Startseite / الرومانسية / ما أخفاه قلبها عنه / 4. قريب بما يكفي ليؤلم

Teilen

4. قريب بما يكفي ليؤلم

last update Veröffentlichungsdatum: 02.10.2026 19:51:31

ظلّ الهاتف ممدودًا بينهما

قرأ طلال العبارة مرة أخرى، ثم رفع عينيه إلى ديما. لم يكن في وجهه ما تستطيع أن تفهم منه إن كان غاضبًا أم متعبًا؛ فقط نظرة ثابتة جعلتها تشعر بأنها مطالبة بالدفاع عن اعتراضها قبل أن يسمعه.

قالت:

«أريدهم أن يغيّروا النص.»

أخذ الهاتف من يدها، ومرّر إصبعه فوق الشاشة، ثم أعاده إليها.

«أخبريهم.»

نظرت إليه لحظة.

كانت قد استعدت لاعتراض، وربما لحديث طويل، لكن موافقته السريعة لم تمنحها الراحة التي توقعتها. بقي شيء آخر عالقًا في صدرها، شيء لا يخص الكلمات المكتوبة تحت الصورة.

قالت:

«هل تفهم لماذا أزعجتني العبارة؟»

نزع طلال ساعته، ووضعها على الطاولة القريبة.

«لأنك ستعودين إلى العمل. فهمت.»

«ليس لهذا فقط.»

رفع نظره إليها.

«إذن لماذا؟»

تحركت أصابعها حول الهاتف.

«لأنهم وصفوا حياتي كأنني اخترت التفرغ بعد الزواج، وكنت سعيدة بذلك.»

«ألم تختاري؟»

كان السؤال مباشرًا، لكن الجواب لم يكن كذلك.

نظرت إلى الدرج، ثم عادت إليه.

«وافقت على ترك العمل لفترة. ظننت أنني سأحتاج إلى وقت كي أعتاد حياتنا.»

«واعتدتِها.»

هزّت رأسها قليلًا.

«اعتدت البقاء في البيت.»

تغير وجهه تغيرًا بسيطًا. اختفت تلك المرونة الخفيفة التي كانت في فمه، واستقام كتفاه.

«وما الفرق؟»

شعرت بأن الكلام سيصبح أصعب إن تأخرت.

«أنني كنت أتوقع أن نتشارك هذه الحياة، لا أن أقضي معظمها في انتظارك.»

ظل ينظر إليها.

من جهة المطبخ وصل صوت جهاز يعمل، ثم توقف. بدا البيت أكثر سكونًا بعده.

قال طلال:

«عدنا من الحفل منذ دقائق. هل هذا وقت مناسب لهذا الحديث؟»

«كلما حاولت الحديث، يكون الوقت غير مناسب.»

خرجت الجملة أهدأ مما توقعت.

لكنها رأت أثرها فورًا.

ضغط طلال لسانه خلف خده، ثم قال:

«اختاري كلماتك جيدًا، يا ديما.»

«أنا أختارها.»

وضع يده في جيبه، ونظر بعيدًا لحظة، كأنه يمنح نفسه وقتًا قبل الرد.

حين عاد إليها، كان صوته منخفضًا.

«لديك بيت، ولا ينقصك شيء. وأنت الآن تريدين العمل، وقد فعلتِ ما أردتِ. ما الذي تطلبينه أيضًا؟»

نظرت إلى الهاتف في يدها. كانت صورتها إلى جانبه ما تزال ظاهرة على الشاشة؛ ابتسامة هادئة، وثوب جميل، ومسافة تبدو أقصر بكثير مما تشعر به الآن.

«لا أتحدث عن الأشياء التي أملكها.»

«إذن تحدثي بوضوح.»

رفعت عينيها.

«أريد أن أشعر بأنك قريب مني.»

لم يتحرك.

ثم كرر:

«قريب؟»

أومأت.

«أن تسمعني حين أتكلم. أن تسألني—»

تحرك نحوها قبل أن تنهي الجملة.

لم يكن اقترابه سريعًا، لكنه أربكها. خطوة واحدة، ثم أخرى، حتى وجدت نفسها ترفع رأسها كي تبقى عيناها عند مستوى وجهه.

انخفضت يدها التي تحمل الهاتف إلى جانبها.

قال:

«إذا كنت تريدينني قريبًا، فسأكون قريبًا.»

كانت النبرة تحمل استخفافًا واضحًا، كأنه يعرض عليها شيئًا يعلم أنها ستعجز عن التعامل معه.

مال نحوها.

حبست ديما أنفاسها.

صار وجهه قريبًا من وجهها إلى حد استطاعت أن ترى أثر التعب تحت عينيه، والخط الدقيق قرب حاجبه. وصلت إليها رائحة عطره، وخفق قلبها بقوة جعلتها تخشى أن يلاحظ حركة صدرها.

لم يلمسها.

لكنها أحست أن المسافة التي تركها لا تتسع لكلمة واحدة.

وضعت يدها الحرة على حافة الطاولة خلفها.

لثانية قصيرة، سبقها قلبها إلى أمل تعرف أنه لا يستند إلى شيء. ظنت أنه قد يقول كلمة ألين، أو أن ملامحه ستتغير، أو أنه فهم أخيرًا ما كانت تحاول شرحه.

ثم التقت عيناها بعينيه.

كان يراقب ارتباكها.

قال بصوت خافت:

«هل هذا ما أردتِه؟»

حاولت أن تتكلم، ولم يخرج صوتها فورًا.

رأت طرف فمه يرتفع.

«كل هذا لأنني اقتربت؟»

تنفست بصعوبة.

«لم أقصد هذا.»

ضحك ضحكة قصيرة ساخرة، ثم استقام وابتعد.

استعادت الهواء دفعة واحدة، لكن وجهها ظل ساخنًا.

أخذ طلال ساعته من الطاولة.

«إذن تعلّمي أن تقولي ما تقصدينه.»

قالها وهو يعيد الساعة إلى معصمه، كأنه انتهى من أمر صغير لا يستحق مزيدًا من الوقت.

لم تنظر إلى يده.

نظرت إلى وجهه.

أرادت أن تقول إنها كانت واضحة، وإنه سمع طلبها واختار أن يحوّله إلى شيء يسخر منه. لكن الكلمات بقيت في حلقها.

اتجه إلى المكتب.

«لدي عمل.»

أغلق الباب خلفه.

بقيت ديما واقفة عند أسفل الدرج.

لم يبقَ من قربه شيء تستطيع أن تمسكه، سوى اضطرابها.

رفعت يدها إلى صدرها، ثم أنزلتها.

كان قلبها ما يزال يدق بقوة. آلمها أنه رأى ذلك، وأنه فهم كم يسهل عليه أن يربكها، ثم تركها كأنها هي التي ارتكبت خطأ.

---

صعدت إلى الغرفة ببطء.

كان الثوب الأخضر معلقًا قرب الخزانة. على السرير استقرت كتب المدرسة، وبجانبها الدفتر الذي بدأت تجهز فيه دروسها.

وضعت الهاتف على الطاولة، ودخلت الحمّام.

غسلت وجهها، ثم رفعت عينيها إلى المرآة.

لم يكن هناك ما يدل على ما حدث. وجهها كما هو، وشعرها مرتب، والقرطان الصغيران ما زالا في أذنيها.

نزعت أحدهما، ثم الآخر.

فكرت في اللحظة التي تمنت فيها أن يحمل اقترابه معنى مختلفًا، وشعرت بوخزة خجل.

لم يكن طلبها سخيفًا.

كانت تعرف ذلك.

لكن معرفتها لم تمنعها من استعادة ضحكته في ذهنها، ومن التساؤل إن كان قد رآها سهلة التصديق إلى هذا الحد.

عادت إلى الغرفة، وفتحت محادثة مسؤولة التنظيم.

كتبت:

«شكرًا على الصور. أرجو حذف وصف التفرغ بعد الزواج، والاكتفاء باسمي، أو استخدام عبارة: ديما، معلمة للصفوف الأولى.»

قرأت الرسالة وأرسلتها.

ثم فتحت دفترها.

وضعت القلم فوق الصفحة، لكنها لم تستطع البدء. ظلت تنظر إلى السطر الفارغ، حتى أحست بأن انتظارها لكلمات الدرس يشبه انتظارها لأي كلمة من طلال.

أغلقت عينيها لحظة.

عندما فتحتهما، كتبت عنوانًا بسيطًا:

«التعارف داخل الفصل.»

وتحته:

«ما الشيء الذي تحب أن يعرفه الآخرون عنك؟»

توقفت، ثم أضافت ملاحظات صغيرة عن النشاط.

كانت يدها أكثر ثباتًا حين وصلت إلى آخر الصفحة.

---

في الصباح، كان طلال يرتدي قميصه أمام المرآة عندما استيقظت.

نظرت إلى انعكاسه قبل أن يلتفت.

«استيقظتِ؟»

اعتدلت في السرير.

«نعم.»

ثبت زر كُمّه، ثم سأل:

«هل طلبتِ تعديل النص؟»

«أرسلت إليهم.»

«جيد.»

انتظرت.

لم يكن في صوته أثر لليلة الماضية، ولا في وجهه ما يوحي بأنه يفكر فيما قاله. أخذ هاتفه من الخزانة، وراجع رسالة.

قالت:

«هل ستذهب إلى المكتب؟»

«نعم.»

«اليوم إجازة.»

رفع نظره إليها.

«ليس بالنسبة إلى الجميع.»

لم تجبه.

ارتدى سترته، ثم خرج.

بعد قليل، سمعت السيارة تغادر.

بقيت جالسة حتى اختفى الصوت، ثم نهضت وفتحت الستائر. دخل الضوء إلى الغرفة، وكشف أشياء لم تنتبه إليها ليلًا: كتابًا سقط من طرف السرير، وكأس ماء نصف ممتلئة، وورقة صغيرة تحمل موعد تعديل الثوب.

جمعت الأشياء، ثم فتحت خزانتها.

كانت كتبها القديمة في صندوقين أسفل الرف.

أخرجتهما وجلست على الأرض.

---

وجدت في الصندوق الأول دفاتر تحضير، وقصاصات ملونة، وعلبة أقلام. بعض الأوراق حمل أسماء أطفال لم تعد تتذكر وجوههم تمامًا، لكن ملاحظاتها عنهم أعادت إليها تفاصيل صغيرة.

طفلة كانت تكتب بيدها اليسرى.

صبي ينسى كتبه، لكنه يحفظ القصص التي يسمعها مرة واحدة.

آخر يحتاج إلى أن تعيد له السؤال بصوت منخفض حتى يطمئن.

ابتسمت، ثم واصلت تقليب الصفحات.

في الصندوق الثاني، وجدت كتابًا أحضره لها طلال في بداية الزواج.

لم يكن قد اختاره. سألها يومًا إن كانت تحتاج شيئًا، فذكرت عنوانًا تبحث عنه، ووصل الكتاب بعد يومين مع مساعده.

مع ذلك، احتفظت بالكيس الذي جاء فيه.

أخرجته الآن وتأملته.

كانت قد منحت تلك الهدية معنى أكبر مما احتملت. لم يفعل طلال شيئًا سيئًا يومها؛ لبّى طلبها، وهذا كل ما حدث. هي التي تخيلت أنه تذكر ما تحب، وأن الكتاب قد يكون بداية حديث بينهما.

وضعت الكيس جانبًا.

لم ترد أن تتخلص من الكتاب، ولا أن تغضب من نفسها لأنها فرحت به.

أرادت فقط أن تتذكر ما حدث كما حدث.

رتبت ما تحتاج إليه، وكتبت قائمة قصيرة بالأدوات الناقصة.

ثم خرجت إلى متجر للقرطاسية.

---

أمضت وقتًا طويلًا بين الرفوف.

اختارت أوراقًا سميكة لبطاقات الأسماء، وأقلامًا بألوان واضحة، ودفترًا جديدًا. أعادت بعض الأشياء إلى مكانها حين حسبت ثمنها، واكتفت بما تحتاج إليه فعلًا.

عند الحساب، فتحت محفظتها.

كانت بطاقة طلال إلى جانب بطاقتها الخاصة.

سحبت بطاقتها.

بقي في حسابها مبلغ من مدخراتها القديمة، يكفي لهذه المشتريات، ولأشياء قليلة قبل وصول راتبها الأول.

دفعت وحملت الكيس.

لم يكن ما فعلته كبيرًا، لكنه جعلها تمشي إلى السيارة بشعور مختلف. هذه الأدوات ستدخل معها الفصل، وستستخدمها في عمل اختارته، ولن تحتاج إلى شرح سبب شرائها لأحد.

في طريق العودة، اتصلت بها هالة.

تحدثتا عن الجدول، وعن الأطفال، وعن بعض الأوراق التي ستستلمها صباح الاثنين.

قالت المديرة:

«لا تحاولي إنجاز كل شيء في اليوم الأول.»

ضحكت ديما.

«سأحاول.»

«أعرف ما تعنيه كلمة سأحاول عندك. لهذا أقولها مرتين.»

ضحكت مرة أخرى، ودوّنت الملاحظات.

بعد أن أنهت المكالمة، أدركت أن وجهها يؤلم قليلًا من الابتسام.

---

عاد طلال في المساء، فوجد القصاصات موزعة على الطاولة.

كانت ديما تكتب أسماء الأطفال بخط واضح.

توقف أمامها.

«ما هذا كله؟»

رفعت رأسها.

«بطاقات للفصل.»

نظر إلى المقص والأوراق والشريط اللاصق.

«ألا تجهزها المدرسة؟»

«يمكنها. لكنني أحب أن أصنعها بنفسي.»

خلع سترته، ووضعها على المقعد.

«ستتعبين نفسك في أمور صغيرة.»

نظرت إلى البطاقة التي بين يديها.

«هذه الأمور مهمة هناك.»

لم يرد.

رنّ هاتفه، فابتعد نحو النافذة.

«قلت لك إن الملف ليس جاهزًا للإرسال.»

رفعت ديما عينيها من غير قصد.

كان واقفًا بظهره إليها، ويده الأخرى مشدودة حول حافة الهاتف.

صمت يستمع.

ثم قال:

«لا تعطهم نسخة إضافية. سيصلهم ما يحتاجون إليه بعد مراجعتي.»

تغير صوته عند الجملة التالية.

«ومن تحدث عن هذه التفاصيل خارج الاجتماع؟»

لم تسمع جواب الطرف الآخر.

رأت طلال يضغط أصابعه على جسر أنفه، ثم يرفع رأسه.

«أريد أن أعرف صباحًا.»

أنهى المكالمة، وبقي عند النافذة.

عادت ديما إلى بطاقاتها، لكن تركيزها تشتت.

بعد قليل، التفت إليها.

«ماذا؟»

رفعت رأسها.

«لا شيء.»

ثبت نظره عليها لحظة، ثم سأل:

«هل ستبقين هنا طويلًا؟»

«سأنتهي قريبًا.»

أخذ سترته واتجه إلى المكتب.

لم تطلب منه أن يجلس.

حين أغلِق الباب، ظلت تنظر إليه بضع ثوانٍ، ثم عادت إلى الاسم الذي توقفت عنده.

كانت تعرف أشياء كثيرة عن عاداته، ولا تعرف كيف يبدأ حديثًا حين يقلقه أمر. لم يسمح لها يومًا أن تصل إلى تلك المساحة، وكلما حاولت، وجدت نفسها عند باب مغلق.

---

في اليوم التالي، جاء ردّ مسؤولة التنظيم.

أكدت تعديل النص، وأرسلت الصورة المختارة للنشر.

كانت لقطة ينظران فيها إلى الكاميرا.

فتحت ديما بقية الصور، حتى وصلت إلى الصورة التي ينظران فيها إلى بعضهما.

توقفت عندها.

عرفت أنها التقطت بطلب المصوّر. تذكرت كيف ابتعد طلال بعدها مباشرة، وكيف بقيت هي تتأخر في العودة إلى ما حولها.

ومع ذلك، أحبّت الصورة.

فيها شيء لم تعشه إلا لثانية: أن يكون وجهه نحوها، وألا يكون بينهما هاتف أو ملف أو باب مكتب.

بعد الظهر، حين خرجت لشراء بعض الأوراق المطبوعة للدرس، طلبت من المحل طباعة نسخة صغيرة منها.

شعرت بشيء من الحرج وهي تختار حجمها.

لم تقل لنفسها إنها دليل على حبه، ولم تحاول إقناع نفسها بأن الصورة تغيّر ما حدث.

أرادت الاحتفاظ بها فقط.

عندما عادت، وضعتها داخل الغلاف الأمامي لدفتر التحضير. كانت الصفحة هناك واسعة وفارغة، فثبتتها بقطعتين صغيرتين من الشريط اللاصق.

تأملتها لحظة، ثم أغلقت الدفتر.

---

جهزت حقيبتها مساء الأحد.

اختارت ملابسها، وأعدّت طعامًا خفيفًا، وضبطت المنبّه. راجعت الطريق على هاتفها حتى لا تضطر إلى السؤال صباحًا.

دخل طلال عندما كانت تضع الكتب في الحقيبة.

«متى ستغادرين؟»

«في السادسة وخمس وأربعين.»

«السائق سيذهب معي مبكرًا.»

«سأطلب سيارة.»

أومأ.

انتظرت كلمة أخرى.

فتح درج الخزانة، وأخرج ساعة مختلفة.

قالت:

«سأعود بعد الثالثة تقريبًا.»

نظر إليها.

«لم أسألك.»

انخفضت عيناها إلى الحقيبة.

«أردت أن تعرف.»

لم يعلّق.

كانت تتمنى أن يسألها إن كانت قلقة، أو أن يقول إن العودة بعد عامين قد تكون صعبة في البداية. لكنه ارتدى الساعة، وانشغل برسالة على هاتفه.

أغلقت الحقيبة.

لم يكن عليها أن تؤجل صباحها حتى تجد منه ما تنتظره.

---

استيقظت قبل المنبّه بدقيقتين.

ارتدت ملابسها وتناولت قليلًا من الطعام. كان طلال قد غادر، والبيت هادئًا.

عند الباب، تأكدت من أغراضها: الهاتف، والمفاتيح، والدفتر، وبطاقات الأسماء.

وصلت السيارة.

خرجت.

خلال الطريق، حاولت أن ترتب ما ستقوله للأطفال، ثم تركت العبارات التي بدت رسمية أكثر مما ينبغي. ستدخل، وتعرفهم بنفسها، وتتعرف إليهم. لا يحتاج الأمر إلى خطاب.

ابتسم الحارس حين رآها.

«هذه المرة للعمل؟»

ابتسمت.

«هذه المرة للعمل.»

وضعت أغراضها في غرفة المعلمات، ثم ذهبت إلى الفصل.

كان بعض الأطفال قد وصلوا. اثنان يختلفان حول المقعد القريب من النافذة، وطفلة تحاول إدخال حقيبتها في مكان ضيق بين كرسيين.

وقفت عند الباب.

رفعوا وجوههم إليها.

شعرت بخفقة قلق، ثم قالت:

«صباح الخير. اسمي ديما، وسأكون معلمتكم.»

رفعت طفلة يدها.

«هل ستبقين معنا؟»

نظرت إليها.

«نعم.»

قالت الطفلة:

«المعلمة السابقة قالت إنها ستبقى، ثم رحلت.»

وضعت ديما حقيبتها.

«انتقلت إلى مكان آخر. سأشرح لكم إن حدث تغيير، ولن أترككم من دون أن تعرفوا.»

أومأت الطفلة، وجلست.

بدأ اليوم.

بعد دقائق، وقع قلم، ثم انسكب قليل من الماء، ثم سأل طفل سؤالًا لا علاقة له بالدرس.

ضحكت ديما.

ولم تفكر في طلال طوال الحصة الأولى.

---

عادت إلى البيت متعبة.

آلمتها قدماها، وجف حلقها من كثرة الكلام. لكنها كانت تحمل دفاتر، وملاحظات، وثلاث قصص صغيرة أرادت أن ترويها لأحد.

اتصلت بأبيها.

سألها عن الأطفال، وعن المديرة، وعن الطريق. أصغى إلى تفاصيلها، وضحك حين أخبرته أن طفلًا سألها إن كانت المعلمات ينمن داخل المدرسة.

بعد المكالمة، تناولت طعامها وارتاحت قليلًا.

ثم جلست في غرفة الجلوس لتراجع درس اليوم التالي.

عندما دخل طلال مساءً، كان دفتر التحضير مفتوحًا أمامها.

رفعت رأسها.

«مساء الخير.»

أومأ، ووضع هاتفه على الطاولة.

«كيف كان اليوم؟»

توقفت يدها فوق الصفحة.

كان السؤال بسيطًا، لكنه جاء على نحو لم تستعد له.

«جيدًا.»

ثم ابتسمت.

«متعبًا، لكنه جيد. أحد الأطفال—»

تحرك نحو المقعد، فوقعت عيناه على الصورة المثبتة داخل الغلاف.

توقف.

انقطع كلامها.

مدّ يده وحرّك الدفتر قليلًا، ليرى الصورة بوضوح.

«لماذا احتفظتِ بهذه؟»

نظرت إلى الصورة، ثم إليه.

«لأنني أحببتها.»

رفع عينيه إلى وجهها.

طال سكوته بما يكفي لتشعر أنها قالت أكثر مما ينبغي.

أضافت، بصوت أخفض:

«بدونا فيها…»

لم تكمل.

نظر طلال إلى الصورة مرة أخرى، ثم أغلق الغلاف ووضع الدفتر أمامها.

قال ببرود:

«كانت صورة للحفل، يا ديما.»

بقيت يدها قرب الدفتر.

لم يقل شيئًا آخر. أخذ هاتفه، واتجه إلى المكتب.

هذه المرة، لم يتظاهر بأنه لا يفهم.

عرفت ذلك من الطريقة التي ترك بها الجملة بينها وبين الصورة.

فتحت الغلاف ببطء.

كانت اللقطة جميلة كما كانت صباحًا. لم يتغير فيها وجهه، ولا ابتسامتها، ولا الضوء حولهما.

لكن ديما نظرت إليها الآن بعينين مختلفتين.

مرّرت إصبعها تحت طرف الشريط اللاصق، وفكّت الصورة بحذر حتى لا تتمزق. وضعتها داخل درج الطاولة، ثم عادت إلى دفترها.

على الصفحة التالية، كان هناك سطر كتبته للاستعداد للنشاط:

«ما الشيء الذي تحب أن يعرفه الآخرون عنك؟»

أخذت القلم.

وكانت تعرف، أخيرًا، ما الذي ينبغي أن يعرفه طلال عنها.

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • ما أخفاه قلبها عنه   17. مساء كاد أن يكون لهما

    لم يتكلم طلال بعد عبارتها.بقيت ديما مستلقية، وعيناها مفتوحتين في الظلام، تنتظر أن تسمع اعتراضًا أو تفسيرًا آخر.لم يأتِ شيء.سمعت حركته قرب الخزانة، ثم صوت الماء من الحمّام. حين عاد، أطفأ الضوء الأخير واستلقى في الجهة الأخرى من السرير.لم تسأله أين كان.ولم تُعد كلامها.كانت قد قالت ما تحتاج إليه: عنايتها به لم تكن قسطًا من دين أبيها.في الصباح، استيقظت على المنبّه.نهضت، وأخرجت القميص الذي جهزته له مساءً، ثم نزلت لإعداد الإفطار.كان التعب أخف قليلًا، لكنه لم يختفِ. نامت ساعات متصلة، وهذا وحده جعل حركاتها أكثر ثباتًا.حين جلس طلال، وضعت القهوة أمامه.قال:«هل نمتِ؟»رفعت عينيها إليه.«أفضل من الليلة السابقة.»أومأ.تناول بعض الطعام، ثم وضع الفنجان على طبقه الصغير.بقي صامتًا حتى انتهت من ترتيب علبة طعامها.قال:«ما قلته عن والدك…»توقفت يدها.التفتت إليه.كان ينظر إلى المائدة، لا إلى وجهها.«لم أقصد أن يكون سبب اهتمامك بي.»ظلت ساكنة.لم يكن اعتذارًا، لكنه كان أول مرة يعود فيها إلى ما قاله من دون أن يطلب منها نسيانه.قالت:«لكنه جعلني أشعر أنك تراه هكذا.»رفع نظره.«كنت غاضبًا.»أومأ

  • ما أخفاه قلبها عنه   16. الثمن الذي لم ينتهِ

    بقي طلال واقفًا في المدخل.كانت ديما عند أسفل الدرج، ويدها على الدرابزين، تنتظر جوابًا عن السؤال الذي خرج منها قبل أن تصعد.«حين كانت جود تجلس في مكتبك، هل كنت منشغلًا كما تكون معي؟»لم يجب فورًا.ألقى مفاتيحه على الطاولة، ثم التفت إليها بوجه مغلق.«ما معنى هذه المقارنة؟»خفضت يدها.«معناها أنني أريد أن أفهم.»«قلت لك إنني ساعدتها.»«ولماذا تغضب كلما سألتك عن ذلك؟»خلع سترته بحركة حادة، ووضعها فوق المقعد.«لأنك لا تتوقفين عن السؤال.»نزلت الدرجة التي كانت تقف عليها، وعادت إليه.لم ترد أن يظن أنها تلقي سؤالًا ثم تهرب، ولا أن يتركها مرة أخرى عند باب مكتبه من دون جواب.قالت:«عرفت الليلة أنها زارتك أكثر من مرة. لم أعرف منك، بل منها.»«وماذا في ذلك؟»نظرت إليه.كان السؤال صادقًا في قسوته؛ بدا أنه لا يرى ما يحتاج إلى تفسير.قالت:«هي امرأة كانت بينك وبينها علاقة. عادت منذ أيام، وصارت تزورك وتتصل بك، وأنت ترفض حتى أن تخبرني بما يحدث.»«لا يحدث شيء.»«إذن لماذا يصعب عليك الحديث عنه؟»شدّ فكه.«لأنني لا أحب أن أُحاسَب على كل دقيقة من يومي.»أبقت صوتها منخفضًا.«أنا لا أحاسبك على يومك. أريد أن

  • ما أخفاه قلبها عنه   15.

    اتصلت والدة طلال بديما قبل نهاية الدوام بقليل.كانت ديما ترتب أوراق الأطفال، فوضعت القلم وأجابت.«مساء الخير.»«مساء النور. هل ستتأخرين اليوم؟»نظرت إلى الساعة.«سأخرج بعد نصف ساعة تقريبًا.»«جيد. أريدكما على العشاء غدًا.»أومأت ديما، ثم تذكرت أن المرأة لا تراها.«سأخبر طلال.»«أخبرته بالفعل. قال إنه يستطيع الحضور.»انتظرت ديما بقية الحديث.قالت والدته:«سنكون عددًا قليلًا. خالتُه وزوجها، وجود. لم أرها منذ عودتها إلا لدقائق.»توقفت يد ديما فوق الأوراق.كان اسم جود في نهاية القائمة، عاديًا كأسماء بقية الضيوف.«جود؟»«نعم. هي تعرف الأسرة منذ الجامعة، وكان من غير اللائق أن تعود ولا ندعوها.»خفضت ديما عينيها.لم تقل إن الزيارة غير لائقة.لكنها تذكرت طلب المرأة منها ألا تسأل طلال عن جود، ثم سألت نفسها كيف أصبح الحذر من اسمها ضروريًا، بينما دعوتها إلى العشاء أمر بسيط.قالت والدته:«ديما؟»«أنا معك.»«أردت إخبارك حتى لا تُفاجئي.»«شكرًا.»انتهت المكالمة بعدما اتفقتا على الموعد.بقيت ديما تحمل الهاتف لحظة، ثم وضعته في الحقيبة.كانت أمامها دفاتر تحتاج إلى أن تُعاد للأطفال، وطفلة تنتظرها عند ال

  • ما أخفاه قلبها عنه   14. لا تتحدثي إليها هكذا

    وصل طلال إليهما، ونظر إلى حقيبة ديما.«جاهزة؟»أومأت.كانت جملة جود ما تزال في رأسها، واضحة ومؤلمة، فلم تعرف كيف ترفع عينيها إلى زوجها من دون أن تسأله عنها.ابتسمت جود.«كانت أمسية جميلة.»التفت إليها طلال، فتغيرت ملامحه قليلًا.«الحمد لله أنك استطعت الحضور.»«لم أكن لأفوتها.»رفعت يدها، ثم قالت بنبرة عتاب خفيفة:«لكن لا تختفِ هذه المرة بعد اللقاء. لا أريد أن أعود لأبحث عن أخبار الجميع وحدي.»«لن يصعب عليك الوصول إليهم.»ضحكت.«أقصد أنك ستساعدني.»لم يعترض.وقفت ديما إلى جانبه، أصابعها مشدودة على حزام حقيبتها. انتظرت أن يودع جود ويتحرك، لكنه سألها عن المكان الذي تقيم فيه، وإن كانت قد رتبت سيارة تعيدها.قالت جود:«كل شيء مرتب. لا تقلق عليّ.»ثم التفتت إلى ديما.«سعدت بمعرفتك.»أجابت ديما بأدب:«وأنا أيضًا.»تحركت نحو الباب، ولم تلتفت خلفها.لحق بها طلال بعد لحظات، وسارا إلى السيارة بصمت.أغلق طلال باب السيارة، ووضع هاتفه قربه.لم يشغّل المحرك فورًا.نظر إلى ديما، التي كانت تحاول تثبيت حزام الأمان بأصابع مرتبكة.قال:«ما حدث الليلة لن يتكرر.»توقفت يدها.رفعت عينيها إليه.«ماذا تقصد؟»«

  • ما أخفاه قلبها عنه   13. امرأة تعرف طريقها إليه

    لم تغيّر ديما الثوب الذي اختارته. أخرجته من الخزانة عند المساء، وفردته فوق السرير، ثم وقفت أمام المرآة تجمع شعرها وتعيد إسداله. بدا رفعه أكثر هدوءًا. وبدا تركه على كتفيها أجمل. كرهت أنها تقارن بين الاختيارين كما لو أن أحدهما قد يحسم شيئًا لا علاقة له بثوب أو تسريحة. رفعت شعرها في النهاية، وتركت خصلة خفيفة قرب أذنها. على المقعد إلى جانب السرير، كانت بدلة طلال جاهزة. تأكدت من القميص، ووضعت ساعته حيث يراها، ثم أغلقت علبة القرطين. دخل وهو يتحدث عبر الهاتف. أومأ إليها، وأكمل الاستماع. «سنصل قبل الثامنة.» لم تعرف لمن يقول ذلك. انتهت المكالمة، فوضع الهاتف على الخزانة وبدأ يستعد. سألته: «هل تناولت شيئًا منذ الظهر؟» «نعم.» أحضرت له الماء، ثم وقفت قرب المقعد تنتظر إن احتاج إلى شيء. التفت إليها بعد أن ارتدى سترته. نظر إلى ثوبها، ثم إلى وجهها. «جاهزة؟» «نعم.» كانت تريد أن تسأله إن كان يعرف أن جود وصلت إلى القاعة، لكنها لم تفعل. حملت حقيبتها. حين خرجا، كان هدوؤه مختلفًا عن هدوئه المعتاد. لم يتفقد ساعة يده كل بضع دقائق، ولم يراجع رسائل العمل في الطريق. انتبهت ديما إلى ذلك، ث

  • ما أخفاه قلبها عنه   12. حين يطرق الماضي الباب

    بقيت ديما تنظر إلى باب المكتب. لم تسمع جواب المرأة، ولا بقية الحديث. بعد الجملة التي وصلتها، انخفض صوت طلال، ثم عاد البيت إلى سكونه. «متى ستعودين؟» كان السؤال كافيًا ليجعل اسم جود مختلفًا عمّا كان عليه قبل ساعة. لم تعد امرأة في صورة قديمة. صارت شخصًا ينتظر طلال جوابًا منه الآن. نهضت ديما، ودخلت المطبخ. أطفأت النار، وغطّت الطعام كي لا يجف. كانت قد حفظت له وجبته، ويمكنها تسخينها حين يخرج. وقفت أمام المائدة لحظة. كان يومها جيدًا. أطفال قرؤوا، وأب حضر، ومديرة منحتها ثقتها. لم ترغب في أن يختفي كل ذلك لأن ظرفًا وصل إلى البيت. جلست، وتناولت طعامها. بعد دقائق، سمعت باب المكتب. ظهر طلال في الممر، والماء الذي تركته له في يده. نظر إليها، ثم إلى المقعد المقابل. قال: «هل انتهيتِ؟» «بدأت منذ قليل. أسخّن لك طعامك؟» أومأ. نهضت، وأحضرت الطبق. جلس، ووضع هاتفه إلى جانبه ووجهه إلى أسفل. لم تكن تلك حركة غريبة؛ يفعلها أحيانًا حين لا يريد أن يتشتت. لكنها انتبهت إليها الآن كما انتبهت إلى كل شيء منذ أن قرأ الاسم على الظرف. وضعت الطعام أمامه. «هل ما زلت تشعر بالتعب؟» «لا.» جلست. تناول

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status