين كما لو أن أحدهما قد يحسم شيئًا لا علاقة له بثوب أو تسريحة. رفعت شعرها في النهاية، وتركت خصلة خفيفة قرب أذنها. على المقعد إلى جانب السرير، كانت بدلة طلال جاهزة. تأكدت من القميص، ووضعت ساعته حيث يراها، ثم أغلقت علبة القرطين. دخل وهو يتحدث عبر الهاتف. أومأ إليها، وأكمل الاستماع. «سنصل قبل الثامنة.» لم تعرف لمن يقول ذلك. انتهت المكالمة، فوضع الهاتف على الخزانة وبدأ يستعد. سألته: «هل تناولت شيئًا منذ الظهر؟» «نعم.» أحضرت له الماء، ثم وقفت قرب المقعد تنتظر إن احتاج إلى شيء. التفت إليها بعد أن ارتدى سترته. نظر إلى ثوبها، ثم إلى وجهها. «جاهزة؟» «نعم.» كانت تريد أن تسأله إن كان يعرف أن جود وصلت إلى القاعة، لكنها لم تفعل. حملت حقيبتها. حين خرجا، كان هدوؤه مختلفًا عن هدوئه المعتاد. لم يتفقد ساعة يده كل بضع دقائق، ولم يراجع رسائل العمل في الطريق. انتبهت ديما إلى ذلك، ث
بقيت ديما تنظر إلى باب المكتب. لم تسمع جواب المرأة، ولا بقية الحديث. بعد الجملة التي وصلتها، انخفض صوت طلال، ثم عاد البيت إلى سكونه. «متى ستعودين؟» كان السؤال كافيًا ليجعل اسم جود مختلفًا عمّا كان عليه قبل ساعة. لم تعد امرأة في صورة قديمة. صارت شخصًا ينتظر طلال جوابًا منه الآن. نهضت ديما، ودخلت المطبخ. أطفأت النار، وغطّت الطعام كي لا يجف. كانت قد حفظت له وجبته، ويمكنها تسخينها حين يخرج. وقفت أمام المائدة لحظة. كان يومها جيدًا. أطفال قرؤوا، وأب حضر، ومديرة منحتها ثقتها. لم ترغب في أن يختفي كل ذلك لأن ظرفًا وصل إلى البيت. جلست، وتناولت طعامها. بعد دقائق، سمعت باب المكتب. ظهر طلال في الممر، والماء الذي تركته له في يده. نظر إليها، ثم إلى المقعد المقابل. قال: «هل انتهيتِ؟» «بدأت منذ قليل. أسخّن لك طعامك؟» أومأ. نهضت، وأحضرت الطبق. جلس، ووضع هاتفه إلى جانبه ووجهه إلى أسفل. لم تكن تلك حركة غريبة؛ يفعلها أحيانًا حين لا يريد أن يتشتت. لكنها انتبهت إليها الآن كما انتبهت إلى كل شيء منذ أن قرأ الاسم على الظرف. وضعت الطعام أمامه. «هل ما زلت تشعر بالتعب؟» «لا.» جلست. تناول







